(فصل:) وقد اتفق في الخلافة الإسلامية كما اتفق في الملة الموسوية حذو القذاة بالقذاة «٤»، وذلك أن العرب كلها ترجع إلى قحطان «٥» وعدنان «٦» فيقال لسائر قحطان: اليمن، ويقال لسائر بنى عدنان: المضرية والنزارية وهى قيس. والعرب كلها على ست طبقات: شعوب، وقبائل، وعمائر، وبطون، وأفخاذ، وفصائل، وما بينهما من الآباء يعرفها أهلها.
قال الله جلت قدرته: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
«٧» .
فالشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو أكبر من القبيلة، وقيل: الشعب هو الحى العظيم مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج سموا بذلك لتشعبهم واجتماعهم كتشعب أغصان الشجر، وقيل: الشعب القبيلة نفسها، وقد غلبت الشعوب بلفظ
[ ٧٧ ]
الجمع على جيل العجم حتى قيل: المحتقر أمر العرب شعوبى.
والقبائل جمع قبيلة من الناس بنو أب واحد، وهو دون الشعب، كبكر من ربيعة وتميم من مضر.
وقيل: القبيلة الجماعة التى تكون من واحد، ويقال لكل جمع على شىء واحد: قبيل.
قال الله تعالى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
«١» .
والشعب: القبيلة من قبائل الشجر وهى أغصانها.
وقيل: من قبائل الرأس وهى أطباق الأربع، وقيل: لأن العمائر تقابلت عليها، والعمائر واحدة عمارة، وهى أصغر من القبيلة.
وقيل: العمارة هى الحى العظيم الذى يقوم بنفسه، فدودان بن أسد عمارة.
قال: الشعب يجمع القبائل، والعمارة تجمع البطون، والبطون واحدها: بطن، وهو دون القبيلة، وفخذ الرجل حيّه من أقرب عشيرته ورهطه الأدنون، وقيل:
الفصيلة أقرب أب الرجل إليه فكأنه قبيلة، وقريش بطن، وقصّى عمارة، وهاشم فخذه، وبنو العباس فصيلة. وكما أن الله تعالى جعل العرب شعوبا وقبائل، فقد جعل بنى إسرائيل أسباطا، فالسبط من بنى إسرائيل كالقبيلة من العرب.
وبنو إسرائيل ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليهم اثنا عشر سبطا، وهم: يوسف النبى، وبنيامين، وكاد، ويهوذا، ونفتالى، وزبولون، وشمعون، ورؤوبين، ويساخار، ولاوى، ودار، وياشر.
وكل ولد من هؤلاء الاثنى عشر يقال له: سبط. ومنهم كلهم سائر بنى إسرائيل.
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن موسى صلوات الله عليه وسلامه هو موسى بن عمران بن فاهب بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فهو من سبط لاوى، فلما مات لم يخلفه في بنى إسرائيل أحد من سبط لاوى الذين هم قرابته القريبة، وإنما خلفه يوشع ﵇، وهو من سبط أفرايم بن يوسف ﵇، وهو بعيد من سبط لاوى؛ وذلك أن يوشع بن نون بن اليشع بن صيهود بن لهذان بن تالح بن راشد بن بريعا بن أفرايم بن يوسف النبى بن يعقوب
[ ٧٨ ]
﵉. وهكذا وقع في الإسلام، فإن رسول الله ﷺ سيد بنى هاشم هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بلا خلاف في ذلك «١» .
ولما توفى رسول الله ﷺ لم يخلفه في أمته أحد من بنى هاشم الذين هم أقرب العرب إليه، بل خلفه أبو بكر الصديق ﵁، وهو من بنى تميم بن مرة بن كعب، فإنه أبو بكر عبد الله بن أبى قحافة عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم ابن مرة. فانظر كيف كان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ في البعد من جذم رسول الله ﷺ كبعد يوشع من أصل موسى ﵉، فإن أبا بكر ﵁ إنما يلتقى مع رسول الله في مرة بن كعب بن لؤى بعد عدة آباء، وكذلك يوشع إنما يلتقى مع موسى في يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ بعد عدة آباء، كما أنه قام بأمر بنى إسرائيل بعد يوشع خليفة قومه جماعة مختلفو الأنساب بعضهم من سبط يهوذا، وبعضهم من سبط بنيامين، وبعضهم من سبط منشا بن يوسف ﵇، وبعضهم من سبط غان، وبعضهم من سبط ذان، كذلك قام في الخلافة بعد أبى بكر ﵁، جماعة مختلفة أنسابهم بعضهم من بنى عدى وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدى بن كعب، وبعضهم من بنى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص، وبعضهم من بنى هاشم وهو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى وابنه الحسن بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وبعضهم من بنى حرب بن أمية بن عبد شمس وهم معاوية بن أبى سفيان ﵄ صخر بن حرب بن أمية وابنه يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وبعضهم من بنى أسد بن عبد العزّى بن قصى بن كلاب وهو عبد الله بن الزبير ﵄ ابن العوام بن أسد بن عبد العزى، وبعضهم من بنى الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان وبنوه.
وكما أن بنى إسرائيل استقر أمرهم بعد من ذكرنا في يهود كذلك استقرت
[ ٧٩ ]
الخلافة بعد من ذكرنا في بنى العباس، وكما أن يهوذا عم موسى ﵇ كذلك العباس بن عبد المطلب بن هاشم هو عم رسول الله ﷺ. وكما أن يهوذا قدّمه يعقوب على إخوته وبشره ومدحه كذلك العباس ﵁ كان رسول الله ﷺ يجله ويكرمه ويثنى عليه. وكما أن أمر بنى إسرائيل افترق في دولة بنى يهوذا وصاروا بعد موت سليمان بن داود ﵉ فرقتين: فرقة بالقدس مع ابنه رجيعم بن سليمان ﵇ وهو يهوذا وسبط بنيامين، وفرقة بشمرون مع بربعام ابن نياط وهم بقية الأسباط، كذلك لما صارت الخلافة في بنى العباس افترق أمراء الأمة فصار في الأنبار ثم في بغداد بنو العباس وفي الأندلس عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم وبنوه من بعده فلم تدخل الأندلس تحت طاعة بنى العباس، كما أنه تدخل شمرون تحت حكم سبط يهوذا.
وكما أن مدينة القدس التى هى دار ملك يهوذا كانت تدعى أورشليم ومعناه: «دار السلام»، كذلك بغداد دار ملك بنى العباس، كان يقال لها: دار السلام. وكما أن دولة بربعام من بعده بشمرون التى عرفت اليوم بنابلس انقرضت قبل دولة بنى يهوذا بالقدس، فإنها لم تقم غير مائتين وإحدى وستين سنة، فكذلك دولة بنى أمية بالأندلس فإنها انقرضت قبل انقراض دولة بنى العباس، فكانت مدتهم مائتين وسبع وستين سنة. وكما أن دولة بنى يهوذا بالقدس أقامت من عهد داود ﵇ وهو أول من ملك منهم إلى أن انقرضت نحوا من خمسمائة سنة، فإنها قامت أربعمائة وعشر سنين، كذلك بنو العباس أقامت خلافتهم منذ أبي العباس عبد الله السفاح أول قائم منهم إلى أن انقرضت أيامهم خمسمائة وأربعا وعشرين سنة.
وكما أن دولة بنى يهوذا انقرضت على يد بختنصر، فإنه سار إليهم من بلاد المشرق وقاتلهم وهدم مدينة القدس دار ملكهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم، فكذلك زالت دولة بنى العباس على يد هولاكو لما قدم إلى بغداد من بلاد المشرق فقتل الرجال وسبى النساء.
وكما أن أمر بنى إسرائيل لم يجمع بعد زوال دولتهم لواحد يقوم بدينهم، كذلك أمة محمد ﷺ لم تجتمع بعد انقراض خلافة بنى العباس لواحد، بل صار فى كل قطر ملك. وكما عاد لبنى إسرائيل- بعد إزالة بختنصر دولتهم- ملك كانوا فيه تحت يد اليونان وغيرهم مدة عمارة بيت المقدس بعد عودهم من الجالية، كذلك أقام الأتراك ملوك مصر رجلا من بنى العباس وجعلوه خليفة وليس له أمر
[ ٨٠ ]
ولا نهى ولا نفوذ كلمة. وكما أن بنى إسرائيل قوم موسى ﵇ قطعهم الله فى الأرض، إنما كذلك قريش قوم رسول الله ﷺ تفرقوا في أقطار الأرض وصاروا رعية ورعايا ليس لهم ملك ولا دولة. وكما أن أنساب بنى إسرائيل جهلت بأسرها إلا بعض بنى يهوذا، فإن نسبهم متصل بداود ﵇، كذلك قريش جهلت فى هذه الأيام أنساب جميع بطونها إلا ما كان من بنى حسن وحسين، فإن أنساب كثير منهم متصلة إلى على بن أبى طالب ﵁. فانظر- أعزك الله- كيف تشابه أمر هذه الأمة المحمدية بأمر الأمة الموسوية، وقد أنذر بذلك رسول الله، وكان هذا من أعلام نبوته لما بينته في كتاب «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والأخوال والحفدة والمتاع ﷺ» .