(فصل) اختلف أهل العلم في أكل النّحل، فأباحه بعضهم كالجراد. والمذهب تحريم «١» أكلها. وإن كان العسل الخارج منها حلالا، كالآدمية، لبنها حلال، ولحمها حرام؛ ولأن النّبى ﷺ نهى عن قتلها، وقد اختلف أيضا في بيعها، فقال أصحابنا:
بيع النحل وهو في الكوّارة صحيح «٢» إن رئى جميعه، وإلّا فهو بيع غائب، فإن باعها وهى طائرة، فقال في «التتمة» «٣»: يصح، وقال في «التهذيب» «٤» عكسه.
وصورة المسألة: أن تكون الأمّ في الكوّارة، كما قاله ابن الرّفعة «٥» والأصحّ من الوجهين الصحّة.
والفرق بينها وبين باقى الطير من وجهين:
[ ٣١٩ ]
أحدهما: أنها لا تقصد بالجوارح بخلاف غيرها.
والثانى: أنها لا تأكل في العادة إلّا ما ترعاه، فلو توقّف صحّة البيع على رؤيتها لربّما أضرّ بها، أو تعذر بسببه بيعها، بخلاف غيرها من الطيور «١» .
وذهب أبو حنيفة﵀- إلى أنّه لا يصح بيعها كالزنابير وسائر الحشرات «٢» .
واحتجّ أصحابنا بأنه حيوان طائر ينتفع به، فجاز بيعه كالشاة، بخلاف الزّنبور والحشرات، فإنه لا منفعة فيها.
واختلف أيضا في زكاة العسل، فروى أبو عيسى الترمذى من حديث صدقة بن عبد الله «٣» عن موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «فى العسل في كل عشرة أزق «٤» زق «٥»» «٦» .
قال أبو عيسى: «فى إسناده مقال» .
ولا يصح عن النبى ﷺ في هذا الباب كبير شىء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق «٧» وقال بعض أهل العلم: «وليس في
[ ٣٢٠ ]
العسل شىء، وصدقة بن عبد الله «١» ليس بالحافظ، وقد خولف في روايته هذا الحديث» .
وقال أحمد بن حنبل: «صدقة ليس يساوى حديثه شيئا» «٢» .
وقال ابن حبان: «يروى الموضوعات عن الثّقات» .
وقال النسائى: «صدقة ليس بشىء، وهذا حديث منكر» .
ولذلك لم ير مالك، والشافعى في العسل زكاة، وبه قال داود «٣»، ومن قبله سفيان الثورى، والحسن «٤» بن حىّ.
وروى عن علىّ وابن عمر «٥»، ﵄، وذهب الشافعى في القديم
[ ٣٢١ ]
إلى القول بزكاة العسل «١» .
وقال أبو حنيفة: إن كان النحل في أرض العشر «٢» ففيه الزّكاة، وهى عشر ما أصاب منه قلّ أو كثر، وإن كان النحل في أرض خراج «٣» فلا زكاة فيه كثر أو قلّ، وإن كان في المفاوز والجبال، على الأشجار وفي الكهوف فلا شىء فيه، وهو بمنزلة الثمار تكون في الجبال والأودية لا خراج عليها ولا عشر «٤» .
وقال أبو يوسف «٥»: «إذا بلغ العسل عشرة أرطال ففيه رطل واحد، وهكذا ما زاد ففيه العشر، والرّطل هو الفلفلى» .
وقال محمد بن الحسن «٦»: «إذا بلغ العسل خمسة أفراق، ففيه العشر وإلا فلا» .
والفرق «٧»: ستة وثلاثون رطلا فلفلية، والخمسة الأفراق مائة وثمانون رطلا
[ ٣٢٢ ]
فلفلية «١» .
وقال أحمد بوجوب الزكاة في العسل، واحتج أصحاب أبى حنيفة لقولهم بما روى عن عطاء «٢» الخراسانى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لأهل اليمن في العسل:
«إنّ عليكم في كل عشرة أفراق فرقا»»
وردّ ذلك بأن عطاء لم يدرك عمر.
وقد روى أن عاملا لعمر على الطائف، كتب إليه: «إن رجالا من فهم «٤» كلمونى فى خلاياهم، أسلموا «٥» عليها وسألونى أن أحميها لهم» «٦» .
فكتب إليه عمر: «إنما هو ذباب غيث، فإن أدوا زكاته فاحمه لهم» .
وقوله: «إنما هو ذباب غيث»: أى يكون مع الغيث، يريد أنها تعيش بالمطر؛ لأنها تأكل ما ينبت عنه، فإذا لم يكن غيث لم يكن لها ما تأكل، فشبهها بالراعى والسائمة من النّعم، إذا لم يكن على صاحبها منها مؤونة وجب فيها الزكاة.
وقال ابن قتيبة في كتاب «الغريب» «٧»: وهذا الحديث خرّجه أبو داود، ومن
[ ٣٢٣ ]
حديث عمرو بن شعيب «١» عن أبيه عن جده قال: «جاء هلال- أحد بنى متعان- إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وسأله أن يحمى له واديا يقال له: سلبة «٢»، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادى، فلما ولى عمر بن الخطاب ﵁ كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله، فاحم «٣» له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث، يأكله من شاء «٤» . واحتجوا بحديث الحارث «٥» بن عبد الرحمن بن سعد ابن ذباب، عن منير بن عبد الله «٦»، ويقال: منير بن عبيد الله، عن أبيه، عن سعد بن أبى ذباب.
وكانت له صحبة، أنه أخذ عشر العسل من قومه، فأتى به عمر ﵁ فجعله عمر في صدقات المسلمين، قال:
وقدمت على رسول الله ﷺ فأسلمت وبايعته، فاستعملنى على قومى،
[ ٣٢٤ ]
واستعملنى أبو بكر ﵁ بعده، ثم استعملنى عمر ﵁ من بعده فذكر الخبر، وفيه: قلت لعمر: يا أمير المؤمنين، ما ترى في العسل؟ قال: «خذ منه العشر» فقلت: أين أضعه؟ قال: «ضعه في بيت المال»، وفي رواية:
فقلت لقومى: «فى العسل زكاة، فإنه لا خير في مال لا يزكى» فقالوا: كم ترى؟ فقلت: «العشر»، فأخذته، وأتيت به إلى عمر ﵁ «١» .
وردّ هذا أيضا بأن منير بن عبد الله مجهول، وأبوه مجهول «٢»، وقد قال فيه بعض رواته عقين «٣» بن عبد الله، ولا يدرى من هو، واحتجوا بما روى عن نعيم «٤» بن حماد، عن بقية «٥»، عن محمد بن الوليد الزبيدى «٦»، عن عمرو بن شعيب، عن هلال «٧» بن مرّة، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: فى عشر العسل: «ما كان منه في السهل ففيه العشر، وما كان منه في الجبل ففيه نصف العشر» «٨» .
[ ٣٢٥ ]
وردّ بأن؟؟ بقية ضعيف، وهلال بن مرة لا يدرى من هو.
وصحّ عن مكحول، ومحمد بن شهاب الزهرى: «أن في كل عشرة أزقاق زقّا» «١» .
وعن الأحوص بن حكيم، عن أبيه أنه قال: «فى كل عشرة أرطال رطل» .
وعن سعيد «٢» بن عبد العزيز، عن سليمان «٣» بن موسى: «فى كل عشرة أزقاق من عسل زق»، قال: «والزق يسع رطلين» «٤» .
وروى عن عمر بن عبد العزيز زكاة العسل. ولا يصح عنه، وبه قال ربيعة، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن وهب.
واحتج من رأى زكاة العسل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال:
«جاء هلال إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وسأله أن يحمى له واديا يقال له: سلبة؟؟ فحماه له.
وبحديث عمرو بن شعيب قال: كتب بعض أمراء الطائف إلى عمر بن الخطاب ﵁: «إن أصحاب النّحل لا يؤدّون إلينا ما كانوا يؤدون إلى النبى ﷺ ويسألون مع ذلك أن تحمى لهم أوديتهم، فاكتب إلىّ برأيك في ذلك» .
فكتب إليه عمر: «إن أدّوا إليك ما كانوا يؤدون إلى النبى ﷺ فاحم لهم أوديتهم، وإن لم يؤدوا إليك ما كانوا يؤدونه إليه، فلا تحم لهم» . قال: «وكانوا يؤدون إلى النبى ﷺ عن كل عشرة قرب قربة» «٥» .
[ ٣٢٦ ]
وعن عمرو بن شعيب أن عمررضي الله عنه- كتب: «فى العسل عن كل عشرة قرب قربة» .
وردّ بأن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ضعيف لا يصح «١» .
واحتجوا بحديث عبد الله بن محرز «٢»، عن الزهرى، عن أبى سلمة عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: «أن يؤخذ من العسل العشر» «٣» .
واحتجوا بحديث سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى أن أبا سيارة المتعى «٤» قال للنبى ﷺ: «إن لى نحلا» فقال له: «فأدّ منه العشر» «٥» .
ورد بأنه حديث منقطع؛ لأن سليمان بن موسى لا يعرف له لقاء أحد من الصحابة ﵃.
واحتجوا بحديث ابن جريج قال: كتبت إلى إبراهيم «٦» بن ميسرة أسأله عن زكاة العسل، فذكر جوابه، وفيه أنه قال: «ذكر لى من لا أتهم من أهلى أن عروة «٧» .
[ ٣٢٧ ]
ابن محمد السعدى قال له: «إنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العسل، فردّ إليه عمر: قد وجدنا بيان صدقة العسل بأرض الطائف، فخذ منه العشور» «١» .
ورد بأنه حديث منقطع، فإنه عمن لم «٢» يسمّ.
وعورض قولهم بما رواه أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن معاذ بن جبل لما أتى اليمن، أتى بالعسل، وأوقاص «٣» الغنم. فقال: «لم أومر فيها بشىء» «٤» .
وبحديث وكيع عن سفيان الثورى، عن عبيد الله «٥» بن عمر، عن نافع قال:
بعثنى عمر بن عبد العزيز على اليمن، فأردت أن آخذ من العسل العشر، فقال المغيرة بن الحكم الصنعانى: «ليس فيه شىء» فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز فقال: «صدق، هو عدل رضى» «٦» .