١- النبي ﷺ: أتدرون متى كان الحداء؟ قالوا: لا، بأبينا وأمنا، قال: إن أباكم مضر «١» خرج في مال «٢» له، فوجد غلامه قد تفرقت إبله عليه، فضرب على يده بالعصا، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح:
وايداه، وايداه، فسمعت الإبل صوته فتعطفت عليه. فقال مضر: لو اشتق من الكلام مثل هذا لكان شيئا تجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء «٣» .
٢- قال عمر بن الخطاب ﵁ في بعض أسفاره لرباح بن المعترف «٤» غنّني:
فغنّاه، فأصغى إليه عمر وقال: أجدت بارك الله عليك. فقال: يا
[ ٣ / ١١٧ ]
أمير المؤمنين، لو قلت زه كان أعجب إلي، قال: وما زه؟ قال: كلمة كان كسرى إذا قالها أعطى من قالها له أربعة آلاف درهم. قال: إن شئت أن أقولها لك فعلت، فأما أعطي أربعة آلاف درهم فلا يجوز لي من أموال المسلمين. قال: فبعضها من مالك، فأعطاه أربعمائة درهم. قال يرفأ «١»: أتصل المغني؟ قال: خدعني.
٣- عبد الله بن مسعود: ما بعث الله نبيا إلا حسن صوته وحسن صورته.
٤- لأهل الرهبانية نغمات وألحان شجية يمجدون الله بها، ويقصرون بها السهر، ويبكون بها على خطاياهم، ويتذكرون بها نعيم الجنة.
٥- سأل رجل القاسم بن محمد «٢» عن الغناء، فقال القاسم: أرأيت إذا جمع الله الحق والباطل أين يكون الغناء؟ أتراه يكون مع الحق؟ قال:
لا، قال: فهو مع الباطل.
٦- نزل الحطيئة «٣» ببني قريع «٤»، فسمع شبابا يتغنون فقال: جنّبوني مغنيكم فإن الغناء رقية الزنا.
٧- وكان سليمان بن عبد الملك يقول: إن الفرس يصهل فتستودق «٥»
[ ٣ / ١١٨ ]
له الحجر «١»، وإن الفحل يهدر فتضبع «٢» له الناقة، وإن التيس ينبّ «٣» فتستذرّ له العنز، وإن الرجل يغني فتشبق «٤» له المرأة.
٨- قيل لإسحاق الموصلي: كيف وجدت بني مروان في اللهو؟
قال: أما معاوية وعبد الملك وسليمان ومروان فكانت بينهم وبين الندماء المغنين ستارة «٥» لئلا يظهر منهم طرب الخلفاء للذة الغناء، وأما أعقابهم فكانوا لا يتحاشون، ولم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك في السخف، قيل: فعمر بن عبد العزيز؟ قال: ما طن في سمعه حرف قط من الأغاني بعد ما أفضت إليه الخلافة، وقبلها كان يسمع من جواريه خاصة. قيل: فيزيد الناقص «٦»؟ قال: ما بلغني أنه سمع الغناء قط، كان يظهر التأله ويقول بالقدر.
٩- الزهري «٧»: قال لي الرشيد: من بالمدينة حرّم الغناء؟ قلت:
[ ٣ / ١١٩ ]
من قنعه الله خزيه. قال بلغني أن مالك بن أنس «١» حرّمه. قلت: ولمالك أن يحرم ويحلل؟ والله، ما كان هذا لابن عمك محمد ﷺ، وهو أكرم الخلق، إلا عن وحي من ربه، فهل يجوز ذلك لمالك؟.
١٠- لما بلغ رسول الله ﷺ في هجرته ثنية الوداع «٢»، استقبله الجواري يضربن بالدفوف ويغنين:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
١١- حذيفة «٣»: قال رسول الله ﷺ: سيجيء من بعدي قوم يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم.
١٢- عمران بن عبد الله بن طلحة «٤»: كنت في مسجد النبي ﷺ وكان رجل يقرأ بطرب، فأنكر ذلك القاسم «٥» إنكارا شديدا، وقال: يقول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ «خَلْفِهِ
«٦» .
١٣- سئل الفضيل «٧» عن قراءة القرآن بألحان، فقال: إنما أخذ هذا من الغناء قوم اشتهوا الغناء فاستحبوا فحولوا نصب «٨» الغناء على القرآن،
[ ٣ / ١٢٠ ]
وعسى أن يقرأ رجل ليس له صوت فلا يعجبهم وهو خير من صاحب الصوت، ويقرأ الآخر فيعجبهم صوته، فيقولون: ما أحسن قراءته! ولعله لا تجاوز قراءته حنجرته.
١٤- أنس: وعظ النبي ﷺ يوما فإذا رجل قد صعق، فقال: من هذا الملبس علينا ديننا؟ إن كان صادقا فقد شهر نفسه، وإن كان كاذبا فمحقه الله.
١٥- زعموا أن في البحر دواب ربما ترنمت أصواتا مطربة ولحونا مستلذة يأخذ السامعين الغشي من حلاوتها، فاعتنى وضعة الألحان فشبهوا بها أغانيهم فلم يبلغوا.
١٦- وزعموا أن في بلاد يونان طائرا يصوت بالظهائر أصواتا يجتمع أصناف الطيور استلذاذا لها.
١٧- عن عمرو بن ماسوية المتطبب «١»: إن شجرة على شطّ البحر هلباء «٢» ليست لها أغصان ولا ورق، يقع عليها طائر وجهه وجه إنسان، وصدره صدر طاووس، وبدنه بدن نمر، وخفه خف بعير، وهو في سائر جسده كالفرس، يصوت بأنواع الأغاني، فبنى برصوما أسقف الرها «٣» ألحانه عليها.
[ ٣ / ١٢١ ]
١٨- الجاحظ: من الأصوات ما يقتل، كصوت الصاعقة، والرعد القاصف، والهدة، وزئير الأسد، وقعاقع الحديد وصلاصله تورث انتفاخ السحر وارتفاع القلب، وربما أدّت إلى انشقاق المرارة.
١٩- وقالوا: إن الرعد الشديد إذا وافق سباحة السمكة في أعلى الماء رمت ببيضها، وربما ماتت، ويمرق بيض الحمام قبل وقته، والصوت الحسن قد يزيل العقل حتى يغشى على سامعه للطافة وصوله إلى الدماغ وممازجته للقلب.
٢٠- والأم تناغي الصبي فيقبل بسمعه إلى مناغاتها ويتلهىّ عن البكاء.
٢١- والإبل تزداد في نشاطها وقوتها بالحداء، فترفع آذانها وتتلّفت بمنة ويسرة وتتبختر في مسيرها.
٢٢- وإذا اصطادوا الفيلة جمعوا لها الملاهي والمغنين فتلهىّ عن رعيها وتسهو عن الهرب حتى تؤخذ وتخطم.
٢٣- وزعم ابن زبن «١» أن السماكين بنواحي العراق يبنون في جوف الماء حظائر ثم يطربون عندها فيجتمع السمك في الحظائر حتى يصيدوها.
٢٤- وعن بعض الفلاسفة أنه رأى أيايل «٢» قد سمعت زمرا وعزفا فأقبلت إليه وطأطأت رأسها وكادت تنام تلذذا باستماعه.
٢٥- والراعي إذا رفع عقيرته «٣» أو نفخ في يراعته تلقته الغنم بآذانها وجدّت في رعيها.
[ ٣ / ١٢٢ ]
٢٦- قالوا: ربما يفسد العقل الولوع بالسماع وطول ملازمته.
٢٧- تعاف الدابة الماء فإذا سمعت الصفير بالغت في الشرب.
٢٨- حكيم: الصوت الحسن مما يزيد في المنّة، ويكون مادة للقوة، وليس شيء مما يستلذه الإنسان أخف مؤونة من السماع، لأنه لا بدّ له في غيره من إعمال حاسة، ما خلا السماع فإنه ليس له إلا السكوت.
٢٩- أفلاطون: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإن النفس إذا حزنت خمد نورها، فإذا سمعت ما يطربها ويسرها اشتعل منها ما خمد.
٣٠- وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلل به المريض وتشغله عن الفكر، ومنهم أخذت العرب حتى قال ابن عسلة الشيباني «١»:
وسماع مسمعة تعالمنا حتى ننام تناؤم العجم «٢»
٣١- أبو نواس:
إذا غنين صوتا كان موتا وهجن به عليك الزمهريرا
ولو في يوم هرمز جئت زورا لصيّره عبوسا قمطريرا «٣»
[ ٣ / ١٢٣ ]
٣٢- أذن البعلبكي «١» مؤذن المنصور فرجع، وجارية تصب الماء على يده، فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها، فقال للمؤذن: خذ هذه الجارية فهي لك، ولا ترجع هذا الترجيع.
٣٣- دخل الشعبي وليمة «٢» فأقبل على أهلها فقال: ما لكم كأنكم اجتمعتم على جنازة؟ أين الغناء والدف؟.
٣٤- إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كان ابن أبي حفصة «٣» يتغذى عند أبي، فإذا فرغ قال: أطعموا آذاننا رحمكم الله.
٣٥- قال رجل للحسن: ما تقول في الغناء؟ قال: نعم الشيء الغنى «٤»، يوصل به الرحم، وينفس به عن المكروب، ويفعل فيه المعروف. قال: إنما أعني الشدو، قال: وما الشدو، وتعرف منه شيئا؟
قال: نعم، قال: فما هو؟ فاندفع الرجل يغني ويلوي شدقيه ومنخريه ويكسر عينيه. فقال: ما كنت أرى أن عاقلا يبلغ من نفسه ما أرى.
٣٦- أبو عمرو بن العلاء: ما في الأرض شيء أقل حاذفا من الغناء.
٣٧- قال السعيدي «٥»: قلت لأبي أويس «٦»: هل تروي في وزن هذا البيت شيئا:
[ ٣ / ١٢٤ ]
أعرضت فلاح لها عارضان كالبرد
فقال: دخل رسول الله ﷺ على سيرين «١» أخت مارية «٢» وهي تصفق وتقول:
هل علي ويحكما إن لهوت من حرج
فقال: لا «٣» . قال السعيدي: فكان سرورنا بالحديث أكثر من سرورنا بالبيت.
٣٨- قالت ديباجة الأعرابية «٤» لإسحاق الموصلي: أنت بنعم ألفاظك دون نغم ألحانك. تطرب إذا تلكمت فكيف نراك تصنع إذا ترنّمت.
٣٩- قال رجل لآخر: غنني صوت كذا ومن بعده صوت كذا، فقال: أراك لا تقترح صوتا إلا بولي عهد.
٤٠- بعض السلف: الغناء نوح إبليس على الجنة حين أخرج منها.
[ ٣ / ١٢٥ ]
٤١- سمع سليمان بن عبد الملك مغنيا في عسكره، فطلبه فاستعاده: فاحتفل بالغناء، وكان مفرط الغيرة، فقال لأصحابه: والله لكأنها جرجرة الفحل في الشول «١»، وما أحسب أنثى تسمع هذا إلا صبت «٢»، ثم أمر به فخصي.
٤٢- ابن الراوندي «٣»: اختلف الناس في السماع «٤» فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين فأقول هو واجب.
٤٣- كان صالح بن كيسان «٥» لا يرى بالغناء بأسا، ويقول: إنه يخرج من جلجلان القلب «٦» إلى قمع الأذن وليس على أحد مؤونة.
٤٤- ابن الحجاج «٧»:
وقينة تفخيمها في الغنا أملح من قهقهة القمري «٨»
[ ٣ / ١٢٦ ]
غاؤها الممدود بي فاعل فعلى الغنى المقصور بالعسر «١»
٤٥- الموصلي «٢»: دخلت على المعتصم يوما قد استخلى فيه وعنده جارية تغني، قال: كيف ترى يا أبا إسحاق؟ قلت: أراها تقهره بحذق، وتختله «٣» برفق، ولا تخرج من شيء إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها مقطع شذور «٤» أحلى من الدر المنثور، فقال: وصفك لها أحسن منها ومن غنائها.
٤٦- وكان يقول الوليد بن يزيد: ما أقدر على الحج. قيل له كيف ذاك؟ قال: يستقبلني أهل المدينة بصوتي معبد «٥»:
القصر فالنخل فالجماء بينهما أشهى إلى القلب من أبواب جيرون «٦»
والآخر:
[ ٣ / ١٢٧ ]
يوم تبدي لنا قتيلة عن جيد تليع تزينه الأطواق «١»
وكان الغناء في أهل المدينة حائزين فيه قصبات السبق «٢» .
٤٧- يحكى أن ابن سريج «٣» والغريض «٤» قدما المدينة يتعرضان لمعروف أهلها، فلما شارفاها وصار بالمغسلة، وهي جبانة على طرفها تغسل فيها الثياب، إذا هما بغلام ملتحف بإزار وبيده حبالة يتصيد بها ويتغنى «القصر فالنخل»، قالا: فسمعنا شيئا ما سمعنا مثله قط، فقال ابن سريج: هذا غناء غلام يصيد الطير! فكيف بمن في الجوية؟ أما أنا فثكلت والدته إن لم أرجع. فكرّا راجعين.
٤٨- وقيل: أربع في أهل المدينة: الغناء، والمتعة «٥»، والماء من
[ ٣ / ١٢٨ ]
الماء «١»، والوضوء مسته النار «٢» .
٤٩- وصف بعضهم مسمعة فقال: تلوك لحنها كما يلوك الفرس لجامه، ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغن، والله ما ابتدأته فتوسطته وأنا أعقل، ولا فرغت منه فأفقت إلا وأنا أظن أني رأيته في نومي.
٥٠- عن عبد الله بن عوف «٣»: أتيت باب عمر فسمعته يتغنى بالركبانية «٤»:
فكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمر «٥»
[ ٣ / ١٢٩ ]
هو جميل الجمحي «١» وكان خاصا به فلما استأذنت عليه قال لي:
أسمعت ما قلت؟ قلت نعم: قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم.
٥١- نافع «٢»: سمع ابن عمر «٣» يوما مزمارا فوضع إصبعيه في أذنيه، ونأى عن الطريق، وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ فقلت: لا، فرفع إصبعيه من أذنيه وقال: كنت مع النبي ﷺ، فسمع مثل هذا، فصنع مثل هذا.
٥٢- أبو أمامة «٤»: قال رسول الله ﷺ: لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن، وثمنهن حرام. وما نزلت علي هذه الآية إلا في مثل هذا الحديث: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«٥» . ثم قال: والذي بعثني بالحق ما رفع رجل عقيرة صوته بالغناء إلا بعث الله عليه عند ذلك شيطانين، على هذا العاتق واحد، وعلى هذا العاتق واحد، يضربان بأرجلهما في صدره حتى يكون هو الذي يسكت.
٥٣- استنشد المعتز في قرقرة الأبريق فأنشده ابن خلاد «٦» قول بشّار:
وأتلع كالضبي يحكي لنا أعاليه العنق الأقود «٧»
إذا ما أكب على كأسه أرن كما صدح الصفرد «٨»
[ ٣ / ١٣٠ ]
فأمر له بصلة. ولبشار.
كأن قرقرة الأبريق بينهم صوت المزامير أو ترجيع فأفاء
وله:
ومالت كف ساقينا بإبريق إلى طاس
له قهقهة فيه على حبسة أنفاس
٥٤- سمع أعرابي مغنية بالفارسية فشوّقته فقال:
ولم أفهم معانيها ولكن ورت كبدي فلم أجهل شجاها «١»
فكنت كأنني أعمى معنى يحب الغانيات ولا يراها «٢»
٥٥- كانت لبعض الظرفاء جاريتان مغنيتان، حاذقة ومتخلفة، فكان يخرق قميصه إذا غنت الحاذقة، فإذا غنت الأخرى قعد يخيطه.
٥٦- تخاصم إبراهيم بن المهدي وإسحاق «٣» في الغناء، فقال له إسحاق: جعلت فداك، إلى من نتحاكم والعالم بيني وبينك بهائم؟
٥٧- قال معاوية لعمرو بن العاص يوما: إمض بنا إلى هذا الذي تشاغل باللهو وسعى في هدم مروءته، يريد عبد الله بن جعفر، فدخلا عليه وعنده سائب خاثر «٤» يلقي الغناء على جواريه، فأمر بتخليتهنّ، وتنحىّ
[ ٣ / ١٣١ ]
لمعاوية عن سريره، فقال معاوية: أعد علينا ما كنت فيه، فغنى سائب بقول قيس بن الخطيم «١»:
ديار التي كانت ونحن على منى نحل بها لولا نجاء الركائب
وردده الجواري معه، فحرك معاوية يديه وتحرك، ومد رجليه يضرب بهما وجه السرير فقال له عمرو: اتّئد! فإن الذي جئت تلحاه «٢» أحسن حالا منك وأقل حركة. فقال معاوية: اسكت فكل كريم طروب.
٥٨- سمع فيلسوف صوت مغن بارد فقال: يزعم أهل الكهانة «٣» أن صوت البومة يدل على موت الإنسان، فإن كان ما ذكروه حقا فإن هذا يدل على موت البومة.
٥٩- كان العباس بن عبد المطلب أجهر الناس صوتا، كان يزجر السباع عن الغنم فيفتق مرارة السبع في جوفه، وفيه يقول النابغة الجعدي «٤»:
زجر أبي عروة السباع إذا أشفق أن يختلطن بالغنم
وقد أتتهم غارة فصاح يا صياحاه! فأسقطت الحوامل، وكان يقف على سلع «٥» فينادي على غلمانه وهم بالغابة «٦» فيسمعهم، وبين الغابة وسلع
[ ٣ / ١٣٢ ]
وهو جبل في وسط المدينة ثمانية أميال.
٦٠- وعن العباس لما ولّى الناس يوم حنين: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلّا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب «١»، آخذا بثفر «٢» بغلته الشهباء فشجرتها بالحكمة «٣» وكنت رجلا صيتا، فقال رسول الله ﷺ، حين رأى من الناس ما رأى وأنهم لا يلوون على شيء، يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة «٤» فناديت، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها.
٦١- أتى عبد الملك بن صالح «٥» وفود من الروم فأخفى بعض من في المجلس عطسته، فقال له: هلا إذ كنت لئيم العطاس، كز الخيشوم أتبعت عطستك صرخة تخلع بها قلب العلج «٦» !.
٦٢- وكان الرشيد جهوريا فقال فيه بعض العرب وهو يطوف بالبيت:
جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم
ويخطو على الأين خطو الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم «٧»
[ ٣ / ١٣٣ ]
٦٣- الجاحظ: كان أبو ديوبة «١» مولى آل زياد ينهق بباب الكرخ «٢» بحضرة المكارين فلا يبقى حمار مريض ولا هرم ولا حسير متعب إلا نهق.
وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة فلا تنبعث حتى كان أبو ديوبة يحركها. وكان يجمع جميع صور نهيق الحمار فيجعلها في نهيق واحد، وكذلك كان في نباح الكلاب.
٦٤- قيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ورحب الأشداق، وبعد الصوت.
٦٥- سأل الحجاج جلساءه عن أرق الصوت عندهم، فقال أحدهم:
ما سمعت صوتا أرق في سمعي من صوت قارىء حسن القراءة لكتاب الله في جوف الليل. قال: إن ذلك لحسن. وقال آخر: ما سمعت صوتا أعجب من أن أترك امرأتي ماخضا وأخرج إلى المسجد مبكرا فيأتيني آت فيبشرني بغلام: فقال: واحسناء! فقال شعية بن علقمة التميمي»
: لا والله ما سمعت صوتا قط أعجب إلي من أن أكون جائعا فأسمع خفخفة الخوان «٤» . فقال الحجاج: أبيت يا بني الا حب الزاد.
٦٦- قيل لمخنث: أي الأصوات أحب إليك؟ قال: نشنشة القلية «٥»، وقرقرة القنينة، وخفخفة الخوان، وفشفشة التكة «٦» .
٦٧- كان المفضل «٧» يروي بيت أوس «٨» «تصمت بالماء تولبا
[ ٣ / ١٣٤ ]
جدعا» «١» فقال له الأصمعي: أخطأت إنما هو جدعا وهو السيء الغذاء، وتكلم المفضل ورفع صوته، فقال له: إن رفع الصوت لا يغني عنك ولو نفخت بالشبور «٢» تكلم كلام النمل وأصب.
٦٨- سمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله ﷺ عمر ابن عبد العزيز يجهر بالقراءة في صلاته، وكان حسن الصوت، وهو إذ ذاك أمير المدينة، فرفع سعيد صوته وقال: يا أيها المصلي، إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، فسكت وخفف ركعتيه ثم أخذ نعليه وخرج.
٦٩- وعن النبي ﷺ: إذا قام أحدكم من الليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته.
٧٠- عن داود ﵇ أنه كان يخرج إلى صحراء بيت المقدس يوما في الأسبوع ويجتمع الخلق فيقرأ الزبور تلك القراءة الرخيمة الشجية، وله جاريتان موصوفتان بالقوة والشدة فيضبطان جسده ضبطا خيفة أن تنخلع أوصاله مما كان ينتحب ويزفر، وتحتشد على قراءته الوحوش والطير.
٧١- وعن مالك بن دينار: بلغنا أن الله يقيم داود يوم القيامة عند ساق العرش فيقول: يا داود، مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم.
٧٢- واستمع رسول الله ﷺ إلى قراءة أبي موسى «٣» فقال: لقد أوتي هذا من مزامير آل داود. فبلغ ذلك أبو موسى فقال: يا رسول الله، لو
[ ٣ / ١٣٥ ]
أعلم أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا.
٧٣- أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: إذا سمعتم صياح الديكة فأسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا.
٧٤- وعن ابن عباس يرفعه: إن مما خلق الله لديكا براثنه على الأرض السابعة السفلى، وعرفه مطوي تحت العرش، قد أحاط جناحاه بالأفقين، فإذا بقي ثلث الليل الآخر، ضرب بجناحيه ثم قال: سبحان الملك القدوس، سبحوا الملك القدوس، سبحان ربنا الملك القدوس لا إله لنا غيره، فيسمعها من بين الخافقين كلا الثقلين «١» .
قال محمد بن إسحاق «٢»: فيرون أن الديكة إنما تضرب بأجنحتها وتصرخ إذا سمعت ذلك.
٧٥- جابر بن عبد الله «٣» يرفعه: إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون.
٧٦- أبو موسى الأشعري: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما دنونا من المدينة كبر الناس ورفعوا أصواتهم. فقال: يا أيها الناس، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه بينكم وبين أعناق ركابكم.
[ ٣ / ١٣٦ ]
٧٧- في النصائح الصغار «١»: عملك للذي علم منه في عدمه ما لا تعلم أنت، وقد وجدوا دعاءك لمن هو أخبر منك بما أردت به مما لم ترد، فما هذا الرغاء كأنه هدير؟ وما هذا الصراخ الذي الأصم به جدير؟ إن كنت ممن يأوي إلى السنة دون البدعة، ولا يكون على الرياء والسمعة، وأردت بذلك وجه العليم بما خطر في قلب العبد وهجس الخبر بما وسوست به النفس، وأوجس من هوى نفسك العمل المشهور، فالكتم الكتم، ومن شهرتها الدعاء المنشور فالختم الختم، إن خير النوق والفتى المكتوم، وخير الكتاب والشراب المختوم.
٧٨- وفي الرسالة الناصحة «٢»: وأن لا ترى في مدرستك فاتر الرغبة والنشاط، قليل الاسترسال والانبساط، ناطقا كالصامت، جاهرا كالمخافت، فإذا سمعت تحفيف الركب المار تحركت وانتعشت، ونبت لك عرف وانتفشت، ورفعت من صوتك وأصوات أصحابك، وما شئت من صرخك وإجلابك، لتسمع المارة ذلك الزجل واللجب، ويقضى من كدك واجتهادك العجب.
٧٩- قال حكم الوادي «٣»: كنت أنا وجماعة نتعلم من معبد «٤» فغنىّ لنا صوتا أعجب به، وكنت أنا أول من أخذه عنه ذلك اليوم، فاستحسنه منيّ. فأعجبتني نفسي. فلما انصرفت عملت فيه من عند نفسي لحنا آخر
[ ٣ / ١٣٧ ]
وبكرت عليه، فغنيته ذلك اللحن، فوجم ساعة ثم قال: كنت أمس أرجى مني لك اليوم، وأنت اليوم عندي أبعد من الفلاح.
٨٠- الأصمعي «١»: قلت لأعرابي ألك شعر؟ قال: قلت أبياتا فتغنى بها حكم الوادي، فما حرك بها قصابه إلّا خفت النار، فأبغضت قول الشعر.
٨١- قال سلام الحادي «٢» للمنصور، وكان يضرب المثل بحدائه:
مر يا أمير المؤمنين بأن يظمئوا إبلا ثم يوردوها الماء، فإني آخذ في الحداء فترفع رؤوسها وتترك الشرب حتى أسكت.
٨٢- سأل المعتصم إسحاق الموصلي عن النغم كيف يميز بينها على تشابهها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة.
٨٣- ذو جدن «٣» من الأقيال «٤» اسمه علس بن الحارث. والجدن الصوت بالحميرية. كانوا يضربون المثل بحسن صوته، ويقولون إن الوحش كانت تأذن له.
٨٤- أبو أمامة «٥» عن النبي ﵇: ما من عبد يدخل الجنة إلا وهو يجلس عند رأسه وعند رجليه ثنتان من الحور العين تغنيانه بأحسن صوت سمعه الإنس والجن، ليس بمزامير الشياطين ولكن بتحميد الله وتقديسه.
٨٥- كان ﵊ يصف الجنة، فقال رجل: يا رسول
[ ٣ / ١٣٨ ]
الله أفيها سماع «١»؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن الله ليوحي إلى شجرة الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلوا أنفسهم بذكري عن المعازف والمزاهر «٢» والمزامير، فتسمعهم أصواتا ما سمع الخلائق مثلها قط بالتسبيح والتقديس.
٨٦- كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار الجشمي القارىء «٣» ينزل مكة، فسمي القس من عبادته وزهده، ثم استهيم بمغنية من مولدات مكة اسمها سلامة «٤» حتى نسبت إليه، فقيل لها سلامة القس، وله فيها:
[ ٣ / ١٣٩ ]
ألم ترها لا أبعد الله دارها إذا رجعت في صوتها كيف تصنع
تمد نظام القول ثم تردّه إلى صلصل في صوتها يترجع
وله:
إذا ما عج مزهرها إليها وعجت نحوه أذن كرام
وأصغوا نحوها الآذان حتى كأنهم وما ناموا نيام
٨٧- يعلى بن عقيل العنزي «١» في إسحاق الموصلي، وقيل هي للأصمعي:
أأن تغنيت للشّرب الكرام ألا حيث الخليط جمال الحي فانطلقوا «٢»
وقيل أنت حسان الناس كلّهم وابن الحسان فقد قالوا وقد صدقوا
فما بهذا تقوم النادبات ولا تبكي البواكي إذا ما ضمّك الخرق «٣»
٨٨- قيل لأعرابي في يوم حار بحضرة قوم يتصايحون في الخيام:
أما ترى أجيج اليوم؟ فقال: إن ضجيج القوم أشد من أجيج اليوم.
٨٩- قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة فنزل على عبد الله بن هلال «٤» الملقب بصاحب إبليس، وكانت له قينتان «٥»، فقال فيهما:
يا أهل بابل ما نفست عليكم من عيشكم إلا ثلاث خلال «٦»
[ ٣ / ١٤٠ ]
ماء الفرات وظل عيش بارد وغناء محسنتين لابن هلال «١»
٩٠- قيل لسفيان بن عيينة: لم كان يستحب خفض الصوت عند الجنائز؟ قال: شبهوه بالحشر إلى الله، أما سمعته يقول: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا
«٢» .
٩١- كان الحجاج إذا سمع نوحا في دار أمر بهدمها، فلما مات ابنه وأخوه أحب أن يسمع النوح، وكان يتمثّل بقول الفرزدق:
في كل ناحية نائحة.
هل ابنك إلا من بني الناس فاصبري فلن يرجع الموتى حنين المآتم
٩٢- تناظر رجلان عند المأمون فارتفعت أصواتهما، فقال: الصواب في الأسدّ لا في الأشدّ «٣» .
٩٣-[شاعر]:
إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا والريح عاصفة والموج ملتطما
٩٤- كتب الوليد بن يزيد بن عبد الملك في أشعب «٤» فحمل إليه، فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، وقال: ارقص وغنّ صوتا يعجبني، ففعل فوصله.
وأرسل إلى الهيثم القاري، وهو أول من طرب في قراءته، فاستقرأه فقرأ، فقال: غنني، فقال: لا أحسن الغناء، قال: فالذي قرأت ليس صوت كذا وكذا؟.
[ ٣ / ١٤١ ]
ولقد صدق الفاسق فإن القراءة بالتطريب من باب الاغتناء فقلبوه من الأبيات فلحنوا القرآن تلحينا، ولقنوه الفتيان تلقينا، حتى اتخذه قصاص السوء مكسبة ومتسوقا، وإلى صرف العامة إليهم متسلقا، ففتنوا به ضعفة الدهماء «١» وجهلة الرجال والنساء، فإذا قالوا: ما أطيب كلام الله! فهو لطيب الأغنية لا لصحة العقيدة وصدق النية.
٩٥- وعن الهيثم «٢»: استقرأني الوليد «٣» فقرأت، ثم طلب مني الغناء فتغنيت، فقال: قراءتك أطيب من غنائك، وإنما حكم بطيبها من أجل تطريبها.
٩٦- وحكى إسحاق الموصلي عن أبيه إبراهيم أنه غنى الهادي صوتا أطربه فقال: سل ما شئت، فقال: تقطعني عين مروان بالمدينة، فقال:
يا غلام جأ عنقه «٤»، يا جاهل! أردت ويلك أن تشيع في الناس أنك غنيتني فاقطعتك على الغنائم «٥» ! ثم قال لوزيره: أدخل هذا الجاهل الخزانة فأعطه ما شاء «٦» .
٩٧- كان يقول حماد بن إسحاق الموصلي: أول من وصله الرشيد حين استخلف جدي إبراهيم «٧»، وذلك أنه قال:
[ ٣ / ١٤٢ ]
ألم تر أن الشمس كانت مريضة فلما أتى هارون أشرق نورها
فليست الدنيا كمالا بملكه فهارون واليها ويحيى وزيرها
وعمل فيها لحنا وأسمعه الرشيد من وراء الحجاب، فأعطاه مائة ألف، ويحيى «١» خمسين ألف.
[ ٣ / ١٤٣ ]