قالوا أهجى بيت قالته العرب قول جرير:
(فغضَ الطرفَ إنك من نميرٍ فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا)
أخبرنا أبو أحمد
أخبرنا أبو بكر بن دريد حدثنا أبو عثمان عن التوزي عن أبي عبيدة عن يونس قال قال عبد الملك بن مروان يومًا وعنده جلساؤه: هل تعلمون أهل بيت قيل فيهم شعر ودوا أنهم افتدوا منه بأموالهم، وو شعر لم يسرهم به حمر النعم؟ فقال أسماء بن خارجة نحن يا أمير المؤمنين، قال وما قيل فيكم؟ قال قول الحارث بن ظالم:
(وما قومي بثعلبة بن سعدٍ ولا بفزارة الشعر الرقابا)
فو الله يا أمير المؤمنين إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل لي أن شعر قفاي قد بدا منها. وقول قيس بن الخطيم:
(هممنا بالإقامةِ ثم سرنا مسيرُ حُذيفة الخيرِ بن بدرِ)
فما يسرنا أن لنا بها أوبه سود النعم. فقال هانئ بن قبيصة أولئك نحن يا أمير المؤمنين، قال ما قيل فيكم؟ قال قول جرير:
(فغضَ الطرفَ إنك من نميرٍ فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا)
والله لوددنا أننا افتديناه بأملاكنا، وقول زياد الأعجم:
(لعمرك ما رماحُ بني نميرٍ بطائشة الصدور ولا قصارا)
فو الله ما يسرنا به حمر النعم. قال أبو بكر وذكر أن جريرًا لما قال:
(والتغلبيُ إذا تنحنحَ للقرى حكَ أستهُ وتمثلَ الأمثالا)
[ ١ / ١٧٠ ]
قال قد قلت بيتًا فيهم لو طعن أحد في استه لم يحكها.
وأخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال مرت امرأة ببتي نمير فتغامزوا إليها فقالت يا بني نمير لم تعلموا بقول الله تعالى ولا بقول الشاعر: يقول الله تعالى ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ويقول الشاعر:
(فغض الطرف إنك من نمير)
فخجلوا وكان النميري إذا قيل له ممن أنت؟ قال من نمير فصار يقول من بني عامر بن صعصة. ولو قيل إن أهجى بيت قالته العرب قول الفرزدق لم يبعد وهو:
(ولو تُرمى بلؤم بني كليبٍ نجومُ الليلِ ما وضحتْ لساري)
(ولو يُرمى بلؤمهم نهارٌ لدنسَ لؤمهُم وضحَ النهارِ)
وهذا مثل قول الآخر:
(ولو أنَ عبدَ القيس ترمي بلؤمها على الليل لم تبدُ النجومُ لمن يرى)
وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى:
(تبيتونَ في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غرثَى يبتنَ خمائصا)
وكان من حديث هذا الشعر أن عامر بن الطفيل بن مالك وعلقمة بن علاثة تنازعا الزعامة فقال عامر: أنا أفضل منك وهي لعمي ولم يمت وعمه عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب وكان قد اهتز وسقط وقال علقمة: أنا أفضل منك أنا عفيف وأنت عاهر وأنا وفي وأنت غادر وأنا ولود وأنت عاقر وأنا أدنى إلى ربيعة. فتداعيا إلى هرم بن قطبة ليحكم بينهما فرحلا إليه ومع كل واحد منهما ثلاثمائة من الإبل مائة يطعمها من تبعه ومائة يعطيها الحاكم ومائة يعقرها إذا حكم. فأبى هرم ابن قطبة أن يحكم بينهما مخافة الشر، وأبيا أن يرحلا فخلا بعلقمة وقال له: أترجو أن ينصرك رجل من العرب على عامر فارس مضر أندى الناس كفًا وأشجعهم لقاءً لسان رمح عامر أذكر في العرب من الأحوص وعمه ملاعب الأسنة وأمه كبشة بنت عروة الرحال وجدته أم البنين بنت عمرو بن عامر فارس الفيحاء وأمك من
[ ١ / ١٧١ ]
النخع وكانت أمه مهيرة وأم علاثة من النخع، ثم خلا بعامر فقال له أعلى علقمة تفخر أأنت تناوئه أعلى ابن عوف بن الأحوص أعف بن عامر وأحلمه وأسوده وأنت أعور عاقر مشؤوم أما كان لك رأى يزعك عن هذا أكنت تظن أن أحدًا من العرب ينصرك عليه. فلما اجتمعا وحضر الناس للقضاء قال أنتما كركبتي البعير فرجعا راضين والصحيح أنه توارى عنهما ولم يقل شيئًا فيها ولو قال أنتما كركبتي الجمل لقال كل منهما أنا اليمنى فكان الشر حاضرًا. ولقد سأله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بعد ذلك لمن كنت حاكمًا لو حكمت؟ فقال أعفني يا أمير المؤمنين فلو قلتها لعادت جذعة فقال عمر صدقت مثلك فليحكم. فارتحلوا عن هرم لما أعياهم نحو عكاظ فلقيهم الأعشى منحدرًا من اليمن وكان لما أرادها قال لعلقمة اعقد لي حبلًا قال أعقد لك من بني عامر قال لا تغني عني قال فمن قيس قال لا قال فما أنا رائدك. فأتى عامر بن الطفيل فأجاره من أهل السماء والأرض، فقيل له كيف تجيره من أهل السماء؟ قال إن مات وديته فقال الأعشى لعامر أظهر انكما حكمتماني ففعل فقام الأعشى فرفع عقيرته في الناس فقال:
(حكمتموهُ فقضي بينكم أبلج مثل القمرِ الزاهرِ)
(لا يأخذُ الرشوةَ في حكمه ولا يبالي غبنَ الخاسرِ)
(علقمُ ما أنتَ إلى عامرٍ الناقض الأوتار والواتر)
(واللامس الخيلَ بخيل إذا ثارَ عجاج الكة الثائرِ)
(ساد وألفى رهطه سادةً وكابرًا سادوك عن كابرِ)
(وشد القوم على الإبل المائة فعقروها وقالوا عامر وذهبت به الغوغاء وجهد)
وجهد علقمة أن يردها فلم يقدر على ذلك فجعل يتهدد الأعشى فقال الأعشى:
(أتاني وعيدُ الحوص من آل جعفرٍ فيا عبدَ عمروٍ ولو نهيتَ الأحاوصا)
[ ١ / ١٧٢ ]
(فما ذنبنا أن جاشَ بحر ابن عمكم وبحرك ساجٍ لا يُواري الدَّعامصا)
(كلا أبويكم كانَ فرع دعامةٍ ولكنهم زادوا وأصبحتَ ناقصا)
(تبيتونَ في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غرثَى يبتنَ خمائصا)
(يراقبن من جوع خلالَ مخافةٍ نجومَ العشاءِ القائماتِ القواصما)
(رمى بك في أخراهمُ تركك الندى وفضل أقوامًا عليك مراهصا)
(فعضَ حَديدَ الأرض ان كنت ساخطًا بفيك وأحجارَ الكلابِ الرواهصا)
فبكى علقمة لما بلغه هذا الشعر وكان بكاؤه زيادة عليه في العار. والعرب تعير بالبكاء قال مهلهل:
(يبكى علينا ولا نبكي على أحدٍ لنحنُ أغلظُ أكبادًا من الإبلِ)
وقال جرير:
(بكى دويلٌ لا يرفأ اللهُ دمعهُ ألا إنما يبكي من الذلَ دويل)
وكان الحطيئة مع علقمة وليد مع عامر فقال الحطيئة:
(يا عم قد كنتَ ذا باعٍ ومكرمةٍ لو أنَّ مسعاةَ من جاريتهُ أمَمُ)
(جاريت قرمًا أجادَ الأحَوصان بِه ضخم الدسيعة في عِرنينِهِ شَمَم)
(لا يصعبُ الأمرُ إلا حيث يركُبه ولا يبيتُ على مالٍ له قَسَمُ)
وقال:
(فما ينظر الحكامُ في الفصلِ بعدما بدا واضحٌ ذو غرةٍ وحُجول)
[ ١ / ١٧٣ ]
وهاتان القصيدتان جيدتان بارعتان في معنيهما ولكن الناس استخفوا قول الأعشى
(علقم لا لنت إلى عامر)
فمر على ألسنتهم وسقط شعر الحطيئة.
أخبرنا أبو علي بن أبي جعفر أخبرنا جعفر بن محمد حدثنا أبو عبيدة العسكري حدثنا محمد يعني ابن الوليد حدثنا أبو زكريا عن الأصمعي قال قال عبد الملك ابن مروان لأمية مالك وللشاعر إذ يقول:
(إذا هتفَ العصفورُ طارَ فؤادهُ وليثٌ حديدُ النابِ عند الثرائدِ)
قال أصابه حد من حدود الله تعالى فأقمته عليه، قال فهلا درأته عنه بالشبهات؟ قال كان أهون علي من أن أعطل حدًا من حدود الله تعالى فقال يا بني أمية أحسابكم أحسابكم أنسابكم لا تعرضوا للهجاء فإن للشعر مواسم لا يزيدها الليل والنهار إلا جدة والله ما يسرني اني هجيت ببيت الأعشى حيث يقول:
(تبيتونَ في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غرثَى يبتن خمائصا)
ولي الدنيا بحذافيرها، ولو أن رجلًا خرج من عرض الدنيا كان قد أخذ عوضًا لقول ابن حرثان:
(على مكثريهم حقَ من يعتريهم وعندَ المقلينَ السماحةُ والبذل)
هكذا رواه لنا والبيت لزهير. وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الحطيئة في الزبرقان بن بدر:
(دعِ المكارمَ لا تَرحلْ لبغيتها وأقعد فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي)
وأخبرني أبو أحمد سمعت بعض الشيوخ يقول اجتمع مطيع بن إياس ويحيى ابن زياد وحماد عجرد وجعفر بن أبي وزة في مسجد الكوفة فامتروا في أهجى بيت قالته العرب ثم اتفقوا على قول الفرزدق في جرير:
[ ١ / ١٧٤ ]
(أنتم قرارةُ كل معدن سوءةٍ ولكلَ سائلةٍ تسيلُ قرار)
وأخذه أبو تمام فقال:
(وكانت زفرةٌ ثمّ أطمأنت كذاك لكلِّ سائلةٍ قرارُ)
وقالوا أهجى بيت قالته العرب قول الأخطل لجرير:
(ما زال فينا رباطُ الخيلِ معلمة وفي كليبٍ رباطُ اللؤمِ والعارِ)
(قومٌ إذا استنبحَ الأضيافَ كلبهم قالوا لأمهم بولي على النارِ)
قالت بنو تميم ما هجينا بشئ هو أشد علينا من هذا البيت. وهو يتضمن وجوها شتى جعلهم بخلاء بالقرى وجعل أمهم خادمتهم يأمرونها بكشف فرجها، وجعلهم يبخلون بالماء أن يطفئوا به النار فيأمرونها بأن تطفئها ببولها بينهم وبين المجوس لتعظيم المجوس النار، إلى غير ذلك وان نارهم من قلتها كانت تطفئها ببولها. وقالت بنو مشاجع ما هجينا بشعر أشد علينا من قول جرير:
(وبرحرحانَ غداةَ كبْلَ معبد نكحتْ نساؤهمُ بغيرِ مهورِ)
وقالت بنو كليب ما هجينا بشعر أشد علينا من قول الفرزدق:
(ألستَ كليبيًا إذا سيمَ سوءةً أقرَ كإقرارِ الحليةِ للبعلِ)
قالوا بل أهجى بيت قالته العرب قول الطرماح:
(تميمٌ بطرقِ اللؤمِ أهدى من القطا ولو سلكت سبلَ المكارمِ ضلْتِ)
وقال بعض الشيوخ لو أن هذا البيت لجرير أو لمن في طبقته لحكم على جميع ما في معناه وبعده وهو أبلغ ما قيل في الاحتقار والتقليل والجبن:
(ولو أن حرقوصًا على ظهرِ نملةٍ تشدُ على صفي تميمٍ لولتِ)
(ولو جمعت يومًا تميمٌ جُموعَها على ذرةٍ معقولةٍ لاستقلتِ)
(ولو أنَّ أمَ العنكبوتِ بنتْ لها مظلتها يومَ الندى لا ستظلتِ)
(ولو أنَ برغوثًا يزقق مسكه إذا نهلت منه تميم وعلتِ)
وأبلغ ما قيل في الخمول قوله أيضًا:
[ ١ / ١٧٥ ]
(ولو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ من خلقهِ خَفيتْ عنهُ بنو أسدِ)
(قومٌ أقامَ بدارِ الذُلَ أولهم كما أقامتْ عليه جدمةُ الوتدِ)
وقال ابن الأعرابي قال أبو عمرو بن العلاء أحسن الهجاء ما تنشده العاتق في خدرها فلا يقبح بها مثل قول أوس:
(إذا ناقة شعرت برحل ونمرقٍ إلى حكم تعدى فضلّ ضلالُها)
وقال ابن الأعرابي وأنا أقول مثل قول جرير:
(ولو أن ثعلبَ جمعتْ أحسابها يومَ التفاخرِ لم تزنْ مثقالا)
وقيل أهجى ما قالته العرب قول الأعرابي:
(اللؤم أكرمُ من وبر ووالدهِ وللؤم أكرم من وبر وما ولدا)
(قومٌ إذا جرّجانٍ منهم أمنوا من لؤم أحسابِهم أن يقتلوا قودا)
وقال النجاشي في بني العجلان:
(قبيلة لا يغدرونَ بذمةٍ ولا يظلمون الناسَ حبّة خردلِ)
(ولا يردون الماءَ إلا عشيةً إذا صدرَ الورادُ عن كلِّ منهلِ)
فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب فقال ما قيل فيكم؟ فأنشدوه:
(إذا الله عادَى أهل لؤمٍ ورقةٍ فعادى بني العجلانِ رهطَ ابن مقبل)
فقال عمر إن كان ومظلومًا استجيب له، قالوا وقد قال:
(قبيلة لا يغدرونَ بذمةٍ ولا يظلمونَ الناسَ حبةَ خردلِ)
فقال ليت آل الخطاب هكذا. قالوا وقد قال:
(ولا يردونَ الماءَ إلا عشيةً إذا صدرَ الورادُ عن كلَ منهلِ)
[ ١ / ١٧٦ ]
قال عمر: ذاك أقل للكاك يعني الأزدحام، قالوا وقد قال:
(تعاف الكلاب الضارياتُ لحومهم ويأكلنَ من عوفٍ وكعبٍ ونهشلِ)
قال أحيا القوم قتلاهم ولم يضيعوهم، قالوا وقد قال:
(وما سُمىَ العجلان إلا لقيلهم خُذِ القعبَ واحلبْ أيها العبدُ واعجل)
فقال عمر خير القوم خادمهم ثم بعث إلى حسان فسأله فقال ما هجاهم ولكن سلح عليهم فتهدد النجاشي وقال إن عدت قطعت لسانك. وكانوا يتمدحون بتقديم الورد وكان أعزهم أسبقهم إلى الماء بإبله ومثل قوله:
(تعاف الكلابُ الضارياتُ لحومهم )
قول البحتري:
(وردَدتُ العتابَ عليك حتى سئمت وآخرُ الودَ العتابُ)
(وهانَ عليك سخطي حينَ تغدو بعرضٍ ليسَ يأكلهُ الكلاب)
ومن التناهي في الاحتقار والخمول قول بعضهم:
(قالوا الأشاقر تهجوهمْ فقلت لهم ما كنتُ أحسبهم كانوا ولا خلقوا)
(قومُ من الحسبِ الزاكي بمنزلةٍ كالفقعِ بالقاعِ لا أصلٌ ولا ورقُ)
(إنَ الاشاقرَ قد حلوا بمنزلةٍ لو يرهبونَ بنعلٍ عندنا علقوا)
(لا يكثرون وإن طالتْ حياتُهمُ ولو تبولُ عليهم فأرةٌ غرِقوا)
وقول الآخر
(لو يحلوا بالحرير ما وجدوا)
وقول الآخر، أستغفر الله من قوله:
(يكادُ من رقةٍ ولؤم يخفي على البارئ القديمِ)
وقول أبي الهيذام:
(يا جعفرَ بن القاسم بن محمدٍ مالي أراك عن الندى معزولا)
(إني أقولُ مقالةً تجري بها لو كنتَ من كرم لكنت قليلا)
وقول أبي تمام:
(وما كنت أحسبُ أنَّ الدَهرَ يمهلني حتى أرى أحدًا يهجوهُ لا أحد )
[ ١ / ١٧٧ ]
ونحوه قوله:
(هب من له شئٌ يريدُ حجابةُ ما بالُ لا شئٍ عليهِ حجابُ)
وقال
(وأنت أنزر من لا شئ في العدد)
ومن مشهور ما قيل في بلوى الأخيار بالأشرار قول الأول:
(فلو أني بليتُ بهاشمي خؤلتهُ بنو عبد الداني)
(صبرتُ على عدواتهِ ولكن تعالى فانظري بمن ابتلاني)
وشكا رجل إلى أبي العيناء رجلا فقال فاك دخل في العدد وخرج من العدد، ويقول هو يعد في الحساب ويخرج من عدد التحصيل، وهو من قول القائل:
(خرجنا الغداةَ إلى نزهة وفينا زياد أبو صعصعة)
(فستةُ رهطٍ به خمسةٌ وخمسةُ رهطٍ بهِ أربعه)
وقلت في معناه:
(أنظر إليهمْ ولا تعجبك كثرتهم فانما الناسُ قلوا كلما زادوا)
(ولا يهولنك من دهمائهم عددٌ فليسَ للناس في التحصيل أعدادُ)
(عجبتُ من زهدهم فيما يزينهمُ والناسُ مُذ خلقوا في الخيرِ زهادُ)
ومن التناهي في صفة الخمول قول عبد الصمد في أبي العباس محمد بن يزيد المبرد:
(سألنا عن ثمالةَ كلَ حيٍ فقالَ القائلونَ ومن ثمالة)
(فقلتُ محمدُ بنُ يزيد منهم فقالوا زدتنا بهم جهالهْ)
ومن الاستحقار الشديد قول مسلم:
(أمويسُ قل لي أينَ أنتَ من الورى لا أنتَ معلومٌ ولا مجهولُ)
(أما الهجاءُ فدقَ عرضك دونهُ والمدحُ عنك كما علمتَ جليل)
(فاذهب فأنتَ طليقُ عرضك إنهُ عرضٌ عززتَ بهِ وأنتَ ذليل)
فجعله دون الرجاء والهجاء فوقه فلا يهجى لضعته وقلته. ومن هنا أخذ ابراهيم بن العباس قوله:
[ ١ / ١٧٨ ]
(فكنْ كيفَ شئتَ وقلْ ما تشاء وأبرق يمينًا وأرعد شمالا)
(نجا بك لؤم منجى الذباب حمتهُ مقاذيرهُ أن ينالا)
وهذه الأبيات وإن كانت مشهورة فإن لإيرادها ههنا معنى كبيرًا وذلك أني لست أجد خبرًا منها في معناها وأجود، وقد شرطت أن لا أضمن هذا الكتاب إلا كل جيد اللفظ بارع المعنى، وأنت أيضًا إذا احتجت إليه تتناوله من قرب. وأنشد الجاحظ:
(ووثقتَ أنك لا تسبُ حماكَ لؤمكَ أن تُسبا)
وقال الآخر:
(بذلةِ والديك كسيتَ عزًا وباللؤمِ أجترأتَ على الجوابِ)
وقال غيره:
(دناءةُ عرضك حصنٌ منيع تقيك إذا ساء منك الصنيعُ)
(فقلْ لعدُوِّكَ ما تشتهي فأنتَ الرفيعُ المنيعُ الوضيعُ)
وقلت:
(لست الوضيعَ ولا الصغيرَ وإنما أنتَ الوضيعُ عن الوضيع الأصغر)
(لا تفخرنَّ وإنْ غدوتَ مقدَّما فعلى جبينك سيمياء مؤخر)
وقال أبو نواس:
(ما كان لو لم أهجهُ غالب قامَ لهُ هجوي مقامَ الشرفْ)
(يقولُ قد أسرفَ في هجونا وإنما زادَ بذاك السرفْ)
(غالبُ لا تسعى لتبني العلا بلغتَ مجدًا بهجائي فقفْ)
( قد كنتَ مجهولًا ولكنني نَوَهْتُ بالمجهولِ حتى عرف)
فجعل شرفهم ونباهتهم بهجائه إياهم، وقوله:
(وما أبقيتُ من غيلانَ إلا كما أبقتْ من البظرِ المواسي)
ومن قديم الهجاء لمن لا يقع في حياته وفي موته فجيعة قول بعضهم:
(وأنتَ امرؤٌ منا خلقتَ لغيرنا حياتُك لا نفعٌ وموتُك فاجعُ)
وقال ابن الرومي:
(فلا تخش من أسهمي قاصدًا ولا تأمننَ من العايرِ)
[ ١ / ١٧٩ ]
(ولكنْ وقاك معرَاتها تضاؤلُ قَدرِكَ في الخاطرِ)
وقال غيره:
(إني هجوتُ بكلَ لفظٍ مقذعٍ زيدًا وكان لهُ الهجاءُ مديحا)
وقلت:
(يا أبا القاسم هل أبصرت شبهًا لك في قبحك)
(ونظيرًا لك شؤمك أو لؤمك أو شحك)
(إن من شبهك الكلب فقد بالغَ في مدحكَ)
وقلت:
(أهنت هجائي يا ابنَ عروةَ فانتحى علىَ ملامُ الناسِ في البعدِ والقربِ)
(وقالوا أتهجو مِثله في سُقوطهِ فقلتُ لهم جريتُ سيفي على كلبِ)
وقال ابن الرومي:
(خسأت كلبًا مَرَ بيَ مَرَةً فقال مَهلًا يا أخا خالدِ)
(حسبكمُ خزيًا بني آدم شركتكم إياه في الوالد)
ومثله ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدني ابن لنكك لنفسه:
(وعصبةٍ لما توسطتهمْ صارت علىَ الأرضُ كالخاتمِ)
(كأنهمْ من سوءِ أفهامهمْ لم يخرجوا بعدُ إلى العالم)
(يضحكُ إبليس سرورًا بهم لأنهم عارٌ على آدم)
وقلت:
(وقلتُ للكلبِ حينَ مرَّ بيَ اخسأ فكأني كويتُ قلبك كيا)
(أترى أنني أعُدك كلبًا أنتَ عندي إذا نبحتَ الثريا)
ومن التناهي في الاستصغار والخمول قول زياد الأعجم:
(إذا ما اتقى الله امرؤُ وأطاعهُ فليسَ به بأسٌ وان كان من جرمْ)
(ولو جمعتْ جَرْمٌ على رأسِ نملةٍ لباتوا شِباعًا يضرطون من الشحم)
ومن بليغ ما جاء في الاستصغار ما رواه قدامة قال قال محمد بن ناشد سألني
[ ١ / ١٨٠ ]
فلان عن رجل فقلت يساوي فلس، فقال قد زدت في قيمته درهمين. ومن أبلغ ما قيل في الهجاء قول ذي الرمة:
(وأمثلُ أخلاقِ امرئِ القيسِ إنها صلابٌ على طولِ الهوانِ جلودُها)
(وما انتظرتْ غيابها لملةٍ ولا استؤمرتْ في حلَ أمر شهودُها)
(إذا امرئياتٌ حللن ببلدة من الأرض لم يصلح طهورًا صعيدها)
وقال غيره:
(لعمركَ ما تبلى سرابيلُ عامرٍ من اللؤم ما دامتْ عليهِ ظهورها)
وقال أبو سعيد المخزومي:
(يا ئابت بن أبي سعيدٍ إنها دولٌ وأحراها بأنْ تتنقلا)
(هلا جعلتَ لنا كحرمةِ دعبلٍ في استِ أمِّ كلبٍ لا تساوي دعبلا)
وقالوا أهجى بيت قاله محدث بيت حماد في بشار:
(نُسبتَ إلى بردٍ وأنتَ لغيره فهبك لبرد نِلتَ أمك مَنْ بُردُ)
وأخبرني أبو أحمد أخبرني أبو الحسن الصميري عن أبي العلاء قال حماد عجرد
(نسبت إلى برد وأنت لغيره)
قال بشار تهيأ لحماد في هجائي في هذا البيت خمسة معان أوردها جرير في الفرزدق فلم يقدر عليها حيث يقول:
(لما وضعتُ على الفرزدق ميسمي وضع البعيثِ جدعتُ أنفَ الأخطلِ)
ومن أجود ما هجى به الدعى قول دعبل في مالك بن طوق:
(الناسُ كلهمُ يسعى لحاجتهِ ما بينَ ذي فرحٍ منها ومهمومِ)
(ومالكٌ ظلَ مشغولًا بنسبتهِ يرمُ منها خَرابًا غير مرمومِ)
(يبني بيوتًا خرابًا لا أنيسَ بها ما بينَ طوقٍ إلى عمرِو بنِ كلثوم)
[ ١ / ١٨١ ]
وقال إبراهيم بن إسماعيل النسوي:
(لو أنَ موتى تميم كلهم نُشِروا وأثبتوك لقيل الأمرُ مصنوعُ)
(إنَّ الجديدَ إذا ما زيدَ في خَلقٍ تبينَ الناسُ أنَ الثوبَ مرقوعُ)
وقالوا أهجى بيت قاله محدث قول الآخر:
(قبحتْ مناظرُهمْ فحينَ خبرتهم حسنتْ مناظرهم لقبح المخبرِ)
ولست أعرف أبلغ في الهجاء من قول الأول:
(إن يفجروا أو يغدروا أو يبخلوا لم يحظلوا)
(وغدوا عليك مرجلينَ كأنهم لم يفعلوا)
هذا أبلغ من ذكر الفروج والقول الفاحش المقذع في الأمهات والأخوات. ومن البليغ قول حسان:
(أبناء طارف لنْ تلقي لهم شهبًا إلا التيوس على أقفائها الشعرُ)
(إن نافروا نفروا أو كاثروا كثروا أو قامروا الزنجَ عن أحسابهم قمروا)
(كأنَ ريحهمُ في الناس إذ خرجوا ريحُ الكلابِ إذا ما مسها المطرُ)
قد استوفى المعنى عند قوله (ريح الكلاب) ثم قال (إذا ما مسها المطر) فجاء بتتميم حسن. وقالوا قول جرير
(نُتِفَتْ شواربُهُم على الأبوابِ)
وقالوا قول حسان:
(أبوك أبو سُوءٍ وخالك مثلهُ ولستَ بخيرٍ من أبيك وخالِكا)
(وإنَّ أحقَ الناسِ أنْ لا تلومهُ على اللؤمِ من ألفى أباهُ كذلِكا)
ومن الأفراط في صفة البخل قول ابن الرومي في سليمان بن عبد الله بن طاهر:
(تجنب سليمان قفل الندَى فقد يئسَ الناسُ من فتحهِ)
(فلو كانَ يملكُ أمرَ أستهِ لما طمعَ الحشُ في سلحهِ)
[ ١ / ١٨٢ ]
وأبلغ ما قيل في الهجاء باللؤم قول الفرزدق:
(ولو تُرمي بلؤم بني كليبٍ نجومُ الليل ما وضحتْ لسارِ)
(ولو لبسَ النهارُ بني كليبٍ لدنسَ لؤمهم وضحَ النهارِ)
(وما يغدو عَزيزُ بني كليبٍ ليطلبَ حاجةً إلا بجارِ)
وقد مر البيتان الأولان فيما تقدم. ومن الافراط في الهجاء قول الآخر:
(لو اطَلعَ الغرابُ على تميم وما فيها من السوآتِ شابا)
وقول الآخر:
(سَل اللهَ ذا المنَ من فضلهِ ولا تسألنَ أبا وائلهْ)
(فما سألَ الله عبدٌ لهُ فخابَ ولو كانَ من باهلْه)
وقال الآخر:
(ولو قيلَ للكلبِ يا باهلي لأعولَ من قبح هذا النسبْ)
وأنشدني أبو أحمد أنشدني أبو مسلم بن بحر لإبراهيم بن العباس وهي أبيات مشهورة أوردتها لأني لست أجد مثلها في معناها:
(ولما رأيتك لا فاسقًا تهابُ ولا أنتَ بالزاهدِ)
(وليسَ عَدُوك بالمتقي وليس صديقك بالحامدِ)
(أتيتُ بك السوقَ سوقَ الرقيقِ فناديتُ هل فيك من زائد)
(على رجلٍ غادرٍ بالصديقِ كفورٍ لنعمائهِ جاحد)
(فما جاءني رجلٌ واحدٌ يزيدُ على درهم واحد)
(سوى رجلٍ حار منه الشقا وحلتْ به دعوةُ الوالد)
(فبعتك منهُ بلا شاهدٍ مخافةَ أدرك بالشاهدِ)
(وأبتُ إلى منزلي سالمًا وحَلَ البلاءُ على الناقدِ)
وقد أحسن التصرف فيها فما قاربه في معانيها أحد. وأبلغ ما قيل في البخل قول ابن الرومي:
[ ١ / ١٨٣ ]
(يقترُ عيسى على نفسهِ وليسَ بباقٍ ولا خالدِ)
(فلو يستطيعُ لتقتيرهِ تنفس من منخر واحد)
(رضيتُ لتشتيت أمواله يدي وأرثٍ ليسَ بالحامدِ)
والناس يظنون أن ابن الرومي ابتكر هذا المعنى وإنما أخذه مما رواه الجاحظ أن فلانًا كان يقير أحدى عينيه ويقول إن النظر بهما في زمن واحد من السرف. ومن الفرد الذي لا شبيه له قول بعضهم:
(إلى اللهِ أشكو أنني بتُ طاهرًا فجاءَ سلوليٌ فبالَ على رجلي)
(فقلتُ اقطعوها باركَ اللهُ فيكمُ فإني كريمٌ غير مدخلها رحلي)
وقلت:
(وقفت لديكمْ للسلام عليكُم وقوفي على أطلالِ سلمى وعاتكهْ)
(يرومك تسليم العفاة كأنه بوادرُ طعنٍ في الضلوع مواشكهْ)
(وما فيكمُ حرٌ يكرمُ ضيفهُ ولكن إذا ما ساء أكرم نائلَهْ)
(وإن كنتمُ ناسا وما أنتمُ بهِ فإن القرودَ والكلابَ ملائكةْ)
وليس في هذا الباب أبلغ من هذا ولا أعرفني سبقت إليه. وقال بعضهم:
(سمعت المديح أناسًا دون مالهم رد قبيح وقول ليسَ بالحسنِ)
(فلمْ أفز منهمُ إلا بما حملتْ رجلُ البعوضةِ من فخارةِ اللبن)
وهذا كما تراه بليغ جدًا. وقال الآخر
(يعطيك ما تعطيك مكحلة )
وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن أبي طاهر لدعبل:
(أتقفلُ مطبخًا لا شئ فيهِ من الدُّنيا تخافُ عليه أكلُ)
(فهذا المطبخ استوثقتَ منه فما بالُ الكنيفِ عليهِ قفلُ)
(ولكن قد بخلتَ بكلَ شئٍ فحتى السلح منكَ عليك بخل)
وأنشدنا:
(وإنَ لهُ لطباخًا وخبزًا وأنواعَ الفواكهِ والشرابِ)
(ولكن دونهُ حبسٌ وضربٌ وأبوابٌ تطابقُ دونَ بابِ)
[ ١ / ١٨٤ ]
(يذودونَ الذُبابَ يمرُ عنه كأمثالِ الملائكةِ الغضابِ)
وقال الخليل بن أحمد:
(لا تعجبنَ لخيرٍ زلَ عن يدهِ فالكوكبُ النحسُ يسقي الأرضَ أحيانا)
وقال أبو تمام:
(صدقَ أليتهُ إن قال مُجهدًا
(لا والرغيفِ) فذاك البِر من قَسَمِهْ)
(وإن هممتَ به فاقتك بخبزتهِ فإن موقعها من لحمهِ ودمهِ)
(قد كانَ يعجبني لو أنَ غيرتهُ على جرادقةٍ كانتْ على حرمه)
وقال الآخر:
(يَزدادُ لؤمًا على المديح كما يَزدادُ نتنُ الكلابِ بالمطرِ)
وقلت:
(خُبزُ الأميرِ عشيَّةً يغدُو عليهِ يُلاعبُهْ)
(وإذا بَدَا لجليسهِ أفضى إليه يعاتبُهْ)
(وتحوطُهُ أحراسُهُ وَتذبُ عنهُ كتائبه)
(فالزورُ يُصفعُ عندهُ والضيفُ ينتفُ شاربه)
وقال آخر:
(فتى لرغيفهِ فرط وشغف واكليلانِ من دُرٍ وشذرِ)
(إذا كسر الرَّغيف بكى عليهِ بكا الخنساء إذ فجعتْ بصخر)
(ودونَ رغيفهِ قلعُ الثنايا وحربٌ مثل وقعةِ يوم بدرِ)
وقال آخر:
(إنَّ هذا الفتى يصون رغيفًا ما إليه لآكلٍ من سبيلِ)
(هو في سفرتين من أدمِ الطائف في سلتين في منديل)
(خُتمتْ كلُ سلةٍ برصاصٍ وسيورٍ قُددن من جلدِ فيلِ)
(في جرابٍ في جوفِ تابوتِ موسى والمفاتيحُ عندَ ميكائيلِ)
وقلت:
(لنا سيدٌ واحدٌ ماجدٌ يقتل في الجود آباءهُ)
(لئيمٌ إذا جاءهُ طارقٌ فقد جاءَه كلُ ما ساءَهُ)
[ ١ / ١٨٥ ]
(وهل يطمعُ الناسُ في خبزه إذا كان يمنعهم ماءَه)
(فما ولغ الكلب في لؤمه لما زال يقذفُ أمعاءَه)
وسمعت عن أبي حفص يقول قال جعفر بن محمد العسكري أبلغ ما قاله محدث في البخل قول بعضهم:
(الحابس الرَوثَ في أعفاج بغلته خوفًا على الحبَ من لقطِ العصافيرِ)
وأجود ما قيل في البخل قول بعضهم:
(وعدت فأكدت المواعيد بيننا وأقلعت إقلاع الجهام بلا وبلِ)
(وأجررت لي حبلا طويلا تبعته ولم أدر أنَ اليأسَ في طرف الحبلِ)
وقال أبو نواس:
(رأيتُ قُدور الناس سودًا من الصَّلى وقِدر الرَقاشين زهراء كالبدرِ)
(يُبيتهُا للمعتفي بفنائهمْ ثلاثا كنقط الثاء من نُقَط الحِبرِ)
(إذا ما تنادَوا للرَّحيل سعى بها أمامهمُ الحوليّ من ولد الذّر)
(ولو جئتها ملأى عبيطًا مجزرًا لأخرجت ما فيها على طرف الظفر)
غيره:
(يحصنُ زَاده عن كلَ ضرس ويعمل ضرسه في كلِّ زادِ)
(ولا يَروي من الآداب شيئًا سوى بيتٍ لأبَرهةَ الأيادي)
(قليلُ المالِ تُصلحهُ فيبقى ولا يبقى الكثيرُ مع الفسادِ)
وقلت في مثلهِ:
(يطعمُ دُونَ الشبع أولادَهُ ويختمُ البُرمَةَ والجفنَه)
(لم يَروٍ إلاَّ خبرًا واحدًا قد تذهبُ البطنةُ بالفطنة)
وقال آخر:
(ظلمتك إذ سألتك ماءَ كرم وماءُ الكرم للرجلِ الكريمِ)
وقلت:
(لك بُرمةٌ نَزَّهتها من أن تدنسَ بالدَّسَمْ)
(بيضاءَ يُشرقُ نورُها كالبدرِ في غسقِ الظلم)
[ ١ / ١٨٦ ]
(لو كانَ عرضُك مثلها كنتَ المَمدح في الأمم)
(أو كانَ فعلك مثلَ قولك كنتَ تاريخَ الكرم)
ومن أبخل بيت قيل:
(وما رَوَحتنا لتذبَ عنا ولكنْ خَفتَ مرزئةَ الذباب)
وقال أبو نواس يصف قدرًا:
(يغصُ بحلقومِ الجرادةِ صدرها وينضحُ ما فيها بعودِ خلالِ)
(وتغلى بذكرِ النارِ من غير حرها وتنزلها عفوًا بغير جمال)
(هي القدرُ قدرُ الشيخِ بكرِ بنِ وائلٍ ربيعِ اليتامى عامَ كلِّ هزالِ)
وقال ابن الرومي:
(رأى البخلَ طبًا فهو يحمي ويحتمي فلستَ ترى في بيته غيرَ جائعِ)
ومن أجود ما قيل في زيادة البخل والشح مع زيادة المال قول ابن الرومي:
(إذا غمرَ المالُ البخيلَ وجدتهُ يزيد به يَبسًا وإن ظنّ يرطُب)
(وليس عجيبًا ذاك منهُ فأنهُ إذا غمرَ الماءُ الحجارةَ تصلبُ)
وهو مأخوذ من قول بعض حكماء الهند. وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن أبي طاهر:
(رغيفك في الحجابِ عليه قفلٌ وحراسٌ وأبوابٌ منيعَهْ)
(رأوا في بيتهِ يومًا رغيفًا فقالَ لضيفه هذا وديعة)
وأنشدنا عنه:
(له حاجبٌ دُونهُ حاجبٌ وحاجبُ حاجبهِ مُحتجبُ)
وقال أبو تمام:
(لا تكلفنَ وأرضُ وجهك صخرةٌ في غيرِ منفعةٍ مؤونةَ حاجبِ)
[ ١ / ١٨٧ ]
وقال آخر:
(لا تتخذْ بابًا ولا حاجبًا عليك من وجهك حُجابُ)
وأنشدنا:
(أعجبت أن ركب ابن حزم بغلة فركوبُه ظهرَ المنابرِ أعجبُ)
(وعجبت أن جعل ابن حزم حاجبا سُبحانَ من جعلَ ابنَ حزم يحجب)
وقال آخر:
(إحتجب الكاتب في دَهْرِنا وكان لا يحتجبُ الحاجب)
(القومُ يخلون بحجابهم فينكحُ المحجوبُ الحاجب)
وقال آخر وأحسن:
(وصاحبٌ أسرفتُ في مدحه وبخلهُ يُسرعُ تكذيبي)
(وحجابهُ ألزمني منزلي وبخلهُ أحسنَ تأديبي)
وقلت في معناه:
(مدحت فلم تصدق ولم تك مُذنبا ولكنَ دهرًا لم يساعدك مذنب)
(وما الجهلُ إلا أن تقرظَ معشرًا خلائقهم يشهدنَ أنك تكذبُ)
وأنشدنا أبو أحمد:
(لا خيرَ في صاعدٍ فأذكرهُ والخيرُ يأتيك من يدي عمرِ)
(ليسَ لهُ ما خلا أسمهِ نسبٌ كأنهُ آدمٌ أبو البشر)
ومن أظرف ما قيل في هذا الباب قول ابن الرومي:
(لك وجهٌ كآخر الصكَ فيهِ لمحاتٌ كثيرة من رجالِ)
(كخطوطِ الشهودِ مشتبهاتٍ معلماتٍ أن لستَ بابن حلالِ)
وقلت:
(إن كانَ شكلك غيرُ مُتفق فكذا خلالك غيرُ مؤتلفة)
(من عصبةٍ شتى إذا اجتمعوا شبهت داركم بع عرفه)
(صورت من نطف قد اختلفت فأتتْ خلالُك وهي مختلفهْ)
(فورِثتَ من ذا قبحَ منظرهِ وورثت ذاك خناه أو صلفه)
(عريتني أنْ رُحتُ في سَمل والدُرُ لا تزري به الصدفة)
[ ١ / ١٨٨ ]
وأجود ما قيل في عظم الجسم مع قلة العقل من الشعر القديم قول حسان:
(جِسُمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ) ٥ وقال ابن الرومي:
(طولٌ وعَرضٌ بلا عقلٍ ولا أدبٍ فليسَ يحسنُ إلا وهو مَصلوبُ)
وقال وأحسن:
(إذا فقتَ الذميمَ بحسن جسمٍ فلا يسبقك بالشيمَ الشريفة)
(فيصبح أفضلَ الرجلين نفسًا وتصبحُ أعظمَ الرجلينِ جيفه)
وأنشدنا أبو أحمد أنشدني ابن لنكك لنفسه:
(إثنان لم ينكرهما منكرٌ بغضُ أبي إسحاقَ والموتُ)
(ويدعي العلمَ على أنهُ قد طارَ بالجهلِ لهُ الصوتُ)
(لا يلتقي والعلم في مجلس أو يلتقي الإدراكُ والفوتُ)
وكتب ابن العميد وليت شعري بأي حلي تصديت له وأنت لو توجت بالثريا وتمنطقت بالجوزاء وتوشحت بالمجرة وتقلدت قلادة الفكة ما كنت إلا عطلًا ولو توضحت بأنوار الربيع الزاهر وشدخت في جبينك غرة البدر الباهر واستعرت من الصباح ثوبًا وخضت أوضاح النهار خوضًا ما كنت إلا غفلا. وأبلغ ما قيل في صفة ثقيل ما أنشدناه ابن أبي حفص عن جعفر:
(وثقيل أشدّ من غصص الموت ومن زفرةِ العذابِ الأليمِ)
(لو عصتْ ربَّها الجحيمُ لما كان سواهُ عقوبةً للجحيمِ)
وأبدع ما قيل في هذا المعنى قول بشار:
(ربما يثقلُ الجليسُ وإن كانَ خفيفًا في كفهِ الميزانِ)
(ولقد قلتُ حين طل على القوم ثقيلٌ أرني على ثهلان)
[ ١ / ١٨٩ ]
(كيف لم تحملِ الأمانةَ أرضٌ حملتْ فوقها أبا سفيانِ)
أخذه ابن الرومي فقال:
(أنتَ فضلٌ وفضلةُ الشئ لغوٌ ثم أردفتَ ذلةَ التصغيرِ)
(حُقرَ الفضلُ ثم صُغرتَ عنهُ زادك اللهُ يا صغيرَ الحقيرِ)
(ثمَ عَرجتَ فاحتواكِ انتقاصٌ في اسمِ سوء وجسمِ سوءٍ ضريرِ)
(ثم بردتَ فانتصفتَ من النار ببردٍ يربى على الزمهريرِ)
(فقبولُ النفوس إياكَ عندي آيةٌ فيك للطيفِ الخبيرِ)
(إنَ قومًا أصبحتَ تنفقُ فيهم لعلى غاية من التسخيرِ)
(أو أناس غدوا وارحوا من الطرفِ على حالةِ الفقير الوقيرَ)
(فمتى ظفروا بزور ظريفٍ أعجبتهم زخارفُ التزوير)
(كالأعاريب لم يروا درمك البرَ فهم يعظمونَ خبزَ الشعير)
(وكذا القومُ لم يروا لجة البحر فهم يكبرونَ ماء الغدير)
(يا ثقيلا على القلوب خفيفًا في الموازين دونَ وزن النقير)
(طر سخيفًا وقع مقيتًا فطورًا كسفاة وتارةً كثبير)
وله:
(وثقيل سبحانهُ من ثقيل وتعالى عن كلَ مثلٍ وندَ)
(حمل الله أرضه ثقليها وعلاها بثالث من أد)
وأجود ما قيل في تباعد الأشباه من الأقرباء ما
أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال سمعت المبرد يقول لم يقل في تباعد الأشباه من الأقرباء أجود من قول ابن أبي عيينه يهجو خالد بن يزيد المهلبي ويمدح أباه في كلمة:
(أبوكَ لنا غيثٌ نعيشُ بفضله وأنتَ جرادٌ ليس يبقى ولا يَذَرْ)
(له أثرٌ في المكرماتِ يسرُّنا وأنت تعفي دائمًا ذلك الأثر)
[ ١ / ١٩٠ ]
(لقد قنعتْ قحطانُ خزيًا بخالد فهل لك فيه يخزيك اللهُ يا مُضرُ)
فسمع المهدي بيته هذا فقال بل تكرمون وتؤثرون. وله في مثل ذلك يقول في قبيصة بن روح بن حاتم يفضل عليه ابن عمه داود بن يزيد بن حاتم:
(أقبيصُ لستَ وإن جهدتَ ببالغ سعىَ ابن عمك في الندى داودِ)
(شتانَ بينك يا قبيصُ وبينه إنَّ المذَممُ ليس كالمحمود)
(داودُ محمودٌ وأنتَ مُذممٌ عجبًا لذاك وأنتما من عودِ)
(ولربَ عود قد يشقُ لمسجد نصفًا وسائرهُ لحشَ يهود)
وقلت في خلاف ذلك:
(كم حاجةٍ أزلَتها بكريمِ قومٍ أو لئيم)
(فإذا الكريمُ من اللئيم أو اللئيم من الكريمِ)
(سبحانَ ربِ قادرٍ قدرَ البريةَ من أديم)
(فشريفهم ووضعيهم سيان في شرفٍ ولومِ)
(قد قلَّ خيرُ غنيهم فغنيهمْ مثلُ العديمِ)
(وإذا اختبرتَ حميدَهم الفَيته مثلَ الذميم)
لا (نفعَ فيهِ) للصغير من الأمورِ ولا العظيمِ)
(أنظر إلى كبرِ الجسوم ولا تسلْ رفعَ الجسيمِ)
وقالوا أنصف بيت قيل في الهجاء قول حسان:
(هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه وعندَ اللهِ في ذاك الجزاءُ)
(أتهجوهُ ولستَ لهُ بكفءٍ فشركما لخيرِكما الفداءُ)
[ ١ / ١٩١ ]
يقوله في أبي سفيان بن الحارث، وفيه يقول أيضًا:
(أبوك أبٌ حرٌ وأمُّك حُرةٌ وقد يلدُ الحرانِ غيرَ نجيبِ)
(فلا يعجبنَ الناسُ منك ومنهما فما خَبثٌ من فضةٍ بعجيب)
وأخبرنا أبو علي بن أبي حفص
أخبرنا جعفر بن محمد قال أهجى ما قالت العرب قول الشاعر:
(فصبرًا على ذلّ ربيع بن مالك وكلُ ذليل خَير عادته الصبرُ)
(تحالفكم فقرٌ قديمٌ وذلة وبئسَ الحليفان المذلةُ والفقرُ)
ومن غير هذا الفن ما
أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال قال أبو سرج سمعني أبو دلف أنشد:
(لا يمنعنك خفضُ العيشِ في دعًةٍ نزوعُ نفسٍ إلى أهلٍ وأوطانِ)
(تلقى بكلِّ بلادٍ إنْ حللتَ بها أهلًا بأهلٍ وجيرانًا بجيرانِ)
فقال هذا الأم بيت قالته العرب. والنزوع ههنا ردئ والجيد النزاع، وإنما جعل هذا البيت أبو دلف ألأم بيت قالته العرب لأنه يدل على قلة رعاية وشدة قساوة، وحنين الرجل إلى وطنه من المناقب التي يعتد بها ويمدح لأجلها لما فيه من الدلائل على كرم الطينة ووفور العقل، وقد قالت الحكماء: حنين الرجل إلى وطنه من علامات الرشدة. وقال بزرجمهر: من علامات العاقل بره بإخوانه وحنينه إلى أوطانه ومداراته لأهل زمانه، وقال أعرابي: لا تشك بلدًا فيه قبائلك ولا تجف أرضًا فيها قوابلك وقالت العرب: أكرم الخيل أشدها جزعًا من السوط وأكيس الصبيان أشدهم بغضًا للمكتب وأكرم الصفايا أشدها حنينًا إلى أوطانها وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها وأكرم الناس آلفهم للناس. وقلت:
(إذا أنا لا أشتاقُ أرضَ عشيرتي فليسَ مكاني في النهى بمكينِ)
(من العقل أن أشتاقَ أولَ منزل غنيتُ بخفضٍ في ذراه ولين)
(وروض رعاهُ بالأصائلٍ ناظري وغصن ثناهُ بالغداةِ يميني)
[ ١ / ١٩٢ ]
(وإني لا أنس العهودَ إذا أتتْ بنات النوى دونَ الخليطِ ودوني)
(إذا أنا لم أرعَ العهودَ على النوى فلست بمأمون ولا بأمينِ)
وسنذكر من هذا الباب طرفًا فيما بعد إن شاء الله تعالى. ومما لا تكاد تجد أجود منه في معناه ما
أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال دخل بعض الشعراء على بعض الأمراء ببرقعيد فجعل ينشده وجعل الأمير يعاتب جارية بين يديه ولا يسمع منه فخرج وهو يقول:
(أدبٌ لعمركَ فاسدٌ مما تُؤدبُ بَرْقعيدُ)
(مَنْ ليس يعرف ما يريد فكيفَ يعرفُ ما نريدُ)
(منْ ليسَ يضبطهُ الحديد فكيفَ يضبطهُ القصيد)
(مالي رأيتك مرسلًا أينَ السلاسلُ والقيود)
(أغلا الحديدُ بأرضكم أم ليسَ يصطك الحديدُ)
وقلت في المعنى الذي تقدم:
(قلَ خيرُ ابن قاسم فغناهُ كعدمهِ)
(كادَ منْ خشية القرى يختبي في حِرامهِ)
(جازَ في اللؤم حَدَهُ كأبيه وعمهِ)
(كادَ يعديك لؤمهِ لو تسميتَ باسمه)
وقلت:
(قرانا بُقولًا إذ أنخنا ببابهِ فأصبحَ فينا ظالمًا للبهائمِ)
(وقفنا عليهِ الركبَ نسألهُ القرى ونحن على أعناق أغبر قائم)
[ ١ / ١٩٣ ]
(فصامَ وصوم الليلِ ليس بجائزٍ وإن جازَ في فقهِ اللئام إلا شائم)
(أجازَ صيامَ الليلِ حين استفزهُ تعاورُ ضيفٍ في دُجى الليلِ عائمِ)
(فبتنا أديمَ الليلِ نطوي على الطوى كأنا على غبراءَ من ظهر واشم)
(وأطمعنا لما مرقنا من الدُّجى دحاريجَ لا تنساقُ في حلقِ طاعم)
(مُدورةً سودَ المتون كأنها خصى الزَّنج لاحت تحت فِيَش قوائمِ)
(فأبشارها تحكي بطونَ عقاربٍ وأرؤسها تحكي أنوفَ محاجم)
ومن أعجب الهجاء هجو الرجل نفسه وهو ما رويناه للحطيئة ثم قال ديك الجن:
(أيها السائلُ عني لستَ بي أخبرَ منّي)
(أنا إنسانٌ براني الله في صورةِ جني)
(بل أنا الأسمج في العين فدع عنك التظى)
(أنا لا أسلم من نفسي فمن يسلمَ مِنّي)
وهجا أبو نواس نفسه من حيث لا يعلم فقال في رجل وعده أبو نواس وعدًا ثم مطله:
(وأحوس ولاجٌ علىَ روائحٌ رجاءَ نوال لو أعين بجودِ)
(زويتُ له وجهًا قطوبًا عن الندى وأيأستهُ من وعدهِ بوعيد)
(فان كنتَ لاعن سوء فعلك مقلعًا فدونك فاستظهر بنعلِ حديدِ)
(فعندي مطلٌ لا يطير غرابُه مطير ولا يدعى له بوليد)
ومن خبيث الهجاء قول ابن الرومي:
(مني الهجاء ومنك الصبر فاصطبرِ لشرَ منتظر يا شرَ منتظر)
[ ١ / ١٩٤ ]
(أنتَ اللئيم فان تصبر فمن قحة على الهوان وإن تجزع فمن خورِ)
(رأيت عيبك شعري حين تالمه شبيه عضَ أخيك الكلب للحجر)
(فانظر إلى الكلب مرميًا لتعلم أن لم تترك شبهًا منه ولم تذر)
وقال ابن الزمكدم:
(وليلٍ كوجهِ البر قعيدي ظلمة وبرد أغانيه وطول قرونِهْ)
(سريت ونومي فيه نومٌ مشردٌ كعقل ابن هارون ورقة دينه)
(على أولق فيه اختبالٌ كأنه أبو جابر في خبطه وجنونِهْ)
ومن أبلغ ما قيل في الجبن من الشعر القديم قول الشاعر:
(ولو أنها عصفورة لحسبتها مسومةً تدعوا عبيدًا وأزلمًا)
أي لو رأيت عصفورة لحسبتها من جنبك خيلًا مسومة، ومثله قول عروة بن الورد:
(وأشجع قد أدركتهم فوجدتهم يخافون خطف الطير من كلِّ جانبِ)
ومثله قول الآخر:
(ما زلت تحسب كل شئ بعدهم خيلًا تكرُّ عليهم ورجالا)
وقال أبو تمام:
(موكل بفضاءِ الأرضِ يشرفه من خفة الخوف لا من خفة الطربِ)
وأبلغ ما قاله محدث في ذلك قول ابن الرومي:
(وفارس أجبن من صفره يحول أو يعور من صفره)
(لو صاح في اليل به صائحٌ لكانت الأرض له طفره)
(يرحمه الرحمن من جنبه فيرزق الجندية النصره)
وقال في سليمان بن عبد الله بن طاهر:
(قرنُ سليمان قد أضرَ به شوقٌ إلى وجههِ سيدنفهْ)
(لا يعرف القرن وجهه ويرى قفاه من فرسخ فيعرفه)
[ ١ / ١٩٥ ]
وقال فيه:
(هو الأسدُ الوردُ في قصرِهِ ولكنه ثعلبُ المعركة)
ومن ظريف ما جاء في ذلك قول أبي الغمر هارون بن محمد من أهل آمل خرج عليه اللصوص فسلم إليهم متاعه وهرب: أنشدناه أبو أحمد عن الأنباري:
(طلتَ تشجعني ضلًا بتضليل وللشجاعة خطبٌ غير مجهولِ)
(هاتي شجاعًا بغير القتل مصرعه أو جدك ألف جبان غير مقتولِ)
(والله لو أن جبريلًا تكفل لي بالنصر ما خاطرت نفسي لجبريل)
(إسمع أحدثك عن بذي شكر خلاف بأس المساعير البهاليل)
(لما بدت منهم نجوى جميعة تسرع الذ عرضي وفي طولي)
(حتى اتقيتهم طُوعًا بذات يدي وانصعت أطوى ألفا ميلا إلى ميل)
(الله خلصني منهم و؟ حتى تخلصت مخضوب السراويلِ)
وهذا خلاف ما قاله المتنبي:
(وإذا لم يكنْ من الموت بدٌ فمن العجزِ أن تموتَ جبانا)
وقال سعيد بن العاصي حين هرب مروان بن محمد:
(لجَ الفرارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ عادَ الظلومُ ظليمًا همُّهُ الهربُ)
(أنى الفرار وترك الحربِ إذ كشفت عنك الهوينا فلا دينٌ ولا حسبُ)
(فراسه الحلم فرعون العذاب وان تطلبْ نداه فكلبٌ دونهُ كلبُ)
فشبهه بالنعامة في الجبن وهو من أنفر الحيوان. وقال بعض العرب:
(نفرجةٌ ينفرُ من ظلَ الشجرْ فؤادهُ أنثى وضرسهُ ذكرُ)
والنفرجة الجبان. ومن جيد ما قيل في التطير قول بعضهم:
(الكوكب الذنبي يخبر بالعجائبِ بعد سبعة)
(خلعوا عليه وبجلوه وصار في عزٍ ومنعه)
(وكذاك يفعل بالجذور لنحرها في يوم جمعه)
وقريب منه:
(وزارة العباس منكوسةٌ تقتلع الدَّولة من أسّها)
[ ١ / ١٩٦ ]
(كأنه حين غدا راكبًا في خلعة يعجزُ عنْ لبسها)
(جاريةُ السوء إذا جربت ثيابَ مولاها على نفسِها)
وأكسل ما سمعناه ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن عماد عن سليمان عن يحيى بن سعيد الأموي لبعضهم:
(سألت الله أن يأتي بسلمى وكان الله يفعل ما يشاءُ)
(فيأخذها ويطرَحُها بجنبي ويرقدها وقد كشف الغطاء)
(ويأخذني ويطرَحُني عليها ويرقدها وقد قضَى القضاءُ)
(ويرسل ديمةً سحا علينا فيغسلنا ولا يلقى عَناءُ)
أخبرنا أبو أحمد عن أبي عمر عن ثعلب قال قلت لابن الأعرابي من أحمق الأعراب؟ قال أعرابي سبق الناس إلى الموسم وجعل يدعو الله لحاله وشأنه ويقول: اللهم اقض حاجاتي قبل أن يدهمك الوفد. قال ثعلب أفلا أدلك على أحمق منه الذي يقول:
(خلقَ السماءَ وأرضهُ في ستة وأبوك يمدد حوضه في عام)
وسألني بعض الأدباء من أهل البصرة فقال أي الشعراء أشد حمقًا؟ قلت الذي يقول:
(أتيهُ على إنسِ البلادِ وجنّها ولو لم أجدْ خلقًا لتهتُ على نفسي)
(أتيه فلا أدري من التيهِ من أنا سوى ما يقول الناسُ فيَّ وفي جنسي)
(فإن صدقوا أني من الإنس مثلهم فما فيَّ عيبٌ غيرَ أني من الإنسِ)
فقال ما عدوت ما في نفسي. وقال بعضهم لابنه إياك والكبر وكيف الكبر مع النطفة التي منها خلقت والرحم التي فيها حملت والغذاء الذي به غذيت. ومن بليغ ما جاء في ذم الكبر قول بعضهم: التواضع مع السخافة والبخل أحمد من السخاء والأدب مع الكبر والعجب. وقلت في مثل هذا:
(وعندَهُمْ مُذنِبٌ مُنيبٌ أحمدُ من محسنٍ مدلّ)
وأبلغ ما قيل في صلابة الوجه قول الأعرابي: لو دق بوجهه الحجارة لرضها
[ ١ / ١٩٧ ]
ولو خلا بالكعبة لسرقها. ومن المنظوم قول بعضهم:
(لو كنت من شئ خلافك لم تكن لتكون إلا مشجبًا في مشجب)
(يا ليتَ لي من جلد وجهك رقعة فأقدّ منها حافرًا للأشهب)
والبيت الأول مأخوذ من قول بعضهم: فلان يشجب من حيث رأيته وجدت (لا) .
(وقد أحسن ابن أبي العتاهية في قوله:
(قتلتْ (لا) فإنها خلعت خلعةَ العدم)
(فهي تستهلك الجميل وتأتي على الكرمِ)
وقول أبي تمام:
(وسابحٍ هطلِ التعداءِ هّتانِ على الجزاء أمين غير خوانِ)
(أظمى الفصوصَ ولم تظمأ قوائمه فخل عينيك في ظمآن ريانِ)
(فلو تراه مسيحًا في الحصى ريم تحت السنابكِ من مثنى ووحدان)
(أيقنت ان لم تثبت أن حافرهُ من صخر تدمر أو من وجه عثمان)
وقال في معناه يمدح رجلًا ويهجو عثمان هذا:
(عثمان لا تلهج بذكر محمد يرضيك طول المجد عنك وعرضه)
(بذلك كله امساكه ويفوتُ بسطكَ في المكارم قبضه)
(وكأن عرضَك في السهولةِ وجهه وكأنَّ وجهَك في الحزونِة عرضهُ)
وقال أبو الشمقمق:
(صلابةُ الوجهِ سلاحُ الفتى ورقةُ الوجهِ من الحرفهْ)
(من كانَ صلبًا وجههُ محكمًا فأنت منه الدّهر في طرفه)
ومن أبخل ما قاله محدث قول ابن طباطبا الأصبهاني يخاطب غلامه:
(إجعل الزَّوج من سراجك فردا واقتصد يا غلامُ والقصد أجدى)
[ ١ / ١٩٨ ]
(إن يكنْ فقدك الضياء رديئًا فاقتصادي للزر أردى وأردى)
وقد غير هذا البيت في وجوه الأبيات المقولة في البخل. ومن أملح ما قيل في مخالفة ظاهر الرجل باطنة قول بعضهم:
(إذا ما جئتَ أحمدَ مستميحا فلا يغررك منظرهُ الأنيقُ)
(لهُ خلقٌ وليس عليهِ خلقٌ كبارقةٍ تروق ولا تريق)
وممن ملح في الدعوة رزين العروضي:
(لقد جئت يا ابن أبي تبّع بأمِّ الدَّواهي لدى المجمعِ)
(حلفت بأنك من حميرٍ وليس اليمين على المدَّعي)
وملح أيضًا في قوله:
(إنْ فخرَ الناسُ بآبائهم أتيتهمْ بالعجب العاجبِ)
(قلتَ وأدغمت أبًا خاملًا أنا ابن أخت الحسن الحاجبِ)
ومن أملح ما قيل في إفشاء السر قول بعضهم:
(أوْدَعْتُهُ السرِّ فألفيتهُ انمَّ منْ كأسٍ على راح)
وقال السري:
(تثنى عنك فاستشعرتَ هجرا خلالٌ فيك لست لها براضِ)
(وإنك كلما استودِعْتَ سرّا أنمّ من النسيم على الرِّياضِ)
وقد أحسن كعب بن زهير غاية الإحسان في قوله:
(ولا تمسك بالعهدِ الذي عهدتْ إلّاُ كما يمسك الماءَ الغرابيلُ)
وأخذه الحطيئة فقال:
(أغربالًا إذا استُودِعت سِرًا وكانونًا على المتحدِّثينا)
والكانون: الرجل الثقيل، قال الشاعر:
(ليتَ الكوانينَ في زبل معلقة تحتَ الثريا بحبل ثم ينقطع)
[ ١ / ١٩٩ ]
وقد مر فيما تقدم بيت الحطيئة: ومدح ابن الرومي ابن المدبر فرد مديحه فقال فيه:
(رددتَ علىَ مدحي بعدَ مطلٍ وقد دَنَستْ ملبسه الجديدا)
(وقلت امدح بِه من شئتَ غيري ومن ذا يقبل المدحَ الرَّدِ يدا)
(ولاسيما وقد أعلقتَ فيهِ مخازيك اللواتي لن تبيدا)
ثم أخنى عليه بالهجاء حتى قال فيه وقد ضربه الريح بالأهواز ضربة في وجهه مدحه بها البحتري مدحًا كثيرًا فمن ذلك قوله:
(ووجهٌ ضمان البشر فيه موقفٌ على النجح والحاجاتُ تترى عجالُها)
(به من صفيح الهند وشمٌ تبينهُ صفيحةُ وضَّاح يروق جمالُها)
(متى ربدتها عزةٌ أو حفيظةٌ أعيد إليها بالسؤالِ صقالها)
(متى ترَها يومًا عليها دليلها تعجبك من شمسٍ عليها هلالُها)
وذكرها ابن الرومي فأفحش في قوله:
(بوجهِ أبي إسحاق صدعٌ كعرضةٍ له قصةٌ غير الذي هو يظهرُ)
(يخبر عنه أنه أثرُ ضَربة ببعضِ سيوفِ الزَّنجِ حينَ يخبر)
(وما ضربتهُ الزَّنجُ في الوجهِ بل رأى أبورهم فانشق في وجههِ حرُ)
في أبيات سخفية فطلبه ابن المدبر أشد الطلب فلما ظفر به وأراد قتله أنشأ يقول:
(حقكَ الصفحُ عن ذُنوبي وحقي أنَ قتلي مُحللٌ لكَ طلقَ)
(فاعفُ عن عبدكَ المسئِ ولا تبطل بما يستحقُ ما تستحقُّ)
فعفا عنه وأجازه. وقال يهجو بخيلًا:
(نعماك عندي التي أقرُ بها أنك أصبحتَ لي من الغيرِ)
(وحبك الذمَ لائقٌ بك ما أشبهَ خطم الخنزير بالقذر)
(أبديتَ في أولياتِ لؤمك ما قذرتَ في أخرياتهِ الآخرِ)
[ ١ / ٢٠٠ ]
(كالقطرانِ الذي يرى أبدًا في رأسهِ ما اقتني من العكر)
وهو من قول الناس أول الدن دردي. وقالت العلماء البلاغة أن تجعل المعنى الدنئ رفيعًا والمعنى الرفيع وضيعًا. ومثل قول ابن الرومي قول الديملي:
(في أوانِ الشبابِ عاجلني الشيبُ وهذا من أوَّل الدنَ دُردي)
وليس هذا بالمختار لا بتذال لفظه. وقلت في بخيل:
(قفعَ البردُ ضيف عمرو فأضحى مثلَ من فيهِ يا أخي زمانه)
(باتَ للبرد في طهارةِ سوءٍ ومن الجوع والطوى في بطانه)
(وهو قدمًا للضيف جُوعٌ وقرٌ ولمولاهُ ذِلةٌ ومهانه)
(جمع الرأس بين رأسه ورجلي فكأني في بيته أرسانه؟)
وقلت:
(ضفت عمرًا فجاءني برغيف زادني أكلهُ على الجوع جوعا)
(ثمَّ ولّى يقولُ وهو كئيبٌ لهف نفسي على رغيف أضيعا)
(كانَ خداعةَ الضيوفِ ولكنْ رُبما أصبحَ الخدوعُ خديعا)
(كنتُ أنزلته محلًا رفيعًا فغدا ذلك الرفيعُ وضيعا)
(عجبًا منه إذ أتيحَ هجاهُ كيفَ لم يمتنع وكان منيعا)
(اتفاق الأسماء والألقاب وتباعد ما بينها في الأخلاق) قال الأول في ذلك:
(يزيد الخير إنَ يزيد قومي سميك لا يزيدُ ولا تزيدُ)
(يقودُ عصابةً وتقودُ أخرى فيرزق من يقودُ ومن تقودُ)
(شبيهك في الولادةَ والتسمي ولكن لا يجودُ كما تجودُ)
ومثله:
(عليٌ وعَبدُ الله بينهما أبٌ وشتانَ ما بين الطبائعِ والفعلِ)
(ألم ترَ عبد الله يلحى على الندى عليًّا ويلحاهُ عليٌّ على البخلِ)
ومثله:
(فإن يك مجرانا " لى جمع نسبةٍ ففي الرأي والأخلاقِ مختلفانِ)
(وما أنتَ مثلي في مقام أقومُهُ لدى البأسِ إلاّ أننا أخَوَانٍ)
[ ١ / ٢٠١ ]
آخر:
(لئن وصلتْ أبُوتنا انتسابًا لقد قطعتْ مرارتنا العقولُ)
(أبوكَ أبي وأنت أخي ولكنْ تباينت الطبائعُ والشكولُ)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال قال لنا المكتفي بالله يومًا ما أهتك بيت من الشعر وأفجر قائل أتعرفونه؟ فقال يحيى بن علي المنجم قول أبي نواس:
(ألا فاسقني خمرًا وقلْ لي هي الخمرُ ولا تسقني سِرًّا إذا أمكن الجهرُ)
فقلت له إن المأمون أمر أن يخطب بهذا البيت على منابر خراسان وقال من عيوب محمد أنه استجلس رجلًا يقول ألا اسقني خمرًا، ولكن الحسين بن الضحاك الخليع قد قال ما هو أهتك من هذا قال وما هو؟ فأنشدته:
(أتبعتُ سُكرًا بسكر وابتعتُ خمرًا بقمرِ)
فقال هذا لعمري أهتك من ذاك. قال أبو هلال رحمه الله تعالى: وأبلغ الهجاء ما يكون بسلب الصفات المستسحنة التي تخص النفس من الحلم والعلم والعقل وما يجري مجرى ذلك وليس الهجاء بقبح الوجه وضؤولة الجسم وقصر القامة وما في معنى ذلك بليغًا مرضيًا، وينبغي أيضًا أن يتضمن الهجاء والمديح من نعوت المهجو والممدوح وأسمائهما وصفاتهما ما هما مشهوران به فإذا ذكر لم يخفيا.
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عثمان بن عفان فحرمه فقال:
(سيروا فقد جُن الظلامُ عليكمُ فبئس امرؤ يرجو القرَى عندَ عاصمِ)
(دفعنا إليه وهو كالذَّيخ خاطبًا فشدَ على أكبادنا بالعمائم)
(وماليَ من ذنبِ إليه علمتهُ سوى أنني قد جئتهُ غير صائم)
(فلولا يدُ الفارُوقَ عندي رميتهُ بقافيةٍ يُحدى بها في المواسمِ)
[ ١ / ٢٠٢ ]
(فليتك من جرم بن زيان أو بني نعيم أو النوكى أبان بن دارمِ)
(أناسٌ إذا ما الضيفُ حلَ بدارهم غدا جائعًا غرثان ليس بناعمِ)
فلما بلغ ذلك عاصمًا قال ما أكثر من يسمى عاصمًا حتى يقول: عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان فبلغه ذلك فقال:
(جنبتها عاصمًا منْ أنْ تلمَ به أعني ابنَ عمرو بن عثمان بن عفانا)
(إذا أناختْ بهِ الضيفانُ طارقة جاءت بنوهُ إلى الضيفان ضيفانا)
فبلغه ذلك فقال: الآن طوقني بها طوق الحمامة لعنة الله تعالى. وقال بعضهم:
(أرى ضيفك في الدار وكربُ الموت يغشاهُ على خبزك مكتوبٌ سيكفيكهمُ الله)
وقال بشار:
(وضيفُ عمرو وعمروٌ يسهران معًا عمرو لبطنته والضيفُ للجوعِ)
آخر:
(نوالك دونهُ خرطُ القتاد وخبزك كالثريا في البعادِ)
(ولو أبصرتَ ضيفًا في المنام لحرمتَ المنامَ إلى التناد)
(أرى عمرَ الرغيفِ يطولُ جدًّا لديك كأنهُ من قوم عاد)
(وما أهجوك أنك كفء شعري ولكني هجوتك للكسادِ)
وقال آخر:
(رأى الصيفَ مكتوبًا فظنَّ لبخلهِ وتصحيفهِ ضيفًا فقامَ يواثبه)
ورأيت في ألفاظ هذا البيت زيادة فقلت:
(قد كانَ للمال ربا فصار في البخل عبده)
(وصحف الصيفَ ضيفًا فقام يلطمُ خده)
وقال أبو نواس:
(على خبز إسماعيل واقيةُ البخل )
أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أحمد بن عماد
أخبرنا ابن مهرويه حدثني محمد بن عمران بن مطر الشامي حدثني خالي الحسن ابن محمد قال نصب إسماعيل بن نوبخت طارمة في صحن داره فاصطحبنا أربعين يومًا ومعنا أبو نواس فبلغت نفقته أربعين ألف درهم فقال أبو نواس بعد ذلك فيه:
(خبزُ إسماعيل كالوشى إذا ما شقَّ يُرفا )
[ ١ / ٢٠٣ ]
(عجبًا من أثر الصنعةِ فيه كيفَ يخفى)
(إنَّ رفاءك هذا ألطفُ الأمة كفا)
(فإذا ألصق بالنصف من الحروف نصفا)
(ألطف الصنعة حتى ما ترى مطعن أشفى)
(مثل ما جاء من التنور ما غادر حرفا)
(ولهُ في الماء أيضًا عمل أبدع ظرفًا)
(مزجهُ العذب بماء البئر كي يزداد ضعفا)
(فهو لا يسقيك منهُ مثل ما يشرب صرفا)
فلم يسبق أبو نواس إلى هذه المعاني وهي كما تراها غاية. قال وقال فيه أيضًا:
(على خبز إسماعيل واقيهُ البخل فقد حلَ في دار الأمان من الأكلِ)
(وما خبزهُ إلا كعنقاء مغربٍ تصورُ في بسطِ الملوك وفي المثُلِ)
(يحدّث عنها الناسُ من غير رؤيةٍ سوى صورةٍ ما إن تمرّ ولا تحلي)
(وما خبزهُ إلا كآوى يرى ابنهُ ولم ير آوى في الحزونِ وفي السهل)
(وما خبزه إلا كليبُ بن وائلٍ لياليَ يحمى عزه منبت البقل)
(وإذ هو لا يستبُّ خصمان عندهُ ولا الصوت مرفوعٌ بجدٍ ولا هزل)
(فإنْ خبزُ اسماعيل حلَ به الذي أصابَ كليبًا لم يكنْ ذاك عن ذلَ)
(ولكن قضاءٌ ليسَ يسطاعُ ردهُ بحيلة ذي مكرٍ ولا دهي ذي عقل)
وكان الجاحظ يفضل قوله
(وإذ هو لايستب خصمان عندهُ)
على قول مهلهل
(واستبَّ بعدك يا كليب المنزل )
وغير ذلك قال ابن الرومي:
[ ١ / ٢٠٤ ]
(وقينةٍ أبرَد من ثلجة تظلُ منها النفسُ في ضجّةْ)
(كأنها من نتنها ثومةٌ لكنها في اللونِ أترجَّه)
(تفاوتتْ خلقُتها فاغتدتْ لكلّ مَن عطّلَ محتجه)
(كأنها والوشمُ في جلدِها زرنيخةٌ شيبتْ بليلنجه)
(خراجةٌ للفسق دخالةُ تعجبها الدخلةُ والخرجه)
(كأنما فقحتها فحمةٌ فتّ عليها عابث ثلجة)
وهي أبيات سخيفة تركت أكثرها لسخفه. ونقل قوله
(فهي لمن عطل محتجه)
إلى موضع آخر فقال في إسماعيل بن بلبل:
(لا سيقتُ نعمى تسربلتها كم حجةٍ فيها لزنديقِ)
وقد أبدع أبو نواس في قوله يهجو جعفر بن يحيى:
(قولوا امتدحتَ فماذا اعتضت قلتُ لهم خرقَ النعالِ وإخلاق السراويلِ)
(ذاك الأميرُ الذي طالتْ علاوتهُ كأنهُ ناظرٌ في السيفِ بالطولِ)
وكان جعفر طويل الوجه والقفا. وقال فيه أيضًا
(قفا ملك يقضي الهموم على بثق)
وقلت:
(سوداء يَذرفُ دمعها مثلَ الأتونِ إذا وكفْ)
(وكأنها منْ قبحها سلحُ العليلِ على الخزفْ)
وقال أبو تمام:
(فأشهدُ ما جسرتَ عليّ إلا وزيدُ الخيلِ دونك في الشجاعهْ)
(ووجهك إذ رضيت به نديما فأنتَ نسيجُ وحدك في القناعه)
(ولو بدلتهُ وجهًا إذا لم أصلَ به نهارًا في جماعه)
ومن أعجب ما قيل في كبر الأنف قول كشاجم:
(لقد مرَ عبدُ اللهِ في السوق راكبًا لهُ حاجبٌ من أنفه وهو مطرقُ)
(رعيت له من جانب السوق مخطة توَّهمت أنَ السوق منها سيغرقُ)
[ ١ / ٢٠٥ ]
(فأقذر به أنفًا وأقذر بربِّه على وجههِ منه كنيفٌ معلقُ)
وقال غيره:
(أنتَ في البيت وعرنينك في الدار يطوفُ)
ومن أقبح ما جاء في قبح الأسنان قول جرير:
(إذا ضحكت شبهت أنيابها العلى خنافس سودا في صراة قليبِ)
وإنما خص الأنياب العلى دون السفلى لأنها تبدو في التبسم والتكلم وعند التثاؤب، وهو كقول الآخر:
(إذا كان يهدي بردُ أنيابها العلى لأفقرَ مني إنني لفقيرُ)
فشبه أسنانها بالخنافس وسعة فمها بالقليب، والصراة: الماء الفاسد فشبه به فساد نكهتها.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن الرياشي عن ابن سلام قال دخلت ديباجة المدنية على امرأة فقيل لها كيف رأيتها قالت لعنها الله كأن بطنها قربة وكأن ثديها دبة وكأن استها رقعة وكأن وجهها وجه ديك قد نفش عرفه يقاتل ديكًا. ومن بديع الهجاء بالتبزق والتمخط والبخر قول ابن الورمي:
(تحسبُ مزكومًا وإن لم تزكم منْ سدةٍ في أنفك المورمِ)
(مُحشرجَ الصدر بِرَطليْ بلغم إنْ لم تنخّع مَرَّةً تنخّم)
(نخامةً كالضفدعِ الموشم دكناء رقطاء بقيح أو دم )
(ممتخطًا بالكوع أو بالمعصم تضرطُ من أنفٍ وتفسو من فم)
(ذا نكهةٍ من لم تمتهُ يصدَم حتى دعاك الملأ ارحم تُرحم)
وقال جحظة في البخر:
(تنفسَ في وجهي فكدتُ أموتُ وأعرضَ عني جانبًا فحييتُ)
(فتنتني حتى حسبتُ بأنني وربكما يا صاحبيَ خريتُ)
وقال بعضهم في سرعة الكلام:
(كأنَ بني رالانَ إذ جاءَ جمعهمْ فراريجُ يلقى بينهنَّ سويقُ)
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقال دعبل في قصر الشعر:
(فوهاءُ شوهاءُ لها شعرةٌ كأنها خملٌ على مسحِ)
وقال ابن المعتز في أمرد ينتف:
(وخدهُ مشوكٌ مزورُ التلويز كأنهُ فرنيةٌ كثيرةُ الشونيزِ)
(وأنفهُ كسترةٍ مشترق الأفريز تحسبهُ إذا بدا سماجة النوروزِ)
وقلت:
(لعبَ الزمانُ بحسن وجه محمدٍ لعبَ الصبا بالربع حتى أفقر)
(قد كانَ معروفَ الجمالِ فلمَ يَزلْ ينتابهُ الحدَثان حتى أنكرا)
(عهدي بهِ متكفرٌ متعصفرٌ ثم اغتدى متصندلًا متزعفرا)
(وكأنما صدغاهُ في وجناتهِ جعلانِ ينتابان سلحًا أصغرا)
وقال ابن الرومي في غير هذا المعنى يحكي عن امرأة:
(أنا كعبة النبك التي نصبتْ له فتلقّ مني حيث شئتَ وكبرِ)
(فتبيتُ بينَ مقابلٍ ومدابرٍ مثلَ الطريقِ لمقبلٍ أو مدبرِ)
(كأجيري المنشارِ يجتذبانهِ متنازعينِ في فليجِ صنوبرِ)
ولا أعرفه سبق إلى هذا المعنى وهو من أظرف معنى وأعجبه وقال أيضًا وهو من ظريف المعاني
(رأيتُ في دارِ حُسين مَشرَعه وامرأةً قاعدة مربعة)
(لها بظورٌ في استِها مجمعه كأنها أترجةٌ مفقعة)
وقال في خصي أراد أن يتزوج بامرأة:
(قلِ لنجح أخطأتَ بابَ النجاحِ إذ تعاطيتهُ بلا مفتاحِ)
(لستَ بالسابح المجيدِ فدع عنك ركوبَ البحارِ للسباحِ)
[ ١ / ٢٠٧ ]
(فظع الحبّ بالخصيَ كما يفظع فقدُ المُرديِّ بالملاّحِ)
(ليتَ شعري بما تظنك تصبي قلب ودان يا كسيرَ الجناح)
(أبوجهٍ كأنه وجهُ قردٍ حائل اللونِ حامد المصباح)
(نمشةٌ فوقَ صُفرةٍ فتراه كونيمِ الذُّبابِ في اللقاحِ)
(إنما أنتمُ فقاحٌ فمهلًا ما غناءُ الفِقاحِ في الأحراحِ)
(إنَ من يعشق النساء بلا أبر كمثل الغازي بغير سلاحِ)
(لنْ يكونَ الطعانُ إلا برمح فدعوا الطعن للطوال الرّماحِ)
ثم قال:
(معشرًا شبهوا القرودَ ولكن خالفوها في خِفّةِ الأرواحِ)
وهي طويلة. ومن أعجب ما قيل في البخر قول الخالدي في رجل حلق سباله بعد أن أطاله:
(حلقتَ سبالك جهلًا بما يواري من النكرات القباحِ)
(فعذبت صحبك حتى المساء وعذبتَ عرسك حتى الصباحِ)
(فلا أبعد اللهُ ذاك السبال فقد كانَ سترًا على مستراحِ)
وقال ابن السكن:
(رجلٌ يعقُ الكأس كلَ عشية ويعاقب المسواك كلَ صباحِ)
وقلت:
(قال لي صاحبي وقد صفقته نفحات الكروّس من في وصيفِ)
(لعنَ اللهُ ليلة بتُ فيها مع رفيقي كأننا في الكنيف)
وقد أبدع ابن الرومي في وقوله:
(فسا على القوم فقالوا له إنْ لم تقم من بيننا قمنا)
(فقال لا عدتُ فقالوا له من يف فيهِ ذا كما كنا)
وقال أيضًا يذكر قينة:
(مسموة الرَّيق إذا قبلتْ صحفت التقبيل تقتيلا)
[ ١ / ٢٠٨ ]
(قبلها جلمود عُرارة يحسنُ للبخراءِ تقبيلا)
(فاحشةُ النقصانِ لكنها قد كُمَّلَتْ بالبظرِ تكميلا)
(أزرى بها اللهُ فلم يعطِها إلا بطولِ البظرِ تفضيلا)
(إذا بدا الفيلُ وخرطومهُ قلنا أعارَتْ بِظَرها الفيلا)
(غول يبيت الشرب من قبحها يرونَ في النومِ التهاويلا)
(ما أحسنَ الأرقمَ طوقًا لها وأحسنَ الأسودَ إكليلا)
(قد عذبَ اللهُ أمرأً نالها طورينِ تعجيلًا وتأجيلا)
(لها ضراطٌ ريحهُ عاصفٌ يطفئ في الليلِ القناديلا)
(حَلّت سراويلي على واسعٍ ما خلُته إلا سراويلا)
(أحللتُ تنكيلي ببابِ استِها فكان للتنكيلِ تنكيلا)
(لو رامت التوبةَ لم تستطعْ لسنّةِ الشيطانِ تبديلا)
(يابسةُ العودِ وقد ذْللَتْ قطوفُها للنيلِ تذليلا)
وهي طويلة عجيبة ليس لأحد في ملاحتها وعلو جودتها وكثرة معانيها شئ. ومما قيل في طول اللحية قول ابن الرومي:
(ولحيةٍ لو شاءَ ذو المعارج أغنى بها كواسد النواسجِ)
(ينسج مسحين بخان الدّراج وفَرّق الباقي على الكواسجِ)
ومن ذلك قول بعضهم وهو مشهور:
(ألم ترَ أنَ الله أعطاك لحيةً كأنك منها قاعدٌ في جوالقِ)
وقال الآخر: ألم ترَ أنَ اللَّهَ أعطاك لحيةً كأنك منها بين تيسين قاعدٌ)
وكان العوني إذا كتب كتابًا أخذ لحيته تحت إبطه وإذا كلمه انسان من الجانب الآخر التفت إليه فخلصت لحيته من تحت إبطه فمرت على الكتاب
[ ١ / ٢٠٩ ]
فطمست جميع ما كتبه فيقول اللهم غفرا، فقال فيه بعضهم أوفى غيره:
(لحيةُ قاضي القضاةِ لو جهدتْ مجهودَها لم تكنْ كعنفقته)
(إذا أرادَ الكرَى توسَدها فقد كفتهُ مكانَ مرفقته)
وقال رقبة بن مصقلة لأبي شيبة القاضي: لو كانت لحيتك هذه من الذنوب لكانت من الكبائر. وقد قيل من تدلت لحيته فقد تقلص عقله. وقلتُ:
(قلْ للمدلَ بلحية موفورةٍ وسماد لحيةُ كلَ ألحى جهلهُ)
(لا يعجبنك طولُ نبذك إنَّه من طال لحيتهُ تكوسج عقلهُ)
وقد أجاد ابن الرومي وأبلغ وجمع في أبيات من المعاني ما لم يجمعه أحد في هذا الباب وهو قوله:
(إن تطلْ لحيةٌ عليك وتعرضْ فالمخالي معروفةٌ للحميرِ)
(علقَ اللهُ في عذرايك مخلاةً ولكنها بغيرِ شعيرِ)
(لو غدا حكمها عليَّ لطارتْ في مهبِّ الرِّياح كلَ مطير)
(ارع منها الموسى فإنك منها شهدَ اللهُ في أثام كبير)
(أيما كوسج رآها فيلقى ربهُ بعدها صحيحَ الضمي)
(هو أحرىَ بأنْ يشكَ ويغرى باتهام الحكيم في التقدير)
(ما تلقاك كوسجٌ قطُ إلا جَورَ اللهَ أيما تجوير)
(لحيةٌ أهملتْ فطالتْ وفاضتْ فإليها تشيرُ كفُ المشير)
(ما رأتها عينُ امرئ ما رأتها قطُ إلا أهلَ بالتكبير)
(روعةٌ تستخفهُ لم يرعها من رأى وجهَ منكر ونكير)
(فاتقَ الله ذا الجلال وغير منكرًا منك ممكن التغير)
(أو فقصر منها فحسبك منها قيد شبرٍ علامة التذكير)
(لو رآها النبي يومًا لأحدى في لحى النَّاس سُنةَ التقصيرِ)
(واستحبَ الاحفاءَ فيهن والحلقَ مكانَ الاعفاءِ والتوفير)
[ ١ / ٢١٠ ]
أراد قول النبي & (أحفوا الشواربَ واعفوا عن اللحى) وقلت:
(إن أبا عمرو له لحيةٌ بعيدَةُ البعضِ منَ البعضِ)
(مضى إلى السوق وعُثنونه أقامَ في البيتِ فلم يمضِ)
(وهو إذا ما مَر في سكةٍ يملأها بالطولِ والعرضِ)
(يَدُوسُها الناسُ بأقدامهم كأنها أرضٌ على الأرضِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه قال قال الجماز اللبن لبعض كان أصحابنا في الظاهرة تل تراب فأتاه غلامه برجل يضرب له اللبِن وقد حمل في عنقه قالبًا وإذا لحيته مل القالب فقلت له ليس في قالبك فضل يدخل فيه الطين مع لحيتك فقال إني سأخرجها من القالب قبل ضرب اللبن وإنما أردت أن أدفئها فيه قليلا، قال فلما رأيت حمقه قلت يحتاج أن يضرب في كل يوم ألف لبنة. قال خريم أنا أقدر على ذلك. وقال الناجي:
(لابن شاهينَ لحيةٌ طوُلهُ شطرُ طولِها)
(فهو الدهرَ كلهُ عاثرٌ في فضولها)
ولولا القصد لجمع أعيان المعاني والشرط المتقدم لتركت التشنيع الملفوظ من المنظوم والمنثور على أن العلماء لو تركوا رواية سخيف الشعر لسقطت عنهم فوائد كثيرة ومحاسن جمة موفورة في مثل شعر الفرزدق وجرير والبعيث والأخطل وغيرهم ولو لم يصلح ذكر الفروج بتصريح أسمائها لكان تسمية أهل اللغة إياها بذلك خطأ وهذا محال ومما قيل في الذمامة وقصر القامة ما ينسب لأبي نواس وهو لغيره:
(إذا استنَ في قوهية متَبخترا فقل جرذٌ يستنُ في لبنٍ محضِ)
[ ١ / ٢١١ ]
(فأقسمُ لُوخَرتْ من استك بيضةٌ لما انكسرتْ من قربِ بعضك من بعضِ)
وقال غيره:
(ألا يا بيدقَ الشطرنج في القيمةِ والقامهْ)
وقال آخر:
(يعثر الناس في الطريقِ به من دمامتِهْ)
وقال آخر: فقامَ إلى الغلام أسى وغيظًا بقدٍ لم يزد فيهِ القيامُ)
(وقال ابن الرومي:
(أأنت تشتمُ عرضي وأنتَ في طول أبري)
وقال الناجم:
(ينقص الأحرارِ من شأنهِ وهو أخو القلةِ والنقصِ)
(كأنهُ البرغوثُ لم يخطه في صِغَر الجثمانِ والقرصِ)
وقال:
(وعازبُ الرأي ضعيفٌ مغرورٌ مكاثرٌ في العلم وهو مكثور)
(في جسم عصفور وحلم عصفور)
وقال آخر:
(كأنه كلي غنم الأضاحي إذا قاموا حسبتهمُ قعودا)
وفي غير هذا المعنى قول الآخر:
(إذا لبسَ البياضَ فعدل قطن وان لبسَ السوادَ فعدل فحمِ)
وقال ابن الرومي في القبح والسواد:
(وجهكَ يا جعفر من قبحه أولى من العورةِ بالسترِ)
(كأنما تأوي إليه الدُجى إذا هي انقضت عن الفجرِ)
وقال ابن طباطبا في مجدور:
(ذو جُدريٍ وجههُ يحكيه جلدُ السمكهْ)
(أو جلدُ أفعى سلخت أو قطعةٌ من شبكه)
(أو حلقُ الدّرع إذا أبصرتها مشتبكه)
(أو سفر محبب أو كرشٌ منفركة)
(أو منخلٌ أو عرضٌ رقعته منهتكه)
(أو حجرُ الحما كم من وسخ قد دلكه)
(أو كورُ زنبور إذا فرخَ فيه تركه)
[ ١ / ٢١٢ ]
(أو كدر الماءِ إذا أظهر فيه حبكه)
(أو سلحةٌ جامدةٌ تنقرُ فيها الدَّيكَهْ)
(يبغضه من قبحه كلُّ طريق سلكَهْ)
وقد أبدع ابن الرومي:
(جُدريٌ ما شأنها وهي شينُ كلُ أثر في ذلك الوجهِ نقشُ)
(بدلتْ من ظفائر وقرونٍ حملَ أنفٍ فيهٍ لفرخين عشٌ)
وقلت في غير هذا المعنى:
(قد حسن ظاهرهُ وباطنهُ وأمرَ مخبرهُ ومنظرهُ)
(شعرُ تجددَ في عوارضهِ مثل المكا الرطبِ تسفرهُ)
وقال ابن طباطبا في أسودين:
أخبرنا أبو بكر أحمد أخبرني عبد الله بن أبي عامر قال كان أبو الحسن العلوي المعروف بابن طباطبا قصد يومًا أبا علي بن رستم فصادف على بابه عثمانيين أسودين كالفحم متعممين بعمامتين حمراوين فامتحنهما فوجدهما من الأدب خاليين فدخل مجلس ابن رستم وكتب في درج:
(رأيتُ بباب الدَّار أسودينِ ذَوَيْ عمامتينِ حَمْرَاوَيْنِ)
(كجمرتينِ فوقَ فحمتينِ قد غادرا الروض قرير العين)
(جدَ كما عثمانُ ذُو النورينِ فمالهُ أنسلَ ظُلمتين)
(يا قبحَ شينٍ صادرٍ عن زَيْن حدائد تطبعُ من لجين)
(ما أنتما إلا غُرابا بينَ طيرا فقد وقعتما للحين)
(زورا ذوي السنة بالمصرين المظهرين الحبَ للشيخين)
(وخليا الشيعةَ للسبطين لا تبرما إبرامَ ربَ الدينِ)
(ستعطيانِ في مدى عامين صكًا بخفينِ إلى حنُين)
وقال أبو تمام يهجو عياشًا بعد ما مات:
[ ١ / ٢١٣ ]
(كرت على اللؤم بما ساده وساءه كرَّتك الخاسرَهْ)
(أسهرتَ عينَ اللؤم منذ انطوتْ عليك أثوابُك بالساهرَهْ)
(قد كانت الدنُيا شفتْ لوعتي منك ولكن لذتَ بالآخرهْ)
(يا أسدَ الموت تخلصتهُ من بين لحي أسدِ القاهرهْ)
(أجارك المكروهُ من مثله فاقرة نجتك من فاقره)
وقال فيه:
(وتضوَّر القبرُ الذي ضمنته حتى ظننا أنهُ المقبورُ)
فأتيح لأبي تمام مخلد الموصلي فهجاه بعد موته فقال:
(سقى حمارك يا طائيُ غاديةُ من المنى وقطعان من الكمرِ)
(حر الحُلاقِ وبردٌ الشعرِ اتلفه فجاءهُ الموتُ من حرٍ ومن حصر)
ومما قيل في البرد أيضًا قول بعضهم في المبرد:
(ويوم كنار الشَّوق في القلب والحشا على أنهُ منها أحرُ وأومدُ)
(ظللتُ به عند المبرِّد قائلا فما زلتُ في ألفاظِه أتبردُ)
وفلج أحد الشعراء فسئل عنه رجل فقيل له ما كان سبب فالجه؟ قال أكل بيتين من شعره. ومن جيد ما قيل في برد الغناء قول بعضهم:
(كاد من بردهِ يجمد روحي ضَرَبَ اللهُ شقّه بغنائه)
وقال غيره:
(غنى لنا نصرٌ فقلنا له مصعبُ جرام على السبعِ)
(وحركَ العودَ بأطرافهِ فكان يحتاجُ إلى الصفع)
(فقمت من مجلسه هاربًا أدعو على كفيه بالقطعِ)
وقال كشاجم:
(ومغنٍ بارد النغمة مختلّ اليدين)
(ما رآه أحدُ في دارِ قوم مرتين)
(صوته أقطع للذات من صيحة بينِ)
[ ١ / ٢١٤ ]
وقلت:
(قد أسمعتنا غناءً لا خلاقَ به كما تعرّكِ آذانِ السنانيرِ)
(حتى إذا ارتفعت في الصوت لا ارتفعت أهدت لسمعيَ تهديرَ الخنازيرِ)
(وكلما انخفضتْ فيه مزمزمة خلت الزنابيرَ تشدو في القواريرِ)
(لا تَخْدعنَّهُ بأثوابٍ مُصَبَّغةٍ نصبتهنَ شراكًا للمدابيرِ)
وقال ابن الرومي:
(وإذا غنت ترى في حلقها كلّ عرقٍ مثلَ بيت الأرضة)
وقال الناجم:
(وقنية شتمها قنوتُ أحسن أصواتها السكوتُ)
(مفقودة الكلَ غير بطن مثقل فهي عنكبوتُ)
وقال غيره:
(كأن أبا الحسين إذا تغنى يحاكي عاطسًا في عين شمسِ)
(يلوك لسانه طورًا وطورًا كأنَّ بضرسه ضربانَ ضِرسِ)
وقال المصيصي:
(وتحسب الندمان في حلقه دجاجةً يخنقها ثعلبُ)
(ما عجبي منه ولكنني من الذي يعجبه أعجبُ)
وقلت في عواد
(يقول لنا غيرما يضرب ويضربُ غير الذي نحسبُ)
(ككيسان يكتبُ غيرَ الذي يقول المحدِّثُ والمكتب)
(فيكتبُ غيرَ الذي قاله ويقرأ غير الذي يكتب)
(فصمتًا إذا شئتَ اطرابنا فنحن إذا قلتَ لا نطربُ)
(ولا تأتيني إذا جئتني فإني إذا جئتني أذهب)
وقلت:
(تغنى لنا فجعلنا عليه عمائم تنزع جلدَ القفا)
(جعلنا اللطامَ لها لحمةً ونتفَ الشوارب فيها سدى)
ومن جيد ما قيل في تغير وجوه الأحداث عند خروج اللحى قول البسامي:
(قالوا تغيرَ عن ملاحته قلتُ الزمانَ يريكمُ العبرا)
(يا زهرةَ ومحاسنًا مُسخت ماذا لحاه الشعر لو شعرا)
(قد كانت الأبصارُ تجرحه واليوم يجرحها إذا حصرا)
[ ١ / ٢١٥ ]
وقال سعيد بن حميد:
(فالآن حينَ بدتْ بخدِّك لحيةٌ ذهبت بملحك ملء كفَ القابضِ)
وقال ابن طباطبا:
(يا من يزيل خلقة الرحمن عما خلقتْ)
(تب وخفِ اللهَ على كفك مما اجترحتْ)
(هل لك عذرُ عندهُ إذا الوحوشُ حشرت)
(بلحيةٍ إن سُئلت بأيِّ ذنب نتفتْ)
وقلت:
(حصلت في بيتي ذا غلظة كأنني مشطُ ابنِ منصورِ)
(يا لحيةً هتك أستارها بأصبع منه وأظفور)
(فخذه من سح؟ تارةً وتارة من قشر بلور)
(فاترة كالمسك في لونه وتارة في لون كافورِ)
(يعجبه المردُ فيحكيهمُ حكاية زور من الزورِ)
(يقول ما أحسنَ رب الورى إذ غرسَ الظلمةَ في النورِ)
وقلت:
(من شقوةِ المردِ أن تبدو شوارابهم مسودةُ قبلَ أن تبدوا عوارضهم)
(يا ويحهم من لحى جدَّت مناقشهم فيهنَّ أو لعبتْ فيها مقارضهم)
قد أتيت في هذا الفصل على مافيه مقنع وبالله التوفيق.