أخذه أبو تمام فقال:
[ ١ / ٢٦٤ ]
(معتدل لم يعتدلْ عدلهُ في عاشقٍ طالَ به خبلهُ)
(أطرقهُ أحسن أم أظرفه وحسنهُ أكملُ أم عقلهُ)
(انظر فما عاينتَ في غيره من حَسَنٍ فهو له كلّهُ)
(لوقيلَ للحسن تمنَ المنى إذًا تمنّى أنه مثلهُ)
(أيُّ خصالٍ حازَها سيدي لو لم يكدِّر صفوَها مطلهُ)
وقال أبو نواس:
(تمتْ وتم الحسنُ في وجهها فكلَ شئ ما خلاها محالْ)
(للناسِ في الشهرِ هلالٌ ولي من وجهها كلَ صباح هلالْ)
وقال:
(متتائهٌ بجمالهِ صَلِفٌ لا يُستطاعُ كلامهُ تِيْها)
(لو كانت الأشياءُ تعرفه أجلَلْنَهُ إجلال باريها)
(لو تستطيع الأرض لأجتمعت حتى يكون جميعه فيها)
وقال:
(ألاحظُ حسنَ وجنتهِ فتجرحني وأجرَحُها)
وقال غيره:
(شكوتُ إلى شبيهك إذ تجلى هواك فلم يُزل شكوى الحزينِ)
(وكانَ كأنتَ إشراقًا وحسنًا وقلةَ رحمةٍ لمستكين)
أحسن ما قيل في إعراض الحبيب قول النمر بن تولب:
(فصدَّتْ كأنَ الشمسَ تحت قناعها بدا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ)
وقد مر قبل. ومن ظريف ما جاء في ذلك قول ابن الرومي:
(ماساءني إعراضُه عنِّي ولكنْ سرَّني)
(سالفتاهُ عوضٌ عن كل شئ حسن)
وقال الآخر وأحسن:
(صدعني محمدٌ بنُ سعيدٍ أحسن العالمينَ ثاني جيدِ)
(صدّ عنَّي من غير جرمٍ إليه ليسَ إلا لحسنهِ في الصدودِ)
والفرد الذي لا شيبه له في كثرة اعتلال المعشوق على العاشق وكثرة تجنيه عليه قول بعضهم:
(شكوت فقالت كلَ هذا تبرما بحبي أراحَ الله قلبكَ من حبي)
(فلما كتمتُ الحبَ قالت لشد ما صبرتَ وما هذا بفعل الشجي الصبَ)
[ ١ / ٢٦٥ ]
(وأدنو فتقصيني فأبعد طالبًا رضاها فتعتدُ التباعدَ من ذنبي)
(فشكواي تؤذيها وصبري يسؤها وتجزع من بعدي وتنفرُ من قربي)
وقريب منه قول مسلم:
(ويخطئ عذْري وجه جُرميَ عندها فأجني إليها الذنبَ من حيثُ لا أدري)
(إذا أذنبتْ أعددتُ عذرًا لذنبها فإن سخطتْ كانَ اعتذاري من العذر)
(بذكرك ماتَ ألياسُ في حضرةِ المنى وإن كنتُ لم أذكرك إلا على ذكرِ)
قد أصاب صفة العاشق. وقلت:
(صبابة نفس لا ترى الهجرَ حاليا وصبوة قلب ما ترى الوصل شافيا)
(نزلتُ على حكم الصّبابة والهوى فصرتُ أرى للخلِّ ما لا يرى ليا)
(ولولا الهوى ما كنتُ آملُ باخلا وأرحم ظلاّما وأذكرُ ناسيا)
(ومن شأنه أني إذا ما ذكرتهُ جفاني وسماني إذا غبتُ جافيا)
(على أنني أنأى فأدنو تذكرًا ولستُ كمنْ يدنو فينأى نتاسيا)
(ويعجبني حُبي له وصبابتي إليهِ وإمساكي عليهِ وداديا)
(فلو ظني أسلوهُ لم يكُ هاجرًا ولو خالني أسناهُ لم يكُ نائيا)
(ولكنَ عشقي في ضمان جفونه فيأمن سلواني ويرجو غراميا)
ومن أصاب وصف العاشق الصادق العشق على حقيقته الذي يقول:
(إذا قربتَ دارٌ كلفتُ وإن نأتْ أسفتُ فلا للقربِ أسلو ولا البعدِ)
(وإنَ وعدتَ زادَ الهوى لانتظارها وإن بخلتْ بالوعدِ متُ على الوعد)
(ففي كلَ حال لا محالةَ فرحةٌ وحبك ما فيهِ سوى محكم الجهدِ)
ومثله قول الآخر:
(وما في الأرض أشقى من محبٍ وإن وَجَدَ الهوى حلوَ المذاقِ)
(تراه باكيًا في كلَ حين مخافةَ فرقةٍ أو لاشتياق)
(فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ويبكي إن دَنوا خوفَ الفتاة)
[ ١ / ٢٦٦ ]
(فتسخنِ عينهُ عندَ التنائي وتبرد عينهُ عندَ التلاقي)
ووصفه الهوى بالحلاوة مع هذه الصفات وصف بديع غريب. ومثله قول ابن الأحنف:
(إذا رضيتْ لم يهنني ذلك الرِّضا لصحةِ علمي أن سيتبعه عتبُ)
(وأبكي إذا ما أذنبتْ خوفَ عتبها فأسألها مرضاتها ولها الذَّنبُ)
(وصالكمُ صرمٌ وحبكمُ قلى وعطفكمُ صدٌ وسلمكمُ حَرب)
ومثل البيت الأول قول سعيد بن حميد ويروي لفضل الشاعرة:
(ما كنتُ أيام كنت راضيةً عني بذاك الرِّضا بمغتبطِ)
(علمًا بأنَ الرِّضا سيتبعه منك التجنّي وكثرةُ السخطِ)
(فكلُ ما ساءَني فعن خُلق منك وما سَرَّني فعن غلطِ)
ومن البديع في طلب نيل المعشوق قول الآخر:
(عِدينا مَوْعدًا ثم اجحدينا فكم من مبطل حقًا بجحدِ)
(وإلا فابذلي من غيرِ وعد فقد تكف السماءُ بغير رعدِ)
وقلت في نحو ذلك:
(تسئ على بعدِ الديارِ تنائيا وخلفك عند القرب من عصب البعدِ)
(كثير سروري في قليل وفائه وعند ابتسام البرقِ قهقهة الرعدِ)
ومن أبلغ ما قيل في الرضا عن المعشوق بالقليل قول جميل:
(أقلبُ طَرْفي في السماءِ لعلّه يوافقُ طرفي طرفَها حينَ تنظرُ)
ومثله قول ابن المعلوط:
(أليسَ الليلُ يلبس أمَ عمروٍ وإيّانا فذاك لنا تدان)
(بلى وأرى السماءَ كما تراها ويعلوها النهارُ كما علاني)
وأنشدني أبو أحمد عن ابن الأنباري لجميل:
[ ١ / ٢٦٧ ]
(وإني لأرضى من بثينةَ بالذي لو استيقنَ الواشي لقرتْ بلابله)
(بلا وبالا استطيع وبالمنى وبالأمل المكذوب قد خاب آمله)
( وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي أواخرهُ لا المتقي وأوائله)
وكان جميل يصدق في حبه وكثير يكذب. ومن رديء هذا الباب قول بعضهم:
(وما نلتُ منها محرمًا غير أنني إذا هي بالتْ بلتُ حيث تبولُ)
وعفة هذا كعفة المتنبي في قوله:
(إني على شغفي بما في خمرها لأعفُ عما في سروايلاتها)
سمعت بعض الشيوخ يقول من الفجور ما هو أحسن من هذه العفة إذ عبر عنها بهذا اللفظ. وأخبرنا أبو أحمد أخبرنا الجوهري عن عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري عن رجل ذكره قال قيل لكثير ما أنسب بيت قالته العرب؟ قال الناس يقولون:
(أريدُ لأنسى ذكْرَها فكأنما تمثلُ لي ليلى بكلَ سبيل)
وأنسب عندي منه:
(وقل أمُ عمرٍ داؤه ودواؤه لديها ورياها الطبيب الموافقُ)
وهذا البيت جيد المعنى ردئ الوصف. وأبلغ ما قيل في شدة الحب ما أنشدناه قدامة:
(يَودُ بأنْ يمسي سقيمًا لعلها إذا سمعتْ منه بشكوى تراسله)
(ويهتزُ للمعروف في طلب العلى لتحمدَ يومًا عندَ سلمى شمائله)
وقلت في معناه:
(وقلتُ عساها إن مرضتُ تعودني فأحببتُ لو أني غدوتُ مريضا)
(وزدتُ اتساعًا في المكارم والعلا يصبحَ جاهي عندهنَ عريضا)
ومن الشعر المختار في النسيب قول أبي المطاع:
[ ١ / ٢٦٨ ]
(أفدى الذي زرته والسيفُ يخفرني ولحظُ عينيه أمضى من مضاربهِ)
(فما خلعت نجادًا في العناقِ لهُ حتى لبستُ نجادًا من ذوائبهِ)
(فباتَ أنعمنا بالًا بصاحبهِ من كان في الحبَ أشقانا لصاحبهِ)
وقلت في معنى البيت الآخر:
(بقدرِ الصبابةِ عندَ المغيب تكونُ المسرةُ عندَ الحضورِ)
(وأطيب ما كان بردُ الثغور إذا هو صادفَ حرَ الصدور)
ومن المختار في صفة العذار:
(وقلت الشعرُ يسليني هواهُ ولمْ أعلم بأنَ الشعرَ حيني)
(فظلتُ لشقوتي أفدي وأمي سوادَ عذارهِ بسوادِ عيني)
ومن أعجب ما قيل في التهالك في الحب ونهاية لاتنقرب إلى المعشوق قول ديك الجن:
(بانوا فصارَ الجسمُ من بعدهم ما تصنعُ الشمسُ لهُ فيَّا)
(بأيِّ وجهٍ أتلقاهمُ إذا رأوني بعدَهمْ حيّا)
ومن أبدع ما قيل في عدم السلو قول ابن الرومي:
(أأسماءُ أيُ الواعدينَ ترينهُ أشدَّكما مطلًا فإني لا أدري)
(أأنتِ بنيلٍ منك يبردُ غلتي أم النفس بالسلوانِ عنك وبالصبرِ)
لم يقل في بعد الحبيب أحسن من قول ابن الأحنف: أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن هارون بن عبد الله المهلبي قال كنا عند دعبل فذكر العباس بن الأحنف فقال جيده قليل ولا أعرف أحسن من شعره في الشمس:
(هي الشمسُ مسكنها في السماء فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا)
(فلن تستطيعَ إليها الصعودَ ولنْ تستطيعَ إليك النزولا)
ومن البديع القليل النظير قوله أيضًا يذكر كلام الناس فيه وفي معشوقه:
(قد سحَب الناسُ أذيالَ الظنونِ بنا وفرقَ الناسُ فينا قولهم فرقا)
[ ١ / ٢٦٩ ]
(فكاذبٌ قد رمى بالظنَ غيركُم وصادقٌ ليس يدري أنهُ صدقا)
وهذا معنى غريب بديع ما أظنه سبق إليه.
(ومما هو في معنى قوله:
(هي الشمس مسكنُها في السماء)
الخ قول الآخر:
(شكوتُ إلى بدرٍ هوايَ فقال لي ألستَ ترى بدْرَ السماءِ الذي يسري)
(فقلتُ بلى قالَ التمسهُ فإنهُ نظيري ومثلي في علوٍ وفي قدر)
(فإنْ نلتهُ فاعلمْ بأنك نائلي وإن لم تنلهُ فابغ أمرًا سوى أمري)
(فكانَ كلا البدرين صعبًا مرامه فويليَ من بدرِ السماء ومن بدري)
ومن الغريب البديع في مدح الفراق لمكان القبلة والاعتناق قول محمد بن عبد الله بن طاهر:
(ليسَ عندي شحطُ النوى بعطيم فيه غمٌ وفيه كشفُ غمومِ)
(من يكنْ يكرهُ الفراقَ فإني أشتهيهِ لموضع التسليم)
(إنَ فيه اعتناقه لوداع وانتظار اعتناقه لقدوم)
(فلكم قبلةٍ وغيبةِ شهرٍ
(هي) خيرٌ من امتناع مقيمِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن ابن المسيب لابن الرومي:
(فإذا كانَ في الفراق عناقٌ جعل اللهُ كلَّ يوم فراقا)
أجود ما قيل في خفقان القلب وقول قيس بن ذريح:
(كأنَ القلبَ ليلةَ قِيلَ يُغدى بليلى العامريةِ أو يراحُ)
(قطاةٌ عزّها شركٌ فباتت تجاذبهُ وقد عَلقَ الجناحُ)
فلولا التضمين الذي فيه لكان غاية. ومن الغريب في ذلك قول ديك الجن:
(ومملوء من الحزن يعالج سورةَ الأرقِ)
[ ١ / ٢٧٠ ]
(تكادُ غروبُ مقلتهِ تعمُ الأرضَ بالغرقِ)
(كأنّ فؤاده قلقا لسانُ الحيةِ الفرق)
وقد أحسن في قوله أيضًا:
(علمت قلبي وجيبًا لست أعرفه ما أنكر القلب إلا كلما خفقا)
(يا شوق إلفين حال البينُ بينهما فغافصاه على التوديع فاعتنقا)
(لو كنت أملك عيني ما بكيت بها تطيرًا من بكائي بعدهم شفقا)
وقد أحسن القائل وجاء بما في نفس العاشق:
(ولو داواكَ كلُ طبيب (ركب)
بغير كلام ليلى ما شفاكا)
(ولو أصبحتَ تملك كلَ شئ سوى ليلى عتبت على غناكا)
ومن أعجب ما قيل في الشفقة على المعشوق قول أبي دلف العجلي:
(أحبك يا جنانُ وأنتَ مني مكان الرُّوح من جسد الجبانِ)
(ولو أني أحبك حُبَ نفسي لخفتُ عليك بادرةَ الطعانِ)
(لإقدامي إذا ما الخيلُ جالتْ وهابَ شجاعها وقعَ الطعانِ)
خص الجبان لأنه أشد شفقة على نفسه من الشجاع وهذا من جيد الاستطراد. ومن بليغ ما قيل في الحب مع الشجاعة ومن أجود ما قيل في اليأس عن الوصل قول مجنون ليلى أو غيره:
(خرجتُ فلم أظفرْ وعدتُ فلم أفزْ بنيلٍ كلا اليومين يومُ بلاء)
(فيا حسرتي ما أشبهَ اليأس بالغتي وإن لم يكونا عندنا بسواء)
وقال:
(قد أيقنتْ نفسي بأنْ حيلَ بينها وبينَك لو يأتي بيأس يقينها)
(أرى النفسَ عن ليلى تعاني بلا عنا وقد جُن من وجدي بليلى جنونها)
ومثل ذلك:
(فإن يك عن ليلى غنى وتجلدُ فربَ غنى نفسٍ قريبٌ من الفقرِ)
ومن أطرف ما قيل في النحول ما أنشدنيه أبو أحمد:
(سر إذا بليتُ وُذاب جسمي لعلَ الريحَ تحملني إليهِ)
[ ١ / ٢٧١ ]
وقال ابن المعتز:
(ماذا ترى في مدنَفٍ يشكوك طولَ سقمه)
(أضنيتهُ فما يطيق ضعفه حمل اسمهِ)
(فلا يراك عائدًا إلا بعينِ وهمِه)
وقال كشاجم:
(وما زال يبري أعظمَ الجسمِ حبُّها وينقصُها حتى لطفنَ عن النقصِ)
(وقد ذُبتُ حتى صرتُ إن أنا زرتها أمنتُ عليها أن يرا أهلُها شخصي)
وقال ديك الجن وبالغ:
(أنحلَ الوجدُ جسمهُ والحنين وبَرَاهُ الهوى فما يستبين)
(لم يعش أنه جليدٌ ولكنْ دَقَّ جدًا فما تراهُ المنون)
وقال نصر بن أحمد:
(قد كانَ لي فيما مضى خاتمٌ فاليوم لو شئتُ تمنطقتُ به)
(وذُبتُ حتى صرتُ لو زجَ بي في مقلةِ النائم لم ينتبه)
الحسن بن وهب:
(أبليتُ جسمي من بعد جدَّته فما تكادُ العيونُ تبصرهُ)
(كأنه رسمُ منزلٍ خلقٍ تعرفهُ العينُ ثمَّ تنكرهُ)
ومما لا أظن أن له شبيهًا قول بعض الحول وليس في هذا المعنى:
(حمدت إلهي إذ بُليت بحبها على حَولَ يغني عنِ النظرِ الشزر)
(نظرتُ إليها والرقيبُ يظني نظرتُ إليهِ فاسترحتُ من العذر)
ومن فصيح ما قيل اقتياد الهوى صاحبه قول بعض نساء الأعراب:
(ألا قاتلَ اللهُ الهوى ما أشدهُ وأصرعهُ للمرءِ وهو جليدُ)
[ ١ / ٢٧٢ ]
(دعاني الهوى من نحوها فأجبتهُ فأصبح بي بيتي حيثُ يريدُ)
وقال كشاجم وأحسن في وقوله وليس من هذا المعنى:
(أقبلتْ ثمَّ عَرجتْ ليتها لم تُعرِّج)
(في حدادٍ كأنها وردةٌ في بنفسج)
ومن أحسن ما قيل في مجئ الفراق بعد التلاق قوله أيضًا:
(لم أستتمَ عناقهُ لقدومهِ حتى بدأتُ عناقَه لوداعِه)
(فمضى وأبقى في فؤادي حسرةً تركته موقوفًا على أوجاعه)
وأنشدني أبو أحمد قال أنشدني الصولي أنشدني الحسين بن يحيى أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه:
(بأبي زورٌ تلفت له فتنفستُ عليهِ الصعدا)
(بينما أضحك مسرورًا به إذ تقطعتُ عليه كمدا)
وأنشدنا عنه لأبي العميثل:
(لقيتُ ابنةَ السهمي زينبَ عن عُقرِ ونحن حرامٌ مُسى عَاشرة العشرِ)
(فكلمتُها ثنتينِ كالثلج منهما وأخرى على لوح أحر من الجمر)
الأولى تسليم اللقاء فهي باردة طيبة والأخرى تسليم الوداع. ومن جيد ما قيل في تجدد الشوق على قرب الديار قول بعض العرب:
(ويزدادُ في قربِ الديارِ صبابةً ويبعدُ من فرطِ اشتياق طريقها)
(وما ينفع الحرَ إن ذا اللوعِ أن يرى حياضَ القرَى مملوءةً لا يذوقها)
ومن جيد ما قيل في رد العذول:
[ ١ / ٢٧٣ ]
(إذا أمرتني العاذلاتُ بهجرِها هفتْ كبدٌ مما يقلنَ صديعُ)
(وكيفَ أطيعُ العاذلاتِ ووجهُها يؤرِّقني والعاذلاتُ هجوعُ)
ومن جيد ما قيل في رياضة النفس على الهجر ما أنشده أبو إسحاق الموصلي:
(وإني لأستحيي كثيرًا وأتقي عيوبًا وأستبقي المودةَ بالهجرِ)
(وأنذرُ بالهجرانِ نفسي أروضُها لأعلمَ عندَ الهجرِ هل لي من صبرِ)
وقال غلام من فزارة:
(وأعرض حتى يحسب الناسُ أنما هي الهجرُ لا والله ما بي لك الهجرُ)
(ولكن أروضُ النفسَ أنظر هل لها إذا فارقتْ يومًا أحبتها صبرُ)
وزاد العباس بن الأحنف فقال:
(أروضُ على الهجرانِ نفسي لعلها تمسك لي أسبابها حينَ تهجرُ)
والزيادة في قوله:
(وأعلمُ أنَ النفسَ تكذبُ وعدَها إذا صدقَ الهجران يومًا وتغذر)
(وما عَرَضَتْ لي نظرةٌ مذ عرفتُها فأنظر إلا مثلتْ حين أنظر)
وهذا من قول جميل:
(أريدُ لأنسى ذكرَها فكأنها تمثلُ لي ليلى بكلَ سبيلِ)
وذكر بعضهم أنه يهجرها مخافة العين تصيب وصلها: أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن يحيى، وأحمد بن سعيد الدمشقي عن الزبير:
(خشيتُ عليها العينَ من طولِ وصلِها فهاجرتُها يومين خوفًا من الهجرِ)
(وما كانَ هجراني لها من ملالةٍ ولكنني جرَّبتُ نفسي على الصبرِ)
ومن فصيح الشعر الداخل في هذا الباب قول إبراهيم بن العباس أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن ثعلب وأبي ذكوان قالا أنشدنا إبراهيم بن العباس لنفسه:
(يمرُ الصبا صفحًا بساكن ذي الغضا فيصدعُ قلبي أن يهبَ هبوبُها)
(قريبةُ عهدِ بالحبيب وإنما هوى كلَ نفس أين حلَ حبيبها)
[ ١ / ٢٧٤ ]
(تطلعُ من نفسي إليكَ طوالعٌ عوارفُ أن اليأسَ منك نصيبها)
وإنما أغار إبراهيم بن العباس على ذي الرمة حيث يقول:
(إذا هبت الأرواحُ من نحو جانب به أهل ميٍّ زاد شوقي هبوبها)
(هوى تذرفُ العينان منه وإنما هوى كلَ نفس أينَ حلَ حبيبها)
وقال العباس بن الأحنف في غير هذا المعنى:
(متى تبصريني يا ظلوم تبيني شمائلَ بادي البثَ منصدع القلب)
(بريئًا تمنى الذنبَ لما هجرته لكيما يقال الهجرُ من سبب الذَّنب)
(وقد كنتُ أشكو عتبها وعتابها فقد فجعتني بالعتابِ وبالعتبِ)
أشفق عليها من أن تهجره بغير ذنب فيقال إنها ملول فيلحقها هجنة. ومن أجود ما قيل في الوقوف على الديار قول امرئ القيس
(قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل)
وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في مصراع فليس له شبيه في جميع أشعارهم. وأحسن ما قيل في وصف الديار وبلاها ما أنشدناه أبو أحمد عن المبرمان عن أبي جعفر عن أبيه:
(ولم يترك الأرواح والقطرُ والندى من الدارِ إلا ما يشفُ ويشفقُ)
وقلت:
(قد عريت أبلها حين اكتستْ أرديةَ الرَّيح عشيًا وضحى)
(لم يبقَ فيها غيرُ ما يذكي الجوى ويصرفُ النومَ ويبعثُ البكى)
وأنشدنا أبو القاسم:
(ألا حيِّ من أجل الحبيبِ المغانيا لبسنَ البلى مما لبسنَ اللياليا)
ولأعرابي:
(طللان طالَ عليهما الأبدُ دائرا فلا علمٌ ولا نضدُ)
(لبسا البلى فكأنما وجدا بعدَ الأحبةِ مثلَ ما أجدُ)
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهذا مثل قول جرير
(أحب لحب فاطمة الديارا)
والذي أورد من أنواع هذه المعاني إنما هو إشارة إلى جمهورها وتنبيه على معظمها ولو اتبعت كل ما فيه أمثاله وعلقت عليه أشكاله لكثرت واتصلت وتوفرت حتى أملت وأضجرت وتجاوز الحد في القول من هذه فيه وهجنة على قائلة؟ ومن أجود ما قيل في حب السودان:
(أحبُ النساء السودَ من حبَ تكتم ومن أجلها أحبتتُ من كانِ أسودا)
(فجئني بمثلِ المسكِ أطيب نفحة وجئني بمثل الليل أطيب مرقدا)
البيت الثاني على غاية الجودة وحسن التمثيل. وقلت:
(صرفتُ ودَّي إلى السودان من هجر وما (أميل) إلى رومٍ ولا خزرِ)
(أصبحتُ أعشقُ من وجهِ ومن بدن ما يعشقُ الناسُ من عينٍ ومن شعرِ)
(فإنْ حسبت سوادَ الجلدِ منقصةً فانظر إلى سعفةٍ في وجنة القمر)
وروي للجاحظ:
(يكونُ الخالُ في وجهٍ مليح فيكسوهُ الملاحةَ والجمالا)
(ولستَ تملُ من نظرٍ إليهِ فكيفَ إذا رأيتَ الوجهَ خالا)
وقد ملح بعضهم في خلاف ذلك:
(إنّ الذي يعشق من لا يرى كميتٍ من شدة الغلمة)
(وإنَّ من يعشقُ زنجيةً لكالذي دلك في الظلمة)
أجود ما قيل في الخيال من قديم الشعر قول قيس بن الخطيم:
(أنى سريتِ وكنتِ غير سروبِ وتقربُ الأحلامُ غيرَ قريبِ)
(ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم غير مكدَّرٍ محسوبِ)
(كان المنى بلقائها فلقيتها ولهوتُ من لهو امرئ مكذوبِ)
وقول عمرو بن قميئة:
[ ١ / ٢٧٦ ]
(نأتكَ أمامة إلا سؤالا وإلا خيالًا يوافي خيالا)
(خيالي يخيل لي نيلها ولو قدرتْ لم تخيل نوالا)
وهذا من معاني القدماء غريب وهو أبلغ ما قيل في بجل المعشوق، ومن هاتين القطعتين أخذ المحدثون أكثر معانيهم في الخيال، ومن البارع الفصيح في هذا المعنى قول البعيث:
(أزارتك ليلى والركابُ خواضع وقد بهر الليل النجومُ الطوالعُ)
(فأعطتك آيات المنى غير أنها كواذب إن حصلتها وخوادع)
(على حين ضمَ الليلُ من كلَ جانب جناحيهِ وانقضت نجومٌ ضواجع)
(وأعجلها عن زورةٍ لم أفز بها من الصبح حادٍ يزعج الليل ساطع)
وأحسن النميري حيث يقول:
(عجبًا لطيفك أنه يشكو الجوى وهو الجوى)
أخذه مسلم فقال:
(طيف الخيال عهدنا منك إلمامً داويتَ سُقمًا وقد هيّجتَ أسقاما)
ومن اللفظ الغريب قوله:
(زف الكرى طيفها فحيانى)
لا أعرف أنه سبق إلى هذا اللفظ. وقال أبو تمام:
(استزارتهُ فكرتي في المنام فأتاها في خفية واكتتامِ)
( يا لها ليلةً تزاورت الأرواحُ فيها سرًا من الأجسامِ)
(مجلسٌ لم يكنْ لنا فيه عيبٌ غير أنا في دعوةِ الأحلامِ)
وهذه معان جياد إلا أنه ليس لألفاظها طلاوة. ومن غريب المعاني في هذا قول دعبل:
(سرى طيفُ ليلى حين حان هُبوبُ وقضيتُ شوقي حينَ كاد يؤوبُ)
(ولم أر مطروقًا يحلُ بطارقٍ ولا طارقًا يَقري المنى ويثيب)
[ ١ / ٢٧٧ ]
يقول إن العادة إن يقري الطارق المطروق والخيال طارق يقري المطروق. ومن الغريب الدقيق قول ابن الرومي:
(طرقَتْنا فأنالتْ نائلا شكره لو كان في النبة الجحودُ)
(ثم قالتْ وأحستْ عَجَبي من سراها حيث لا تسري الأسود)
(لا تعجبْ من سُرانا فالسُّرى عادةُ الأقمارِ والناسُ هجودُ)
فرأيت في هذه الأبيات زيادة وتضمينًا فقلت:
(رقبتْ عفلة الرقيب فزارتْ تحت ليل مطرزٍ بنهار)
(فتعجبُ من سُراها فقالتْ غير مستطرفُ سرى الأقمارِ)
(ثم مالتْ بكأسها فسقتني جلناريةً على جلّنارِ)
آخر:
(فيا ليت طيفًا خيلتهُ لي المنى وإنْ زادني شوقًا إليك يعودُ)
(أكلفُ نفسي عنك صبرًا وسلوة وتكليف مالا يستطاع شديد)
الجيد أن يقول (تكلف مالا يستطاع) وأما تكليفه في الحقيقة فغير شديد على المكلف وإنما جعل هذا التكليف مكان التكلف وهو ردئ. وقال الحمدوني:
(لم أنلهُ فنلتهُ بالأماني في منامي سرًا من الهجرانِ)
(واصل الحلمُ بيننا بعد هجر فاجتمعنا ونحنُ مفترقان) ِ
(وكأنَ الأرواحَ خافتْ رقيبًا فطوتْ سرًّها عن الأبدانِ)
(منظرٌ كانَ نزهةَ العين إلا أنَّه ناظر بغير عِيان)
وقال ابن المعتز:
(لافَرجَ اللهُ عن عيني برؤيته إن كنتُ أبصرتُ شيئًا بعدَهُ حسنا)
(إلا خيالًا عسى إن نمتُ يطرقني وكيفَ يحلمُ من لا يعرفُ الوسنا)
وقال:
(كلامهُ أخدعُ من لحظهِ ووعدهُ أكذبُ من طيفهِ)
وليس لأحد في الخيال ما للبحتري كثرة فمنه قوله:
(بعينيك إعوالي وطُولُ شهيقي وإخفاقُ عيني من كرىً وخُفُوقِ)
[ ١ / ٢٧٨ ]
(على أنَ تهويمًا إذا عارض اطّبى سُرى طارقًا في غيرِ وقتِ طَرُوقِ)
(فباتَ يعاطيني على رِقبة العِدى ويمزجُ ريقًا من جَناه بريقي)
(وبتُ أهابُ المِسكَ منه وأتّقي رُداع عبير صائكٍ وخُلوق)
(أرى كذب الأحلام صدقًا وكم صَغَتْ إلى خبرٍ أذْناي غيرِ صَدُوقِ)
(وما كانَ من حقٍ وبُطلٍ فقد شفى حرَارَةَ متبولٍ وخبلَ مشُوقِ)
وقلت في خلاف ذلك:
(طرقَ الخيال فزار منه خيالا فسرى يغازل في الرّقاد غزالا)
(يا كشفهَ للكربِ إلا أنهُ ولى على دبرِ الظلامِ فزالا)
(فغدا المتيمُ وهو أكبرُ صبوةً وأشدُّ بلبالًا وأكسفُ بالا)
وما قيل في الامتزاج والاختلاط مثل الخريمي:
(ليالي أرعى في جنابك روضةً وآوي إلى حصن منيع مراتبه)
(وإذْ أنتَ لي كالخمر والشهدِ ضعفا بماءٍ لصاف ضعفته جنائبه)
وقال بشار:
(لقد كانَ ما بيني زمانًا وبينها كما بينَ ريح المِسكِ والعنبر الوردِ)
أجود ما قيل في صفة الركب: أخبرنا أبو أحمد أخبرنا الصولي حدثنا محمد بن سعيد عن عمر بن شبة قال كان الناس يقدمون قول أبي النجم ويتعجبون من حسنه:
(كأنَ تحتَ درِعها المنعطَ ضخمِ القَذَال حسنِ المخطَ)
(وقد بدا منها الذي تغطي كأنما قطَ على مِقطِّ)
(شطًا رميتُ فوقَه بشطَ كهامةِ الشيخِ اليماني الشمط)
(لم يعلُ في البطنِ ولم ينحط )
حتى قال بشار:
[ ١ / ٢٧٩ ]
(عجزاء من سِرب بني مالك لها حرٌ من بطنها أرفعُ)
(زينَ أعلاهُ بإشرافه وانضمَّ من أسفله المشرع)
قال أبو هلال رحمه الله تعالى أول من أتى بهذا المعنى النابغة حيث يقول:
(وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدفٍ رابي المجسَّةِ بالعبيرِ مقرمدِ)
(وإذا نَزعتَ نزعت عن مستحصفٍ نَزْعَ الحزَوَّر بالرشاء المحصد)
يصف ضيقه ويقول إن النازع منه يتعب من نزعه كما يتعب الحزور وهو الغلام إذا استقى من البئر. وأحسن ابن الرومي في وصف الضيق والحرارة حيث يقول:
(لها هنٌ تستعيرُ وقدته من قلب صبٍ وصدر ذي حنقْ)
(كأنما حرُّه لخابره ما أوقدتْ في حشاه من حُرق)
(يزداد ضيقًا على المراسِ كما تزداد ضيقًا أنشوطة الوهَق)
وقال في سعته:
(يسعُ السبعةَ الأقاليمَ طرًّا وهو في أصبعينِ من إقليم)
(كضمير الفؤاد يلتهمُ الدنيا وتحويه دفتا حيزوم)
ومن النادر قول الناجم:
(إن ردفَ الفتاةِ عجنةُ خباز وقدَّامها من الأدم جبنه)
وقال المعذل بن غيلان:
(ومركب كبيضة الأدجى كأن نبتَ الشعرِ المطليّ)
(عليه شونيزٌ على فرنيّ )
ومما يجري مع ذلك قول بعضهم:
(أقولُ والقومُ تعادى بهم إلى الوغى مضمرةٌ قرح)
(استحمل الله على مركبٍ يحثُ بالسيرِ ولا يبرح)
[ ١ / ٢٨٠ ]
وهو مثل قول مسلم:
(ما مركب من ركوبِ الخيلِ يعجبني كمركبٍ بينَ دملوج وخلخالِ)
ومثل الأول:
(فباتَ يسري ليلهُ ولم ينم ولم يجاوز سيرَه قيسُ قدم)
وقال الفرزدق:
(ثم اتقتني بجهم لا سلاحَ له كمنخرِ الثورِ محبوسًا على البقر)
(كأنَ رمانة في جوفه انفجرت تكادُ توقدُ نارًا ليلةَ القدرِ)
وأبلغ ما قيل في كبره قول الفرزدق:
(إذا بطحتْ فوقَ الأثافي رفعتها بثديينِ في نحرٍ عريضٍ وكعثبِ)
يقول إنها إذا بطحت على وجهها لم يمس الأرض منها شئ لأن نهود ثدييها وكبر ركبها مثل أثافي القدر لبدنها، وهذا أبلغ من قول بشار الذي اختاره الأصمعي. وقال الراجز في وصف الضيق:
(كأنّ حجامًا شديدًا أبهره يدارك المصّ ولا يفتره)
ومما قيل في حب الكبار قول المجنون:
(وعهدي بليلى وهي ذاتُ موصد ترد علينا بالعشي المراميا)
(فشبَ بنو ليلى وشبَ بنوابنها وأعلاقُ ليلى في الفؤادِ كما هيا)
ابن المعتز:
(من معيني على السهر وعلى الهمَ والفكر)
(وابلائي من شادنٍ كبر الحبّ إذ كبر)
ومن البديع قول ابن الأحنف:
(لعمري لقد كذبَ الزاعمونَ بأنَ القلوبَ تحاذي القلوبا)
(ولو كان حقًا كما يزعمونَ لما كانَ يشكو محبٌ حبيبا)
ومما يلحق بالفصل الأول ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن البلعي عن أبي حاتم قال سمعت الأصمعي يقول سمعت الرشيد يقول قلب العاشق عليه مع معشوقه نلت له هذا يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام العذري في آخر
[ ١ / ٢٨١ ]
أبياته التي أنشدها:
(أراني تعروني لذكراك رعدةٌ لها بينَ جلدي والعظام دبيبُ)
(وما هو إلا أنْ أراها فجاءةً فأبهت حتى ما أكاد أجيبُ)
(وأصرف عن رأيي الذي كنتُ أرتئي ويعزب عني ذكرهُ ويغيبُ)
(ويضمرُ قلبي عذرها ويعينها على فمالي في الفؤادِ نصيب)
فقال الرشيد من قال هذا وهمًا فإني أقوله علمًا ولله درك يا أصمعي فإني أجد عندك ما يضل عنه العلماء، فأخذه محدث فقال:
(يؤازرهُ قلبي عليّ وليس لي يدانِ بمنْ قلبي على يؤازرُه)
وأخذه سهل بن هارون فقال:
(أعان طرفي على جسمي وأعضائي بنظرةٍ وقفتْ جسمي على دائي)
(وكنتُ غرًا بما تجني علي يدي لا علم لي أنَ بعضي بعضُ أعدائي)
وهذا شعر فيه تكلف، وأخذه البحتري:
(ولستُ أعجبُ من عصيان قلبك لي عمدًا إذا كانَ قلبي فيك يعصيني)
وقال ابن الأحنف:
(قلبي إلى ما ضَرَّني داعي يكثرُ أسقامي وأوجاعي)
(كيف احترازي من عدوّي إذا كان عدوّي بين أضلاعي)
ومن جيد ما قيل في قرب الدار مع تباعد القلوب قول النظار الفقعسي:
(يقولونَ هذي أمُ عمرو قريبة دَنَتْ بك أرضٌ نحوها وسماءُ)
(ألا إنما بُعدُ الحبيبِ وقربهُ إذا هوَ لم يوصلْ إليه سواء)
وفي خلافه:
(وإني زوارٌ لمنْ لا يزورني إذا لم يكنْ في ودهِ بمريبِ)
(يقربُ لي دار الحبيب وإن نأتْ وما دارُ من أبغضتهُ بقريبِ)
[ ١ / ٢٨٢ ]
ومن ظريف الشكاية قول إبراهيم بن العباس:
(فدعني راغمًا أشقى بوجدي وخذ قلبي إليكَ بغيرِ حمدِ)
(سقام لا يرقُ عليَ منه ووجد لا يكافئهُ بودّ)
(وقد أصفيتهُ ودّي بجهدي فعارضَ في الجفاءِ بمثل جهدي)
ومن جيد ما مدح به الفراق قول بعض الكتاب: في الفراق مصافحة التسليم ورجاء الأوبة والسلامة من الملال وعمارة القلب بالشوق والدلالة على فضل المواصلة واللقاء. وقال الشاعر:
(جزى اللهُ يومَ البينِ خيرًا فإنه أرانا على علاتهِ أمَ ثابتِ)
وكتب بعضهم في معنى قول الشاعر
(وما في الأرض أشقى من محب )
وقد تقدم: تفكري في مرارة البين يمنعني من التمتع بحلاوة الصبر وتكره عيني أن تقربك مخافة أن تسخن ببعدك فلي عند الاجتماع كبد ترجف وعند التنائي مقلة تكف. ومثله: لا والذي بيده السلامة من نزوح دارك وبعد مزارك ما زادني اللقاء إلا صبابة وأسفًا والاجتماع إلا نزاحا وكلفا لأني منقسم القلب بين رجاء يعدني بقربك وحذر يوعدني ببعدك وإذا قربت دارك كلفت وإن نأت أسفت فلا في القرب أسلو ولا البعد. وسمعت لماني الموسوس معنى أظنه ابتكره وهو:
(بكتْ عيني غداةَ البينِ دمعًا وأخرى بالبكى بخلتْ علينا)
(فعاقبتُ التي بخلتْ علينا بأن غمضتها يومَ التقينا)
وسبكه البيت الأول ورصفه ردئ جدًا لا خير فيه وإنما استغربت المعنى فأوردته. وقد أخذه ابن الرومي فشرحه وزاد فيه وهو من قوله:
(ولقد يؤلفنا اللقاءُ بليلةٍ جعلتْ لنا حتى الصباح نظاما)
(تجزي العيون جزاءهنَ عن البكى وعن السهادِ فلا نصيبُ اثاما)
(فنبيحهنَ مرادهنَ يردنه فيما ادعينَ ملاحةً ووساما)
[ ١ / ٢٨٣ ]
(ونكافئ الأذانَ وهي حقيقةٌ إذ لا تزال تكابدُ اللواما)
(فتيثهن من الحديث مثوبةً تشفي الغليل وتكشفُ الأسقاما)
( ونكافئ الأفواهَ عن كتمانها إذ لا يزالُ لها الصماتُ لجاما)
(فنبيحهنَّ ملاثمًا ومراشفًا ما ضرَّها أن لا تكونَ مداما)
(نجزي الثلاثة أنصباء ثلاثة مقسومة آناؤها أقساما)
ولخالد الكاتب معنى يلحق بما تقدم وهوقوله:
(بكيتُ دمًا حتى بكيتُ بلا دم بكاءَ فتى فرد على شجن فردِ)
(أأبكي الذي فارقتُ بالدَّمعِ وحدَهُ لقد جلَ قدرُ الدَّمع فيه إذًا عندي)
وكتبت في فصل لي: قد جل شوقي إليك ووجدي بك عن أن يبرد نارهما ويسكن أوارهما دمع ينصب على مثله فتحسبه درًا يتكسر على در ويمتزج بالدم فتخاله شذور عقيق في نظام فريد. ومما يلحق بما تقدم أيضًا قول سعيد بن حميد:
(وما كانَ حُبيها لأوَّلِ نظرةٍ ولا غمرة من بعدها فتجلتِ)
(ولكنها الدُّنيا تولتْ فما الذي يسلي عن الدنيا إذا ما تولتِ)
وقال الأعرابي:
(أعللُ أصحابي بجدِّي وباطلي وأسماء جدّ القلب مني وباطله)
ومن بديع المعاني قول ابن أبي فنن:
(أدميتُ بالألحاظِ وجنتهُ فاقتص ناظرهُ من القلبِ)
أخذه علي بن عاصم فقال:
(ضربتْ إلفي بيدي خانَ يميني جلدي)
(فاقتصَ لما اغرَوْرَقَتْ مقلتهُ من كبدي)
(فلا أقلتْ بعدها سوطي من الأرضِ يدي)
[ ١ / ٢٨٤ ]
ومن أجود ما قيل في تكافئ الحسن قول الراجز وكان ينبغي أن يقدم:
(جاءتْ تهضُ الأرضُ أي هضَ يدفعُ منها بعضها من بعضٍ)
يقول يتحير الناظر فيها ولا تقف عينه على واحدة فيصيبها بعين لأن بعضها يشغل عن بعض. ومن بديع المعاني قول بعض الشعراء:
(قصاراك مني الودّ ما دمت حيةً وودّك ماء المزن غير مشوب)
(وآخر شئ أنت في كل مضجع وأول شئ أنتِ عندَ هبوبِ)
ومن جيد القول في الفراق قول أبي محلم:
(وما خفتُ وشك البينِ حتى رأيتهم تنفض أنماط لهم وقطوع)
(لعمرك ماشبى مريتُ بذكرهِ كآخر يأتي بغتةً فيروع)
ومما لا أعرف في معناه أجود منه قول بعضهم:
(ما بينَ بابِ الوزير والمسجد الجامع ظبيٌ كالظباء في جيدهِ)
(أطمارهُ رثةٌ فقد ضاعَ لا ضاعَ وضاعَ التمييزُ في بلده)
(ليسَ لهُ ناقدٌ فيعرفهُ وآفةُ التبرِ ضعفُ منتقده)
وفي خلاف ذلك قول صاحب البصرة: ( ولستُ بواصفٍ أبدًا حبيبًا أعرضهُ لأهواءِ الرِّجالِ)
(تراني آمن الشركاء فيهِ وآمن فيهِ أحداث الليالي)
معنى آخر:
(وقائلة متى يفنى هواهُ فقلتُ لها إذا فنيَ الملاح)
معنى آخر:
(وإذا أتيتك زائرًا متشوقًا قصرَ الطريقُ وطالَ عند رجوعي)
معنى آخر:
(إذا طلعتْ شمسُ النهار فإنها أمارةُ تسليمي عليك فسلمي)
آخر التشبب والحمد لله وحده وصلى الله على من لا نبي بعده.
[ ١ / ٢٨٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قال فأبلغ وأنعم فأسبغ، أحل الملاذ ومنح لينعم عباده في العاجل ويدل على ما أعد لمحسنهم في الآجل فقال ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا﴾ وقال ﴿يا أيها الرسلُ كلوا من الطيباتِ واعملوا صالحًا) وقال تعالى: ﴿قُلْ منْ حَرَمَ زِينةَ اللهِ التي أخْرَجَ لعبادهِ والطيباتِ مِنَ الرزقِ﴾ وله الحمد على كمال بره وتمام لطفه والصلاة على خير خلقه محمد النبي وآله.