إذا كانت كتب التاريخ الأدبي قد أهملت أخبار الزمخشري ببعض مراحل حياته، فهو نفسه قد سدّ هذا النقص وسجّل بشعره أحداث حياته ومنها نعرف أنه نشأ فقيرًا في قريته زمخشر ثم انتقل إلى بخارى أو خوارزم لطلب العلم عندما بلغ سنّ الطلب فأخذ علوم عصره من منابعها الوافرة
[ ١ / ٧ ]
الصافية، ونعرف من شعره أنه فقد، في مرحلة التحصيل العلمي هذه، والده الذي كان يعينه فقال من قصيدة:
وإن ممّا قراني حسرة وأسى وضاقني الكرب من جرّاه والوجع
أن عاقني شحط دار عن تفقّده حتى مضى وهو عن ذكراي ملتذع
يا حسرتا إنني لم أرو غلّته وغلّتي بزمان فيه نجتمع
قد كنت أشكو فراقًا قبل منقطعًا وكيف لي بعده بالعيش منقطع
هذه المرحلة، مرحلة التحصيل العلمي، كانت من أهم مراحل حياته العلمية الحافلة، حيث نضج فيها عقله، وقويت ملكاته، ووضحت شخصيته، وحصّل الكثير من العلوم الإسلامية فنبغ في الأدب: شعره ونثره حيث طارت فيها شهرته، فاتّصل بالملوك والوزراء ورجالات الدولة يمدحهم ويتقرّب إليهم لينال منصبًا يضمن له المال والجاه لكنه مني بالخيبة وتحسّر من هذه الدنيا التي تضع العالم وترفع الجاهل فقال:
يا حسرتا من لي بصفقة رابح في متجر والفضل رأس المال
يا ويح أهل العلم كيف تأخروا والسّبق كل السّبق للجهّال
فإلى إلهي المشتكى وبصنعه دون الأنام منوطة آمالي
بعد أن تكاملت شخصية الزمخشري العلمية، بدأ بتطوير صلاته الإجتماعية التي بدأها بالتقرب من رجالات الدولة ثم أتبعها برحلاته إلى مكة واليمن وأكثر أنحاء الجزيرة والشام ليعود بعدها إلى وطنه وقد استفاد من أهل العلم والفضل وأفاد، ونستخلص من شعره أنه عاش في هذه الفترة حياة استقرار نسبي فتزوّج، غير أنه لم يوفّق في زواجه فقال:
تزوّجت لم أعلم وأخطأت لم أصب فيا ليتني قد متّ قبل التزوّج
فوالله ما أبكي على ساكني الثرى ولكنني أبكي على المتزوّج
وقد استبدل مكتبه وتلاميذه بالحياة الزوجية فقال:
وحسبي تصانيفي وحسبي رواتها بنين بهم سيقت إليّ مطالبي
[ ١ / ٨ ]
ولعلّ الزمخشري لم يجد في وطنه ما تتوق إليه نفسه فتوجه ثانية، نحو سنة ٥١٦ هـ إلى بيت الله الحرام ليؤدي فريضة الحج وليقضي البقية الباقية من عمره بجوار بيت الله، وفي طريقه إليه نظم قصيدته الرائيّة التي تنضح بالزهد والتقوى والتنسّك والتمسّك بحبل الله فقال من قصيدة:
سيري تماضر حيث شئت وحدّثي إني إلى بطحاء مكة سائر
حتى أنيخ وبين أطماري فتىً للكعبة البيت الحرام مجاور
والله أكبر رحمةٍ، والله أك ثر نعمةٍ، وهو الكريم القادر
يا من يسافر في البلاد منقبًا إني إلى البلد الحرام مسافر
إن هاجر الإنسان عن أوطانه فالله أولى من إليه يهاجر
سأروح بين وفود مكّة وافدًا حتى إذا صدروا فما أنا صادر
حسبي جوار الله حسبي وحده عن كل مفخرةٍ يعدّ الفاخر
لقد استقرّ الزمخشري في مكة يصنف ويؤلف الكتب ويدرسّ بين زمزم والمقام؛ والحقيقة أن هذه المرحلة من حياته تعدّ مرحلة عطاء وإنتاج حيث كتب أشهر مؤلفاته وأنفعها، بعد أن تغيّرت نفسيته الطموحة الحاقدة الثائرة إلى نفس مطمئنة راضية قد انبسط عليها سلطان الدين الإسلامي ونقّى طبيعتها وصفّى مزاجها من كل حقدٍ وغيّ وتهالكٍ على المجد معتبرًا نفسه بأنه لم يخلق إلّا للدين الإسلامي ولم يعش إلّا لخدمته، فتحلّق حوله فتيان مكة ورحّب به الأمير أبو الحسن علي بن حمزة بن وهاس ومدّ له يد العون بعد أن عرف قدره، وقصده طلاب العلم من أرجاء العالم الإسلامي يأخذون عنه حتى قال قائلهم:
أمكّة هل تدرين ماذا تضمّنت بمقدم جار الله منك الأباطح
به وإليه العلم ينمي وينتهي وفيه لأرباب العلوم المناجح
محطّ رحال الفاضلين فلم يزل يحطّ إليه الرّحل غاد ورائح
ولكن، على الرغم من الهدوء النفسي، وعلى الرغم من مجاورته بيت الله، وأمنه عاديات الزمن، وما حقّقه من آمال بمكة، بقي الزمخشري
[ ١ / ٩ ]
يحن إلى وطنه ويرغب في العودة إليه، فقد نسي ما لاقاه من مرّ العيش، فوطنه الذي لم تتفتّح فيه برعمة واحدة من أماليه وأمانيه، هو وطنه الذي تتوق إليه نفسه ويخلد فيه إلى الراحة والسكينة. وتخبرنا كتب التراجم أن الزمخشري بعد أن طالت إقامته بمكة من رحلته الثانية عاود الحنين إلى وطنه مرّة أخرى، ولكن هذه المرّة عاد إليه شيخًا كهلًا ليصبح فخر خوارزم ومرجع العلماء بعد أن علت شهرته في أنحاء العالم الإسلامي.