بسم الله الرّحمن الرّحيم هو حسبي ونعم الوكيل الحمد لله الذي استحمد إلى عباده بموجبات المحامد، مما أسبغ عليهم من نعمه البوادي العوائد، حمدا ملء ذات الرجع «١»، وطلاع ذات الصدع «٢»، إلى أن يبلغ رضاه، ويقضي موجب حقه ومقتضاه.
والصلاة على النبي المرسل رحمة للعالمين المبتعث قدوة للعالمين أدحض «٣» بآياته حجج المبطلين، ومحق بمعجزاته شبه المعطلين «٤»،
[ ١ / ١٩ ]
والرضوان على من طاب وطهر من عشيرته وأهل قرابته، وهاجر ونصر من أحبته وصحابته، ومن كاشف دونه العجم والعرب، حتى كشف عن وجهه الكرب، والرحمة على من ابتعهم بإحسان، وعلى علماء الملة الحنيفية «١» في كل زمان.
وهذا كتاب قصدت به إجمام «٢» خواطر الناظرين في الكشاف عن حقائق التنزيل «٣»، وترويح قلوبهم المتعبة بإجالة الفكر في استخراج ودائع علمه وخباياه، والتنفيس عن أذهانهم المكدودة «٤» باستيضاح غوامضه وخفاياه، وأن تكون مطالعته ترفيها لمن ملّ، والنظر فيه إحماضا «٥» لمن راجع الملل والنحل للشهرستاني (بتحقيقنا) ٢: ٥٨٢- ٥٨٣ طبعة دار المعرفة.
[ ١ / ٢٠ ]
اختلّ، فأخرجته لهم روضة مزهرة، وحديقة مثمرة، متبرجة بزخارفها، مياسة برفارفها «١»، تمتع برايع زهرها، وتلهي بيانع ثمرها، وتقر العيون بآنق مرآها، وتفعم الأنوف بعبق رياها، وتلذ الأفواه بطيب جناها، وتستنصت الآذان إلى خرير مائها الفياض، وتطبى «٢» النفوس إلى برد ظلها الفضفاض، وتميل الأعطاف بغصونها الأماليد «٣»، وطيورها المستملحة الأغاريد، نزهة المستأنس، ونهزة «٤» المقتبس»
، ومن خلا به استغنى عن كل جليس، ومن أنس به سلا عن كل أنيس. أين من طيب ندامه «٦» نديما مالك وعقيل «٧»، وأين من دلّ غزله كثير عزة «٨» وجميل «٩» . إن أردت
[ ١ / ٢١ ]
السمر فياله من سمير، وإن طلبت الخبر فقد سقطت على خبير، وإن بغيت العظات المبكية ففيه ما يشرق «١» بالدمع أجفانك أو الملح «٢» المضحكة ففيه ما يفر «٣» بضاحكه أسنانك.
مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، فساعة فيها يناجي ربه، وساعة فيها يحاسب نفسه، وساعة فيها يفضي إلى إخوانه الذين يصدقونه عن عيوب نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا لتلك الساعات وإجماما للقلوب.
[ ١ / ٢٢ ]
وعن علي «١» ﵁: اجموا هذه القلوب وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان، وفي رواية: إن هذه النفوس تمل، وهذه القلوب تدثر، فابتغوا لها طرائف الحكم وملاهيها.
وعن ابن عباس «٢» إنه كان يقول عند ملله: أحمضوا فيخوضون عند ذلك في الأخبار والأشعار.
وعن قسامة بن زهير «٣»: روحوا القلوب تع «٤» الذكر.
وعن سلمان الفارسي «٥»: أنا احتسب نومتي كما أحتسب قومتي «٦»
[ ١ / ٢٣ ]
وعن أردشير بن بابك «١»: إن للآذان مجة، وللقلوب ملة، ففرقوا بين الحكمتين بلهو يكن ذلك استجماما.
وعن بعض العرب: روحوا الأذهان كما تروحون الأبدان.
وعن آخر: نفسك راحلتك، إن رفهتها اضطلعت «٢» وإن نفهتها «٣» انقطعت.
أسأل الله أن يجعل جميع ما تصوره أفكارنا في النفوس، وتسطره أيدينا في الطروس «٤»، مبتغي به وجهه، متوخي فيه رضوانه، مأمونا معه سخطه، مرجوا عنده غفرانه، إنه المولى المولي «٥» كل حظ جسيم، الموري زناد كل خير عميم.
[ ١ / ٢٤ ]