أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال حدثنا ابن زكريا عن ابن دينار قال حدثنا محمد بن عبيد الله العتبي قال كلم منصور بن زياد يحيى بن خالد بن برمك في حاجة لرجل فقال عده عني قضاءها فقال وما يدعوك أعزك الله إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال له يحيى هذا قول من لم يعرف موضع الصنائع من القلوب إن الحاجة إذا
[ ٢ / ٢٠٤ ]
لم يتقدمها موعد ينتظر به تجحها لم تتجاذب الأنفس بسرورها ولم تتلذذ بتناولها وإن الوعد تطعم والإنجاز طعام. وليس من فاجأ طعام كمن وجد رائحته وتمطق له وتطعمه ثم طعمه فدع الحاجة تحتم بالوعد ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل وحلاوة ذوق. وأخبرنا أبو أحمد قال حدثنا الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد قال أخبرنا البحتري عن خارجة بن مسلم بن الوليد عن أبيه قال سألت الفضل بن سهل حاجةً فقال أسوفك اليوم بالوعد وأحبوك غدًا بالإنجاز فإني سمعت يحيى بن خالد يقول المواعيد شباك الكرام يصطادون بها محامد الإخوان وإن كان المعطي لا يعد لارتفعت مفاخر إنجاز المواعيد وبطل فضل صدق القول. وقال عيسى بن ماهان لجلسائه إني أحب أن أهب بلا وعد وأحب أن أعد لأخرج بالإنجاز من جملة المخلفين وأدخل في عداد الوافين ويؤثر عني كرم المنجزين فإن من سبق فعله وعده وصف بكرمٍ فرد وسقط عنه جميع ما ذكرت. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال أخبرني عون بن محمد قال ذكر العتابي المأمون فقال إنه ألقح معروفه عندي بالوعد ونتجه بالنجح وأرضعه بالزيادة وشيبه بالتعهد وهرمه باستتمامه من جهاته وهنأه بترك الامتنان به. ومن عجيب ما جاء في الحث على الإنجاز ما حدثني به أبو أحمد عن الصولي عن يموت بن المزرع قال حدثنا عبد الصمد بن المعذل قال شكا رجلٌ جعفر بن يحيى إلى أبيه بأنه وعده ومطل به. فوقع: يا بني أنتم معاقل الأحرار ومظان المطالب ومعادن الشكوى فكونوا سواءً في الأقوال والأفعال فإن الحر يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته فإن أخفق أمله كان سببًا لذمه واتهامه وسوء ظنه حتى يوارى قبح ذلك وحسن تقيته فأنجذ الوعد وإلا فقصر القول فإنه أعذر والسلام. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن يونس عن الحميدي عن سفيان قال سمعت الزهري يقول: حقيق على من أزهر بالوعد أن يثمر بالفعل. ومن جيد ما مدح به المنجز قول أبي تمام:
[ ٢ / ٢٠٥ ]
(نؤمُّ أبا الحسين وكان قدما فتى أعمارُ موعدة قصارُ)
(تحنُ عِداته أثر التقاضي وتنتجُ مثل مانتج العِشارُ)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن المغيرة بن محمد قال كلم المأمون في الحسين ابن الضحاك الخليع أن يردَ عليهِ رزقه فقال المأمون: أليسَ هو القائل في الأمين:
(فلاَ فرحَ المأمون بالملك بعدَه ولا زال في الدنيا طريدًا مشردا)
فما زالوا به حتى أذن له أن ينشده فأنشده:
(ابن لي فإني قد ظمئتُ إلى الوعدِ متى تنُجز الوعدَ المؤكّد بالعهدِ)
(أُعيذك من صدَ الملوك وقد ترَى تقطع أنفاسي عليك من الوجدِ)
(فما لي شفيعٌ عندَ حُسنك غيرهُ ولا سببٌ إلا التمسك بالوُدَّ)
(أيبخلُ فرد الحسنِ فرد صفاتِه عليّ وقد أفردته بهوى فردِ)
فاستحسن الناسُ هذا التشبيب فلما قال:
(رأى اللهُ عبد الله خير عباده فملكهُ واللهُ أعلم بالعبدِ)
قال هذه بتلك وقد عفونا عنك. فقال يا أمير المؤمنين فأتبع عفوك بإحسانك فأمر برد أرزاقه عليه وكانت في كل شهر خمسمائة دينار فقال المأمون لولا أني نويت العفو عنه وجعلت ذلك وعدًا له من قبل ما فعلته، وإنما ذكر العهد في تشبيبه فذكرنيه. وماأحسن ما قاله بعض ملوك العجم: البخل بعد وعد يضعف قبحه على البخل قبله فما قولك في أمر البخل أحسن منه وأجمل.