(في ذكر ألوان الطعام) العرب تشبه البر بقراضة الذهب وبمناقير النغران، والنغران جمع نغرة وهي عصفورة: أخبرنا أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال شيخ من أهل البادية ضفت فلانًا فأتاني بخبزة من حنطة كأنها مناقير النعران قد انتفخت في الملة حتى رأيت الجمر يتحدر منها تحدر الشحو من البطان وتراها حين غمرت بالسمن يجول فيها المثراد كما يجول الضبعان في الضفرة، ثم أتانا بتمر كأنه أعناق الورلان يدخل فيها الفرس. والحشو صغار الرمل المتعقد. وأخبرنا أبو أحمد عم الجلودي عن عبد الله بن محمد القرشي عن المثنى بن معاذ العنبري عن بشر بن المفضل عن عقبة الراسبي قال دخلت على الحسن وهو يأكل خبزًا ولحمًا فقال لي هلم إلى طعام الأحرار. والعرب تدعو الخبز أم جابر. أخبرنا أبو أحمد حدثنا الجلودي حدثني محمد بن زكريا حدثني مهدي بن سابق حدثنا شبيب قال استأذن خالد بن صفوان على يزيد بن المهلب فأذن له فوجده يتغذى فقال يا ابن صفوان أدن فكل فقال أصلح الله الأمير لقد أكلت أكلة لست ناسيها قال وما أكلت؟ فوصف ما أكل ثم قال أتيت بخبز أرز كأنه قطع العقيق وكأنما تجري عليه سبائك الذهب ثم أتيت بيناني بيض البطون زرق زق العيون سود المتون حدب الظهور مقفعات الأذناب صغار الرؤوس غلاظ القصر عراض السرر مع بصل
[ ١ / ٢٩١ ]
نظيف كأنه قطع الزند وخل ثقيف مري حريف، قال أبو هلال ما سمعت في وصف السمك أحسن من هذا ولا أتم. وقريب منه ما أخبرنا به أبو خليفة عن ابن سلام عن محمد بن القاسم قال قال الأعمش لجليس له أما تشتهي بناني زرق العيون بيض البطون سود الظهور وأرغفة باردة لينة وخلًا حاذق؟ قال بلى قال فانهض بنا قال الرجل فنهضت معه فدخل منزله وقال خذ تلك السلة فكشفها فإذا فيها رغيفان يابسان وسكرجة كامخ وشبت قال فجعل يأكل وقال لي تعالى كل فقلت فأين السمك فقال ما عندي سمك وإنما قلت أتشتيهه وأنا ولله أشتهيه. أخبرنا أبو أحمد عن الجلودي عن المغيرة بن محمد عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال قال أبو صوارة وكان بمكة مثل الأشعب بالمدينة في شهوة الأكل: يا أبا سعيد الأرز الأبيض باللبن الحليب بالسكر السليماني بالسمن السلى ليس من طعام أهل الدنيا. ومن أحسن ما قيل في الرقاق قول ابن الرومي:
(ما أنسَ لا أنسَ خبازًا مررتُ بهِ يدحو الرقاقةَ وشك للمح البصر)
(ما بينَ رؤيتها في كفهِ كرَةً وبينَ رؤيتها قوراء كالقمرِ)
وقلت:
(وخبز بأيدي الخابزين كأنهُ تراس تعاطيها الجنود جنود)
(وأطعمة حلتْ بساحتها المنى إذا جاءَ من أرداحهنَ يريد)
(وضمتْ إلى الحلواء فيهِ فواكهٌ عليهنَ أهواءُ النفوسِ وفودُ)
وقال الصنوبري في رقاق ورؤوس:
(غير ما راج من رقاقٍ رقيق فوقَ هام على عدادِ الهامِ)
(ذاك كالماءِ ذي الحباب وهاتيك عليهِ كطير ماءٍ نيام)
(بالأقيالهنَ وما يبدينَ من مضرم شديدِ الضرام)
(كأناس يوشحونَ مناديل إذا خرجوًا من الحمامِ)
ورصف هذه الأبيات غير مختار عندي ولكني أوردتها لجودة معانيها
[ ١ / ٢٩٢ ]
وإصابة التشبيهات فيها، وقوله (غير ما راج) فإن الرواج لفظ عامي لا يستعمله الفصحاء. وقال ابن الرومي:
(هامٌ وأرغفةٌ وضاءٌ فخمةٌ قد أخرجتْ من جاحم فوارِ)
(كوجوهِ أهل الجنة ابتسمت لنا مقرونةً بوجوهِ أهلِ النارِ)
وقال غيره في جوذابة:
(وقادمٍ من جاحمٍ فوارِ مخللِ الشقشقِ والأنوارِ)
(ملبسًا حُلةَ جلنارِ يقشر جلدًا منه كالنضارِ)
(عن بدنٍ أبيض كالخمار )
ومن النادر البديع في هذا المعنى ما أخبرنا به أبو أحمد عن الجلودي عن محمد بن زكريا عن عبد الله بن الضحاك عن هشام بن محمد قال كان عوانة يكثر أكل الرؤوس فقيل له إنها متخمة فقال إنها فاكهة اللحم. وأخبرنا عن محمد بن زكريا عن الأصمعي قال قيل لأعرابي كيف تأكل الرؤوس قال أفك لحييه وأبخص عينيه وأفعص أذنيه وا خديه وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه فقيل له إنك لأحمق من ربع قال وما حمق ربع إنه ليجتنب العدوى ويتبع المرعى ويراوح بين الأطباء فما حمقه يا هؤلاء وقيل لأحدهم ما أحب الفاكهة إليك قال أما الرطب فاللحم وأما اليابس فالقديد. وقلت في صفة لحم:
(تركتُ سمينَ اللحمَ يبيضُ بعضه ويحمرُ بعض خلطك الدرَ بالتبرِ)
(وأعرضتُ عن حلواء شق فنونها فبيضٌ إلى حمرٍ وحمرٌ إلى صفر)
(إلى ندرةٍ رقطاءَ قطع فوقها مقفعةٌ خضراءُ في ورق خضرِ)
وحاجة الإنسان إلى الطعام إنما هي من أجل ما يأخذ الهواء من جسده فيحدث فيه خلل فإذا اكل اللحم فقد رم الجسد بما هو من جنسه فكأنه رقع الديباج بالديباج فإذا أكل غير اللحم فكأنه رقع الديباج بالكرياس، وفي الحديث (مَنْ
[ ١ / ٢٩٣ ]
تركَ للحْمَ أرَبعينَ يَوْمًا سَاءَ خُلُقُهُ) .
(وأحسن ما سمعت في جملٍ مشوي قول السري:
(أنعتهُ معصفر البردينَ أبيض صافي حُمرةِ الجنبينِ)
(خلف شهرينِ على خلفينِ ثم رَعى بعدَهُما شهرينِ)
(فجسمهُ شبرانِ في شبرينِ يا حُسنهُ وهو صريعُ الحينِ)
(بعرفةٍ مرهفةِ الحدين بكفَ شاوٍ وعطرِ الكفَّيْن)
(كسارقٍ حُدَ مِنَ اليدينِ ذو طرفٍ يستوقفُ العينين)
(يُريكَ مرآةً مِنَ اللجينِ مُذْهَبَةً المقبضِ والوجَهين)
(شقَ حشاه عنْ شقيقتين أختين في القدَ شبيهتين)
(كما قرْنت بين كمأتين أو كرتي مسك لطيفتين)
(إن شين ذورقين ناجمين فإنهُ زينٌ بغيرِ شَينِ)
ومن المشهور قول ابن الرومي في دجاجة مشوية:
(وسميطةٍ صفراءَ ديناريةٌ ثمنًا ولونًا زفها لك حزورُ)
( طفقتْ تجولُ بذربها حوذابةُ فأتى لبابَ اللوزِ فيها السكر)
(ظلنا نقشرُ جلدها عن لحهما فكأنَ تبرًا عن لجين يقشرُ)
(يا حسنها فوقَ الخوانِ وبنتها قدامها بصهبرها تتغرغر)
(وتقدَّمتْها قبل ذاك ثرائدٌ مثل الرِّياضِ بملثلهنَ يُصدرَ)
(ومدققات كلهنَ مزخرفٌ بالبيض منها ملبسٌ ومدنَر)
(وأتت قطائفُ بعد ذاك لطائفٌ ترضى اللهاةُ بها ويرضى الحنجرُ)
(ضُحُكُ الوجوه من الطبر زد فوقها دمع العيون من الدِّهانُ تعصَّرُ)
وقلت في سكباجة:
(سكباجةٌ طيبةٌ نشرها كأنها عودٌ على مجمر)
[ ١ / ٢٩٤ ]
(حسنها في القدرِ إذ أقبلتُ وهي تحاكي سفطَ الجوهرِ)
(ويستنيرُ الشحمُ في لحمها كغرةٍ في فرسٍ أشقر)
(يا حسنَ باذنجانها إذ بدا أسمر وسطَ المرقِ الأحمر)
(كأنهَّ ماءُ خلوق جرى وجال فيه قطع العنبر)
وقال ابن الرومي في دجاجة:
(عظيمةُ الزّوْر بصدرٍ نهد أجريتُ منها في مجال العقد)
(مرهفت ذات شبًا وحدَ لغيرِ ما دخل وغير حقد)
(بل رغبة فيها شبيه الزُهد )
وقلت في قدور على نار:
(كتبتُ أستعجل الندامى والنارُ تستعجل القدورا)
(وقد أتاني الغلامُ يسعى بأرغفٍ تشبهُ البدورا)
(وعندنا قهوةٌ شمولٌ لو قطعتْ صيرتْ شذورا)
(تكونُ قبلَ المزاج نارًا فانقلبتْ بالمزاج نورا)
(فانهض إلى سرعة إلينا ننثر على نفسِك السرورا)
وقال الشعبي ما رأيت فارسًا أحسن من زبد على تمر، وأنشد لبعض الأعراب:
(ألا ليت لي خبزًا تسربلَ رائبًا وخيلًا من البرني فرسانها زبدُ)
ومن عجيب ما ورى عن الأعراب في شهوة الطعام ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي حاتم عن الأصمعي عن جعفر بن سليمان قال لقيت اعرابيًا فقلت هل لك في ثردة؟ فتنفس الصعداء ثم قال:
(واهًا على مجمومة وصحفةٍ مكتومة)
(بالدَّسم موْسُومة واللحم مغمومة)
(قد كملتْ عراقا وألحفت رقاقا)
(منقوشة الحواشي بطيبِ التماشي)
[ ١ / ٢٩٥ ]
(بفلفلٍ وحمّص فكلْ هنيئاُ وارقص)
فأخذت بيده وذهبت إلى المنزل فأمرتهم فصنعوا ثردة كما وصف فلما قدمتها ارتعش طربًا ثم قال أي بأبي والله هذه المرقصة ثم وثب على رجليه فرقص ساعة وجلس فأكل أربعة أرغفة في ثردة وستة في السقي ثم قبل رأسي وقال بأبي أنت وأمي لك حاجة في بدونا؟ قلت تمضي، ثم قال أي والثردة والله ما دخلت الحضر إلا في طلبها ثم أنشأ يقول:
(عمرتُ بطنًا لم يزلُ مصفرا لم يعرف الرُعفَ ولا المزدرا)
(حتى لقد أوجعت واللَّهِ ترى ما صنعتْ كفاي في جنب القرى)
وقال ابن خلّاد في خبز الأرز والملح:
(إذا الطابقُ المنصوبُ ألقى ثيابهُ وقدت جيوبُ الخبز شبرين في شبرِ)
(رغيف بملح طيّبِ النشر خلطة خوارجه تغنيك عن أرج العطر)
(عليهِ من الشونيزِ آثارُ كاتب وجلبابُ وَرَاق ينقطُ بالحبر)
(ومن سمسم قد زعفروهُ كأنهُ قراضةُ تبرٍ في لجينية غر)
وقال في الباقلاء:
(فلا تنسَ فضلَ الباقلاءِ فإنه من المنى قدوافي به الفضل في الزبر)
(إذا جعلوا فيه سذابًا ونعنعًا وجزءًا من الزَّيت المقدّس في الذَّكرِ)
(فما صدف العاج المغشي ظواهرًا بطاشي أفرندٍ معقدةِ الخصر)
(بأحسن من مخضرة الغصن إذ بَدتْ بواكرُ منها في المجاسد والأرز)
ثم قال:
(ويا لك باذنجانة سابرية جلاها نسيمُ الليل ناثرة الفجر)
(فجاءَتْ بأثوابٍ الحداد مدلها بأذنابها العم المعقفة الخضر)
(وأكرم بهانيًا إذا بر ثوبُها فأبدت لنا عن واضحِ الكَشح والصدرِ)
(فنجعلها شطرين نلقمُ شطرَها ونتبعهُ قبلَ الإساغةِ بالشطرِ)
وقال ابن الرومي في الهريسة:
[ ١ / ٢٩٦ ]
(أيا هنتاهُ هل لك في هَريس بلحمانِ الفراخِ أو البطوطِ)
(أملّ الليلَ صانعها بضربٍ فجاء بها تمددُ كالخيوطِ)
(وبينَ يديك من مريٍ عتيق توارثهُ النبيطُ عن النبيط)
(أرانا حولَ صفحتها بُروكًا كما بركَ البعيرُ على الخبيط)
(فيالله من لقمٍ هُناكم تجاذب بالشجيج وبالغطيطِ)
وقال مسكين الدرامي في قدور على النار:
(كأنَ قدورَ قومي كلَ يوم قدورُ البرك ملبسة الجلالِ)
(كأنَ الموقدينَ لها جمالٌ طلاها الزَفتُ والقطران طالي)
(بأيديهم مغارفُ من حديدٍ نشبهها مغيرة الدوالي)
وقلت في هريسة:
(هريسةٌ بيضاءُ كافوريهْ في قصعةٍ صفراءَ ديناريه)
(للمرءِ فيها حمة مسكيه وللسلاءِ لمعةٌ تِبريه)
(تدورُ في مبيضةٍ فضّيه مثل السوارِ في يدِ الرُّوميه)
ومن عجيب ما قيل في قلة الطعام على المائدة ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدني نصر بن أحمد لنفسه:
(من حديثي أنَ ابنَ بكر دعاني لشقائي فليتهُ ما دعاني)
(غرَّني منهُ منظرٌ ولباسٌ وأثاثٌ ومجلسٌ وأوانِ)
(مجلسٌ كالجنانِ حسنًا ولكنْ قبّحَ الجوعُ حسنَ تلك الجنان)
( فلعمري كان الخوانُ ولكنْ لم يكنْ ما يكونٌ فوقَ الخوان)
(وجفانٍ مثل الجوابي ولكن ليسَ فيهنَ ما يرى بالعيان)
(وغضار الألوان جاءتْ ولكنْ ليسَ فيها روائحُ الألوانِ)
(فإذا ما أدرتُ فيها بناني لم أجِدْ ما أمسهُ ببناني)
[ ١ / ٢٩٧ ]
(إنني ما ضغٌ على غيرِ شئ غير صكِّ الأسنانِ بالأسنانِ)
(ترجعُ الكفُ وهي أفرغُ منها عندَ مدى لها فدأبي وشاني)
( لو تراني والجوعُ يضحك مني عند غسلي يديَّ بالأشنانِ)
(زادَ في السفرِ مسرفا مثلما أسرفَ عند الطعام بالنقصانِ)
(والغضاراتُ فارغاتٌ أتتنا وسقانا بالمترع الملآن)
(سكرة فوقَ جوعةٍ تركتني راحمًا كلَ جائع سكرانِ)
وقلت في قريب منه:
(أتدعوني وتطعمني يسيرًا وتسقيني الكثيرَ على اليسيرِ)
(فأصبح منك في يوم عسير فلا ينفكُ في يوم عسير)
(هما حرانِ من جُوع وسكرٍ فيا لك من سعير في سعيرِ)
(أقولُ وفي غضائره عظامٌ أتغرق من قدور أم قبورِ)
ومن جيد ما قيل أيضًا في ذم الدعوة قول أبي الحسن بن طباطبا وقد دعاه الكراريسي فقرب إليه مائدة عليها خيار وفي وسطها جامات عليها قطر ولم يصحبها بوارد فسماها مسيحية لأنها أشبهت موائد النصارى، وقدم سكباجة بعظام عارية فسماها شطر نجية، ثم قدم مضيرة في غضارة بيضاء فسماها معقدة لأن البياض لبس المعقدة وهي لا تمس الدهن والطيب، ثم قدم زير باجة بأطراف جدي صفراء لقلة زعفرانها فسماها عابدة لأن ألوان العباد صفر ثم قدم لونًا بقضبان محلولة فسماها قنبية ثم قدم لونًا بزبيب أسود فسماها موكبية ثم قلية بعظام الأضلاع فسماها حسكية لتشنج لحمها ثم قرب زعفرانية فسماها سلحية صفراء ثم قرب فالودذجة قليلة الزعفران والحلاوة فسماها صابونية ثم اعتل على الجماعة بأن ابنه عليل فحولهم من منزله إلى بستان قد طبق بالكراث وأحضرهم جرة منثلمة يمزجون منها شرابهم
[ ١ / ٢٩٨ ]
وإذا ضرب أحدهم الغائط نقلها معه وربط الأكار بحذائهم عجلة تحور عليهم خوارًا شبيها بغناء فاطمة وكان اسمها فاطمة فقال:
(يا دعوةً مغبرةً قاتمة كأنها من سفر قادمَهْ)
(قد قدمَّوا فيها مسيحيةً أضحتْ على أسلافها نادمه)
(ثمَ بشطرنجية لم تزلْ أيدٍ وأيدٍ حولها حائمه)
(فلم نزلْ في لعبها ساعةً ثم نفضناها على قائمه)
(وبعدها معتدة أختها عابدة قائمة صائمه)
(في حجرها أطراف موؤدةٍ قد قتلتها أمُّها ظالمه)
(والقنبياتُ فلا تنسها فحيرتي في وصفِها دائمه)
(أقنبُ ما امتدَ في أصبعي أم حيةٌ في وسطها نائمه)
(والحسكياتُ فلا تنسَ في خندقها أوتادُها قائمه)
(والموكبياتُ بسلطانها قد تركتْ آنافنا راغمهِ)
(والسلحةُ الصفراءُ فاعجب بها إذ سلحتها أنفسٌ هائمه)
(وجام صابوينة بعدها فافخر بها إذ كانت الخاتمه)
(ظلَ الكراريسيُ مستعبرًا من عصبةٍ في دارهِ طاعمه)
(وقالَ إنَ ابني عليلٌ ولي قيامةٌ من أجلهِ قائمه)
(وولوَلتْ داياتهُ حولهُ فليسَ إلا عبرةٌ ساجمه)
(وليسَ هذا لسوى كسرةٍ تكسرُ ما زالت له سالمه)
(وقد أكلناها فكم هيجتْ من لاطمٍ خدًا ومن لاطمه)
(ثمَّ هَرَبنا نحوَ بستانهِ خوفًا من المنية العازمه)
(ظلنا لدى الكراثِ بلهوبه نلهوبه من زهرةٍ قائمه)
[ ١ / ٢٩٩ ]
(وغاية اللطفِ ففي جرةٍ محطومةٍ صارتْ لنا حاطمَهْ)
(نبولُ فيها ثم نسقي بها يا لك من عارضةٍ لائمه)
(وعجلة تشدو بألحانها وكانت الكيَّسة الحازمة)
(فكانَ فيما أنشدتْ إذ شَدَتْ من ليَ من بعدك يا فاطمة)
(نشتم من أسمعنا صوتها وهي لنا من بعدهِ شاتمه)
(ظلّت تبكي شجو ما أبصرت من أمرنا وهي به عالمه)
(فلو ترانا وترى زادَنا حيًا صادفت منا نعمًا سائمه)
فلما سمعها الكراريسي حلف لا يدخل أبا الحسن ولا أحدًا من أصحابه داره واتخذ دعوة ودعا قومًا من الشطرنجيين فقال أبو الحسن إنما دعاهم لينظروا في الشطرنجية التي كنا نفضناها على قائمة هل يمكن فيها من حيلة، وكتب إليه من وقته أبياتًا منها:
(طمعتَ يا أحمق في قمرِها لو أمكنَ القمرُ قمرناها)
(فإن أقاموها فما ذنبنا كنا على ذاك نفضناها)
ثم كتب إليه أبو الحسن:
(يا منْ دعاني أطال اللهُ عمرك لي ولا عدمتك من داع ومحتف)
(ما أنسَ لا أنسَ حتى الحشر مائدةً ظلنا لديك بها في أشغل الشغل)
(إذ أقبل الجديُ مكشوفًا ترائبهُ كأنهُ متمطٍ دائمُ الكسل)
(قد مدَ كلتا يديهِ لي فذكرني بيتًا تمثلتهُ من أحسنِ المثل)
(كأنهُ عاشقُ قد مدَ بسطتهُ يومَ الفراق إلى توديع مرتحل)
(وقد تمري بأطمار الرفاق لنا مثل الفقيرِ إذا مالاح في سمل)
(فليتَ شعري ماذا كانَ أنحله فصار إيمانهُ قولًا بلا عملِ)
(مددْت كفي فلم ترجعْ بفائدة كأنما وقعتْ منهُ على طللِ)
وأخذ أبو الحسن قوله شطرنجية من قول جحظة أظنه:
(قدَّم لي أعظمَ حوليةٍ قد طبختْ بالماء في بُرمته)
[ ١ / ٣٠٠ ]
(فلم أزَلْ زَلتْ به نعلهُ ألعبُ بالشطرنج في قصعتهِ)
ومن جيد الوصف قول أبي الفضل بن العميد في وسط: أنشدنا أبو أحمد أنشدنا أبو الفضل بن العميد لنفسه:
(ودونك وسطًا أجاد الصناعُ تلفيفَ شطريهِ بالهندمة)
(فمن صدر فائقةٍ قد نوت ومن عجز ناهضةٍ ملقمه)
(ودنّر بالجوزِ أجوازه ودَرهمَ باللوز ما دَرهمه)
(وقابل زيتونها والجبن صفائح من بيضةٍ مدغمه)
(فمن أسطرٍ فيهِ مشكولة بملح ومن أسطرٍ معجمة)
(وطرز بالقبل أعطافهُ فوافى كحاشيةٍ معلمه)
(موَشّى تخال به مطرفا بديع التغاويف والنمنمه)
وأنشد في الشواريز:
(ما متعةُ العينِ من خدٍ تورُدهُ يزهى عليك بخالٍ فيه مركوزِ)
(مستغرقُ الحسنِ في توسيع وجنتهِ بدائعٌ بين تسهيمٍ وتطريز)
(يوفي على القمرِ الموفي إذا اتصلتْ يُسراه بالكأسِ أو يمناه بالكوز)
(انهى إليكَ من الشيرازِ إنْ وضحتْ في صحنِ وجنتهِ خيلان شونيز)
(وقد جرى الزَّيتُ في مثنى أسرته فضارعتْ فضة تُعلى بإبريزِ)
وقال ابن خلاد:
(وسوفَ يزوركَ شيرازها فتقسم بالله أن تكرمه)
(يميسُ بشونيزةٍ كالعروسِ تخطرُ في الحلةِ المسهمه)
(وتغشى موائدَ قد عوليتْ أطايبَ كالبردةِ المعلمه)
(تباهى بجاماتها والغضار كواكب في الليلةِ المظلمه)
وأول من ذكر الفالوذ أبو الصلت جاهلي يذكر عبد الله بن جدعان:
[ ١ / ٣٠١ ]
(لهُ داعٍ بمكةَ مشمعلٌ وآخرُ فُوقَ دارته ينادي)
(إلى رُدح من الشّيزى عليها لبابُ البرَ يلبكُ بالشهادِ)
لباب البر يعني النشا. وكان لعبد الله جفنة يأكل منها القائم والقاعد والراكب وقال رسول الله & (كنتُ أستظلُ بجفنةِ عبد الله بن جدعان في الهواجر) ومن النوادر في هذا ما أخبرنا به أبو أحمد عن رحاله قال سأل أعرابي عن رأيه في الفالوذ فقال والله لو أن موسى أتى فرعون بفالوذ لآمن به ولكنه أتاه بعصاه. ومن مصيب التشبيه فيه قول بعضهم:
(ولاطفه بالشّهدِ المخلّق وجهه وإن كانَ بالأطافِ غيرَ خليقِ)
(كأنَ اصفرارَ اللوزِ في جنباتهِ كواكبُ تبرٍ في سماءِ عقيقِ)
وقلت:
(حمراء في بيضاءَ فضية وظرف كافور وحشو الخلوقِ)
(يطوفُ الدُهن بأرجائه اطافةَ الدَمع بجفنِ المشوقِ)
(كأنما اللوزُ بحافاتهِ أنصاف دُرٍ ركبت في عقيقِ)
ومن المشهور قول ابن الرومي في اللوزينج:
(كأنما قرتَ جلايبيهُ من أعينِ القطرِ إذا قبّبا)
(مستكثفُ الحشوِ على أنه أرقُ جسمًا من نسيمِ الصَّبا)
(يَدورُ بالنفحةِ في جامِه دورًا ترى الدُهن لهُ لولبا)
(لو أنه ثغرٌ لروميَّةٍ لكان منه الواضح الأشنبا)
وقلت في قطائف: (كثيفةُ الحشو ولكنها رقيقةُ الجلدِ هوانيه)
(رشتْ بماء الوردِ أعطافُها منشورة الطيَ ومطويه)
[ ١ / ٣٠٢ ]
(كأنها من طيبِ أنفاسها قد سرقَتْ من نشرِ ماريه)
(جاءَتْ من السكر فضية وهي من الأدهان تبريه)
(قد وَهَبَ الليلُ لها بُردهُ وَوَهَبَ الخصبُ لها زيه)
وقلت في ذم الباذنجان:
(قرانا بقولًا إذ أنخنا ببابهِ فأصبحَ فينا ظالمًا للبهائمِ)
(وقفنا عليهِ الركبَ نسأله القِرى ونحنُ على أعناقِ أغبر قاتمِ)
(فصامَ وصومُ الليلِ ليس بجائزٍ وإن جازَ في فقهِ اللئامِ الأشائمِ)
(أجازَ صيامَ الليلِ حينَ استفزَّهُ تعاورُ ضيفٍ في دُجى الليل عاثم)
(فبتنا أديمَ الليلِ نطوي على الطوى كأنا على غبراءَ من ظهرِ واشمِ)
(وأطعمنا لما مرقنا من الدُّجى دحاريجَ لا تنساقُ في حلقٍ طاعم)
(مُدَوّرَةًُ سودَ المتونِ كأنها خصى الزَّنج لاحت تحت فِيَش قوائمِ)
(فأبشارها تحكي بطون عقاربِ وأرؤسها تحكي أنوفَ محاجمِ)
وأخبرنا أبو أحمد حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا نصر قال قال الأصمعي قيل للفاخري أي التمر أجود؟ قال الجرد الفطس الذي كأن نواه ألسن الطير تضع الواحدة في فيك فتجد حلاوتها في كعبك يعنى الصيحاني تمر العلية. وأخبرنا أبو أحمد حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبي حدثني عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال اجتمع أربعة رهط سروي ونجدي وحجازي وشامي فقالوا تعالوا نتناعت الطعام أية أطيب: قال الشامي إن أطيب الطعام ثريدة موسعة زيتًا تأخذ أدناها فيضرط عليك أقصاها تسمع لها وقيبًا في الحنجرة كتقحم بنات المخاض في الخرف، قال السردي إن أطيب الطعام خبز بر في يوم قر على حمر عشر موسع سمنًا وعسلا. فقال الحجازي أطيب الطعام خنس فطس بإهالة حمس يغيب فيها الضرس. فقال النجدي أطيب الطعام بكر سنمة مغتبطة نفسها
[ ١ / ٣٠٣ ]
غير ضمنة في غدة شبمة بشفار خدمه في قدور جذمه. ثم قال الشامي دعوني أنعت لكم الطعام إذا أكلت فابرك على ركبتيك وافتح فاك وأجحظ عينيك وامرح أصابعك وعظم لقمتك وأحتسب نفسك. قال عبد بن دينار ما سمعت ابن عمر حدث هذا الحديث قط فبلغ قول الشامي (واحتسب نفسك) إلا ضحك. وقلت في عصيدة:
(وعدتُ عصيدةً شقراءَ تحكي طرارَ الصبح في ثوبِ الظلامِ)
(تراها حينَ تبرزُ في ظلام كعرفِ الطرفِ في زمنٍ قتامِ)
(كذي دلٍ عليهِ مصفراتٌ يدلُ على المشوقِ المستهام)
(فما أن صبا قلبي إليها ومدّت نحوها عين اهتمامي)
(تقاصرَ دونها كفايَ حتى كأنَ الدبسَ علقَ بالغمام)
(فدونَ السمن أطرافُ العوالي ودونَ النار بادرةُ الحسامِ)
(أتلك عصيدةٌ أم طيفُ سلمى فليسَ يزورُ إلا في المنامِ)
وقلت في سكمة طرية:
(يقيضُ للمكتوب ماجرَ حتفه فجازَ بنا في الغيضِ شرَّ مجازِ)
(بعثنا إليه منسر الباز فانثني إلينا بظهرٍ مثل جؤجؤ بازِ)
(فأطفأ نيرانَ الطهاةِ كأنها سحابٌ يسحُّ الودقَ فوق عزازِ)
العزاز: الأرض الصلبة. وقال كشاجم في السمك:
(ومحجوبةٍ في البحرِ عن كلَ ناظرٍ ولكنها في حجبها تتحطفُ)
(أخذنا عليهنَ السبيلَ بأعينٍ راصد إلا أنها ليسَ تطرفُ)
(فجاءَ بها بيضَ المتونِ كأنها خناجرُ في إيمانِنا تتعطفُ)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن القاسم عن الأصمعي قال دخلت على الرشيد وهو يأكل الفالوذ فقال يا أصمعي هل قالت العرب في هذا شيئًا؟ فقال يا أمير المؤمنين وأنى لها هذا ولكن قالت فيما دونه، قال وما وقالت؟ قال قال مُزرد
[ ١ / ٣٠٤ ]
ابن ضرار أخو الشماخ:
(ولما عدتْ أمي تزورُ بناتها أغرتُ على العِكم الذي كان يُمنعُ)
(خلطتُ بصاعي حنطةٍ صاعَ عجوةٍ إلى صاعِ سمنٍ فوقها يتربعُ)
(ودبلتُ أمثالَ الأثافي كأنها رؤوسُ نُقادٍ قُطعتْ يومَ تجمّعُ)
(وقلتُ لبطني أبشري اليومَ إنهُ حمى آمنًا مما تفيدُ وتجمعُ)
(فإن تك مصفورًا فهذا دواؤهُ وإن تك جوعانًا فذا يوم تشبعُ)
فضحك الرشيد وقال يا أصمعي ما لدينا ليس فيها مثلك حسن، فدعوت له وفضلته على الملوك بالعلم، فقال يا أصمعي نحن كل يوم نشبع. ومما يجري مع هذا القول في الرحا: فمن أجود ما قيل فيها ما أنشدناه أبو أحمد:
(عجبتُ من سائرةٍ لا تبرحُ ينهاك عن ركوبها من ينصحُ)
(دائبة تمسي بحيثُ تصبحُ)
والحمد لله وحده.