واعلم أن للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرقا أربعة، وهم في ذلك أربعة أصناف.
الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل للذين يردون الأمر إلى نفس المشيئة وصرف الإرادة، فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغاية ولا لعلة هى المقصودة به ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوق أسباب تكون مقتضيات لمسبباتها، وليس في النار سبب للإحراق، ولا في الماء قوة الإغراق ولا التبريد. وهكذا الأمر عندهم سواء لا فرق بين الخلق والأمر، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا من غير أن يقوم بالمأمور صفة تقتضى حسنه ولا بالمنهى عنه صفة تقتضى قبحه، ولهذا الأصل لوازم فاسدة وفروع كثيرة، وهؤلاء غالبهم لا يجد حلاوة العبادة ولا لذتها ولا يتنعمون بها؛ ولهذا يسمون الصلاة والصيام والزكاة والحج والتوحيد والإخلاص ونحو ذلك تكاليف، أى كلفوا بها، ولو سمى مدعى محبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمر به تكليفا لم يعد محبا له.
[ ١١٥ ]
وأول من صدرت عنه هذه المقالة: الجعد بن درهم «١» .