وهاتان الطائفتان متقابلتان، فالجبرية لم تجعل للأعمال ارتباطا بالجزاء البتة، وجوزت أن يعذب الله من أفنى عمره في الطاعة، وينعم من أفنى عمره في مخالفته، وكلاهما سواء بالنسبة إليه، والكل راجع إلى محض المشيئة. والقدرية
[ ١١٦ ]
أوجبت عليه ﷾ رعاية المصالح وجعلت ذلك كله بمحض الأعمال، وأن وصول الثواب إلى العبد بدون عمله فيه تنقيص باحتمال منة الصدقة عليه بلا ثمن، فجعلوا تفضله ﷾ على عبده بمنزلة صدقة العبد على العبد وإعطائه ما يعطيه أجره على عمله أحب إلى العبد من أن يعطيه فضلا منه بلا عمل، ولم يجعلوا للأعمال تأثيرا في الجزاء البتة.
والطائفتان منحرفتان عن الصراط المستقيم، وهو أن الأعمال أسباب إلى الثواب، والأعمال الصالحات من توفيق الله وفضله وليست قدرا لجزائه وثوابه، بل غايتها إذا وقعت على أكمل الوجوه أن تكون شكرا على أحد الأجزاء القليلة من نعمه ﷾، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكان رحمته لهم خيرا من أعمالهم.