وكتب ابنُ المعتز في الشكر: قد جلت نعمتك عن شكري فتولى الله مكافأتك
[ ٢ / ١٠٣ ]
عن عجزي بعد جهدي بما هو أرفع له وأقدر عليه بمنه ورأفته، وهذا من قول طريح بن إسماعيل
(فقصرت مغلوبًا وإني لشاكرُ)
وكتب آخر: إذا كان مجهودي في شكر النعمة واعترافي بحق العارفة يبلغني أقصى نهاية الشاكرين وأبعد غاية المعترفين وكانت زيادة معروفك على قدر شكري كزيادة قيمتك في نفسي فقد أسقط الله تكلف ما جاوز الطاقة عني. وكتب بعضهم: قلبي نجي ذكرك ولساني خادم شكرك. ومما يجري مع ذلك ما كتب بعضهم: أما بعد فإن أثقل الناس حملًا من تحمل آمال المؤملين وأولاهم بالمكافأة من أخدمك عِرضه فتذلل لك ونفسه فتواضع دونك وقلبه فكان في رجائك وتأمليك ولسانه فكان في ذكر محاسنك ونشر مناقبك. وقريب من هذا المعنى قول ابن الرومي:
(إنَ امرأً رفضَ المكاسبَ واغتدى يتعلم الأدابَ حتى أحكما)
(فكسا وحلّى كلَّ أروع ماجدٍ من حرَ ما حاك الضميرُ ونظّما)
(مُتشاغلًا عما يُمارس غيره حتى لقد أثري اللئامُ وأعدما)
(ثقةً برعي الأكرمينَ ذمامهُ لأحقُ ملتمسٍ بأن لايحرما)
وكتبت: وتأملت التوقيع في معنى المعيشة فتصور لي الغنى بصورته وقابلني بصدق مخيلته وعرفت أن الدهر قد غضت جفونه ونامت عيونه وتنحت عن ساحتي خطوبه وهذه نعم أعيا بذكرها فكيف أطمع في أداء شكرها بل عسى أن يكون الاعتراف بقصور الشكر عنها شكرًا لها ومقابلة بما خلص إلي منها وأنا معترف بذلك اعتراف الروض بحقوق الأنواء وقائل به كما أقول بفضل الوفاء. وقال ابن المقفع: الشكرُ نسيمُ النعمة. وقال علي بن عبيدة: النعمة كالروضة والشكر كالزهرة. وكتب ابن المعتز في معنى آخر: سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك ونعمة لا مزيد فيها إلا بك. وكتب أبو العباس بن ثوابة: وأنا أسأل الله إذا من بنعمةٍ أن يجعلك المقدم فيها وإذا امتحن بمنحة أن يجعلني وقاءً لك منها. وكتب في فصلٍ: وإذا ضاق على أن أفعل فليس
[ ٢ / ١٠٤ ]
يضيق عليك أن تتفضل إذا كان كل واحد منا يجري إلى غاية في البر والعقوق. وكتب أبو علي الضرير: تجاوز بي ذكر فضلك ووصف محاسنك والاخبار بما وهب الله للامام والأمة فيك إلى القول بحاجتي قبلك ليس لأني جهلتُ الحق علي لك ولا لأني أدخرت الثناء الجميل لغيرك ولكني رأيتني فيما أتعاطى منه كالمخبر عن ضوء النهار الباهر الذي لا يخفى على ناظر وكالمنبه على الأمر الواضح الذي يستوي فيه العالم والجاهل فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك. قد انتهى بنا القول في هذا الباب إلى هنا لعلمنا انا إن أردنا استيعابهُ لم نقدر عليه لكثرته ونرجو أن يقع الاكتفاء به إن شاء الله تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله وحده. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دل على قدرته وأبان عن حكمته باختلاف ما خلق من الصور وتباين ما أنشأ من الفطر من ملكٍ وإنسان وبهيمةٍ وجان وطائر يمسح صفحات التراب ويأخذ بإهاب السحاب وحنش ينطوي على أدراجه ويستوي مرة في أعواجاجه إلى غير ذلك من خلقٍ مختلفة وأجرام متباينة حقيرها جليلٌ وصغيرها كبيرٌ وجعل منافعها متاعًا للإنسان الذي كرمه تكريمًا وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ِ