" الفصل الأول في القبح والسواد " إذا كان الرجل قبيح الخلقة مشوه الصورة قيل في الكناية عنه له قرابات باليمن لان القرود تكثر بها " ومن مليح " الكناية عن القبح قول أبي نواس
وقائلة لها في وجد نصح علام هجرت هذا المسهاما
فكان جوابها في حسن مس أأجمع بين هذا والحراما
وهذا كقولهم حشفا وسوء كيله.. فاذا كان شديد الادمة مع الدمامة قيل كأن وجهه قمر الثلاثين..ويستحسن لنصيب قوله في الكناية عن سواد بناته في كلام خاطب به عمر بن عبد العزيز ياأمير المؤمنين قد بليت ببنات لي أنفقت عليهن من ضيفي فكسدن فرق له ووصله وفي نصيب قيل
أخ لي من بني حام بن نوح كان جبينه حجر المقام
" ويحكى " في قصة طويلة لسكينة بنت الحسين بن علي ﵃ انما أمرت باخراج الفرزدق عن دارها وقالت والله انه لا يدخل علي حتى يشيب الغراب فتلطف الفرزدق واحتال وقال لنصيب هل لك أن تدخلني عليها وتأخذ صلتها قال نعم فأستأذن الحاجب لنصيب فاذنت له ودخل الفرزدق على أثره فلما رأته سكينة قالت ياخبيث قد خنتني فقال ياسيدتي قد قلت حتى يشيب الغراب وهذا والله الغراب قد شاب أراد سواد وجهه وبياض شعره فقال نصيب قد علمت انه لا يريد بي خيرًا ثم كفرت عن يمينها وأجزلت صلتهما ولم يكن أحد عن الممدوح الاسود بأحسن وأبدع من كناية المتنبي عن سواد كافور الاخشيد بقوله
فجاءت بنا انسان عين زمانه وخلت بياضا خلفها واماقيا
فانه جمع الي حسن الكناية حسن التنبيه وجودة التفضل وابدع ما شاء " فصل في الثقل والبرد " حدثني أبو جعفر محمد بن موسي الموسوي قال دخلت يومًا إلى الشيخ أبي نصر بن أربد ببخاري وعنده علوي مبرم تأذى بطول جلوسه وكثرة كلامه فلما نهض قال لي أبو نصر ابن عمك هذا خفيف على القلب فقلت له نعم مساعدا له على رأيه فتبسم ضاحكا من قولي وقال لي أراك لم تفطن للغرض فما ذلت أفكر حتى وقع لي انه أراد خفيفا مقلوبا وهو الثقيل وهذا المعنى أراد سعد دوست بقوله
وأثقل من قد زراني وكأنما تقلب في أجفان عيني وفي قلبي
[ ٧١ ]
فقلت له لما برمت بقربه أراك على قلبي خفيفا على القلب
وكان الناصر العلوي الاطروش إذا كلمه الانسان فلم يسمعه قال له يا هذا ارفع صوتك فان بادني بعض ما بروحك يكنى عن الثقل " ونظر " بديع الزمان إلى انسان بارد طويل فقال أقبل ليل الشتاء فاته طويل بارد " ودخل " ابن ابي أيوب إلى ابن حدار يعوده وقد اقشعر فقاله ما تجد فديتك قال أجدك يكنى عن البرد " فصل " في الكناية عن الداء الذي لا دواء له الا بمعصية الله يقال فلان يخبأ العصا وفلان عصي موسى لانها تلقف ما يأفكون وفلان يخبأ العصى في الدهليز الاقصى " وحدثني " أبو نصر سهل بن المرزبان قال قال بغض بني هاشم لابي العيناه بلغني انك تخبأ العصى فقال له وتدعونها تظهر وانشدني الطبري لنفسه في اللجام
رأيت للجام في خلقه للشعر تطبيقا وتجنيسا
تخوة فرعون ولكنه جانس في حمل العصي موسى
وغش ابليس ولكنه خالف في السجدة ابليسا
ويقال فلان ممن يخر للاذقان " وهو " اسجد من هدهد وفي ذلك يقول بعض العصرين
أرسلت في وصف صديق لنا ماحقة الكنية بالمسجد
في الحسن طاووس ولكنه اسجد في الخلوة من هدهد
وفلان غراب لانه يوارى سوءة أخيه قال منصور الفقيه
ان في امر أحمد بن الطحاو ى وفي امر عرسه لعجابا
طلقت نفسها عشية زفت واباحته خمرها والثيابا
قيل ما باله فقالت غراب هل شرطتم على بعلا غرابا
ومن ملح الصاحب في هذه الكناية قوله ويروى لغيره
له قراح في سراويله يزرع فيه قصب السكر
" وقوله "
قد حضر الجامع مع رقة احدثها العالم في دينه
والله ما يحضره مسرعا الا ارتياحا لا ساطينه
" وقوله "
شاهدته بالامس قد حمل العصى فسألته عنها ليوضح عذرا
فاجابني اني بها متشايخ هذا ولي فيها مآرب أخرى
" وقوله "
والله ما أتخذ الكتابة حرفة الا لحب الدرج والافلام
وأنشدني الاستاذ الطبري لنفسه من قصيدة
وقال انا المليك فقلت حقا بقلب اللام نونا في الهجاء
ولم أر من أداة الملك شيئا لديك سوى احتمالك للواء
وأنشدني أيضا من أخرى
فلم تضحى على الاسلام سيفا وأنت كما علمت من العمود
وتزهد في الصلاة وفي ذويها ولكن لست تزهد في السجود
ويروي ابن الاحوص نظر إلى الفرزدق وهو على بغل فقال له يا أبا فراس بغلك على خمس فقال الخامسة احب اليك وكان الاحوص يرمي بالابنة " ومن " جيد التعريض بها قول عمرو بن بابة
أقول وقد مر عمرو بنا فسلم تسليمة خافية
لئن تاه عمرو بفصل الغنى لقد فضل الله بالعافية
" فصل في الكناية عن البرص " كان جزيمة ابرص فكنى عنه بالوضاح والابرش ولما برص بلعا بن قيس قيل له ما هذا فقال سيف الله جلاه ويروي حلاه بالحاء وتشديد اللام " وممن " كنى عن البرص بالوضح رجل من بني نهشل حيث قال
نفرت شودة مني اذ رأت صلع الرأس بجلدي والوضح
هو زين لي في الوجه كما زين الطرف تحاسين الفرح
وقال ابن حسا في الكناية عنه بالبياض
لا تحسبن بياضا فيه منقصة ان اللهاميم قي أقرانها بلق
" ولبعضهم "
أخو لخم أعارك منه ثوبا هنيئا بالقميص لك الاجد
وأخو لخم هو جذيمة الابرش وكان رجل أبرص اليد يخضبها ليكون أخفى لمل بها فسئل غلامه عما يصنع فقال يداوي العاج بالمزاج " فصل في الكناية " عن عدة عاهات يكنى عن الاعمي بالمحجوب وفي ذلك يقول عثمان بن الوليد بن عتبة
لعمري لئن أمست على عماية لقد رزىء الابصار قبلي الاكارم
وقد عاش محجوبا أمية وابنه أبونا أبو عمرو وحرب وهاشم
[ ٧٢ ]
ولما أراد للمتوكل أبا العيناء على منادمته فال له يا أمير المؤمنين أنا محجوب والمحجوب يجور قصده ويقبل على من لا يقبل عليه وكل من في مجلسك يخدم وأتا أحتاج أن أخدم فيه " ويكنى " عن الاعور بالممتع وعن الذي في عينه نقطة بياض بالكوكبي والمكوكب وعمن بوجهه أثر بالمشطب " وما " أحسن ما كنى عوف بن محلم عن الصمم بقوله
ان الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
" فصل في البخل " يكنى عن البخيل بالمقتصد ويقال فلان نظيف المطبخ وفلان نقي القدر قل الشاعر
بيض المطابخ لا تشكو إمائهم طبخ القدور ولا غسل المناديل
" وقال آخر
مطبخ داود في نظافته أشبه شيء بعرش بلقيس
ثياب طباخه إذا اتسخت أنقى بياضا الفراطيس
أبو نواس
رأيت قدور الناس سودا من الصلى وقدر الرقاشبين بيضاء كالبدر
وقال الجماز لرجل رحم الله أباك فقد كلن نظيف منديل الخوان قال الاستاذ الطبري
فتى محتصر المأكو ل والمشروب والعطر
نقى الخبز والقص عة والمنديل والقدر
قليل النمل والذبان والجرذان والهر
وفي ذكر قلة الجرذان تقول اعرابية لبعض الخلفاء أشكو قلة الجرذان فقال ما أحسن هذه الكناية لاكثرن جرذانك وأمر لها بطعام كثير ومال ومن نادر الكناية عن البخل بالطعام قول حمير وقد سئل عمن يحضر مائدة محمد بن يحيى فقال أكرم الخلق والأمهم يعنى الملائكة والذباب وليس بالبارد قول حماد عجرد
زرت أمرأ في بيته ما جدا له حياء وله خير
يكره أن يتخم أضيافه ان اذى التخمة محذور
ويشتهي أن يؤجروا عنده بالصوم والصائم مأجور
ومن ذلك قول الآخر
على أبوابه أي وجه قصدت له أخو مر بن اد
ومما يستحسن في هذا الباب قول ابن طبا طبا العلوي
وكاتب حاسب ان رمت ملتمسا ما في يديه إذا ما رحت مجتديه
أضاف تسعين تقفوها ثلاثها إلى ثلاثة آلاف وتسعمايه
وقوله في هذه الكناية بعينها
ان رمت ما في يديك مجتديا أوجئت أشكو اليك ضيق يدي
عقدت لي باليسار أربعة مقبوضة سبعة من العدد
" فصل في الكناية " عن جملة من المعائب والأخلاق المذمومة إذا كان الرجل جاهلا قيل فلان من المستريحين لقولهم استاح من لا عقل له " فاذا كان " سليم الناحية ابله قيل فلان من أهل الجنة لان النبي ﷺ يقول أكثر أهل الجنة البله " فاذا كان " أحمق قالوا نعته لا ينصرف وأنشدني " أبو الحسن الشهرزوري قال أنشدتي أبو الحسن اللجام لنفسه في ابن مطران الشاشي لما صرف عن بريد الترمذية
قد صرفنا وكل من قبلنا فهو منصرف
وصرفنا بشاعر نعته ليس ينصرف
فاذا كان فضوليا داخلا فيما لا يعنيه متكلفا مالا يلزمه قالوا هو وصي آدم وقد توضع هذه الصفة موضع المدح كما قال الشاعر
وكات آدم حين حم حمامه وصاك وهو يجود بالحوباء
ببليه أن ترعاهم فرعيتهم وكفيت آدم غلة الابناء
فاذا كان وقحًا قالوا هناك درقة وحدقة ووجنة مطرقة " وهذه " اللفظة للصاحب من كتاب له إلى ابي العباس الضبي في ذكر ابي الحسن الجوهري الشاعر فاذا كان قليل الدماغ قالوا فلان فارغ الغرفة قال الشاعر
صاحبنا احواله عاليه لكنما غرفته خاليه
فاذا كان كثير الطيش قالوا احضر معه وتدا " فاذا " كان كذوبا قالوا الفاختة عنده ابو ذر وهذه اللفظة عذبة من ملج الصاحب ولم اسمع في معناها احسن وابلغ منها لان الفاخته يضرب بها المثل قال الشاعر
اكذب من فاخته تقول وسط الكرب
والطلع لم يبدلها هذا اوان الرطب
وابو ذر الغفاري من يقول فيه النبي ﷺ ما أظلت الخضراء وما اقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر " ومن " كناياتهم عن الكذب فلان يلطم عين مهران " ومهران " رجل يضرب به المثل في الكذب " فاذا " كان ملولا قيل فلان من بقية قوم موسى كما قال
[ ٧٣ ]
اراك بقية من قوم موسى فهم لا يصبرون على طعام
فاذا كان كثير التكلف والبذخ قالوا فلان يكثر الزعفران يشبهونه بالقدر المتكلف لها فاذا كان جميل المنظر ولا طائل عنده قالوا فلان فلوذج السوق قال الحجاج
وكما صديق يروق عيني في قالب الحسن واللباقة
ليس له في الجميل رأي ولا يفعل الجميل طاقة
كانه في القميص يمشي فلوذج السوق في رقاقة
" فاذا " كان الردئ الخط قالوا فلان خطه خط الملائكة لان اجود الخط ابينه وارداه على الضد وخط الملائكة غير واضح للناس " وسمعت " ابا القاسم بن الحسن الطراني الفقيه يقول سمعت ابا محمد يحيى بن محمد العلوي يقول انما قيل ذلك لان اردأ الخط الرقم وخط الملائكة رقم كما قال الله تعالى كتاب مرقوم يشهده المقربون " فاذا كان " لقيطا لا يعرف له اب قالوا هو من تربية القاضي ومن موالي النبي ﷺ لان القاضي يأمر بتربية اللقطاء والانفاق عليهم من اللقط على اعمال البر والنبي ﷺ يقول انا مولى من لا مولى له وهذا المعني اراد ابا نواس بقوله
وجدنا الفضل اكرم من رقاش لان الفضل مولاه الرسول
ويحكى ان رجلًا يتهم بالدعوة قال لابي عبيدة لما اتهم بكتاب المثالب أتسب العرب جميعًا قال وما يضرك أنت من ذلك يعني انه ليس منهم " فاذا " ادعى النسب في هاشم وهو دعى قالوا هو ابن عم النبي من الدلدل وهي بغلته اي قرابة ما بينهما كقرابة ما بين النبي وبين البغل وفي ذلك يقول ابو سعد دوست
فديتك ما أنت من هاشم وما أنت من احمد المرسل
فان قلت أني ابن عم النبي فانت ابن عم من الدلدل
واملح ما سمعت في الكناية عن الدعوة وكذب النسبة قول ابي الفتح كشاجم
شيخ لنا من مشايخ الكوفة نسبته في العراق موصوفة
اي مزورة لان المزورة موصوفة للعليل " فاذا كان " ملحدا قالوا فلان حر وهو من الاحرار يكنون عن انه خارج عن ربقة الشريعة " وربما " كنوا بالخراط اذ يقال لكلاب مكة الخراطة لان تخرط قلائدها وغدرها فكان الملحد بلا دين كما ان كلاب مكة بلا غدر " ولابي " دلف الخزرجي قصيدة في مناكاة بني ساسان ووصف طبقاتهم وفيها في ذكر ملحديهم
رجال فطنوا للنقل والاعلال والامر
خليجيون ما حاضوا ولا باتوا على طهر
الخليجي الذي لا يغسل استه ما حاضوا اي ما تطهروا رأوا من حكمة خرط القلادات مع الغدر واهل بغداد يقولون لمن ألحد فلان قد عبر يعنون انه قد عبر جسر الاسلام وقيل لبعضهم هل عبرت فقال ولدت في ذلك المكان يكنى عن انه لم يزل كذلك فاذا كان نذلًا خسيسًا قيل هو ثامن أصحاب الكهف لان الله تعالى يقول في قصتهم وثامنهم كلبهم " فاذا " كتنوا في عداد البهائم والانعام قالوا كما قال الشاعر
الست من ذكر الذي ذكره في سورة الجمعة والنحل
يعني قول الله تعالى في سورة الجمعة كمثل الحمار يحمل اسفارا " وفي " سورة النحل والخيل والبغال والحمير لتركبوها " فاذا كل " اكولاتهما قالوا فلان ملتهب المعدة وكان في أحشاءه معاوية " فاذا كان " سيئ الادب في المؤاكلة قالوا تسافر يده على الخوان ويرعى ارض الجيران " فاذا كان " خفيف اليد في الطر والسرقة قالوا هو أخذ يد القميص ويد القميص هو الكم والسارق يقص كمه ويخففه ليكون أقدر على عمله قال الفرزدق في عمرو بن هبيرة
أوليت العراق وساكنيه فزاريًا أخذ يد القميص
وقال ايضًا هو من ابيات المعاني
أظنك مفجوعا بربع منافق تلبس أثواب الخيانة والغدر
وانما كنى عن ان يمينه تقطع فيذهب ربع اطرافه " فاذا كان " غير نظيف البدن مغفلا لتعهده قالوا فلان أظفار حمى وازرة مرعي ومستجاد لابي نواس قوله
من ينأ عنه مصاده فمصاد زنبور ثيابه
" وللصاحب "
وحوشه ترتع في ثوبه وظفره يركب للصيد
" ومن " كنايات العامة في هذا المعنى قولهم يعرض الجند " وقذ " أجاد سعيد بن حميدفي الكناية عن الصنان بقوله البي هفان
أمسى يخوفني العبدي صولته وكيف آمن بأس الضيغم الهصر
[ ٧٤ ]
من ليس يحرزني من سيفه أجلى وليس يمنعني من كيده حذري
له سهام بلا ريش ولا عقب وقوسه أبدا عطل من الوتر
فكيف آمن من القى له عرضا وسهمه صائب يخفى عن البصر
وسمعت بعض العجائز تكنى عن الصنان برائحة الشباب " فاذا كان " قوادا قالوا فلان يجمع شمل الاحباب وفلان يأتي الحبيب " وقد يكنى " به أيضًا عن الرقيب " فاذا كان " حاذقا قالوا فلان حاذق بالقيادة يجر واحدًا بشعرة ويؤلف ما بين الضب والنون " فاذا كان " اما حسن اللبة واما حسن الصورة وليس وراءه حاصل ولا لديه طائل قالوا ليس وراء عبادان قرية أنشدني الاستاذ الطبري لننفسه في أبي سعد دوست بن ملة الهروي
أبو سعد له ثوب مليح ولكن حشو ذاك الثوب خريه
فان جاوزت كسوته اليه فليس وراء عبادان قرية
فاذا كان لغير رشدة قالوا ابوه قصير الحائط قال الصاحب من ابيات
فمهد على نصبه عذره فحيطان دار ابيه قصار
فاذا كان به جنة قالوا فلان مكتوب القميص لان المجنون قد يكتب على قميصه لا يباع ولا يهب وفي الكناية عن الكشحان يقول أبو سعد بن دوست
ومخالف للحق غير محالف للصدق عبد تناظر وحجاج
ترك الحجاج إلى اللجاج فقلت يا رجز الدجاج ومنزل الحجاج
وسمعت ابا الفضل عبد الله بن احمد الميكالي يقول قال أبو عبيدة العارضة كناية عن البذل يقال فلان شديد العارضة والاقتصاد كناية عن البخل فاذا قالوا غلامك مستعص فتلك كناية عن الجور وقال شريح الحد كناية عن الجهد والمشقة " فصل في الكناية " عن ذم الشعراء والشعر إذا كان الرجل متشاعرا غير شاعر قالوا فلان نبي الشعر لان الله تعالى يقول في نبيه ﷺ وما علمناه الشعر وما ينبغي له قال مخلد الموصلي
يا نبي الله في الشع ر ويا عيسى بن مريم
أنت من أشعر خل ق الله ما لم تتكلم
يغنون قول الشاعر
الشعرا فيما علمنا اربعة فشاعر يجري ولا يجري معه
وشاعر ينشد وسط المجمعه وشاعر من حقه ان تسمعه
وشاعر من حقه ان تصفعه
واياه عني من قال
يا رابع الشعراء فيم هجوتني أحسبت اني مفحم لا أنطق
ولبعض أهل العصر
قولا لشاعرنا الثقيل الأول ال مربى بطلعته على الرقباء
يا ثاني الموت الزؤام وثالث حسين انك رابع الشعراء
فاذا كان بارد الشعر قالوا فلان من آل الصيف قال الجماز في ابي السمط
ان ابا السمط؟؟ وشعره من آله الحر
طوبى لمن في الصيف يروى له خمسة ابيات من الشعر
وقال ابن وريق الكوفي في شعر الصولي
داري بلا خيش ولكنني أعقد من خيشي طاقين
دار إذا ماشتد حري بها أنشدت للصولي بيتين
وقال احمد بن طاهر في الفتح بن خاقان وقد اعتل من حرارة
ما دواء الامير فتح بن خاقا ن؟؟ هذا الزمان
ودواء الامير ان ينشدوه بعض ما؟؟ أبو هفان
وقيل للعتابي قد فلج أبو مسلم الخلق فقال لعله أكل من شعره " واجتمع " قوم من الشعراء على فالوذجه حارة فقال أحدهم للأخر منهم كأنها مكانك من النار فقال يصلحه بيت من شعرك " وقيل " للاستاذ طبري شعر فلان؟؟ ولكن كماء البئر في الصيف وانما أخذه من قول ابن الرومي
أنت عندي كماء بئرك في الصيف ثقيل؟؟ برد شديد
" وأنشدتني " أبو الحسن الحميري لنفسه في الكناية عن شعر ردى غير سائر
لنا صديق شعره داجن لا يألف الاسفار والغربة
لكنني اسمعه راعيا لحقه في قدم الصحب
" فصل في السؤال والكدية "
[ ٧٥ ]
أول من كنى عن السؤال خالد بن برمك وكان عبد الله بن شريك النميري صار اليه في جماعة من أهل السوتات يستمحونه وكان الزوار يسمون السؤال فقال خالد انا والله استقبح لهم هذا الاسم وفيهم الاشراف والاجواد ولكنما نسميهم الزوار فقال له عبد الله والله ما ادرى اميرتنا منك أجل أو صلتنا أم تسميتنا وقال في ذلك يزيد بن خالد الكوفي المعروف بابن حبيبات
حذا خالد في جوده حز وبرمك فمجد له مستطرف وأثيل
وكان بنو الاعدام يعزون قبله إلى اسم على الاعدام فيه دليل
يسمون بالسؤال في كل موطن وان كان فيهم نابه وجليل
فسماهم الزوار سترة عليهم وذلك من فعل الكرام نبيل
وذكر الصولي هذا الخبر لغير خالد باسناد له ان المساور بن النعمان لما ولي كور فارس أتاه الناس فقيل له قد اجتمع سؤالك فقال ما أقبح هذا من اسم هؤلاء الزوار فسموا به من ذلك اليوم وفيه يقول زياد الاعجم
ان المساور أعطي في عطيته سؤاله أحسن الاسماء للبشر
كانوا يسمون سؤالا فصيرهم دون البرية زوار ولم يجر
ويقال فلان من أصحاب الجراب والمحراب وفلان من قراء سورة يوسف لان قراء السؤال يستكثرون من قراءتها في الاسواق والمجامع والجوامع لانها أحسن القصص قال محمد بن وهب
لئن كنت بالاشعار والنحو حافظا لقد كنت من قراء سورة يوسف
ويقال فلان خليفة الخضر إذا كان جوالًا في الاسفار جوابا للبلاد في الكديه " وقد " يوصف بهذه الكناية من تكثر نهضاته وتتصل حراكاته وان لغير الاستماحه ورؤي بعضهم يسأل في قرية فقيل له ما تصنع فقال ما صنع موسى والخضر يعني انهما استطعما أهل قرية " وحدثني " نصر بن سهل بن المرزبان قال ولد لابي العيناء ابن فاتاه ابو علي البصير مهنئًا له فقال اي وقت فارق امه فقال وقت الصبح عند ضرب الدبادب فقال ابو علي ارجو ان يعرفك الله بركته فما أخطى وقته يريد ان السؤال انما ينتشرون في ذلك الوقت للكديه " ويقال " سأل رجل بعض المتجملين فقال له المسؤل باطننا كظاهرك والبستان كله كرفس يعني انه كهوفي الخصاصة والحاجة الى السؤال " وكتب " بعض البلغاء في اقتضاء ميرة لرجل فلان مقيم على انتظار جوابه وثمرة ايجابه يكنى عن الصلة بثمرة الايجاب وأحسن جدا " وقلت " انا في الكتاب المبهج من جلب در الكلام حلب در الكرام " فصل في الكناية عن الفقر وسوء الحال " " يقال " فلان قد لبس شعار الصالحين اي افتقر " ويقال " فلان رقت حاشية حاله وداره تحكى فؤاد ام موسى ويقرء سورة الطارق اي ليس بري فيها سوي السماء والنجوم " ويقال " جاءنا فلان في قميص قد أكل عليه الدهر وشرب وجبة تقرأ إذا السماء انشقت " وفلان " وطاؤه الغبراء وغطاؤه الخضراء إذا كان لا يستتر من الله بشئ " ودخل " بو الحسن محمد بن عبد الله المعروف بابن سكرة حمام موسى ببغداد فسرقت نعله فقال
تكاتفت اللصوص عليه حتى ليحفى من يسلم به ويعرا
ولم أقصد به ثوبا ولكن دخلت محمدا وخرجت بشرا
يعنى بشرا الحافي " فصل في الكناية عن الصفع " كان أبو هفان يقول انا لا أمزح الا باليدين والوالدين يكنى عن الصفع والشتم ومن أبلغ ما سمعت في الكناية عن الصفع قول اسماعيل السبحي في أبي نواس
ولما تصدى لاعراضنا ولم يك في عرضه منتقم
كتبنا الهجاء على أخدعيه بمزدرج من اكف الخدم
ومما استظرف قول ابن لنك في أبي رياش
أصابعه من الحلواء صفر ولكن الاخادع منه حمر
" وقوله "
لم أقبل فاه لكن قبلت كفى قفاه
واستحسن قول منصور الفقيه
يا من يراني والبرية كلها في العلم دونه
صن ما تزر عليه طو قك ان بدا لك ان تصونه
واستجيد ما أنشدنيه أبو بكر الخوارزمي لبعضهم في انسان وقح صفعان
سلاحه في وجهه وماله في هامته
فكل ما يملكه يجمع في عمامته
وما ألطف قول السرى الموصلي في الكناية عن الصفع
قوم إذا حضر الملوك وفودهم نفضت عمائمهم على الابواب
[ ٧٦ ]
ولم ير في هذا المعنى أملح مما أنشدنيه أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان لابن سكرة في ابن قريعة
رأيت قلنسوة تستغيث من فوق رأس تنادي خذوني
وقد قلقت فهي طور اتميل من عن شمال ومن عن يمين
فقلت لها ما الذي قد دهاك فقالت مقال كئيب حزين
دهاني ان لست من قالبي وأخشي من الناس أن ينكروني
وان يأخذوا في مزاج معي وان فعلوا ذاك بي قطعوني
" فصل في الكناية عن الصناعات الدنية " سئل الشعبي عن رجل خطب امرأة فقال انه لين الجلسة نافذ الطعنة فزوج فاذا هو خياط وحكي الجاحظ عن النظام انه كان يكنى عن الحائك باخصر البطن يعني أن الخسف قد خصر بطنه " وسئل " حجام عن صناعته فقال أنا أكتب بالحديد وأختم بالزجاج " ومن أحسن " ما سمعت في هذه الكناية ما يحكى أن الفرزدق دخل على بلال بن ابي بردة وهو في ذم مضر ومدح اليمن فقال الفرزدق ان فضل اليمن لا يدفع سيما الواحدة التي بان بها أبو موسي فقال بلال ان فضائل ابي موسى كثيرة فايها تعني فقال بنفسه عن رسول الله ﷺ حين غلبه دمه يعني انه كان حجمه في بعض اسفاره فقال بلال اجل قد فعل ذلك برسول الله ولم يفعل بأحد قبله ولا بعده فقال الفرزدق ان الشيخ كان اتقى لله واعلم به من ان يقدم على نبيه بغير حذق فسكت بلال وحقدها على الفرزدق وعدت في جوابات الفرزدق المسكتة " ومن نادر " ما كنى به عن الحجام ومشهوره قول عتبة الاعور لابراهيم بن سيار
يا بن الذي عاش غير مضطهد يرحمك الله أيما رجل
له رقاب الملوك خاضعة من بين حاف ومنتعل
أبوك أو هي النجاد عاتقه كم من كمى أدمي ومن بطل
يأخذ من ماله ومن دمه لم يمس من ثائر على وجل
بكفه مرهف يغلبه يقطع أعناق سادة نبل
وأخذ الطائف بالكوفة رجلا فقال له من أنت فانشد
انا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وان نزلت يوما فسوف تعود
تري الناس أفواجا إلى باب داره إذا ما مضى وفدائته وفود
فخلى عنه وحسبه ابن بعض الاشراف فاذا هو ابن باقلاي " وانشدني " أبو الفضل الميكالي لابي بكر العلاف في الزجاجي النحوي
لك ود قد جبرنا هـ فاعيانا صدوعه
فاذا ودك مما كنت بالامس تبيعه
" الباب الخامس " " في الكناية عن المرض والشيب والكبر والموت " " فصل في المرض " هذا الفصل مقصور على الفاظ البلغاء من أهل العصر في الكناية عن المرض يقع في فصول هذا الباب " فمنها " قولهم خمشه الزمان وهو من قول ابي الطيب المتنبي لسيف الدولة
تخمشك الزمان هوى وحبا وقد يؤذي من المقة الحبيب
" ومنها " قولهم عرضت له فترة أصابت عوده اشتكي الكرم لشكايته عرض له ما يجعله الله تمحيصا لا تنغيصا وتذكيرًا لا نكيرًا وأدبا لا غضبا عرض له ما يمحو ذنوبه ويكفر سيئاته " وكنى الصاحب " عن الجرب بقوله لابي العلاء الاسدي من أبيات
أبا العلاء مليك الهزل والجد كيف النجوم التي تطلعن في الجلد
وسمعت الاستاذ الطبري يقول في ذكر مريض شارف التلف قد اختلف اليه رسل ابي يحيى " وكتب " ابو منصور الشيرازي في ذكر اشتداد علة بعض الرؤساء طالع الكرم يترنح يترجح نجمه بين الاضاءة والأفول وتميل شمسه بين الاشراق والغروب " فصل في كناياتهم عن الشيب " أقبل ليله نور غصن شبابه ذرت يد الدهر كافورا على مسكه فصص انبوبه لاح الاقحوان في بنفسجه " وأحسن " هذا كله قول الله عز اسمه وجاءكم النذير وينشد أصحاب المعاني قول بعض العرب
ولما رأيت النسر عز ابن دأية وعشش في وكريه جاشت له صدري
والنسر كناية عن الشيب وابن دأية الغراب وكني به عن الشباب " فصل في كنايتهم عن الاكتهال " استبدل بالادهم الابلق وبالغراب العقعق ارتاض بلجام الدهر تفض غبرة الصبي ولبي داعية الحجى تجلل ملابس أهل العقول أدرك زمان الحنكة " فصل في كنايتهم عن الشيخوخة "
[ ٧٧ ]
والكبر والهرم ومشارفة الموت قد فسح له في المهل قد تصاعفت عقود عمرة تناهت به السن قد صحت الايام الحاليه فلان شمس العصر على القصر قد بلغ ساحل الحياة ووقف على ثنية الوداع واشرف على دار المقام وكاد يلحق باللطيف الخبير " ولما " سقطت ثنية معاوية في الطست اشتد جزعه فقال له ابو الاعور السلمى خفض عليك يا أمير المؤمنين فو الله ما بلغ أحد سنك الا نقض بعضه بعضًا " فصل في الكناية عن الموت " استاثر الله به أسعده الله بجواره نقله الله إلى دار رضوانه ومحل غفرانه كتبت له سعادة المحتضر وافضت به إلى الامر المنتظر اختار الله له النقلة من دار البوار إلى محل الابرار وانا استحسن قول المرقش الاكبر
ليس على طول الحياة من ندم ومن وراء المرء ما يعلم
وحدثني أبو نصر سهل بن المرزبان قال دخل ابن مكرم إلى ابي العيناء عائدًا فقال له ارتفع فديتك قال رفعك الله اليه اي اماته " وتولع " رجل ببعض الظرفاء فقال له رأيتك تحتي قال مع ثلاثة مثلي يعني في رفع جنازته " وسمعت " بعض الحكماء يقول في الكناية عن موت صديق له قد استكمل فلان حد الانسان لان حد الانسان انه حي ناطق وكثيرًا ما يكنون عن القبر بالتربة والمضجع والمرقد والمشهد " فصل في الكناية عن القتل " صلى بحر مناصل قبل حر النار وسقى الارض من دمه بطل ووابل عدم برد الحياة وذاق حر المرهفات اروى منه غلة السيف وأحسن من هذا كله قول الله تعالى فوكذه موسى فقضى عليه اي قتله " وحدثني " ابو النصر محمد بن عبد الجبار قال كان وزير الوقت سلم بعض أفاضل العمال إلى ابن ابي البغل عند نهوضه إلى رأس عمله بالاهواز وامره بتصريفه من اعماله فيما يستصلحه له ليجبر به خلل حاله فاستعمله على بعض اموال بيت المال ثم قتله تحت المطالبة بما جمعه حكم الاستيفاء عليه وخاف من درك الانتقام من جنايته على وديعة من لزمه شكر صنيعته فافضى الفكر إلى تمحل ما يخرجه من عهدة بادرته ويحله من ربقة جنايته فلم يجد لذلك معنى محيلا ولا لفظ يكون على المراد دليلا وطلب من يفحص عنه بالمعذرة ويوجب له سبب الانفصال من تبعة تلك المعاملة على شريطة حال يعظم خطره ويظهر في سد خصاصة الحال اثره إلى ان دل على شيخ من أرباب الصناعة قد اقعدته المحنه واكسدته العطلة فدعاه واستنشاءه كتاب إلى الوزير في مهمات من وجوه المعاملات ومن حديث القتل في ضم الكلام فقال له اكتب عذرًا بهذا المعنى فكتب اما فلان فان الوزير رسم باستعماله فلما استعملته استحويته فاديته فوافق الادب الاجل فتعجب ابن ابي البغل من قدرته وسرعة فطنته وقوة خاطره على استخلاصه ما للفظ الوجيز والمعنى المحيل عن عهدة جناياته ووصله بمال جزيل وشغله بعمل جليل قال مؤلف الكتاب اظن الشيخ ألم في معنى ما كتبه بتوقيع لعبد الله بن طاهر فزاد في تحسينه ولطف تهذيبه وقد كان عبد الله ضرب بعض قواده ضربًا مبرحًا فمات منه فرفع خبره اليه فوقع ضربناه لذنبه فمات لاجله