عمى عبد كان للأحول على أبي صالح محمد بن عبيد الله بيتًا غلط فيه ورسمه:
(نظيف خفيف نظيف فايق نظيف مقيل بعلب نظيف)
(طريف مدل فايق نظيف فايق مقبل نظيف فايق)
(رشيق بدر معلب لمن نظيف مهذب معشوق نظيف)
مهذب ملاحظ رشيق مغاضب نظيف. فأخرجه وكان البيت:
(إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا دماءً وحقنها مدامعُ حفلُ)
وكان الجواب الصادر:
(ألا أيها الشخصُ الذي كان نزهة يحصِّنهُ سترٌ من الله مسبل)
(لماذا هتكت الستر عنك تعمدًا ولستَ بحمدِ اللهِ ممن يُجهل)
(رأيتك قد عميتَ بيتًا رسمتهُ بكلَ خطاءٍ فهو مثلك أحولٌ)
(وكان لمتبولِ الفؤادِ معذبٌ أخي حسرةُ بالهجرِ والصدِّ يُقتلٍِ)
(فقالَ وقد رامَ السلوَ فلم يجد وبات كئيبًا باليًا يتململُ)
(إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا دماءً وحقنها مدامعُ حُفَّلُ)
وعمى حمزة الأصفهاني على أبي جعفر محمد بن أيوب بيتًا رسمه:
(نرجس خيري بنفسج حماحم شاهسفرم اقحوان نسرين)
(نسرين أقحوان نسرين مرزنجوش ورد ياسمين نسرين)
(زعفران نمام سُوسن أفرنجمشك آس منثور مرزنجوش)
(بنفسج بلحية ياسمين مرزنجوس نسرين نمام منثور)
[ ٢ / ٢٠٨ ]
خيري منثور أقحوان زعفران سيسنبر خزامى بنفسج مرزنجوش. فأخرجه وكان البيت:
(كفى حزنًا أنَ الجوادَ مُقتَّرٌ عليهِ ولا مَعرُوفَ عند بخيل)
فكان الجواب الصادر:
(فِداك أبا يعلى أخٌ لك لم يَزَلْ يَعدُّك ذخرًا عندَ كلَ جليلِ)
إلى أن قال:
(فقالَ وقد جابَ البلادَ فلم يجد أخا ثروةٍ يسخى لهُ بفتيل)
(كفى حزنًا أنَ الجوادَ مقترٌ عليهِ ولا معروفَ عندَ بخيلِ)
ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي سعيد الأصفهاني وقد عمى عليه زياد بن جعفر الهمداني بيتًا فأخرجه وكان الجواب:
(إذا العارضُ السحُ بالوبلِ جادا وأنزل غيثًا أغاثَ البلادا)
(وأسرجَ فيهِ وميضُ البروقِ مصابيحَ تزهو منه اتقادا)
(وثج فما شكَ ذو ناظر رأى سيلهُ أنَّ فيهِ مزادا)
(فعمَ بشؤبوبه سادتي وخصَ بأغزرِ سقى زيادا)
(زياد بن جعفر المستجار لصرفِ الزمانِ إذا ما تمادى)
(فداؤك نفسي وإن سمتني غناءً طويلًا حماني الرُّقادا)
(أتتني الطيورُ فساترنني ببيت تعمقت فيهِ عنادا)
(إلى أن تمكنتُ من صيدها وقد صدتها إذ عرفتُ المصادا)
(وقلتُ لها غرِّدي بالذي كتمتِ فأسرعنَ نحوي انقيادا)
(وأنشدتُ بيتًا مُعادَ الفصول ولستَ ترى فيه معنى مُعادا)
(ومن ذلَ قلَ ومن قلَ ذلَ ومن سادَ جادَ ومن جاد سادا)
(أردتَ سقاطي فما نلتهُ فنلتُ المنى وبلغتُ المرادا)
(وأبقاك ربي بقاء النعيم عليك وملاك منه وزادا)
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وكتب إلى أبي عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي جوابًا عن معمى:
(دمعي على الخدِّ سكبُ ونارُ شوقي تشبُ)
(وليس يبقى على ما يلقاه قلبي قلبُ)
(للهِ عهد الليالي إذ مورد العيش عذبُ)
(وإذ شبابيَ لدنٌ وغصنُ قدّي شطب)
(يا جعفر القوم يا من يدعي إذا جلَ خطب)
(فداكَ عبدٌ مشوقٌ إلى لقائك صبُّ)
(أبعدتني وسواءٌ بعدٌ لديّ وقرب)
(أخلاطٌ طيبٍ أتتني منها يبيسٌ ورطب)
(قربتْها نارُ طبعٍ يدوم والنارُ تخبو)
(عودٌ ومسكٌ ذكيٌ وعنبرٌ مستحبُ)
(أوردتُها نارَ فكري ففاحَ شرقٌ وغرب)
(وهبَ للفهم منها روائحٌ لا تهبُ)
(فنلت بالشمِ مالم ينله عجمٌ وعُرب)
(بيتا كما أهتزَ روضٌ أو أكملَ الوشي عصب)
(شيبٌ وسنٌ وجهلٌ هذا لعمرك صعب)
(بجعفرٍ وأخيه نالَ الورى ما أحبوا)
(نفسي فداكم وما قد أهلَ يالحج ركب)
(ذنبي انقطاعي إليكم إن عدَ للناس ذنب)
(فذاك للخلق كهفٌ وذاك للمجدِ قطب)
(ليثٌ إذا عضَ دهر غيثٌ إذا إشتدَ جدبُ)
(لي منهما اليومَ رأىٌ يُرى غدًا وهو كسبُ)
والتعمية أن تجعل مكان كل حرف من البيت اسمًا على مثال ما تقدم فإذا
[ ٢ / ٢١٠ ]
مضت الكلمة تدير دائرة على ذلك حتى تأتي على آخر البيت. ووجه استخراج المعمى أن تنظر إلى الأسماء التي جعلت مكان الحرف فما تكرر منها وكثر في البيت فظن أنه للألف وربما لم يصدق هذا الظن ولكنه الأمر الأكثر فاطلب بعده اللام فإنها تقع بعد الألف كثيرًا وانظر إلى ما طال في البيت من الكلمات فإذا رأيت الألف في أولها فظن بالثانية أنها لام وربما تكرر ذلك في موضعين من البيت وثلاثة، ومما يستدل به على معرفة اللام أيضًا أن يقع بعد الاسم إذا ظننت أنه الألف حرفان على صورة واحدة في مثل اللبيب والليل والليث وفي قولك الله وما أشبه ذلك، ومما يستدل به على معرفة اللام أيضًا أن يقع في البيت كلمة على حرفين وقد عرفت الألف واللام فتكون الكلمة تزداد يقينًا في الألف واللام وإذا صحت لك الألف واللام رأيت في البيت كلمة على حرفين والثاني منهما ألف فظن أنها (ما) أو (ذا) أو (يا) لأن ذلك أكثر ما يقع فإذا صحت الميم من (ما) ثم رأيت كلمة على حرفين فظن بها أنها (من) فإن رأيت كلمة على حرفين وأولها ألف فظن بالثاني أنه نون أو واو أو ميم، فإذا عرفت الألف في أول كلمة ورأيت قبلها حرفًا فظن أنه واو أو فاء أو باء أو كاف فإذا عرفت الألف ورأيتها وقد وقعت آخر البيت فظن بالحرف الذي قبلها أنه هاءٌ أو كاف لأن ذلك أكثر ما يقع فإذا تكررت لك هذه الحروف في البيت وقفت منه على أكثره، ثم تعمد إلى الحروف التي يقل تكرارها في البيت فتنظر إلى الكلمة الرباعية أو الخماسية فتظن أنها أبدًا أن فيها أحد الحروف الستة اللام والراء والنون والفاء والتاء والميم لأنها لا تخلو من حرف منها أو حرفين. ولا ينفع ما مثلناه من هذه الأمثلة إلا مع جودة الفريحة وشدة الذكاء والفطنة ومع النشاط وصدق الشهوة. وذكر بعض أهل العلم وأظنه أبا الحسن العروضي أنه عمي له قول الشاعر:
(وكن ذاكرًا بيت النويبغ إنه سيحلو على سمع اللبيب ويعذبُ)
فكانت تعميته: زيد بكر عمرو سعد بدر بكر بدر سهل صقر فهد بدر شهر
[ ٢ / ٢١١ ]
عمرو زيد صقر سهل رشد بدر عمرو حمد قصر عقر مكر شهر زيد بدر فخر شهر صقر قصر سلم فخر بدر شهر شهر سهل صقر سهل زيد صقر فخر سعد سهل صقر. قال فأول ما استخرجت منه الألف لأنها أكثر ما فيه من الحروف ثم عرفت بعدها اللام لأنهما واقعتان في قوله (النويبغ) وفي قوله (اللبيب) فلما صحت الألف واللام رأيت اللام قد تكرر فعلمت أنها لا تتكرر إلا في مثل اللبيب واللطيف وكان أقربها في ظني اللبيب، عمدت بعد ذلك إلى الكلمة الثالثة فرأيت الباء والياء فيهما وبقي الحرف الثالث فعرضته على الحروف فخرج لي بيت وبيد ويبش وبيض وبيع وبين فلم أجزم على شئ منها فتركتها موقوفة ثم قصدت إلى الكلمة السابعة فرأيت فيها اللام والباء فلم أشك أن الحرف الأول العين وأن الكلمة (على) ثم قصدت الكلمة الثامنة فرأيت العين في آخرها فطلبت على هذا المثال ما آخره عين فجاءني جمع ورجع ودمع وسمع فتركتها موقوفة ثم عمدت إلى الكلمة الأخيرة فرأيت فيها ما تبينته وعرفته الياء والعين والباء فعمدت إلى الياء والعين فوضعتهما مع سائر الحروف فخرج لي: يعتب ويعجب ويعذب ويعرب ويعطب وما شاكل ذلك فقابلت ما خرج من وجوه الكلمة الأخيرة على ما يقرب في المعنى مع إدخال اللبيب بينهما فصح لي أن الثامنة (سمع) وأن الأخيرة يعذب وعلمت أن زيدًا في أول الكلمة الأخيرة واو فلما صح (على سمع البيب) لم أشك أن الكلمة السادسة (سيحلو) قد ظهرت فيه السين والياء واللام والواو والألف فلما عرضت الكلمة مع سائر الحروف لم يطابق يعذب في المعنى إلا يحلو فلما ظهر ذلك علمت بالمعنى والوزن جميعًا أن الذي ظهر من البيت يدل على أنه في ذكر شئ فيه كناية في وسط البيت وأولها ألف والنون تليها كثيرًا فأدى الوزن إلى أن بعدها هاء وأن الكلمة (إنه) فلما ظهرت النون وكنت قد عرفت الواو من الكلمة الأخيرة علمت أن أول كلمة في البيت (وكن) بغير شك وأن الثانية (ذاكرا) لأن الذال ظهرت في يعذب والألف معروفة والكاف قد بانت من الكلمة الأولى والألف الثانية
[ ٢ / ٢١٢ ]
معروفة بقيت الراء فلما عرضتها على سائر الحروف لم يجئ غير الراء ثم قصدت إلى الكلمة الرابعة فلم أجد فيها حرفًا غير ظاهر قد عرفته إلا الغين فقط فلم أدر ما هو فلولا أن الوزن أدى إليه بعد طول تعب لك يكن يظهر فلما علمت أنها (النويبغ) لم أشك أن الثالثة (بيت) وظهر البيت كله. ومن المعمى بغامض الحساب قول ابن طباطبا:
(إن رحت ما في يديه ملتمسًا وكنتُ أشكو إليهِ ضيقَ يدي)
(أحصت ألوفا يسراهُ أربعة منقوصة سبعة من العددِ)
وفي هذا المعنى شئ كثير هذا أجوده فاعرف ذلك. وقلت في ضرب من المعمى:
(وأصفرٌ تحمرٌ أطرافه يا حسنهُ منْ مطرف مُعلمِ)
(صدَّره الانسانُ في بيتهِ وهو مهانٌ ليسَ بالمكرم)
(والمرءُ قد يعلو على ظهره وهو سليم الدِّين لم يأثم)
(وهو على ما كان من ذلّة سُمِّى باسم الملك الأعظمِ)
أعني حصيرًا والملك يسمى حصيرًا، قال الشاعر:
(ومقامه غلب الرّقاب كأنهم جندٌ لدى باب الحصير قيامُ)
وقلت:
(وميت لا يكاد المرء يدفنه إلا إذا عادَ حيًا بعدما ماتا)
(وميّت غيبوا في الأرض جُثَّته عمدًا لكي يجعلوا الأحياء أمواتا)
الأول الذكر والثاني الفخ. ومن مليح المعمى ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا ابن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا عبد الحميد بن عقبة قال حدثني أبو عثمان المازني قال هجا أبو عيينة إسماعيل بن جعفر بن سليمان بشعر موري فلم يفهمه وكان كلما جاءه من يأنس به عرضه عليه حتى دخل رجل فأقرأه إياه وهو قوله:
(إني أحاجيك فاعلمنَّ فما لؤلؤةٌ منك قد ثقبناها)
(وكرمةٍ من أبيك منبتها حتى إذا أينعتْ قطفناها)
(تخبرنا ما هما وما سُبُلٌ تشعبت منك قد سلكناها)
[ ٢ / ٢١٣ ]
(لم نمش فيها ريثًا ولا عجلًا ولم نطأها وقد وطئناها)
(فإن تصبها فأنت ذو فطن وحاجتي أنْ تصيب معناها)
فقال أيها الأمير أنه كلامٌ ردئ أكره أن أستقبلك به فقال هاته قال أما اللؤلؤة فالبنت وأما الكرمة من أبيك فالأخت وأما السبل التي تشعبت فالأم لم نطأها بالاقدام ووطأناها بالفعل وقال الآخر يذكر دعوة يدعو بها على رجل:
(وسارية لم تسر في الأرض تبتغي محلًا ولم يقطع بها البيدَ قاطعٌ)
(سرت حيثُ لم تسرِ الركاب ولم تنخ لورد ولم يقصر لها القيد مانع)
(تكرّ وراءَ الليلِ والليلُ مظلمٌ إذا قرعَ الأبوابَ منهنّ قارعُ)
(إذا وفدت لم يردد اللهُ وفدها على أهلها واللهُ راءٍ وسامعُ)
(وإني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميلِ الظنّ ما الله صانعُ)