سمعت أبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد رحمه الله تعالى يقول أمدح بيت قالته العرب قول النابغة الذبياني.
(ألم تَرَ أنّ اللَّهَ أعطاكَ سُورة تَرى كلَّ مَلْك دُونها يَتَذَبْذَب)
[ ١ / ١٥ ]
(بانك شمس والملوك الكواكب إذا طلعت لم يبْدُ منهنّ كوكبُ)
ثم قال
اخبرنا أبو بكر محمد بن يحي بن العباس قال حدثني أبو ذكوان قال: أدخلت إلى إبراهيم بن العباس وهو بألاهواز لخدمته فقال ما تقول في شعر النابغة ألم تر أن الله أعطاك سورة البيتين فقلت ما عندي فيه إلا الظاهر المشهور يقول فضلك على الملوك كفضل الشمس على الكواكب فقال نفهم معناه قبل هذا إنما يعتذر إلى النعمان من مدحه آل جفنه الغسانيين وتركه له ويريد أن له في مدحه لهم عذرًا ألا ترى إلى قوله:
(ولكنني كنت امرأ لى جانب وأقرب من الأرض فيه مسترادٌ ومَذْهَبُ)
(مُلُوك وإخوان إذا ما أتيتهم أحكم فى اموالهم واقرب)
(كحكمك في قوم أراك اصطفيتهم فلم تَرَهم في شُكر ذلك أذنبوا)
يقول لا تلمني على شكري وقد أحسنوا إلي إذ لجأت إليهم وإن كانوا أعداءك كما أحسنت إلى قوم فشكروك عند أعدائك فقد أحسنوا ولم يذنبوا، ثم قال اعمل على أني أذنبت فمن أين تجد من لا يذنب فقال:
(ولستُ بمُسْتَبقٍ أخًا لا تلمُّهُ على شَعَثٍ أى الرجال المهذب)
(فأن أك مظلوما فبعد ظلمته وإن يك ذا عتبي فمثلك يُعتبُ)
يقول مثلك يعفو ويحسن وإن كان عاتبًا فى كرمك ما يفعل ذلك ولك العتبي والرجوع إلى ما يجب، ثم فضله عليهم فقال:
(ألم تَرَ أنّ اللَّهَ أعطاكَ سُورة تَرى كلَّ مَلْك دُونها يَتَذَبْذَب)
(بأنك شمسٌ والملوك كواكبٌ إذا طلعت لم يبْدُ منهنّ كوكبُ)
يقول ما صلحت لي أنت فإني لا أريد غيرك من الملوك كما أن من طلعت عليه
[ ١ / ١٦ ]
الشمس لم يحتج إلى النجوم. قال أبو ذكوان وما رأيت أعلم بالشعر منه ثم قال لوأراد كاتب بليغ أن ينثر من هذه المعاني ما نظمه النابغة ما جاء به في أضعاف كلامه، وكان يفضل هذا الشعر هذا الشعر يفضل على جميع أشعار الناس. وقد سبق بعض شعراء كندة النابغة إلى هذا المعنى فقال يمدح عمرو بن هند:
(تكادُ تَمِيدُ الأرضُ بالناس إن رأوا لِعَمْرو بن هِندٍ غضبَةٌ وهو عاتب)
(هوالشمس وافت يوم سعد فأفضلت على كل ضوءٍ والملوك كواكب)
وقالت صفية الباهلية:
(أخبني على مالكٍ ريبُ الزمان ولا يُبقي الزمانُ على شئ ولا يَذَرُ)
(كنا كأنجُمِ ليلٍ بيننا قمر يجلوا الدُّجَى فهوَى من بيننا القمر)
ومن ههنا أخذ أبو تمام:
(كأن بني نبهانَ يومَ وفاته نجومُ سماء خَرّ من بينها البدرُ)
وقال نصيب في معنى النابغة:
(هو البدر والناس الكواكب حَوْلَهُ وهل يشبه البدرَ المضئَ الكواكبُ)
ومثل قول النابغة
(احكم في أموالهم وأقرب)
قول الأشجع:
(لاتعذلوني في مديحي معشرًا خَطَبوا المديح إليَّ بالأموالِ)
(يتزحزحُونَ إذا رأوني مُقْبلا عن كل مُتَّكإ من الإجلال)
وسمعت أبا أحمد يقول: أبرع بيت قيل في المديح قول النابغة:
(فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركي وإن خِلْتُ أن المنتأى عنك واسعٌ)
ثم قال أخبرني محمد بن يحي قال أخبرنا عون بن محمد الكندي أخبرنا قعنب بن محرز قال سمعت الأصمعي قال سمعت أبا عمرو يقول كان زهير يمدح السوقة ولو ضرب أسفل قدميه مائة على أن يقول مثل قول النابغة
(فإنك كالليل الذي هو مدركي)
[ ١ / ١٧ ]
ما قاله فما لا يقول مثله زهير كان غيره أبعد منه.
أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد عن السكن بن سعيد عن محمد بن عباد قال سمعت أبا عبد الله نفطويه يذكر عن الفراء قال قال الكسائي حضرت مجلسًا للخليل بن أحمد وقد جمع بينه وبين يونس بن حبيب عند العباس بن محمد في مفاتقه اللغات ومجاريها ونوادر الإعراب ومذاهب العرب ومجازها وأخبارها فكان الخليل كالسابق قرن به ذو الزوائد الحطم في حلبة المضمار إلى أن تذاكروا الأشعار والشعراء فأكثر يونس من ذكر زهير وتقديمه وذكر الخليل النابغة وقدمه وعظم أمره فقال العباس للخليل بم تذكر النابغة قال كان النابغة أعذب على أفواه الملوك وأبسط قوافي شعر كأن الشعر ثمرات تدانين من خلده فهو يجتنيهن اختيارًا، له سهولة السبك وبراعة اللسان ونقاية الفطن لا يتوعر عليه الكلام لعذوبة مخرجه وسهولة مطلبه.
أخبرنا شيخ لباهلة يكنى أبا جحار أن النابغة وفد على النعمان معتذرًا من تلك البلاغات ومعه اعتذاره الذي يقول فيه:
(فإنك كالليل الذي هو مدركي)
فقال النعمان أقبل منك عذرك وأصفح لقدرك عنك ثم أمر فخلع عليه خلع الرضا وكن حبرات خضرا مطرفة بالدر في قضب الذهب وانصرف إلى منزله. قال الباهلي وإن النابغة جاء يومًا مستأذنًا معتذرًا فقال له الحاجب الملك على شرابه قال فهو وقت الملق والشعر تقبله الأفئدة عند السكر فإن يبلج لي فلق المجد عن غرر مواهبه فأنت قسيم ما أفدت. فقال الحاجب والله ما تفي عنايتي بك بدوت شكرك لي فكيف أرغب فيما تصف ودون ما ترغب رهبة التعدي فهل من سبب يمكن الاستئذان. فقال النابغة فعلت ما يجب عليك في الأدب وقضاؤها معقود
[ ١ / ١٨ ]
بشكرك فمن عنده؟ قال خالد بن جعفر الكلابي فقال أين أنت عنه بما أقول لك قال قل قال تقول له خاليًا إن زيادًا يقول إن قدرك فوق الغمام ووفاءك وفاء الكرام وقال الفراء تقول له خاليًا إن زيادًا يقول إن من قدرك نيل الدرك بك وزكاة الجاه رفد المستعين، وناحيتي من الشكر ما علمت وحاجتي ملاطة الأسباب حتى يحرك ذكرًا يمكن بمثله الاستئذان وقال الفراء يجري ذكرًا فلما صار خالد إلى بعض ما يبعث موارد الشراب نهض فاعترضه الحاجب فقال ليهنك أبا البسام حادث النعم قال خالد هنأك عيشك كل ما نحن فيه تجديد للتفضيل وإتمام للشرف وكل ذلك ببقاء الملك وحسن مواده فما ذاك فأخبره بما قال النابغة فقال آذنه بالطاعة وانتظار المراجعة وكان خالد رفيقًا يتأنى الأمور والأسباب لطفًا وحسن بصيرة في الارتياد فدخل متبسمًا وهو يقول:
(ألا لمثلكَ أو مَن أنتَ سابقهُ سبقَ الجواد إذا استولىَ على الامَد)
ثم قال واللات والعزى لكأني أنظر إلى أملاك ذي رعين وذى فايش وقد مدت لهم قصبات المجد إلى معالي الأحساب ومناكب الأنساب في حلية أنت أبيت اللعن غرتها فجئت سابقًا متمهلًا وجاؤا لم يتم لهم سعي، وجاء زياد فقال النعمان والله لأنت في وصفك أبلغ احسانا من إحسان النابغة فينافي نظم قوافيه، فقال خالد أيها الملك واللات ما أبلغ فيك حسنًا إلا غمره قدرك استحقاقًا للشرف الباهر ولو كان النابغة حاضرًا لقال وقلنا، فقال النعمان النابغة يا غلام فخرج الحاجب فقال النابغة ما وراءك قال رفع الحجاب وأذن في السيادة والافضال فدخل فانتصب بين يدي النعمان وحياه بتحية ثم الملك ثم قال أيفاخرك أبيت اللعن ابن جفنة وأنت سائس العرب وغرة الحسب واللات لأمسك أبهى من يومه ولقذالك.
[ ١ / ١٩ ]
أحسن من وجهه وليسارك أسمح من يمينه ولعبدك أكثر من قومه ولنفسك أكبر من جده وليومك أشرف من دهره ولوعدك أنجز من رفده ولهزلك أصوب من جده ولفترك أبسط من شبره ولأمك خير من أبيه، ثم أنشأ:
(أخلاقُ مَجدك جَلَّتْ مالها حصر في البأس والجودِ بَينَ البدْوِ والحضَرِ)
(مُتَوَّجٌ بالمعالي فوقَ مَفْرَقِهِ وفي الوغى ضَيغمٌ في صُورَة القَمر)
قال فتهلل وجه النعمان بالسرور وأمر فحشى فمه درًا، وقال لمثل هذا ترتاح القلوب وبمثله تمدح الملوك، ثم قال الخليل أفيحسن زهير أن يقول مثل هذا؟ فقال يونس للعباس إني لأعجب مما حدث عن قصة النابغة وشعره قوله:
(وفي الوغى ضغيم في صورة القمر )
أجود شئ قيل في الحسن مع الشجاعة من شعر المتقدمين ومن شعر المحدثين قول أبي العتاهية يمدح الرشيد وولده:
(بَنُو المصطفى هارون حول سريره فخير قيامٍ حَوله وقُعُود)
(يُقلب ألحاظَ المهَابة بَينهم عُيونُ ظِباء في قلوب أسُود)
وأخذه مسلم بن الوليد فقال
(كأن في سرجه بدرًا وضرغاما )
وقلت:
(فتى على نفسه من نفسه رَصدٌ يصّده ان نطق الشين والذاما)
(مازال يَغنَم مالًا ثم يغرمُه مازال للمال غَنّاما وغَراما)
(أغر أروع يحكي الغيثَ مكْرمُه والنجمَ مَنزلة والطودَ أحلاما)
(تجله حين يبدو أن تقول له كأن في سَرجه بدرًا وضِرغاما)
وقد تداول الناس معنى قوله
(فأنك كالليل الذي هو مدركي )
[ ١ / ٢٠ ]
فقال الفرزدق:
(ولو حملتني الريحُ ثم طلبتني لكنت كحى أدركته مغادره)
وهو دون قول النابغة لأن الليل أعم من الريح والريح أيضًا أيضًا يمتنع منه بأشياء، والليل لا يمتنع منه بشئ. وأخذ الأخطل قول الفرزدق فقال:
(فأنتَ كالدهر مبثوثا حبائله والدهرُ لا ملجأ منه ولا هَرَب)
(ولو ملكتُ عنانَ الريح أصرفُه في كل ناحية ما فاتكَ الطلبُ)
وأخذ مسلم البيت الأول من الأخطل فقال:
(وإنّ أميرَ المؤمنينَ وفعلَه لكالدهر لاعار بما فَعل الدهرُ)
وهو أيضًا مأخوذ من قول النابغة، وأخذه أبو تمام فقال:
(خشَعوا لصولتك التي هي عندهم كالموتِ يأتي ليس فيه عار)
(فالقول همسٌ والنَداء إشارةٌ خَوفَ انتقامِك والحديثُ سرارُ)
وأخذه علي بن جبلة فقال:
(وما لامرئ حاولته منك مهرَبٌ ولو رَفَعته في السماء المطالعُ)
(يلي هارب لا يهتدي لمكانه ظلامٌ ولا ضَوْء من الصبحِ لامِعُ)
وقال البحتري:
[ ١ / ٢١ ]
(ولو أنهم ركُبوا الكواكبَ لم يَكُن لِمُجِدِّهِمْ من خَوف بأسكَ مهرَب)
وقلت في قريب منه:
(ويدنو له المطلوبُ حتى كأنما يواكب ضوء الصبح في كل مطلَبِ)
وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول أبي الطمحان:
(أضاءَتْ لهم أحسابُهم وَوجُوهُهم دُجَى الليل حتى نظمَ الجزعَ ثاقبة)
(نجومُ سماء كلما انقضَّ كوكبٌ بدا كوكب تأوي إليه كواكبه)
(وما زال منهم حيث كان مسودٌ تسيرُ المنايا حيثُ سارتْ كتائبه)
ومثله قول الحطيئة:
(نمشي على قول أحسابٍ أضأت لنا كما أضاءت نجوم الليل للساري)
ومثله قول الآخر:
(وجُوهٌ لَوَ أنّ المُدْلجين اعْتشوا بها صد عن الدُّجَى حتى يُرى الليلُ ينجلي)
وقال بعض الأعراب في رجل: ما دفعته في سواد إلا محاه ولا قابلت به ملمًا إلا كفاه. ومثل قوله صد عن الدجى قول بعض المحدثين:
(ومِصباحُنا قَمرٌ زَاهِرٌ كقوسِ لُجَينٍ يَشقُّ الدُّجَى)
وقلت:
(وانْشقَّ ثوبُ الظَلامِ عن قمر يَضْحكُ في أوجه الدُّجُناتِ)
[ ١ / ٢٢ ]
(كأنما النجم حين قابله قبيعة في نصاب مرآة)
وقلت:
(بليل كما ترفو الغزالةُ أسودٍ على أنه مِنْ نُورِ وَجْهكَ أبيضُ)
(كواكبه زهر وصُفْر كأنها قبائع منها مُذَهبٌ ومُفَضضُ)
وقلت:
(وذي غنجٍ يأوي إلى فرعه الدُّجى ولكنها عن وَجْههِ تتفرج)
(ففيه ظَلامٌ بالصباح مُقنعٌ وفيه ظَلامٌ بالصباحِ مُتوَّجُ)
وقول أبي الطمحان مولى ابن أبي السمط:
(فتى لا يُبالي المدْلجونَ بنوره إلى بابه ألَّا تضئ الكواكبُ)
(له حاجبٌ عن كل أمر يَشينهُ وليس له عن طالبِ العُرفِ حاجب)
وقول الآخر:
(من البيض الوُجوه بني سنانٍ لَو أنكَ تستضئ بهم أضاؤا)
وقول الآخر:
(غلامٌ رماه الله بالحسن يافعا له سيماء لا تشقُّ على البصرِ)
(كأن الثريا عُلقت في جبينه وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر)
(ولما رأى المجد استعيرت ثيابه تردَّى بثوب واسع الذَّيل واتزر)
(إذا قيلت العوْراءُ غض كأنه ذليلٌ بلا ذُّلٍّ ولو شاء لانتصر)
وقول الآخر:
(اخترْ فِناءَ بني عَمْرو فإنهمُ أولُو فضولٍ وأقدار وأخطارِ)
(إن يُسألوا الخير يُعطَوهُ وإن جهدوا فالجهد يخرج منهم طيبَ أخبار)
(وإن تودَّدتهم لانوا وإن شتموا كَشَفْتَ أذمارَ سرٍّ غير أسرار)
(هْينون ليْنون أيسارٌ ذوو يُسرِ أربابُ مَكرُمة أبناء إيسارِ)
(من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيدَهم مثلَ النجوم التي يُهدَى بها الساري)
[ ١ / ٢٣ ]
وهذا عندي أمدح شئ قيل في وصف جماعة. وأنشدنا أبو أحمد لعيسى بن أوس في الجنيد بن عبد الرحمن:
(الى مستنير الوجه طال بسؤدد تقاصرَ عنه الشاهِقُ المتطاوِلُ)
(مَدَحْتكَ بالحق الذي أنتَ أهله ومن مِدَحِ الأقوامِ حقٌ وباطلُ)
(يعيش الندى مادمت حيًا فإن تَمُتْ فليس لحيٍّ بعد موتك طائل)
(وما لامرىء عندي مُخِيلَة نِعمة سِواكَ وقد جادَت عليَّ مخايلُ)
وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول الأعشى:
(فتىً لو ينادي الشمسَ ألقت قِناعَها أو القمرَ الساري لألقى المقالِدا)
وهذا وقول أبي الطمحان من الغلو، والغلو عند بعضهم مذموم وليس كذلك ولو كان مذمومًا لما جعلوا هذين البيتين من أمدح ما قالت العرب وهما من الغلو على ما هما عليه، ومثل هذا الغلو قول طريح بن إسماعيل:
(أنتَ ابنُ مُسلنْطح البطاحِ ولم يضرب عليك الحنيّ والولج)
(لو قلت للسيل دع طريقك والموج عليه كالهضب يعتلج)
(لارتدَّ أوساخ أو لكانَ له في جانبِ الأرضِ عنك مُنعَرج)
وهذا من أعلى الغلو لأن السيل لا ترد وجهته هيبة ولا مخافة، والعرب تقول أجرأ من السيل فيهمز ولا يهمز والهمز من الجراءة وترك الهمز من الجري، ويقال في المثل لا أفعل كذا حتى يرد وجه السيل، وليس هذا الشعر بمختار الرصف واللفظ وإنما جئت به لمكان غلوه، ومن الغلو المشهور المستفيض الذي قبله الناس واستحسنوه ورووه بكل لسان قول أبي تمام في المعتصم:
(بيمن أبي أسحق طالتْ يدُ العلَا وقَامتْ قَناةُ الدِّينِ واشتدَّ كاهله)
[ ١ / ٢٤ ]
(هوَ البحرُ مِن أيِّ النواحِي أتَيته فَلُجَّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحِلُهْ)
(تعوَّدَ بَسطَ الكفِّ حتى لو أنه أرادَ انقباضًا لم تُطِعْهُ أنامِله)
(ولو لم يكنْ في كفهِ غيرُ نفسه لجادَ بها فليتق الله سائِله)
وقلت في قريب منه:
(وكيف يبيتُ الجارُ منك على صدى وكفُّكَ بَحرٌ لُجةُ البحرِ ساحلهْ)
أخبرنا أبو أحمد قال سمعت أبا بكر يعني ابن دريد يحكى عن أبي حاتم قال قال الأصمعي سمعت أعرابيًا يقول: انكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول كأنه الأسد ويصف المرأة بالحسن فيقول كأنها الشمس، لم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه ثم قال لانشدك شعرًا يكون لك إماما ثم أنشدني:
(إذا سألت الورى عن كل مَكرمةٍ لم تلفِ نسبتَها إلّا إلى الهَوْل)
(فتىً جَوادًا أعاد النيل نائله فالنِّيلُ يشكرُ منه كثرة النيل)
وليس هذا الشعر مختارًا عندي:
(والموتُ يرهبُ أن يَلقَى مَنيتهُ في شِدَّةٍ عند لفِّ الخَيل بالخيلِ)
(لو عارض الشمسَ أبقى الشمسَ مُظلمةً أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل)
(أو بارز الليلَ غطَّته قوادِمُه دونَ القَوافي كمثل الليلِ بالليلِ)
(أمضَى من النَّجمِ إن نابتهُ نائبةٌ وعندَ أعدائِه أجرى من السيل)
ومن الجيد في هذا المعنى قول الآخر:
(عَلَّم الغيثَ الندَى حتى إذا ما حكاه عَلمَ البأسَ الأسدْ)
(فلهُ الغيث مُقِرُ بالندى وله الليث بمقر بالجلَد)
وقد أنكر عبد الملك ما أنكره الأعرابي من تشبيه الممدوح بالأسد والصخر والبحر
فأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر أخبرنا عبد الأول بن مزيد أحد بني أنف الناقة عن ابن عائشة عن أبيه قال قال عبد الملك يومًا وقد اجتمع
[ ١ / ٢٥ ]
الشعراء عنده: تشبهوننا بالأسد والأسد أنجر وبالبحر والبحر أجاج والجبل والجبل أوعر ألا قلتم كما قال أيمن بن خزيم بن فاتك في بني هاشم:
(نَهاركمُ مكابدةٌ وصومٌ وليلكُمُ صلاةٌ واقتراءُ)
(أأجعلكم وأقوامًا سواءً وبينكمُ وبينهمُ الهواء)
(وهم أرض لأرجلكم وأنتم لأعينهم وأرؤسهم سماء)
وهذا من قول أمية بن أبي الصلت وهو أول من أتى به قوله في عبد الله ابن جدعان:
(أأذكرُ حاجتي أمْ قد كفاني حياؤكَ أن شيمتكَ الحياءُ)
(كريم لا يُغيره صباحٌ عن الخُلقِ الكرِيم ولا المساءُ)
(وأرضُك أرضُ مكرمةٍ بنتها بَنو تَيم وأنتَ لهم سماء)
ونحوه قوله:
(لكلِّ قبيلةٍ شرفٌ وعزٌّ وأنت الرأسُ يقدمُ كلَّ هادي)
وتصرف فيه المحدثون فقال ابن الرومي:
(قومٌ يَحُلونَ من مَجد ومن شرف ومن غناء محل البيضن واليلب)
(حلوا محلها من كل جمجمةٍ نفعًا ورفعًا وإطلالًا على الرتب)
[ ١ / ٢٦ ]
(قومُ همُ الرأس إذ حسادهم ذنب ومن يمثِّلُ بينَ الرأس والذَّنب)
ومنه قول الحطيئة:
(قوم همُ الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ومن يسوّي بأنفِ الناقةِ الذَّنبا)
وقال غيره:
(الناسُ أرضُ بكل أرضٍ وأنتَ من فوقهم سماءُ)
وقلت:
(أبشر فإنك رأسٌ والعلا جسدٌ والمجدُ وجهٌ وأنتَ السمع والبصر)
(لولاك لم يك للأيامِ منقبةٌ تسمو إليها ولا للدِّهر مفتخرُ)
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر بإسناد ذكره عن الهيثم بن عدي قال دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين قد امتدحتك فاستمع مني فقال إن كنت شبهتني بالصقر والأسد فلا حاجة لي بمدحك وإن كنت قلت كما قالت أخت بني الشريد لأخيها صخر فهات فقال الأخطل وما قالت يا أمير المؤمنين قال هي التي تقول:
(فما بلغتْ كف امرئ متناولٍ بها المجدَ إلاّ حيثُ ما نلتَ لطول)
(ولا بلغَ المهدونَ في القولِ مِدحةً ولو أطنبوا إلاّ الذي فِيكَ أفضلُ)
فقال الأخطل والله لقد أحسنت القول ولقد قلت فيك بيتين ما هما بدون قولها قال هات فأنشد:
(إذا متَّ مات العرفُ وانقطعَ النَّدى من الناسِ إلا في قليلٍ مُصرَّدِ)
(وردَّتْ أكفُّ السائلينَ وأمسكوا من الدين والدنيا بخِّلف محرد)
وليس يحسن عندي أن يقال للممدوح إذا مت فإن استماع ذلك مكروه وإن كانت الشعراء قد استعملته في كثير من مقاماتها أنشدنا أبو أحمد عن ابن دريد:
(إذا مُتَّ لم توصلْ بعرفٍ قرابةٌ ولم يبقى في الدنيا رجاءٌ لنائل)
وهو من قول النابغة:
(فإن يهلك أبو قابوسَ يهلكْ ربيع الناس والشهر الحرم)
[ ١ / ٢٧ ]
(ويمسك بعدُه بذناب عيشٍ أجبّ الظهرِ ليس له سنامُ)
وهذا أجود من الأول لأنه لم يخاطب به الممدوح ولو قيل لولا لكان لقيل كذا وكذا لكان كما قال علي بن جبلة:
(لولا أبو دلف لم تحتى عارفة ولم ينؤنؤ مأمول بأماله)
(يا ابن الأكارم من عدنان قد علموا وتالدُ المجدِ بين العمِّ والخال)
(وناقلُ الناس من عُدم إلى جدةٍ وصارفُ الدهرِ من حالٍ إلى حال)
(أنتَ الذي تنزلُ الأيامَ منزلها وتمسك الأرضَ عن خسفٍ وزلزال)
(وما مددتَ مدى طرفٍ إلى أحد إلا قضيتَ بآجالٍ وآمالِ)
(تزور سخطا فتمسى البيضُ راضية وتستهلُّ فتبكي أوجهُ المالِ)
وأخبرنا أبو أحمد في كتاب الورقة عن ابن داود قال قال أبو هفان اجتمع الشعراء بباب المعتصم فقعد لهم محمد بن عبد الملك الزيات فقال إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم من كان يحسن أن يقول مثل قول النمري في الرشيد:
(خليفةُ الله إن الجود أودية أحللك الله منها حيثُ تجتمعُ)
(إن أخلف القَطرُ لم تُخلفْ مخايله أو ضاقَ أمرٌ ذكرناه فَيتَّسِع)
فقال ابن وهب فينا من يقول مثله:
(ثَلاثةٌ تشرقُ الدُّنيا بِبَهجِتها شَمسُ الضحَى وأبو أسحق والقمرُ)
(تحكِي أفاعيلهُ في كلِّ نائبةٍ الغيث والليث والصَّمصامَة الذكر)
قال فأجازه وفضل ابن وهب. ولبعض الشعراء في المهلب:
(أمْسَى العراقُ سليبا لاأنيس لهُ إلّا المهلَّبُ بَعدَ الله والمطرُ)
[ ١ / ٢٨ ]
(هذا يَجودُ ويَحمِي عن ذِمارِهم وذا تعيشُ به الأنْعامُ والشجرُ)
ومنه أخذ ابن وهب. وقلت في معناه:
(لمَ تَزلْ للورَى ثلاثُ شُموسٍ وَجهُكَ المستضيءُ والقَمرَانِ)
وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول زهير:
(َتراه إذا ما جِئتَهُ مُتهلِّلا كأنك تُعطِيهِ الذِي أنتَ سائِلُهْ)
وعاب بعضهم هذا البيت فقال جعل الممدوح فرحًا بعرض يناله وليس هذا شأن الكبير الهمة، والجيد قول أبي نوفل عمرو بن محمد الثقفي:
(ولان فرحت بما ينيلك إنه لبما ينيلك من نداه أفرح)
(مازال يعطى ناطقا أوسا كتا حتى ظننتُ أبا عقيل يَمزَحُ)
فجعله يفرح بما ينيل. ومثله قول أبي تمام:
(أسائلَ نصر لاتسله فإنهُ أحنُّ إلى الإرفادِ منكَ إلى الرِّفْدِ)
وقال بعض الأعراب: ما زال فلان يعطيني حتى حسبت أنه يودعني، ونحو ذلك أن الحجاج قال لإياس بن معاوية أي الناس أحب إليك؟ قال من أعطاني قال ثم من؟ قال من أعطيته. وقال أبو السمح الطائي فى خلاف ماقال زهير:
(فتى لايرى سوقَ المهورِ غرابةً ولا غالياتِ المالِ حَليًا على نحر)
(فتى كان مكراما لنفسه كريمة مهينا لدنيا غيرِ مأمونةِ الغدْرِ)
وعندي أن بيت زهير أجود ما قيل من الشعر القديم، وممن أبدع في ذلك البحتري في قوله:
(سلامٌ وإن كانَ السلامُ تحيّةً فَوجْهُكَ دُونَ الرَّدِ يكفي المُسلِّما)
ومن الجيد في ذلك قول ابن الرومي:
[ ١ / ٢٩ ]
(كأنَّما القطرُ مِنْ ندى يَدهِ والبرْقُ مِنْ بِشرهِ ومِنْ ضَحكهْ)
وقول أبي الأسد:
(وَلائمةٍ لّامتك يا فَيْضُ في الندَى فَقلتُ لها لن يَقدَحَ اللومُ في البحرِ)
(أرادتْ لتثني القبض عن عَادة الندَى وَمن ذا الذي يثني السحابَ عن القطرِ)
(إذا ما أتاهُ السائِلونَ تَوَّقدَتْ عَليهِ مَصابيحُ الطلاقَةِ والبشرِ)
(له في بني الحاجات أيد كأنَّها مواقِعُ ماءِ المزْنِ في البلدِ القفرِ)
وقريب منه قول أبي تمام:
(عَهِدي بِهمْ تَستنيرُ الأرضُ إن نزلوا فيها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا)
(ويَضحكُ الدَّهرُ منهم عن غَطارفةٍ كأنَّ أيامهمْ من أنسها جُمعُ)
وقلت:
(إذا عبس الزمان فمل إليه تجده البشر في وجه الزمانِ)
وقلت:
(كأنك في خدِّ الزمان تورد وفي فمه ضحكٌ وفي وجهه بشرُ)
(فمنْ يكُ ممدوحًا بنظم يصوغهُ فإنك ممدوحٌ بك النظمُ والنثرُ)
وقال البحتري:
(وتَواضُعٌ لولا التكرُّمُ عاقةُ عنه علوٌّ لم يَنلهُ الفرقدُ)
(وفُتوةٌ جمعَ التقى أطرافَها وندى أحاط بجانبيه السؤدد)
(وشبيبةٌ فيها النُّهى فإذا بدتْ لذوي التوسمِ فهي شيبٌ أسودُ)
(طلقُ اليدين إذا تفرقَ ماله جمع العلا فيما يفيد وينفد)
(جذلان يطرب للسؤال كأنما غناه مالك طئ أو معبدُ)
وقال ابن الرومي:
[ ١ / ٣٠ ]
(أغرُّ أبلجُ يكسو نفسَه حُللِّا من المحامِد لا تبلَى على الحقبِ)
(تلقاه من نهضه للمجد في صمد ومن تواضعه للحق فيصبب)
(كأنه وهو مشول وممتدح غناه أسحق والأوتارُ في صَخَبِ)
(يهتزُّ عطفاه عند الحمدِ يسمعهُ من هزةِ المجدِ لا من هزةِ الطربِ)
وهذا المصراع من قول أبي تمام:
(موكل بيقاع الأرض يشرفه من خفةِ الخوفِ لا من خِفةِ الطربِ)
وقلت:
(وقد يؤنسُ الزوارِ منك إذا التقوا سخاء عليه للطَّلاقة شاهدُ)
وقلت: زهير قول بعضهم كأنك بالمِنْقاش تَنتفُ شارِبَهْ)
وقد أحسن جحظة في هذا المعنى أنشدناه أبو أحمد عنه "
(قومٌ أحاول نيلهم فكأني حاولتُ نتفَ الشَّعر من آنافِهِمْ)
(قُم فاسقنيها بالكبيرِ وغنّني ذَهبّ الذينَ يُعاشُ في أكنافهمْ)
وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول جرير:
(ألَسْتم خيرَ مَن ركبَ المطايا وأندىَ العالمينَ بطونَ راحِ)
وليس هذا الاستفهام للشك وفي القرآن الشريف ﴿أليس الله بعزيز ذي انتقام﴾ ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ ﴿أليس الله بكآفٍ عبده﴾ وسئل بعض العرب عن أشعر الناس فقال جرير وذلك أن بيوت الشعر أربعة المديح والهجاء والافتخار والغزل وفي كلها سبق جرير: قال: في المديح:
(ألَسْتم خيرَ مَن رَكبَ المطايا وأندَى العالمينَ بُطون راحِ)
[ ١ / ٣١ ]
وقال في الهجاء:
(فَغُضَّ الطرفَ إنك من نُمير فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا)
وقال في الافتخار:
(إذا غَضَبت عَليكَ بَنو تَميم حَسبتَ الناسَ كلهمُ غِضابا)
وقال في الغزل:
(إنَّ العيونَ التي في طَرفها حَوَرٌ قَتلْننا ثمَّ لم يُحيينَ قتلانَا)
(يَصر عن ذا اللبَّ حتى لا حراكَ به وهنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا)
وقال التنوخي في هذا المعنى:
(فكلّما ازدادت قوَى أجْفانِها ضَعْفًا تقوينَ على ضَعف القوى)
وأمثال هذا كثيرة نوردها فيما بعد، ونقض بعضهم قوله:
(إذا غضبت عليك بنو تميم)
فقال
(لقد غَضبت عليك بنو تميم فما نكأتْ بغضبتها ذُبابا)
وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول حسان:
(يغشون حتى ملتهر كلابُهم لا يسألونَ عن السَّواد المقبلِ)
يقول قد أنست كلابهم بالزوار فهي لا تنبحهم وهم من شجاعتهم لا يسألون
[ ١ / ٣٢ ]
عن جيش يقبل نحوهم لقلة أكتراثهم يهم ولثقتهم ببسالة أنفسهم وشدتهم على أعدائهم. ومثله ما أنشد أبو تمام:
(إذا استنجدوا لم يَسألوا من دعاهُم لأيَّةِ حَرْبٍ أو لأيِّ مكانِ)
وقال ابن هرمة في أثر الكلب بالضيف:
(ومُستَنبح تَستكشطُ الريحُ ثَوْبه ليسقطَ عنه وهو بالثوب معصمُ)
(عوىَ في سوادِ الليلِ بعد اعتسافه لينبح كلب أو ليفزع نُومُ)
(فجاوبه مستسمع الصوت للقرَى له عند أقيان المهبين مطعمُ)
(يكادُ إذا ما أبصرَ الضيفَ مُقبلا يكلمهُ من حُبه وهو أعجمُ)
وقال عمران بن عصام، ويروى لنصيب:
(لعبد العزيز على قَوْمِه وغيرهم مننٌ غامرهْ)
(فبابُك ألينُ أبوابِهم ودارُك مأهولةٌ عامره)
(وكلبُك آنسُ بالمعتفينَ من الأمِّ بابنتِها الزائره)
(وكفُّكَ حينَ ترى السائلين أندَى من الليلة الماطرة)
(فمنكَ العَطاء ومنا الثناء لكل مُخبرة سائره)
وقال الحطيئة في خلاف ذلك:
(مَلوا قِراه وهرَّتْه كلابُهم وضرَّسُوه بأنيابٍ وأضراسٍ)
(وقال بشارٍ في قريب من المعنى الأول:
(سقى اللَّهُ القبابَ وتَل عيدي وبالشّرفينِ أيامَ القبابِ)
(وأيام لنا قَصَرت وطالتْ على فرعان نائمة الكلاب)
وقال آخر:
(وما يكُ فيَّ من عيب فإني جبانُ الكلبِ مهزولُ الفصيل)
معناه أن الكلب يضرب إذا نبح الضيف فهو جبان ويؤثر الضيف باللبن والفصيل
[ ١ / ٣٣ ]
مهزول. وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول النابغة الجعدي:
(فتى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقَه
(على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا)
(وهذا غاية المدح لأن الرجل إذا قدر على النفع والضر فقد كمل، ولهذا قيل في البرامكة:
(عندَ الملوكِ مضرةٌ ومنافع وأرى البرامكَ لا تضرُ وتنفعُ)
لا يعرف أهجاهم أم مدحهم لأنه إذا نفى عنهم أن يضروا وافقد قصرهم، وقد قيل:
(إذا أنت لم تنفع فضر فإنما يُراد الفتى كما يضرُّ وينفعُ)
وقد تداول الناس معنى النابغة فقال بعضهم وهو من أحسن ما يروى عنه:
(متى تهزز بني قطن تجدهم سيوفًا في عواتقهم سيوفُ)
(جلوسٌ في مجالسهم رزانٌ وإن ضيفٌ ألمَّ فهم وقوفُ)
(إذا نزلوا حسبتهم بدورًا وإن ركبوا فإنهمُ حتوفُ)
وقال آخر:
(فذللَ أعناق الصعاب ببأسه وأعناق طلاب الندىَ بالفواضلِ)
(فما انقبضت كفاهُ إلَّا بصارم ولا انبسطت كفاه إلَّا بنائلِ)
وقال محمد بن بشر الأزدي:
(فتًى وقفَ الأيامَ بالعتب والرضا على بذلِ مال أو على حدَ منصلِ)
(وما إن له من نظرةٍ ليس تحتها غمامةُ غيث أو ضبابةُ قسطل)
وقال آخر:
(فتًى دهرُه شطرانِ فيما ينوبه ففي بأسه شطرٌ وفي جوده شطرُ)
(فلا من بغاة الخير في عينه قذى ولا من زئير الأسد في أذنه وقرُ)
وقد أحسن البحتري في هذا المعنى وهو قوله:
(هو العارضُ الثجاجُ أخضلّ جودهُ وطارتْ حواشي برقِه فتلّهبا)
(إذا ما تلظّى في وغىً أصعقَ العِدى وإن فاض في أُكرومَةٍ غمر الرُّبا)
(رزينٌ إذا ما القومُ خفت حلومُهم وَقُورٌ إذا ما حادِثُ الدهرِ أجْلبا)
[ ١ / ٣٤ ]
(حياتُك أن يلقاك بالجود راضيًا وموتُك أن يلقاكَ بالبأسِ مُغضَبَا)
(حرونٌ إذا عاززتَه في ملمَّة فإن جئتَه من جانب ِالذَّلِّ أصحبا)
(إذا همَّ لم يقعدْ به العجزُ مَقعدًا وإنْ كفّ لم يذهبْ به الحزنُ مَذهبا)
وقال الأسدي في نفي الخبر والشر عن المذكور وهو من أشد الهجاء وأدله على الخمول:
(فحسبكَ في القوم أن يعلموا بأنك فيهم غنيّ مضرُ)
(وأنت مليح كلحم الحوار فلا أنتَ حلوٌ ولا أنت مر)
وقال غيره:
(شيخ من بني الجارود لا خيرٌ ولا شر)
وقال آخر:
(ولقد نزلت على زياد مرت فظننته شيخاُ يضرُّ وينفعُ)
(فإذا زيادٌ في الديارِ كأنهُ مشطٌ يقلبهُ خصيُّ أصلعُ)
وقد أحسن البحتري في المعنى الأول وهو قوله:
(هو الملكُ الموهوب للبأس والتقى فالله تقواهُ وللمجدِ سائُره)
(له البأسُ يُخشى والسماحةُ تُرتجى فلا الغيثُ ثانية ولا الليثُ عاثره)
كأنه من قول منصور وهو من المعنى الذي نحن فيه:
(هو الملكُ المملوكُ للمجد والتقى وصولتهُ لا يستطاعُ خطارُها)
(لقد نشأت ْللشامِ منك سحابةٌ يؤملُ جدواها ويُخشى ذمارها)
(فطوبى لأهل الشامِ أم ويل أمها أتاها حياها أم أتاها بوارها)
(فإن سلموا كانت غمامة نعمةٍ وخيرٍ وإلّا فالدماءُ قطارها)
(أبوكَ أبو الأملاك يحيى بن خالدٍ أخو الجود والنعمى اللباب صغارها)
(وكائن ترى في البرمكيين من به ومن سابقات لا يشق غبارها)
[ ١ / ٣٥ ]
(طبيبٌ بأخبار الأمور إذا التوت من الدهر أعناقُ فأنت قصارها)
وبعد بيت النابغة الجعدي قوله:
(فتى كملتْ أخلاقهُ غير أنه جوادٌ فما يبقي من المالِ باقيا)
(أشم طوال الساعدين شمردلٌ إذا لم يرح للمجد أصبحَ غاديا)
أخبرنا أبو أحمد أخبرنا محمد بن علي الأجري ببغداد حدثنا أبو العيناء قال قال الأصمعي أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدي حتى انتهيت إلى قوله:
(أشم طوال الساعدين شمردلٌ إذا لم يرحُ للمجد أصبح غاديا)
فقال الرشيد ويله ولم لم يروحه للمجد ألا قال:
(إذا راح للمعروف اصبح غاديا )
فقلت وأنت والله يا أمير المؤمنين أعلم منه بالشعر، وكان الرشيد جيد المعرفة ثاقب الفطنة، قال لأبي نواس لم وثب بك أهل مصر قال لقولي:
(فإن يكُ باقي إفك فرعونَ فيكمُ فإن عصا موسى بكفِّ خصيبِ)
قال فوثبوا بي وأرادوا قتلي وقالوا جعلت معجزة موسى لخصيب فقال له الرشيد ألا قلت:
(فإن كان باقي إفك فرعونَ فيكمُ فباقي عصا موسى بكفِّ خصيبِ)
فيكون شعرك أحسن ويكون سالمًا من التبعة فقال والله يا أمير المؤمنين إنك لأشعر مني وإني لم أفطن لذلك، وأنشده العماني الراجز في صفة الفرس:
(كأنَّ أذنيه إذا تشوّفا قادمةً أو قلمًا محرّفا)
فقال له الرشيد دع (كأن) وقل (تخال) حتى يستوي شعرك، وكان قد لحن العماني
[ ١ / ٣٦ ]
ولم يعرف ولم يفطن له أهل المجلس حتى قال له الرشيد ذلك فتعجبوا من علمه وفطنته. وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول حسان:
(بِيض الوجوه كريمةُ أحسابهم شم الأنوفِ من الطراز الأولِ)
(يغشونَ حتى ما تهرُّ كلابُهم لا يَسألون عن السوادِ المقبل)
وقبله:
(لله در عصابة نادمتهم يومًا بجلقَ في الزمانِ الأولِ)
(أولاد جفنةَ حولَ قبر أبيهم قبر ابن ماريةَ الكرِيم المفضل)
ثم قال:
(فلبثتُ أزمانًا طوالًا فيهم ثم ادكرت كأنني لم أفعل)
(وفتىً يحب المجدَ يجعل ماله من دون والده وإن لم يسأل)
قوله (بيض الوجوه) معناه مشهورون ببهاء ولم يعن بهم البياض وقد تضمن هذا اللفظ معنى البأس والجود وغيرهما من خلال الخير لأن الإنسان لا يكون نبيهًا مشهورًا حتى يقال عنه أبيض الوجه وأغر ووضاح إلا إذا جمعها وما يجري معها قال الراجز
(فهن يحملن فتى وضاحا )
وقال أبو طالب في النبي &:
(وأبيض يستسقى الغمامُ بوجههِ ثمالُ اليتامَى عصمةُ للأراملِ)
وقال السموءل:
(وأيامُنا مشهورةٌ في عدونا لها غررٌ معروفةٌ وحجولُ)
أراد بالغرة والحجول الشهرة. وقلب بعض أهل البصرة قول حسان:
(بيض الوجوه كريمة أحسابهم )
فقال:
(سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابُهم فطسُ الأنوفِ من الطراز الآخرِ)
كما قلب بعضهم بيت أبي نواس:
(يا قمرًا أبصرتُ في مأتم يندبُ شجوًا بين أترابِ)
(يبكي فيذري الدرَّ من نرجسٍ ويلطمُ الوجهَ بعنّابِ)
فقال:
(وأعور أبصرتُ في مأتمٍ يندبُ شجوًا بتخاليطِ)
[ ١ / ٣٧ ]
(يبكي فيذري البعر من كوةً ويلطم الشوك ببلوط)
وأخذ حسان قوله:
(ثم ادكرت كأنني لم أفعل )
من قول أبي كبير:
(فأذنْ وذلك ليس إلّا حينه وإذا مضى شئ كأن لم يفعل)
وقال ابن شبرمة أمدج ما قالت العرب قول الحطيئة:
(أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا ألبنا وإن عاهدوا وفوا وإن عقدوا اشدوا)
(وإن كانتِ النعماءُ فيهم جَزَوا بها وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا)
(أقلوا عليهم لا أبا لأبيكُم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا)
(ويعذلني أبناءُ سعدٍ عليهمُ وما قلتُ إلّا بالذي علمتْ سعدُ)
(يسوسونَ أحلامًا بعيدًا أناتُها وإن غضبوا جاء الحفيظةُ والحدُ)
ولعمري إن معاني هذه الأبيات أبكار ليس للعرب مثلها وكل من تناولها فإنما استعارها من الحطيئة وهي جامعة لخصال المدح كلها، وقوله
(جاء الحفيظة والحد )
وروي والجد والحد من قولك حد السيف وحد السنان، والجد خلاف الهزل والمختار الحد بالحاء. يقول الحطيئة في بني لأي بن شماس من قريع، وكان الزبرقان بن بدر لقي الحطيئة في سفر فقال من أنت فقال أنا حسب موضوع أبو مليكة فقال له الزبرقان إني أريد وجهًا فصر إلى منزلي وكن هناك حتى أرجع فصار الحطيئة إلى امرأة الزبرقان فأنزلته وأكرمته فحسده بنو عمه وهم بنو لأي فدسوا إلى الحطيئة وقالوا له إن تحولت إلينا أعطيناك مائة ناقة ونشد إلى كل طنب من أطناب بيتك حلة محبرة وقالوا لامرأة الزبرقان إن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج بنته فقدح ذلك في نفسها فلما أراد القوم النجعة تخلف الحطيئة وتغافلت امرأة الزبرقان عنه فاحتمله القريعيون ووفوا له بما قالوا فأخذ في مدحهم وهجا الزبرقان فقال:
(أزمعتُ يأسًا مبينًا من نَوالكم ولا تَرى طاردًا للحرِ كالياس)
(دعَ المكارمَ لا ترْحلْ لبغيتها واْقعد فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي)
(من يفعلِ الخيرَ لا يعدم جوازيهُ لا يذهبُ العرفُ بين اللهِ والناسِ)
[ ١ / ٣٨ ]
فاستعدى الزبرقان عليه فحكم عمر حسان فقال حسان ما هجاه ولكن سلج عليه ثم حبس عمر الحطيئة فقال يستعطفه:
(ماذا تقولُ لأفراخ بذي مَرَخٍ حمرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ)
(ألقيتَ كاسبَهم في قعد مظلمةٍ فاغفرْ عليكَ سلامُ الله يا عمرُ)
(ما آثروكَ بها إذ قدموك لها لكنْ لأنفسِهم كانت بكَ الأثر)
فأخرجه عمر وأجلسه على كرسي وأخذ شفرة وأوهمه أنه يريد قطع لسانه فضج وقال إني والله يا أمير المؤمنين قد هجوت أمي وأبي ونفسي فتبسم عمر وقال ما الذي قلت قال قلت لأبي وأمي:
(ولقد رأيتك في النساء فسؤتني وأبا نبيك فساءَني في المجلسِ)
وقلت لأبي خاصة
(فبئس الشيخُ أنتَ لدى تميم وبئس الشيخ أنت لدى المعالى)
(تنحى فاجلس مني بعيدًا أراحَ الله منكِ العالمينا)
(أَغربالًا إذا استودعت سرًا وكانونًا على المتحدثين)
وقلت لامرأتي خاصة:
(أطوّف ما أطوّفُ ثم آوي إلى بيتٍ قَعيدتُهُ لَكاعِ)
وقلت لنفسي:
(أبت شفتاي اليومَ إلاّ تَكَلُمًا بسوءٍ فلا أدري لمن أنا قائلهُ)
(أرى ليَ وجهًا قبّحَ اللهُ خلقهُ فقبّحَ من وجهٍ وقُبحَ حاملهُ)
وقد هجا أيضًا من أحسن إليه فقال:
(منحَت ولم تبخلْ ولم تعطِ طائلًا فسّيان لا ذمُ عليك ولا حمدُ)
ثم خلى سبيله عمر وأخذ عليه ألا يهجو أحدًا وجعل له ثلاثة آلف درهم
[ ١ / ٣٩ ]
اشترى بها من أعراض المسلمين فقال يذكر نهيه إياه عن الهجاء ويتأسف:
(وأخذتَ اطرار الكلام فلم تدع شتما يضرُ ولا مديح ينفعُ)
(ومنعتني عِرضَ البخيل فَلم يخفْ شتمي وأصبح آمنًا لا يجزعُ)
وكان الحطيئة يذم البخل كما ترى وهو أبخل الناس اعترضه رجل وهو يرعى غنمًا له فقال له يا راعي الغنم وكان بيد الحطيئة عصًا يزجر بها الغنم فرفعها وقال عجراء من سلم فقال الرجل إنما أنا ضيف فقال: للأضياف أعددتها فتمثلت به العرب وقالوا أبخل من الحطيئة، وكان أحد الحمقى أوصى عند موته بأن يحمل على حمار وقال لعلي أن حلمت عليه لا أموت فإني ما رأيت كريمًا مات عليه قط وقال:
(لكل جديد لذةٌ غير أنني رأيتُ جديدَ الموتِ غيرَ لذيذِ)
وقيل له أوصى فقال أوصي أن مالي للذكور دون الإناث قالوا فإن الله لا يقوله قال لكني أقوله، وقالوا له قل لا إله إلا الله قال أشهد أن الشماخ أشعر غطفان. وأخذ قوله:
(أغربلا إذا استودعت سرا )
من قول كعب بن زهير حيث يقول:
(ولا تَمسك بالعهدِ الذي عهدتْ إلّاُ كما يمسك الماءَ الغرابيلُ)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي خليفة عن دماذ عن أبي علي القداح وعباد بن سليم الحضرمي قال أنشد الحطيئة عمر:
(مهاريسُ يُروي رِسلُها ضيف أهلها إذا النار أبدت أوجه الخضرات)
(عظام مقيل الهام غلب رقابها بتاكر ورد الماء في السَّبراتِ)
(يُزيلُ القتادَ جذبُها عن أصولِه إذا ما غدت مقورةً خرِصاتِ)
وكان هجا قومه فلما بلغ إلى قوله:
(فإن يصطنعني الله لا أصطنعكمُ ولا أعطكم مالي على العثراتِ)
(لكم دَفَرٌ مثلُ التيوسِ ونسوةٌ مماجينُ مثل الآتُنِ التَّعِراتِ)
[ ١ / ٤٠ ]
قال عمر بئس الرجل أنت تمدح إبلك وتهجو قومك فخرج وقال:
(رأيتُ ابنَ خطاب تجاهل بعدما رأيتُ له عقلًا وما كان جاهلا)
(ألا قد علمنا أن ما قال هكذا ومن قال حق غير ما قال باطل)
وقالوا أمدح أبيات قيلت ما أنشدناه أبو أحمد عن مهلهل بن يموت عن أبيه عن الجاحظ:
(اختر فناء بني عمرو فإنهمُ أولُو فضولٍ وأقدار وأخطارِ)
(إن يُسألوا الخير يُعطَوهُ وإن جهدوا فالجهد يخرج منهم طيبَ أخبار)
(وإن تودَّدتهم لانوا وإن شتموا كَشَفْتَ أذمارَ سرٍّ غير أسرار)
(هْينون ليْنون أيسارٌ ذوو يسرٍ أبناءُ مَكرمةٍ أبناءُ إيسارِ)
(من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيدَهم مثلَ النجوم التي يسري بها الساري)
وهي على الحقيقة أمدح أبيات قيلت. وقالوا أمدح بيت قيل قول الخنساء في أخيها:
(أغرُّ أبلجْ تأتمُّ الهداةُ به كأنه علمٌ في رأسه نارُ)
أخبرنا أبو أحمد حدثنا الأنباري عن أبي عكرمة الضبي أخبرنا أبو دعامة عن صالح بن محمد بن المسيب قال سمعت المفضل الضبي يقول أتاني رسول المهدي فقال أجب فهالني ذلك فمضيت معه حتى دخلت وعنده علي بن يقطين وعمر بن بزيع والمعلى مولاه فسلمت فرد وقال اجلس فجلست فقال أخبرني بأمدح بيت قالته العرب فتحيرت ثم جرى على لسان قول الخنساء:
(وإنَّ صخرًا لمولانا وسيدنا وإن صخرًا إذا يشتو لنحارُ)
(أغرُّ أبلجْ تأتمُ الهداةُ به كأنه علمٌ في رأسه نارُ)
فقال أخبرت هؤلاء فأبوا علي فقلت يا أمير المؤمنين كنت أحق بالصواب فقال يا مفضل أسهرتني أبيات ابن مطير الأسدي:
(وقد تغدرُ الدنيا فيضحي غنيها فقيرًا ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها)
[ ١ / ٤١ ]
(وكم قد رأينا من تَكَدُّرٍ عيشةٍ وأخرى صفا بعدا اكدرارٍ غديرُها)
(فلا تَقربِ الأمرَ الحرامَ فإنه حلاوتها تفني ويبقى مريرها)
ثم قال حدثني يا مفضل فقلت أي الأحاديث يشتهي أمير المؤمنين قال أحاديث الأعراب فحدثته حتى كاد النهار ينتصف فقال كيف حالك فقلت كيف حال رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم فقال يا عمر بن بزيع أعطه عشرة آلاف درهم لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم لنفقة عياله فانصرفت بها. وكانوا يقولون قاتل الله الخنساء ما رضيت أن جعلت أخاها جبلًا حتى جعلت في رأسه نارًا فبالغت أشد المبالغة. واعترض ابن الرومي قولها فقال:
(هذا أبو الصقر فردًا في مكارمِه من نسل شيبانَ بين الطّلح والسّلم)
(كأنه الشمسُ في البرج المنيفِ به على البريةِ لا نارٌ على علمِ)
وتبعته فقلت:
(خيرُ الورى لخيارِ الناس كلهِم وشرُّهم لشرارِ الناسِ سوارُ)
(منبه الذكرِ معروفٌ طرائقه كالشمسِ لا عَلمٌ في رأسه نار)
ومن جيد ما قيل في النباهة قول الأول أنشده أبو تمام:
(إني إذا خفي الرجالُ وجدْتَني كالشمسِ لا تخفى بكلِّ مكانِ)
وقال بشار:
(أنا المرعَّثُ لا أخفى على أحدٍ ذرت بي الشمس للقاصي وللداني)
وقلت:
(أتأملُ أن تنالَ ندى كريمٍ نداهُ أوَّلٌ والغيثُ ثاني)
(ويجري والمجرة في عنانٍ فلا يخفى على ناءٍ ودانِ)
(تصوَّر في القلوب فليس ينأى على نأي المحلةِ والمكانِ)
(إذا عبسَ الزمانُ فمِل إليهِ تجدْهُ البشرَ في وجهِ الزمانِ)
وقلت:
(تريدون أن أخشى وأخضعَ للأذى وجار ابن عيسى كيف يّخشى ويخضعُ)
(فتىً بأسُه كالدهر مأمن ملجأ ولا فيه إقصارٌ ولا عنهُ مرجعُ)
(أغرُّ شهيرٌ في البلادِ كأنما به البدرُ يعلو أو سنىَ الصبحِ يسطع)
[ ١ / ٤٢ ]
ومثله قول القاسم بن حنبل رحمه الله تعالى:
(من البيض الوجوهِ بني سِنانٍ لو أنك تستضئ بهم أضاؤا)
(لهم شمسُ النهار إذا استقلتْ ونورٌ لا يفنيه العماء)
(همُ حلوا من الشرفِ المعلى ومن حسب العشيرة حيث شاؤا)
(فلو أنَّ السماءَ دنت لمجد ومكرمةُ دنت لهم السماء)
وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول الحظيئة:
(متى تأتهِ تَعشو إلى ضوءِ نارهِ تجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقدِ)
وقالوا أمدح المدح ما يكون بالتفضيل وهو أن يقول فلان خير من فلان وفلان أكرم من فلان، ومن أجود ما جاء في ذلك قول أبي تمام:
(كم من وساعِ الخطو في طلبِ الندى لما جرى وجريتُ كنت قطوفا)
(أحسنتما صفدي ولكن كنتَ لي مثلَ الربيع حيًّا وكان خريفًا)
(وكلاكما اقتعد العلا فركبتَها في الذّروة العليا وكان رديفا)
وقال:
(كواكبُ مجدٍ يعلم المجدُ أنها إذا طلعتْ باءت بصفر كواكبُهْ)
وقال ابن الرومي:
(تلوحُ في دولُةِ الأيامِ دولتهم كأنها ملةُ الإسلامِ في المللِ)
وقلت:
(نصرتَ على الأعداء فليهنك النصر ودانتْ لك الدنيا وذَلَّ لك الدهرُ)
(فأنت كإقبالِ الشبيبة والصبا تطيبُ بك الدنيا وينعمرُ العمرُ)
(وليس كرامُ الناسِ إلّا كواكبا على صَفْحَتَيْ ليلٍ وأنت لهم بدرُ)
(وفي الناس أجوادٌ كثيرٌ وإنما أولئك أثماد وأنت لهم بحرُ)
(فإنْ أظلم الأحداثُ واسودَّ ليلُها فهم شفقٌ فيها وأنت بها فجرُ)
[ ١ / ٤٣ ]
(أبا قاسمٍ فخرًا على المجد والعلا فإن العلا روضٌ وأنت به زهرُ)
(غدت أرضنا منكم سماءً مظلَّةً لها أنجمٌ من زهر أخلاقكم زهرُ)
وبعد بيت الحطيئة:
(وأنت امرؤٌ من تعطه اليوم نائلًا بكفيك لم يمنعْك من نائلِ الغدِ)
(ترى الجودَ لا يدني من المرء حتفه كما البخل للانسان ليس بمخلدِ)
ومثله قول ليلى الأخيلية في توبة: د
(فلا يبعدنك الله يا توبُ إنها لقاءُ المنايا دارعًا مثلُ حاسرِ)
(فنعمَ فتى الدنيا وإن كان فاجرًا وفوقَ الفتى إن كان ليس بفاجرِ)
(فتىً كان أحيا من فتاةٍ خريدةٍ وأشجعَ من ليثٍ بخفان خادرِ)
(فتى ينهل الحاجات ثم يعلها فيطلعها عنه ثنايا المصادر)
يقول لا يمنعه قضاء الحاجة الأولى عن قضاء الأخرى كما قال الآخر:
(وأرضعُ حاجةً بلبانِ أخرى كذاك الحاجُ ترضع باللبانِ)
يقول فبرفعها المثنون عليه حتى كأنها ثنية رجع:
(فأُقسم أبكى بعد توبةَ هالكًا وأفعل من نالت صروفُ المقادر)
وكان بيت الأعشى:
(تشب لمقرورين يَصطليانها وبات على النارِ الندَى والمحّلقُ)
يستحسن حتى قال الحطيئة
(متى تأته تعشو إلى ضوء ناره )
على أن قول الأعشى
(وبات على النار الندى والمحلق)
، من أجود الكلام وأبلغه، والمحلق الممدوح، ومثله قول حماس بن ثامل:
(فقلتُ له أقبل فإنكَ راشدٌ وإنَّ على النارِ الندى وابن ثامل)
وأخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو الحسن الأخفش أخبرنا ثعلب قال اجتمعنا
[ ١ / ٤٤ ]
عند أحمد بن إبراهيم فأنشده رجل:
(أمر مالك قاصرٌ فقره على نفسه ومشيعٌ غِناهُ)
فقال أحمد قد جاء مثل هذا كثيرًا فأنشد:
(فتى إذا عدت تميم معًا سادتها عدوه بالخنصرِ)
(ألبسه اللَّهُ ثيابَ العلا فلم تَطل عنهُ ولم تَقصرِ)
فقال أحمد وقد جاء مثل هذا فأنشد الرجل:
(أعدد ثلاثَ خلالٍ قد عرفنَ له هل سَب من أحد أو سُبَّ أو بخلا)
فقال أحمد وقد جاء مثل هذا فغاظني فقلت هات فقال نعم المدح الغريب الذي لم يؤت مثله:
(لله درُ أبي المغيثِ فإنه حسنُ الفعالِ ضعيفُ خَبطِ الدرهمِ)
وقريب من هذا قول أبي البحتري
(حتى توهمناه مخروق اليد )
وفي خلاف قوله
(فلم تطل عنه ولم تقصر )
قول ابن الرومي:
(مدحت سليمان المغلب مدحةً تجاوزُ حدَّ الحسنِ لو كان يَشكرُ)
(فعمي عنها ناظراهُ كأنما بعوراءِ عيني جدِّه كان ينظرُ)
(سبغت عليه حليةً ليس عيبُها سوى أنها ظلت تطول وتقصر)
يهجو سليمان بن عبد الله بن طاهر. وسمعت عم أبي يقول أمدح شئ قيل قول الأول:
(قوم سنان أبوهم حينَ تنسبهم طابوا وطابَ من الأولاد ما وَلدوا)
(لو كان يَقعدُ فوقَ الشمسِ من كرمٍ قومٌ بعزهم أو مجدهم قعدوا)
(محسَّدون على ما كانَ من نِعمٍ لا ينزعُ الله عنهم ماله حُسدوا)
فأخذ جماعة قوله:
(محسَّدون على ما كان من نعم )
فصرفوه فيه وحده. ومنها قول أبي تمام:
[ ١ / ٤٥ ]
(لولا التخوفُ للعواقبِ لم يزل للحاسدِ النُّعمى على المحسودِ)
(لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورَتْ ما كان طيبُ يعرف العودِ)
وقال البحتري:
(ولن يستبينَ الدهرَ موضعَ نعمةٍ إذا أنتَ لم تدللْ عليها بحاسدِ)
وقال:
(محسدون كأن المكرماتِ أبتْ أن توجدَ الدهر إلا عند محسود)
وقال غيره:
(محسدونَ وشرُّ الناسِ منزلةً من عاش في الناس يومًا غيرَ محسودِ)
وسمعته يقول من أوائل المدح الجيد الذي لانظير له قول أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان:
(عطاؤكَ زينٌ لامرئٍ ان حبوته ببذل وما كان العطاء يَزينُ)
(وليس بشينٍ لامرئٍ بذلُ وجهه إليكَ كما بعضُ السؤال يَشين)
وقال زهير:
(من يلقَ يومًا على عِلَّاتِه هَرِمًا يلقَ السماحةَ منه والندَى خُلقا)
(لو نال حيٌّ من الدنيا بمكرمة أفقَ السماءِ لنالت كفه الأفقا)
(قد جعلَ المبتغونَ الخيرَ في هَرِمِ والسائلونَ إلى أبوابه طُرقا)
وروى بعض الرواة للنابغة وروي لسعيد:
(واللِّه واللِّه لِنعمَ الفتى الاعرجُ لا النكسُ ولا الخامل)
(الحاربُ الوافرُ والجابر المحروب والمرجل والجامل)
(والطاعنُ الطعنةَ يومَ الوغى ينهلُ منها الأسلُ الناهلُ)
[ ١ / ٤٦ ]
(والقائل القولَ الذي مثله يمرع منهُ البلدُ الماحلُ)
(والغافرُ الذنبَ لأهل الحِجا والقاطعُ الأقرانَ والواصل)
وقال بعض الإسلاميين وأحسن:
(خُلقتْ أناملهُ لقائِم مُرهَفٍ ولبثِّ فائدةٍ وذروة منبرِ)
(يلقى الرماح بوجهه ويصده ويقيمُ هامته مقام المغفرِ)
(ويقول للطِّرفِ اصطبر لشبا القنا فهدمت ركن المجدان لم تعقر)
(وإذا تأمل شخصَ ضيفٍ مُقبلٍ متسربلٍ سربالَ ليل أغبرِ)
(أومأ إلى الكوماءِ هذا طارق نحرتني الاعداء إن لم تنحر)
وسمعت الشيخ أبا أحمد يقول أمدح شئ قاله محدث قول مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة الشيباني:
(بنو مطرٍ يومَ اللقاءِ كأنهم أُسودٌ لها في غيل خفان أشبل)
(هم المانعون الجار حتى كأنما لجارهم بين السماكينِ مَنزلُ)
(بهاليلُ في الإسلام سادوا ولم يكن كأولهم في الجاهلية أول)
(همُ القومُ إن قالوا أصابوا وإن دُعوا أجابوا وإن أعطَوا أطابوا وأجزلوا)
(ثلاثٌ بأمثال الجبالِ حيَاهمُ وأحلامُهم منها لدى الوزنِ أثقلُ)
(ولا يَستطيعُ الفاعلونَ فعالهم وإن أحسنوا في النائباتِ وأجملوا)
ثم أخبرنا المفجع أخبرنا أبو العباس محمد بن يزيد قال بلغني أن يحيى بن خالد البرمكي قال لشراحيل بن معن بن زائدة أي شعر قاله ابن أبي حفصة في أبيك أشعر قال قوله:
[ ١ / ٤٧ ]
(نعمَ المناخُ لراغبٍ أو راهبٍ ممن تصيبُ جوائحُ الأزمانِ)
(معن بن زائدةً الذي زيدت به شَرفًا إلى شرفٍ بنو شيبانِ)
(مطر أبوكَ أبو الأهلةِ والذي بالسيف حاز هجاينَ النعمان)
(نفسي فداء أبي الوليد إذا علا رهج السنابك والرماح دواني)
فقال يحيى أنت لا تعلم ما قيل في أبيك أين أنت عن قوله:
(بنو مطرٍ يومَ اللقاءِ كأنهم أُسودٌ لها في غِيلِ خفّان أشبلُ)
وأنشد الأبيات المتقدمة وزاد:
(تشابَهَ يوماهُ علينا فأشكلا فما نحنُ ندري أيّ يَوميه أفضلُ)
(أيوم نداه الغمرِ أم يوم بأسِه وما منهما إلاّ أغرُّ محجّلُ)
وأخبرنا قال أخبرنا محمد بن يحيى بن علي عن أبيه عن اسحق الموصلي أخبرنا أبو يوسف القاضي وكان عديل الرشيد في طريق الحج قال اعترضه أعرابي فأنشد أبيات فزبره وقال ألم أنهكم عن قول مثل هذا الشعر ألم أقل لكم امدحوني بمثل قول القائل
(بنو مطر يوم اللقاء كأنهم)
وذكر الأبيات المتقدمة، قال أبو يوسف فقلت له فيمن قيلت؟ قال في أب هذا الشاب الذي يسير في ظل القبة فقلت للشاب من أنت قال شراحيل بن معن بن زائدة قال أسحق فسمعت شراحيل يقول: ذلك اليوم آثر عندي من الدنيا بحذافيرها وأنشد بعض أهل الأدب قول ابن أبي طاهر وقال لو استعمل الإنصاف لكان هذا أحسن مدح قاله متقدم ومتأخر.
(إذا أبو أحمدٍ جادتْ لنا يدُه لم يحمد الأجودان الماء والمطر)
(وإن أضاءت لنا أنوار غرته تضائل النَّيران الشمسُ والقمرُ)
(وإن مضى رأيه أو حَدَّ عزمته تأخر الماضيان السيفُ والقدر)
[ ١ / ٤٨ ]
(من لم يكن حذرًا من حدِّ صولتهِ لم يدر ما المزعجان الخوفُ والحذرُ)
(حلوُ إذا أنت لم تبعث مرارتَه فإن أمرَّ فحلوٌ عندَه الصبرُ)
(سهلُ الخلائقِ إلاّ أنه خشنٌ لَيّنُ المهزةِ إلاّ أنه حجرُ)
(لاحيةٌ ذكرٌ في مثلِ صَوْلته إن صال يومًا ولا الصمامة الذكر)
(إذا الرجالُ طغت آراؤهم وعموا بالأمر رُدَّ اليه الرأي والبصر)
(الجودُ منه عِيانُ لا ارتيابَ به إذ جودُ كلِّ جواد عنده خبرُ)
ومن المديح القليل النظير قول علي بن محمد بن الأفوه:
(أوفوا من المجدِ والعلياءِ في قُللٍ شُمٍّ قواعدهنَّ البأسُ والجودُ)
(سبطُ اللقاءِ إذا شِيمت مخائلهم بُسل اللقاءِ إذا صيدَ الصناديدُ)
(محَّسدون ومن يَعلقْ بحبلهم من البرية يُصبحْ وهو محسودُ)
وقال الفرزدق وهو أجود ما قيل في الجود عودًا على بدء:
(له راحةٌ بيضاءُ يندي بنانُها قليلٌ إذا اعتلّ البخيلُ اعتلالُها)
(جوادٌ إذا اعطْتكَ يومًا يمينُه وُعدتَ غدا عاد عليك شمالُها)
ونحوه قول الأعرابي في عبد الملك:
(ولقد ضَربنا في البلادِ فلم نجد أحدا سواك الى المكازم ينسب)
(فاصبر لعادتنا التي عودتنا أولا فأرشدنا إلى من نذهب)
وقول الآخر وهو من أجود ما قيل في حمد الرجل مكانه من قومه:
(رأيتكمُ بقيةَ حيِّ قيسٍ وهضبتة التي فوقَ الهضابِ)
(تُبارونَ الرياحَ إذا تبارتْ وتمتثلونَ أفعالَ السحابِ)
(يذكرني مقامي في ذُراكم مقامي أمسِ في ظلِّ الشبابِ)
ومن عادة الناس أن يتكرهوا ما هم فيه من العيش وما هم عليه من الأحوال، وقد حمد هذا حاله معهم وعيشه فيهم حتى شبهه بعيشه في ظل الشباب وهو من أجود ما قيل في هذا المعنى.
[ ١ / ٤٩ ]
وقالوا أمدح بيت قاله محدث قول علي بن جبلة المعروف بالعكوك في أبي دلف:
(إنما الدنيا أبو دُلفٍ بين مبداه ومحتضَرِهْ)
(فإذا ولّى أبو دلفٍ ولَّت الدنيا على أثرِه)
قال بعض من حضر: لا يجوز أن يكون مثل هذا الشعر لهذا، وإنما ازدراه لدمامته وعمشه فقال له أبو دلف أما تسمع ما يقول الناس فيك إن الشعر لغيرك لأن ألفاظه ألفاظ كاتب متأدب قال الإمتحان يزيل الظنة عني وما ظلم من استبرأ فكيف رأى الأمير في الامتحان قال نعطيك صدورًا لتردفها بأعجاز قال ما اشتططت ولا كلفت إلا الذي من نكب عنه حق عليه القول فدعا أبو دلف بدواة وقرطاس وكتب:
(ريعتْ لمنشورٍ على مفرقهِ ذمَّ له عهدَ الصبا حين انتسب)
(اهدام شيب جُدد في رأسهِ مكروهة الجدة انضاء العقب ) ثم ناوله الدرج فقال كم لي في ذلك من الأجل قال شهر قال فانطلق بهما إلى رحلي قال ليس الامتحان للشاعر في بيته بمزيل للظنة عنه ولكن تبوأ حجرة من القصر قال فليأمر الأمير بها ففعل وركب إلى دار المأمون فأبطأت كرته فلما رجع دخل عليه علي والدرج بيده قال قد أجزت البيتين بقصيدة قال لقد خشيت عليك النقص من الإعجال قال إليك تساق الرفاق ثم أنشدني بيتي أبي دلف ثم قال:
(أشرقنَ في أسودَ ازرينَ به كان دُجاه لهوى البيضِ سَببْ )
(فاعتضن أيام الغواني والصبا عن ميِّتٍ مطلبه فن الأدبْ)
(فنازلٌ لم يُبتهج نزوله وراحل أبقى جوىً حين ذهب)
(لم أرَ كالشيب وَقارًا يُحتوىَ وكالشباب الغضِّ ظلًا يُستلب)
(كان الشبابُ لمّةً أزهى بها وصاحبًا حرًا عزيز المصطحب)
(إذ أنا أجري واثبًا في غيّه لا أعتب الدهرَ إذا الدهرُ عتبْ)
[ ١ / ٥٠ ]
(وأذعر الربربَ عن أطفاله بأعوحى دلفى المنسب)
(مطردٌ يرتجُّ في أقطارِه كالماءِ جالتْ فيه ريح فضطرب)
(تحسبه أقعد في استقبالهِ حتى إذا استدبرتهُ قلتَ أكبّ)
(وهو على إرْهاقه وطيّه يقصرُ عنه المحرمان واللبب)
(تقولُ فيه جنبٌ إذا انثنى وهو كمثل القدحِ ما فيه جنبْ)
(يخطو على عُوجٍ يناهبن الثرى لم يتوا كل عن شظًا ولا عصب)
(تحسبها ناتئةً حين خطا كأنها واطئةٌ على نكب)
(يرتاد بالصيد فعارضنا به أو ابدا الوحش فأجدى واكتسب )
(لا يبلغُ الجهدَ به راكبُه ويبلغُ الريحَ به حين طلب )
(إذا تظنينا به صدقنا وإن تظني فوتَه الطرفُ لزب)
(ثم انقضى ذاك كأن لم تبقه وكل بُقيا فإلى يوم عطب)
(وخلفَ الدهر على أعقابه في القدح فيه وارتجاع ما وهب)
(فحمّل الدهر ابن عيسى قاسمًا ينهض به فراج همّ وكرب)
(كرونق السيف انبلاجا بالندى أو كغراريه على أهل الريب)
(لا وسنتْ عينٌ رأت غُرتهُ واستيقظت نبوته من النوب)
(لولا الأميرُ لغدونا هملًا لم يمتثل مجد ولم يرع حسب)
(ولم يقم ببأسٍ يومٍ وندىً ولا تلاقى سببٌ إلى سبب)
(تكادُ تبدي الأرضُ ما أضمره إذا تداعى خيله هلا وهب)
(ويستهلُّ أملًا وخيفةً إذا استهلَّ وجههُ وإن قطب)
(وهو إن كان ابنُ فرعي وائلٍ فبسماعيه ترقَّى في الحسب)
(وبعلاهُ وعُلا آبائه تُحوى غداةَ السبقِ أخطارُ القصب)
(يا واحدَ الدنيا ويا بابَ الندى ويا مُجيرَ الرعبِ في يوم الرَّهَب)
[ ١ / ٥١ ]
(لولاك ما كان سدى ولا ندى ولا قريشٌ عُرفت ولا العرب)
(خذها امتحانًا من ملئ بالحجا لكنه غيرُ ملئ بالنشبْ)
(وقرَّ بالأرض أو استقر بها أنتَ عليها الرأسُ والناسُ ذنبْ)
قال فجعل ينشد وأبو دلف يرجف إليه حتى مست ركبتيه فلما بلغ قوله
(لكنه غير ملئ بالنشب )
قال لاملأني الله إن لم أملأك يا غلام كم في بيت المال؟ قال ما قبضته من عامل الجبل وهو مائة ألف درهم قال أعطه إياها وقليل له ذلك، قال فأقبل عليه عقيل أخوه يعذله ويقول له أنت على باب أمير المؤمنين وبين ظهراني قواده وأمرائه ولا وجه لما لا يرد عليك من الجبل فادفع إليه البعض قال إليك عني والله لو شاطرته عمري لكان ذلك دون ما يستحقه علي. ومن المديح الجيد قول مروان بن أبي حفصة:
(كفى القبائلَ معنٌ كلَ معضلةٍ يُحمى بها الدينُ أو يُرعى بها الحسبُ)
(كنز المحامدِ والتقوى ذخائرهُ وليس من كنزهِ الأوراق والذهب)
(أنتَ الشهابُ الذي يُرمَى العدوُ به فيستنيرُ وتخبو عنده الشهب )
(بنو شريك همُ القومُ الذين لهم في كل يوم رهان تحرزُ القصبُ)
(إن الفوارسَ من شيبانَ قد عُرفوا بالصدق إن نزلوا والموتِ إن ركبوا)
(قد جَرَّب الناسُ قبل اليومِ أنهم أهلُ الحلومِ وأهل الشغب إن شغبوا)
(قل للجواد الذي يسعى ليدركه أقصر فما لكَ إلاّ الفوتُ والطلب)
قوله فما لك إلا الفوت والطلب من أحسن معنى وأجوده وأبينه بيانًا وأشده إختصارًا وهو من قول زهير:
(سعى بعدهم قومُ لكي يُدركوهم فلم يفعلوا أو لم يلاموا فلم يألوا)
وقال طريح:
[ ١ / ٥٢ ]
(قد طلب الناسُ ما طلبتَ فما نالوا ولا قاربوا وقد جهدوا)
(يرفئك الله بالتكرم والتقوى فتعلو وأنت مقتصدُ ) وقلت في قريب منه:
(إذا عن مجدٌ أو تعرض سؤددٌ تسامى له ضخمُ الهمومِ هُمام)
(إذا اهتزَّ للهيجاءِ فهو مهندٌ أو اهتزَّ للإفضال فهو غمام)
(تواضعَ وهو النجمُ عِزًا ورِفعةً وخفَ على الأرواحِ وهو شمام )
(أرجيهِ يومًا أو ألاقيه ساعةً فيخصب لي عامٌ ويمرع عام)
(يٌ ريدونَ منه أن يَضنَّ وإنما أرادوا جمودَ الغيم وهو رُكام)
(ولا عيبَ فيه غير أن ذوي الندَى خساسٌ إذا قيسوا به ولئام)
(بلغتَ من العلياءِ ما فاتهم معا كأن لم يروموا ما بلغتَ وراموا)
(فمن مُبلغٌ عني إلا كارمَ أنهم إذا استيقضوا للمكرمات نيامُ ) وأجمع بيت قيلِ في المديح قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر
(قالت ركعتَ فقلتُ إن وراءكم أن قد كبرت ومن يعمّرْ يركعِ)
(وعهدتني أمضي لشأني مطلقًا فبليتُ بعدك بالنَّسَا والأجدعِ )
(يا من يؤملُ أن تكون خِلاله كخلال عبد الله أنصت واسمع)
(فلأ نصحك في المشورةِ والذي حجَّ الحجيجُ إليه فاْقبلْ أودع)
(أصدق وعفَ وجدوا أنصت وأحتمل وأصفح وكاف ودار واحلم واشجع)
[ ١ / ٥٣ ]
وقد جمع هذا البيت جميع خصال المدح، وسمعه المتنبي فأراد أن يعيب على قالبه فأتى بما لا ينطق به اللسان ولا ينطوي عليه الجنان. ومن الأبيات الجامعة في المديح قول ابن الرومي:
(هو الغرة البيضاءُ من آلِ هاشمٍ وهم بعده التحجيلُ والناسُ أدهمُ)
ومن الأبيات الجامعة لمعاني الحسن قول البحتري:
(ذات حسن لو استزادت من الحسن إليه لما أصابْت مَزيدا)
(فهي الشمسُ بهجةً والقضيب اللدن لينًا والريمُ طرْفًا وجيدا)
وقال في هذه القصيدة:
(وإذا ما عددت يحيى وعمرا وإياسًا وعامرًا ووليدًا )
(وعَبيدًا ومُسهِرًا وجديا وتدولًا وبحترًا وعتودًا)
(لم أدع من مناقبِ المجد ما يقنع مَن همَّ أنْ يكون مجيدا ) وقلت في المديح:
(حليفُ عَلاءٍ ومَجد وفخرٍ وبأسٍ وجودٍ وخَير وخِير)
(أضاءَ فاطرقَ ضوءُ الشموسِ وتمّ فأغضى تمّامُ البدورِ)
وقلت في المديح أيضًا:
(من الغرِ لا حوا أشمسًا ومضوا ظى وصالوا أُسودًا واستهلوا سواريا)
ومن المديح البليغ قول الأول:
(متبذِّلٌ في الحيِّ وهو مُبجّلٌ متواضعٌ في القومِ وهو مُعظم)
وما أحسن في ذكر التواضع أحد كإحسان أبي تمام في قوله:
[ ١ / ٥٤ ]
(إذا أحسن الأقوامُ أن يَتطاولوا بلا مِنة أحسنتَ أن تتطولا)
(فعظمتَ عن ذاك التعظم منهم وأوَصاك نبلٌ القَدر أن تتنبلا)
وقال البحتري في التواضع مع علو الرتبة:
(دنوتَ تَواضعًا وعلوتَ قَدْرا فحالاك انحدارٌ وارتفاعُ)
(كذاك الشمسُ تبعّد أن تسامى ويدنو الضوءُ منها والشعاعُ)
فأتيت بهذا المعنى في بيت:
(تواضع إذا مد العلاء بضبعه كما انحطَّ ضوءُ البدور وارتفعَ البدرُ)
وأجود ما قيل في صفة الرجل الحازم الجلد من قديم الشعر قول لقيط بن يعمر:
(فقلدوا أمرَكم للهِ درُّكم رحبَ الذراعِ بأمر الحق مضطلعا)
(لا مترفًا إنْ رخاءُ العيشِ ساعدَه ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خَشَعا)
(ما انفكَّ يحلب هذا الدهر أشطرهَ يكون مُتعبًا طورًا ومُتَّبعا )
(لا يطعمُ النومَ إلاّ ريث يبعثه همٌ يكادُ حشاه يحطم الضِّلعا)
(حتى استمر على شزرمريرته مستحكم الرأي لا قحمًا ولا ضرعا)
ومن هنا أخذ الشاعر قوله:
(ولستُ بمفراح إذا الدهرُ سرّني ولا جازعٍ من صَرفهِ المتقلّبِ)
وقول دريد بن الصمة:
(ينازلُ اخدانَ الرجالِ وإنّه لمجدُ ثناءِ ثمّ يزدد)
(ويخرجُ من العزاءِ الشدة مصدقًا وطولُ السُّرى درى عَضْبٍ مهنّدِ)
[ ١ / ٥٥ ]
هذا البيت أجود ما قيل في سعة الخلق من قديم الشعر:
(كميشُ الإزار خارجٌ نصفُ ساقهِ صبورٌ على العزّاءِ طلاعُ أنجُدِ)
(قليلُ التشكي للمصيباتِ حافظٌ من اليوم أعقابَ الأحاديثِ في غدِ)
(إذا سارَ بالأرضِ الفضاءِ تزينت لرؤيته كالمأتم المتبددِ)
(فلا يبعدنك الله حيًا وميتًا ومن يعله ركنٌ من الأرض يبعد)
موضع هذه الأبيات من باب المراثي وإنما أوردتها هنا لأن قوله فيها
(قليل التشكي للمصيبات )
شبيه بما تقدم من قول الآخر:
(ولا جازع من صرفه المتقلب )
ومن شعر المحدثين قول أبي تمام:
(وعززتُ بالسبعِ الذي بزئيرهِ أمستْ وأصبحتِ الثغورُ عزيفا)
(قطب الخشونةِ والليان بنفسه فغدا جليلًا في العيونِ لطيفا)
(هزّته معضلةُ الأمورِ وهزّها وأخيفَ في ذاتِ الآله وخيفا)
(يقظان أحصدت التجاربُ جزمه شزرًا وثقّف عزمَه تثقيفًا)
(وسلكن من أترابه الشعل التي لو أنهن طبعن كنَّ سيوفا)
وإنما أخذ وصف هذا البيت من ديك الجن وكان أبو تمام كثير الاناخة عليه وهو قوله في مرثيته:
(ماء من العبرات حدى أرضُه لو كان من مطرٍ لكان هزيما)
(وبلابل لو أنهن مآكل لم تخطئ الغسلين والزقوما)
(وكرمي بر وعسى لو أنه ظلّ لكانَ الحر واليحموما)
ونقل البيت الأول أبو تمام إلي موضع آخر فقال:
(مطر من العبرات حدى أرضه حتى الصباح ومقلتاى سماءه)
[ ١ / ٥٦ ]
ومن ذلك قول أبي تمام:
(وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في ندى ووغىً ومبدى غارةٍ ومُعيدا)
(أيقنت أن السماح من الشجاعة تدمي وإن من السماحة جودًا)
(ومكارمًا عُتُقَ النِّجارِ تَليدةً إن كان هَضب عما يتين تليدا)
(متوقدٌ منه الزمانُ وربما كان الزمانُ بآخرين بليدا)
وقال البحتري:
(أغرُّ لنا من جُوده وسماحهِ ظهيرٌ عليه ما يخيبُ وشافعُ)
(ولمّا جرى للمجدِ والقومُ خلفَهُ تغوّل أقصى جهدِهم وهو وادعُ)
(وهل يتكافا الناسُ شتى خلاهم وما يتكافئ في اليدين الأصابع)
(إذا ارتد صمتا فالرؤس نواكسٌ وإن قال فالأعناقُ صُورٌ خواضِعُ)
(وأغلبُ ما ينفكُ من يَقَظَاتهِ ربايا على أعدائه وطلائِعَ)
(جنانٌ على ما جرَّت الحربُ جامعٌ وصدرٌ لما يأتي منَ الدهرِ واسعُ)
(جديرٌ بأن ينشقَ عن ضَوْءِ وجههِ ضبابةُ نقع تحتهَ الموتُ ناقعُ)
(تذودُ الدنايا عنه نفسٌ أبيه وعزم كصدر الهند وإني قاطعُ)
(بعيدُ مقيلُ السرِ لا يدركُ التي يحاولها منه الأريبُ المخادع)
(ومنكتمُ التدبيرُ ليس بظاهرٍ على طَرف الرائي الذي هو تابعُ)
(ولا يعلمُ الأعداءُ من فرطِ عزمهِ متى هو مصبوبٌ عليهم فواقعُ)
لم يبق وجه من وجوه المدح في الجود والشجاعة وتصوب الرأي ومضاء العزيمة والدهاء وشدة الفكر إلا قد اجتمع ذكره في هذه الأبيات ولا أعرف أحدًا يستوفي مثل هذه المعاني في أكثر مدائحه إلا البحتري. وقال بعضهم أجود ما قيل في صفة الرجل الحازم قول زينب بنت الطثرية:
(إذا جَدَّ عندَ الجدِّ أرضاك جدهُ وذو باطلٍ إن شئت ألهاك باطلهْ)
[ ١ / ٥٧ ]
(يَسرك مظلومًا ويُرضيك ظالمًا وكلّ الذي حملته فهو حامله)
ومثله قول الآخر:
(أخو الجد إن جَدَّ الرجالُ وشمروا وذو باطلٍ إن كان في الناس باطلُ)
ومن المديح المفرط قول منصور النمري في هارون:
(إذا ما عددَت الناسَ بعد محمدٍ فليس لهارونَ الإمامِ نظيرُ)
فضله على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة ﵃، وهذا مكروه جدًا وأكره منه قول أبي نواس:
(تنازعَ الأحمدانِ الشبةَ فاشتبها خَلقًا وخُلقًا كما قُد الشرا كان)
فجعل النبي & ومحمد بن هارون سواءً في الخلق والخلق. وبعد بيت النمري أبيات جياد منها قوله:
(منيع الحمى لكنّ أعناقَ ماله بظلّ الندى يسطو بها ويسورُ)
كأنه من قول كثير:
(غُر الرداءِ إذا تبسمَ ضاحكًا غلقت لضحكته رقابُ المال)
وهذا من قول الأخطل:
(خرجتُ أجرُ الذيلَ حتى كأنني عليك أميرَ المؤمنين أمير)
(وقفتُ على حاليكما فإذا النَدى عليك أميرَ المؤمنين أميرُ)
(يروحُ ويغدو ساجيًا في وقاره على أنه يوم المرام ذكير)
(وليس لأعباءِ الأمور إذا عرت بمكترثٍ لكن لهنَ قَهور)
(يرى ساكنَ الأوصال باسط جهده يريك الهوينا والأمورَ تطير)
ولا أعرف في هذا المعنى أجود من هذا البيت. وقالوا أمدح بيت قاله محدث قول النمري في هارون:
(إن المكارمَ والمعروفَ أوديةٌ أحلك الله منها حيثُ تجتمعُ)
[ ١ / ٥٨ ]
أخذه من قول أبي وجزة السعدي:
(أتاك المجدُ من هنّا وهنا وأنتَ لهُ بمجتمع السيولِ)
وأخذه ابن أمية الكاتب فقال في غزل:
(تركت فيك التي .؟ وأنت منها بمجمع الطرقِ)
ونقلته إلى الهجاء فقلت:
(أتغدو بمستن العيون مخيما وأنتَ بعيبِ العالمين موكلُ ) وفي قصيدة النمري أبيات قليلة النظير منها قوله:
(مستحكم الرأيِ مُستغن بوحدته عن الرجال بريب الدهرِ مضطلعُ)
(يقري العدوَّ المنايا والقناةُ ندى من كلِّ ذاك القرى أحواضه ترعُ)
(إذا بلغنا جمالَ الأرض لم ترنا للحادثاتِ بحمدِ الله نختشع )
(لما أخذتُ بكفيِ حبلِ طاعته أيقنت أني من الأحداثِ ممتنع)
(إن الخليفةَ هارونَ الذي امتلأت منه القلوبُ وجارتْ تحته ترع)
(إن أخلف الغيثُ لم تخلف مخائله أو ضاقَ أمرٌ ذكرناه فيتّسعُ)
أخبرنا أبو أحمد رحمه الله تعالى عن الصولي عن المبرد وغيره قال شكا منصور إلى العتابي طلقًا استمر بامرأته ثلاثة أيام تخوف عليها منه فقال العتابي دواؤه معك أقرب منها وقل (هارون) فإن أمرها يسهل فغضب منصور فقال له لا تغضب فأنت قضيت بذلك في قولك:
(إن أخلف الغيثُ لم تخلف مخائلهُ أو ضاق أمر ذكرناه فيتسعُ ) فأسكت منصور. ومن المديح البارع قول بشار:
(ألا أيها الطالب المبتغي نجومَ السماءِ بسعيٍ أمَمْ)
(سمعتَ بمكرمةِ ابن العلاءِ فأنشأتَ تطلبها لست تم)
(إذا عرضَ الهمُ في صدره لها بالعطاء وصوب البهُم)
[ ١ / ٥٩ ]
(فقل للخليفةِ إن جئتهُ نصيحًا ولا خيرَ في المتهم)
(إذا أيقظتك جسامُ الأمور فنبه لها عمرًا ثمَّ نَمْ)
(فتىً لا يبيتُ على رمقهِ ولا يشربُ الماءَ إلاّ بدم)
(يحبُ العطاءَ وسفكَ الدماءِ فيغدو على نِعَمِ أو نِقم)
وقال البحتري:
(إذا المهتدي بالله عُدت خلالهُ حسبتَ السماءَ كاثرتك نجومُها)
وقلت: كم غاية لكُم تقاصرَ دُونها مَنْ رامها فكأنه ما رامها)
(يعلو كرام العالمين وإنما يعلو كرامُ العالمين لثامَها)
(وإذا تسامى الأكرمون إلى العلا نالوا مناسمها ونلت سنامها)
(أمِنَ المكارم أن يُبددَ شملها لما رأتك نظامهُ ونظامها)
(ذلت له نُوَبُ الزمان وأصبحت في عقوتيه جبالها آكامها)
وقال البحتري:
(إذا ذُكِرت أسلافُه وتُشُوهِرَت أماكنها قلت النجوم قبورُها)
(إذا ماتت الأرضُ ابتدوها كأنما إليهم حياها أو عليهم نشورها )
(ودون عُلاهُم للمُسامين برزخٌ إذا كلفته العير طال مَسيرُها )
(بتدبير مأمونِ على الأمر رأيهُ ذكيرٌ وأمضى المرهقات ذكورها)
(وذو هاجس جسٍ لا يحجبُ الغيبُ دونه تريه بطونَ المشكلات ظهورُها)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن عبد الله بن الحسن عن البحتري قال سمعت إبراهيم ابن الحسن بن سهل يقول: كان المأمون يتعصب للأوائل من الشعراء ويقول انقضى الشعر مع ملك بني أمية، كان عمي الفضل بن سهلٍ يقول الأوائل حجة وهؤلاء أحسن تعريفا إلى أنه أنشده يومًا عبد الله بن أيوب التميمي شعرًا يمدحه فيه فلما بلغ إلى قوله
(ترى ظاهرَ المأمون أحسن ظاهر وأحسن مما قد أسر وأضمرا)
(يناجي له نفسًا تردع بهمة إلى كل معروفٍ وقلبًا مُطهرا )
[ ١ / ٦٠ ]
(ويُخشع إجلالًا له كلُّ ناظرٍ ويأبى لخوف الله أن يتكبرا)
(طويلُ نجاد السيفِ مضطمر الحشا طراه طراد الجيش حتى تجسرا)
(رِفِلٌّ إذا ما السلمُ رفل ذيله وإن شمرت يومًا له الحرب شمرا)
فقال الفضل ما بعد هذا مدح وما أشبه فروع الإحسان بأصوله. ومن المدح القليل النظير قول أمامة بنت الجلاح الكلبية: أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو الحسن البرمكي أحمد بن جعفر حدثني محمد بن ناجية الرصغاني قال كنت أحد من وقعت عليه التهمة أيام الواقعة بمال مصر فطلبني السلطان طلبًا شديدًا حتى ضاقت علي الأرض برحبها فخرجت إلى البلاد مرتادا رجل عزيزًا منيع الدار أعوذ به وأنزل عليه حتى انتهيت إلى بني شيبان ابن ثعلبة فدفعت إلى بيت مشرف بظهر رابية منيعة وإلى جانبه فرس مربوط ورمح مركوز يلمع سنانه فنزلت عن فرسي وتقدمت فسلمت على أهل الخباء فرد عليه نساء من وراء السجف يرمقنني من خلل الستور بعيون كعيون أخشاف الظباء فقالت إحداهن اطمئن يا حضري فقلت وكيف يطمئن المطلوب أو يأمن المرعوب وقلما ينجو من السلطان طالبه والخوف غالبه دون أن يأوي إلى جبل يعصمه أو معقل يمنعه فقالت يا حضري لقد ترجم لسانك عن قلب صغير وذنب كبير قد نزلت بفناء بيت لا يضام فيه أحد ولا يجوع فيه كبد ما دام لهذا الحي سبد أو لبد هذا بيت الأسود بن قنان إخوانه كلب وأعمامه شيبان صعلوك الحي في ماله وسيدهم في فعاله لا ينازع ولا يدافع له الجوار وموقد النار وطلب الثار وبهذا وصفته أمامة بنت الجلاح الكلبية حيث تقول:
(إذا شئتَ أن تَلقى فَتًى لو وزنته بكل معدي وكل يماني)
(وفى بهم حلما وجودا وسؤددا وبأس فهذا الأسودُ بنُ قنان)
(فتىً كالفتاة البكر يسفر وجهه كأن تلالي وجهه القمرانِ)
(أغر أبر أبني نزار ويعرب وأوثقهم عقدا بقول لسان)
[ ١ / ٦١ ]
(وأوفاهمُ عهدًا وأطولهم يدًا وأعلاهمُ فعلًا بكل مكان)
(وأضربهم بالسيفِ من دون جاره وأطعنهم من دُونهِ بسنانِ)
(كأن العطايا والمنايا بكفه سحابان مقرونان مؤتلفان)
فقلت الآن ذهبت عني الوحشة وسكنت الروعة فأنى لي به قالت يا جارية اخرجي فنادي مولاك فخرجت الجارية فما لبثت إلا هنيهة حتى جائت وهو معها في جمع من بني عمه فرأيت غلامًا حسنًا اخضر شاربه واختط عارضه وخشن جانبه فقال أي المنعمين علينا أنت فبادرت المرأة فقالت يا أبا مرهف هذا رجل نبت به أوطانه وأزعجه سلطانه وأوحشه زمانه وقد أحب جوارك ورغب في ذمتك وقد ضمنا ما يضمنه لمثله مثلك فقال بل الله فاك قال أخذ بيدي وجلس وجلست ثم قال يا بني أبي وذوي رحمي أشهدكم أن هذا الرجل في ذمتي وجواري فمن أراده فقد أرادني ومن كاده فقد كادني وما يلزمني من أمره من حال إلا ويلزمكم مثله فليسمع الرجل منكم ما يسكن إليه قلبه وتطمئن إليه نفسه. فما رأيت جوابا قط أحسن من جوابهم إذ قالوا بأجمعهم ما هي أول منة مننت بها علينا ولا أول يد بيضاء طوقتناها وما زال أبوك قبلك في بناء الشرف لنا ودفع الذم عنا فهذه أنفسنا وأموالنا بين يديك. ثم ضرب لي قبة إلى جانب بيته فلم أزل عزيزًا منيعًا حتى سنح لي السلطان ما أملت فانصرفت إلى أهلي. ومن المديح البارع قول الأخطل:
(شمس العداوة حتى يستقادَ لهم وأعظمُ الناسِ أحلامًا إذا قدروا)
أخذه خارجة بن مليح المكي وأحسن:
(آل الزبير نجوم يستضاء بهم أذا إحتبى الليل في ظلمائه زهروا)
(قومٌ إذا شومسوا لجَّ الشماسُ بهم ذاتَ الإباءِ وإن ياسرتهم يسروا)
[ ١ / ٦٢ ]
ومنه قول كثير في عبد الملك:
(أبوك الذي لما أتى مرجَ راهط وقد ألبوا من جمعهم ما تألبا)
(تسنأ للأعداء حتى إذا أتوا لما شاء منهم طائعين تحببا)
وقال البحتري:
(حَرونٌ إذا عاززتَه في مُلمةٍ فان جئته من جانب الذل أصحبا)
نحوه:
(كريمٌ يغضُّ الطرفَ فضلُ حيائه ويدنو وأطرافُ الرماحِ دواني)
(وكالسيفِ إن لا ينته لانَ مَتنهُ وحدّاه إنْ خاشنته خَشنان)
ومثل قول خارجة
(إذا احتبى الليل في ظلمائه زهروا)
قول الأشجع:
(إذا غاب عنا الفجرُ خُضنا بوجهه دُجى الليلِ حتى يَستنيرَ لنا الفجرُ)
وقال خارجة أيضًا:
(ويسفر للساري إذا جُنَّ ليلهُ سبيل المطايا بالوجوه السوافرِ)
وقال إدريس بن أبي حفصة:
(لما أتتك وقد كانت منازعةً وَافَى الرضا بين أيديها بأقياد)
(لها أمامك نور تستضئ به ومن رجائك في أعقابها حادي)
(لها أحاديثُ من ذكراك تشغلُها عن الرتوعِ وتلهينا عن الزاد)
وقال غيره:
(إذا أشرقت في جنح ليل وجوهُهم كفى خابطَ الظلماءِ ضوءُ المصابحِ)
(وإن ناب خَطبٌ أو ألمت مُلمةٌ فكم ثمَّ من آسي جراحٍ وجارح)
ومن أجود ما قيل في صفة الرجل الجواد قول أبي الأسود الدينوري:
(ولائمة لامتك يا فيضُ في الندَى فَقلتُ لها لن يَقدَحَ اللومُ في البحرِ)
(أرادتْ لتثني الفيضَ عن عَادة الندَى وَمن ذا الذي يَثني السحابَ عن القطرِ)
[ ١ / ٦٣ ]
(مواقع جودِ الفيضِ في كلِّ بلدة مواقع ماءِ المزنِ في البلد القفرِ)
ولا أعرف في معناه مثلها. وقلت:
(تقضي مآربه من كلِّ فائدة لكن من المجد ما تقضي مآربُهُ)
(أفاده العِزَّ آباءٌ ذوو كرم وزادهُ الخلقُ المخضر جانبه)
(لقد فضلتَ كرامَ الناس كلهم فهم مناسمُ مَجد أنت غاربه)
(يا ليتَ شعري هَل يستطيعُ شكرَكم دهرٌ مساعيكم فيه مَناقبه)
(وحينَ أرضيتم كنتم نوافله وأنتمُ حين أسخطتم نوائبه)
(منكم على الدهر عينٌ لا تناومه وللحوادث قِرن لا تغالبه)
ومن أجود ما قيل في ذكر الجود قول الأشجع في جعفر بن يحيى:
(يرومُ الملوكُ جدى جعفر ولا يَصنعونَ كما يَصنعُ)
(وكيف ينالونَ غاياتِه وهم يَجمعونَ ولا يَجمعُ)
(وليس بأوسعهم في الغنى ولكن معروفه أوسع)
(فما خلفه لآمرئ مطمع ولا دونه لامرئ مقنع)
(إذا رفعت كفه معشرا أبي العزو والفضل أن يوضعوا)
(ولا يرفعُ الناسُ من حطهُ ولا يضع الناسُ من يَرفعُ)
(رأيتُ الملوك تغض العيون إذا ما بدى الملكُ الأتلعُ)
(بديهتهُ مثلُ تدبيره متى هجتهُ فهو مُستجمع)
أخذ قوله بأوسعهم في الغنى من قول الأول:
(له نارٌ تشبُّ بكلِّ أرض إذا النيرانُ جللتِ القناعا)
(وما أن كان أكثرهم سوادًا ولكن كان أرحبهم ذِراعا)
[ ١ / ٦٤ ]
وقال بعض المولدين:
(وما رأيُتك في حالٍ تكونُ بها أدنى إلى كلّ خيرٍ منك في العدمِ)
ومن أجود ما قيل في الصلة على بعد الدار قول نهشل بن حري:
(جزى الله خيرًا والجزاء بكفه بني الصلتِ إخوان السماحةِ والمجدِ)
(أتاني وأهلي بالعراق نداهُمُ كما صاب غيثٌ من تهامةَ في نجد)
(فما يتغيرُ من زمانٍ وأهله فما غير الأيام مجدَكُمُ بَعْدِي)
فأخذه البحتري أخذًا ما رأيت أعجب منه وقد وجه إليه بنو السمط برمي حمص إلى منيج فقال:
(جزى اللَّهُ خيرًا والجزاء بكفه بني السمط إخوان السماحة والمجد)
(هم حضروني والمهامهُ بيننا كما ارفضَّ غيثٌ من تهامةَ في نجدِ)
إلا أن قوله
(هم حضروني والمهامة بيننا)
أبدع وأحسن من قول نهشل
(أتاني وأهلي بالعراق نداهم)
وأخذه ابن المولى فقال:
(فرحتُ بجعفرٍ لما أتانا كما سُرَّ المسافرُ بالإيابِ)
(كممطورٍ ببلدتهِ فأضحى غنيًا عن مطالعةِ السّحابِ)
وأخذه أبو السمط بن أبي حفصة فقال في عبد الله بن طاهر:
(لعمري لنعمَ الغيثُ غيثٌ أصابنا ببغدادَ من أرضِ الجزيرة وابُلهْ )
(ونِعمَ الفتى والسدُ بيني وبينه بسبعينَ ألفًا صبحتني رسائله)
(فكنا كحيّ صبَّح الغيثُ دارهُ ولم يحتمل أظعانه وجمائله)
وأخذه أبو تمام فقال:
(لم أستطع سيرًا لمِدحةِ خالد فجعلتُ مدحتهُ إليه رسولا)
(فليرحلنَّ إليك نائلُ خالدِ وليكفينَّ رواحلي الترحيلا)
وأخذه أبو عفان فقال في أحمد بن محمد بن ثوابة:
(نفسي فداءُ أبي العباس من رجلٍ لم ينسني قطٌ في نأيٍ ولا كَثَب)
[ ١ / ٦٥ ]
(يقري وبالرقةِ البيضاءِ منزلهُ من بالعراقينِ من عُجم ومن عربَ )
(أغنيتني عن رجالٍ أنت فوقهم في المكرماتِ ودونَ القوم في النشب)
وأصل ذلك كله من قول جرير:
أخبرنا أبو أحمد عن علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن محمد بن سلام قال قال أبو الغراف بعث عبد العزيز بن مروان إلى جرير بمال من الشام فتجهز يريده فأتاه نعيه فقال جرير يرثيه:
(بنفسي امرأً والشامُ بيني وبينهُ أتتني ببشرى بردهُ ورسائله)
قال أحمد أبو الحسن لا يجوز عندنا (إلا امرؤ) إلا أن الرواية هكذا، معناه أفدى:
(أتى زمنُ البيضاءِ بعدك فانتحى على العظم حتى أثلمته حواملُه)
(فيومانِ من عبد العزيزِ تفاضَلا ففي أيِّ يومَيه تلومُ عواذلُه)
(فيومٌ تحوطُ المسلمين جيادهُ ويومٌ عطاه ما تغبّ نوافله)
ومن المديح البارع قول إبراهيم بن العباس:
(أسدٌ ضارٍ إذا هيجته وأبٌ برٌ إذا ما قدرا)
(يعلمُ الأ بعد إن أثرى ولا يعلمُ الأدنى إذا ما افتقرا ) ومن بليغ المديح ما أنشدناه أبو أحمد في جملة خبر أخبرناه عن أبيه عن أحمد ابن أبي طاهر النديم عن عبد الله بن السري عن أحمد بن سليمان قال قال عبد الله ابن زيد القسري كنت قائمًا على رأس ابن هبيرة وعنده سماطان من وجوه الناس إذا أقبل شاب لم أر مثل جماله وكماله فقال أصلح الله الأمير إني امرؤ فدحته كربة وأوحشته غربة ونأت به الدار وأقلقه الأمعار وحل به عظيم خذله أخلاؤه وشمت به أعداؤه وحفاه القريب وأسلمه البعيد فقمت مقامًا لا أرى فيه معولًا ولا جازى نعمه إلا رجاء الله تعالى وحسن عائدة الأمير وأنا أصلح الله الأمير ممن لا تجهل
[ ١ / ٦٦ ]
أسرته ولا تضيع حرمته فإن رأى الأمير أن يسد خلتي ويجبر خصاصتي فعل فقال ابن هبيرة ممن الرجل؟ قال من الذين يقول لهم القائل
(فزارة بيتُ المجدِ والعزِّ فيهم فزارةُ قيسٍ حَسبُ قَيس فعالُها)
(لها العزة القعساءُ والشرفُ الذي بناهُ لقيسٍ في القديم رجالُها)
(وهل أحدُ إنْ مدَ يومًا بأنفهِ إلى الشمسِ في جوَ السماءِ ينالها)
(لهيهات ما أعيا القرونَ التي مَضتْ مآثرُ قيسٍ واعتلاها خصالها)
فقال ابن هبيرة إن هذا الأدب حسن مع ما أرى من حداثة سنك فكم أتت لك؟ قال تسع وعشرين فلحن الفتى فتبسم ابن هبيرة كالشامت به وقال ألحن أيضًا مع جميل ما أتى عليه منطقك، شبته بأقبح عيب فأبصر الفتى ما وقع فيه فقال غن الأمير أصلحه الله تعالى عظم في عيني وملأت هيبته صدري فنطق لساني بما لا يعرفه قلبي. فقال له ابن هبيرة: وما على أحدكم أن يتعلم العربية فيقيم بها أوده ويحضر بها سلطانه ويزين بها مشهده ويتبوأ بها على خصمه أو يرضى أحدكم أن يكون لسانه مثل لسان مملوكه وأكاره وقد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم فإن كان سبقك لسانك وإلا فاستعن على إصلاحه ببعض ما أوصلناه إليك ولا يستحي أحدكم من التعلم فإنه لولا هذا اللسان لكان الإنسان كالبهيمة المهملة قاتل الله الشاعر حيث يقول:
(ألم ترَ مفتاحَ الفؤادِ لسانُه إذا هو أبدى ما يقولُ من الفمِ)
(وكائنْ تَرَى من صامِت لك مُعجبٍ زيادَتُه أو نقصهُ في التكلم)
(لسانُ الفتى نصف ونصفٌ فؤادهُ فلم يبقَ إلاّ صورةُ اللحمِ والدَّمِ)
ومن بارع المديح:
(ولي منك موعودٌ طلبتُ نجاحهُ وأنتَ امرؤ لا تخلفُ الدهرَ مَوْعِدا)
(وعَوَّدتَني أن لا تزال تُظلني يدٌ منك قد قدمتَ من قبلها يدا )
[ ١ / ٦٧ ]
(فلو أن مجدًا أو ندى أو فضيلةَ تخلدُ شيئًا كنتَ أنتَ المخلدا)
ومن بليغ المديح ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أبي العيناء عن الأصمعي للصموت الكلابي وقال مرة للصموت الكلابية امرأة:
(لله دَرُّكَ أيُّ جُنّةِ خائف ومتاع دُنيا أنتَ في الحدِثان)
(متخمط يطأ الرحال غُلَّبةً وطأ الفنيق دوارج القردان)
(وتفرج البابَ الشديدَ رتاجُه حتى يكونَ كأنه بابان)
وتبعه أبو تمام فقال في ابن أبي داود:
(فلتبكِ الأحسابُ أي حياةٍ وحيا أزمةٍ وحيّةٍ واد)
(عاتقٌ معتقٌ من اللومِ إلاّ من مقاساةِ مغرمٍ أو نجادِ)
ومن أجود ما قيل في صفة الكمال قول كشاجم:
(ومهذبِ الألفاظ منطقهُ ما فيه من خطلٍ ولا مَينِ)
(ما شئتَ من ظَرفٍ ومن شيم ما في محاسنهن من شين)
(ما كان أحوج ذا الكمال إلى عيبٍ يوقيه من العين)
قد أحسن وظرف ولم يقصر في تفليل الحز واصابه المفصل. ومثله قوله:
(يا كاملَ الآدابِ مُنفردَ العلا والمكرمات ويا كثير الحاسدِ)
(شخصَ الأنامُ إلى كمالك فاستعذ من شر أعينهم بعيبٍ واحدِ)
وقال ابن الرومي يمدح بعض العمال وقد نكب:
(لا يستطيعك بالتنقُّصِ حادثٌ وأبى لك التكميلُ أن تتزيدا)
(وكأنني بك قد نحوتَ محمد في النائباتِ كما دعيت محمدا)
(فطلعتَ كالسيفِ الحسامِ مجرّدًا للحقِّ أو مثل الهلالِ مجددا)
[ ١ / ٦٨ ]
(شهد النهارُ وكشفه غُممَ الدجى إنّ الزمانَ مبيضٌ ما سودا)
ومثله قول الآخر:
(فما كنت إلاّ السيف جُرد في الوغى وأخمد في الهيجا وردّ إلى الغمد)
ومن أبلغ المديح:
(بديهته وفكرتهُ سواءٌ إذا ما نابهُ الخطبُ الكبيرُ)
(وصدرٌ فيه اللهم اتساعٌ إذا ضاقت من الهمَ الصدور)
ومن أبلغ المديح قول البحتري:
(أخذوا النبوةَ والخلافةَ وانثنوا بالمكرُماتِ كثيرِها وقليلِها)
(وإذا قريشٌ فاضلتك فضَلْتَها بأبي خلائفها وعم رسولها)
(وجوادُها ابن جوادِها وكريُمها ابن كريمها ونبيلُها ابن نبيلها)
(لو سارت الأيامُ في مسعاتهم لتنالها لتقطّعت في طُولها)
(رفعتهمُ الآياتُ في تنزيلها وَقَضتْ لهمِ بالفضلِ في تأويلها)
(وإذا انشعبتَ أخذتَ خيرَ فروعها وإذا رجعتَ أخذت خيرَ أصولها)
وقلت:
(لئن قلَ أربابُ المكارم والعلا ليحيى كثيرٌ في العلا والمكارمِ)
(يذكرني جودَ الغمائم جودُهُ وشكري له شكرَ الثرى للغمائمِ)
(تخال به بدرًا مع الليل باهرًا يلوحُ على عرف من الليل فاحم)
(يديلُ من الأيام والدهرُ مُنصف بعزم على الأيام والدهر حاكم)
(يبزُ من الأنجاد كل مساور ويعلو من الأمجاد كل مكارم)
(بخلق كمتنِ الصخر في كفِّ لامسٍ وطور كجري الماء في عين حائمِ)
(ورأي كصدر الراغبيةِ شارع وعزم كحدِّ المشرفية صارم)
(على بلدة يسقي الضراغمَ ماؤها ويسقي بها الألى دماء الضراغمِ)
ومن بارع المديح قول أبي تمام:
[ ١ / ٦٩ ]
(رأيت لعياشٍ خلائفَ لم تكن لتكملِ إلاّ في اللباب المهذّبِ)
(له كرمٌ لو كان في الماء لم يَغِض وفي البرق ما شامَ امرؤٌ برقُ خلّبِ)
(أخو عَزَماتٍ بذُله بذلُ مُحسنِ إلينا ولكن عُذرهُ عُذرُ مذنبِ)
(يَهولُك أن تلقاه في صدرِ مَحْفل وفي نحر أعداءٍ وفي قلبِ مَوكبِ)
(وما ضيقُ أخطارِ البلادِ أضاقني إليك ولكن مذهبي فيك مذهبي)
(وهذي ثيابُ المدح فاجرر ذيولها عليك وهذا مركبُ الحمدِ فاركبِ)
وقد أحسن التنوخي في أبيات له منها:
(وفتية من حِمُيرَ حُمر الظُّبى بيض العطايا حينَ يسودُّ الأمل)
(شموسُ مجدٍ في سمواتِ علا وأسدُ موتٍ بين غابات أسل)
وقلت:
(ما المجدُ إلاّ سماءٌ أنت كوكبها والجود إلاّ غمامٌ أنت سلسله)
(فكل سابقِ قوم أنتَ سابقه وكل فاضل حزب أنت تفضله)
(بالعقد تحكمه وبالأمر تبرمُهُ والعرض تَمنعهُ والمال تَبذلهُ)
وللمحدثين أبيات بارعة سائرة في المديح منها قول أبي تمام:
(أيامنُا مصقولةٌ أطرافُها بك والليالي كلُّها أسحارُ)
مأخوذ من قول عبد الملك بن صالح حدثنا أبو أحمد
أخبرنا الصولي حدثنا شيخ ابن حاتم العكلي حدثنا يعقوب بن جعفر قال لما دخل الرشيد منبج قال لعبد الملك أهذا البلد منزلك قال هو لك ولي بك قال كيف بناؤك فيه قال دون منازل أهلي وفوق منازل غيرهم قال فكيف صفة مدينتك هذه قال هي عذبة الماء باردة الهواء قليلة الأدواء قال كيف ليلها قال سحر كله قال صدقت إنها لطيبة قال لك طابت وبك كملت وأين بها عن الطيب وهي تربة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء فياف فيح بين قيصوم وشيح. فقال الرشيد لجعفر بن يحيى هذا الكلام أحسن من الدر المنظوم فأخذه ابن المعتز فقال:
(يا رُبَّ ليلٍ سَحَرٌ كلُّه مفْتضِحُ البدرِ عليلْ النسيمِ)
[ ١ / ٧٠ ]
(تلتقطُ الأنفاسُ بردَ الندَى فيه فتهديه لنارِ الهمومْ)
وقال ابن الرومي
(كأن أيامهن كالبُكَرِ)
وقلت:
(أيامُنا في جوارُه بكرُ وليلنا في فِنائه سحر)
ومنها قول أبي نواس:
(أنت الخصيبُ وهذه مصرُ فتدفقا فكلاكما بحرُ)
وقوله:
(وليس على الله بمستنكرٍ أن يجمعَ العالمَ في واحد)
وقوله:
(فتى يشتري حسنَ الثناءِ بماله ويعلمُ أن الدائراتِ تدورُ)
(فما جازه جودٌ ولا حل دونه ولكن يصيرُ الجودُ حيثُ يصير)
وقول ابي العتاهية:
(أتته الخلافةُ منقادة إليه تجررُ أذيالها)
(ولم تكُ تصلحُ إلاّ لهُ ولم يكُ يَصلحُ إلاّ لها)
(ولو رامَها أحدٌ غيرُه لزلزلتِ الأرضُ زلزالَها)
وقول مسلم إلا أنه مرثيه:
(وأني وإسماعيل يومَ وفاته لكالغمد يوم الروع فارقهُ النصلُ)
(فإنْ أغشَ قومًا بعده أو أزرهُمُ فكالوحش يدنيها من الأَنسِ المحل)
الأنس جمع مثل خدم. وقول بعض الأعراب في معن بن زائدة:
(أنتَ الجوادُ ومنك الجودُ أوله فإن فقدت فلا جود لمجود)
(أضحت يمينُك من جودٍ مصورة لا بل يمينك منها صورةُ الجودِ)
(من نور وجهك تضحي الأرض مشرقة ومن ثنائك يجري الماءُ في العودِ)
وقول البحتري:
(وقد قلتُ للمعلي إلى المجدِ طَرفَهُ دَع المجدَ فالفتحُ بنُ خاقان شاغلهُ)
(صفْت مثلَ ما تصفو المُدامُ خلالَه ورقتْ كما رقّ النسيمُ شمائلهُ)
والعرب تتمدح بطول القامة فمن أجود ما قيل فيه قول أبي تمام:
[ ١ / ٧١ ]
(أناس إذا يدعى نزالِ إلى الوغى رأيتَهمُ رجلىَ كأنهم ركْبُ)
(من المطرّيينَ الأولى ليس ينجلي بغيرهم للدهرِ صِرفٌ ولا كرْبُ)
(جعلتَ نظام المكرمات فلم تدرْ رحا سؤددٍ إلاّ وأنت لها قُطبُ)
(إذا افتخرت يومًا ربيعةٌ أقبلتْ مجنبتي مجدٍ وأنت لها قلبْ)
ومن أجود ما قيل في قدم الشرف ووضوح النسب قول أبي تمام:
(نَسبٌ كأن عليه من شمس الضّحى نورًا ومن فلق الصباح عمودا)
(عريان لا يبكوا دليلٌ من عمًى فيه ولا يبغي عليهِ شهودا)
(شرف على أولى الزمان وإنما خَلَقُ المناسبِ ما يكون جديدا)
(لو لم تكن من نبعةٍ نجديّة علوّية لظننتُ عودك عودا)
(مطرٌ أبوك أبو أهلةً وابل ملأ البسيطة عدة وعديدا)
(ورثوا الأبوة والحظوظ فأصبحوا جمعوا جدودًا في العلا وجدودا)
(أكفاؤه تلدُ الرجالَ وإنما ولد الحتوفُ أساودًا وأسودا)
أخذه السري فقال في المهلبي:
(نسبٌ أضاءَ عمودهُ في رفعه كالصبح فيه ترفُّعٌ وضياءُ)
(وشمائلٌ شهدَ العدوُّ بفضلها والفضلُ ما شهدت به الأعداء)
وهذا من قول البحتري:
(لا أدعي لأبى العلاء فضيلة حتى يسلمها إليها عِداهُ)
وقلت:
(قد نلتَ بالرأي والتمييز منزلةً ما نالها أخواك البحر والمطرُ)
(وبالتكرم والأفضال مرتبةً لم يُعطها خادماك السيفُ والقدر)
(قالوا أيمطرُ من محل ألمَّ به فقلتُ قد تمطر الأنهارُ والغدرُ)
(مالٌ يبددُهُ في جمع مَكرُمةٍ فالمجدُ مجتمعٌ والماءُ منتشرُ)
(كروضةٍ أخذت بالغيثِ زُخرُفَها فالروضُ منتظمٌ والغيثُ منتشرُ)
[ ١ / ٧٢ ]
(مناقبٌ ما يكادُ الدهرُ يهدمُها كأنّها أصَلٌ للدهرِ أو بُكرُ)
(فابشر فإنك رأسٌ والعلا جسدُ والمجدُ وجهٌ وأنتَ السمعُ والبصرُ)
(لولاكَ لم تكن للأيامِ منقبةٌ تسمو إليها ولا للدِّهر مفتخرُ)
وقلت:
(هل أنت إلاّ البدرُ تمَّ تمامُه والغيث باكر وبله وسجامه)
(والسيفُ أرهفَ للمضاءِ غرارُه والرمحُ قوَّمَ لِلِّقاءِ قوامُه)
(أنت الربيعُ الغضُّ رقَّ نسيمُه واخضرَّ روضته وصاب غمامه)
(خُلقٌ كنشرِ الروضِ طلّ نباتهُ أو مثل صرفِ الراحِ فُضَّ خِتامه)
(للأولياء رخاؤه ورخاؤه وعلى العداة سموه وسِمامُه)
(يا من أدلّ على الزمانِ زمانُه وزرى على أيامِه أيامُه)
(يدنو فيغمرُ كلَّ شئ فضلُه كالخصب يُنعش كل خلق عامهُ)
(ما أن يزال من المآثر والعلا في موكب منشورة أعلامه)
(عالٍ تَسَوَّرَ فوق قِمة سؤددٍ أوفى على قمم النجوم سَنامه)
(يبدو فيبدي الصبحُ غُرةَ وجهه والليل قد قَبض العيونَ ظلامهُ)
(سبق الجيادَ فما يُشقُّ غُبارُه وعلا القرينَ فما يُرام مرامه)
(ولئن أبرَّ على الحسام عزيمتة فكما أبرَّ على القضاءِ حُسامُه)
(وكأنما أقلامُه أسيافُهُ وكأنما أسيافُه أقلامُه)
(ما المجدُ إلاّ العقدُ جودُك شذرُه ونداك لؤلؤةُ وأنت نظامُه)
(والجودُ في يدِك اليمين عِنانه والبأسْ في يدك الشمال خطامه)
(مازال فوتك في اللواءِ موليا مولي المخافة خلفه وأمامُه)
(فاعمر على زمنٍ أغر محجّل قد تمَّ فيك على الورى إنعامُه)
وقال آخر وأحسن:
[ ١ / ٧٣ ]
(كم صغروا منهمُ والله يكلؤهم نعماء ما صغرت إلاّ لأن عظموا)
وقال أبو يعقوب الخريمي:
(فلو لم يكن إلاّ بنفسِك فخرُها لكان لها يومَ الفخارِ بك الفضلُ)
(جريتَ على مهل فأتعبت من جرى فلا تعبٌ يدني إليك ولا مهل)
(ويبذل دنياه ويمنع دينهُ فلا مثلَ ذا بذلٌ ولا مثلَ ذا بُخْلُ)
وقلت:
(وقفتُ على يحيى رجائي وإنما وقفتُ على صوبِ الربيع رجائيا)
(إذا ما الليالي أدركت ما سعت له تمطيت جدواه ففقت اللياليا)
(إذا غاب جاء المزن في الجود سابقا وإن آب جاء المزن في الجود تاليا)
(إذا الغيثُ باراه ثنى الغيثَ مقصرا أو البرق جاراه ثنى البرق كابيا)
(فتى لم نزنه بالقوافي وإنما حططنا إليه كي نزينَ القوافيا)
(من الغرِّ لاحوا أشمسًا ومضوا ظبى وصالوا أسودًا واستهلوا سواريا)
(رأيت جمالَ الدهر فيك مجددًا فكن باقيًا حتى ترى الدهرَ فانيا)
وقلت:
(في فتية أخلاقُهم وفعالهم عِرسٌ تكامل حسنها وعرائس)
(حَلَّ السرور حباهمُ في مجلس للمجد والعلياء فيه مجالس)
(فهمُ إذا نظروا الصديق كواكبٌ زهرٌ وإن نظروا العدوَّ حنادس)
(أو قيل تلتف الجياد بمثلها فهم ضراغم والعداة فرائس)
(فالليل منهم شامس والصبح منهم دامسٌ والدهرُ منهم وارس)
وأظن ابن الرومي سبق إلى معنى قوله:
(نفائس ماله أدناه مجنىً من الأيدي جميعًا والأماني)
(كذاك فوارضُ الثمراتِ تدنو لجانيها فتمكِن كلَّ جاني)
وأخبرنا أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد قال أتي شاعر أبا البحتري وهب ابن وهب وكان من أجود قريش كان إذا سمع المادح له ضحك وسرى السرور بجوانحه وأعطى وزاد فأنشده هذا الشاعر:
[ ١ / ٧٤ ]
(لكلِّ أخي فضلٍ نصيبٌ من العلا ورأس العلا طرا عقيد الندى وهب)
(وما ضر وهب عيبُ من جحد الندى كما لا يضر البدرَ ينبحه الكلب)
فثنى له الوسادة وهش إليه ورفده وحمله وأضافه فلما أراد الرحيل وهو أشد خلق الله اغتباطا لم يخدمه أحد من غلمان أبي البحتري ولا عقب له ولا حل فأنكر ذلك مع جميل ما فعل به فعاتب بعضهم فقال إنما نعين النازل على الإقامة ولا نعين المرتحل على الفراق فبلغ ذلك جليلًا من القرشيين فقال والله لفعل هؤلاء العبيد أحسن من رفد سيدهم. ومن بليغ المعاني في المديح قول ابن الرومي:
(لعل من عاثر لك يا ابن يحيى يموتُ الكاشحونَ وأنت تحيا)
(على أن المماتَ لكل حيّ وقيتَ به من الحِدثان محيا)
وقال خلف بن خليفة:
(إن استجهلوا لم يغرب الحلمُ عنهمُ وإن آثروا أن يجهلوا عَظم الجهلُ)
(همُ الجبلُ الأعلى إذا ما تناكرت ملوكُ الرجالِ أو تخاطرتِ النزلُ)
(مواعيدُهم فعلٌ إذا ما تكملوا بتلك التي إن سُميت وَجب الفعلُ)
(ألم ترى أن القتلَ غالٍ إذا رضوا وإن غضبوا في موطن رَخُصَ القتلُ)
وقلت:
(لقد علمت يحيى موافية العلا فضائل آباء تلتها فضائلهُ)
(فحاز طريفَ المجدِ بعدَ تليدهِ رفيع يطول النجمَ حين يطاوله)
(فتى غُرَّهُ الأيام حسنُ صنيعه وتيجانُها أخلاقُهُ وشمائله)
(وما هو إلّا المزن تصفوا خلاله ويعلو مبواه ويبكرُ هاطلُهْ)
[ ١ / ٧٥ ]