(فصل:) لما كانت بنو هاشم من بين قريش كلها قد اختصها الله سبحانه بهذا الأمر- أعنى: الدعوة إلى الله تعالى والنبوّة والكتاب، فحازت بذلك الشرف الباقى، وكانت أحوال الدنيا من الخلافة والملك ونحوه زائلة؛ لهذا زواها الله عنهم تنبيها على شرفهم وعلّو مقدارهم، فإن ذلك هو خيره الله لنبيه محمد ﷺ، كما قد ثبت أنه ﷺ لما خيّر اختار أن يكون نبيا عبدا ولم يختر أن يكون نبيا ملكا «٣»،
[ ٥٧ ]
وسأل مثل ذلك لآله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عمارة بن زرعة عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» «١» .
وروى أبو عيسى الترمذى من حديث عبد الله بن زحر عن على بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبى أمامة ﵁، عن النبى ﷺ قال: «عرض علّى ربى ليجعل لى بطحاء «٢» مكّة ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما، وقال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» قال الترمذى: هذا حديث حسن «٣» .
وخرج البخارى من حديث ابن أبى ليلى، حدثنا على ﵁ أن فاطمة ﵍ اشتكت ما تلقى من الرحى مما يطحن، فبلغها أن رسول الله ﷺ أتى بسبى، فأتته تسأله خادما فلم توافقه، فذكرت عائشة له، فأتانا وقد دخلنا مضاجعنا فذهبنا لنقوم، فقال: على مكانكما، حتى وجدت برد قدميه على صدرى، فقال:
أدلكما على خير مما سألتما: إذا أخذتما مضاجعكما فكبرا أربعا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، فإن ذلك خير لكما مما سألتمانى. وأخرجه مسلم أيضا «٤» .
ولأبى داود من حديث أبي الورد عن على بن أعبد قال: قال لى علىرضي الله عنه: ألا أحدثك عنى وعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وكانت من أحب أهله إليه، قلت: بلى، قال: فإنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثر في نحرها، وكنست البيت حتى أغبرّت ثيابها، فأتى النبى ﷺ خدم، فقلت: لو أتيت أباك فسألتيه خادما، فأتته فوجدت عنده أحداثا،
[ ٥٨ ]
فرجعت فأتاها من الغد فقال: ما كان حالك، فسكتت، فقلت: أنا أحدثك يا رسول الله، جرت الرحى حتى أثرت في يدها، وحملت القربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادما تقيها حرّ ما هى فيه، فقال: اتقى الله يا فاطمة وأدّى فريضة ربك واعملى عمل أهلك، فإذا أخذت مضجعك فسبحى ثلاثا وثلاثين واحمدى ثلاثا وثلاثين وكبرى أربعا وثلاثين فهى خير لك من خادم، قالت: رضيت عن الله وعن رسوله «١» .
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عامر بن سعد عن أبيه عن النبى ﷺ أنه قال: «إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلىّ منه خشية أن يكب في النار على وجهه» «٢» .
وفي رواية «فو الله إنى لأعطى الرجل وأدع الرجل، والذى أدع أحب إلىّ من الذى أعطى، ولكنى أعطى أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير» «٣» .
ومن حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ «إنى أعطى رجالا حديثى عهد بكفر أتألفهم» «٤»، وروى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن بكر بن جنادة حدثه أن أبا سالم الحبشانى حدثه عن أبى ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: كيف ترى جعيلا «٥» قال: قلت: [مسكينا] «٦» كشكلة من الناس، قال:
[ ٥٩ ]
كيف ترى فلانا، قال: قلت: سيدا من سادات الناس، قال: فجعيل خير من ملء الأرض أو ألف، ونحو ذلك من فلان قال: قلت: يا رسول الله ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع قال: «إنه رأس قومه، وأنا أتألفهم به» «١»، قال جامعه: وهذا على بن أبى طالب ﵁، كان يعلم أن رسول الله ﷺ يربأ «٢» ببنى هاشم عن ولاية الأعمال.
كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن مالك عن ابن شهاب أن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، حدّثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا، والله لو بعثنا هذين الغلامين (قال لى وللفضل بن العباس) إلى رسول الله ﷺ فكلّماه فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدى الناس وأصابا مما يصيب الناس، قال: فبينما هما فى ذلك، جاء على بن أبى طالب فوقف عليهما فذكرا له ذلك فقال: لا تفعلا فو الله ما هو بفاعل، فانتحاه «٣» ربيعة بن الحارث فقال: والله ما تصنع هذا إلا نفاسة «٤» منك، فو الله لقد نلت صهر رسول الله ﷺ، فما نفسناه عليك.
قال علىرضي الله عنه: أرسلوهما، فانطلقنا واضطجع، فلما صلّى رسول الله ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا، قال:
أخرجا ما تصرّرانه «٥»، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش،
[ ٦٠ ]
قال: فتواكلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبرأ الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتأمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون. فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، وجعلت زينب تلمع «١» إلينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه، قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد، إنما هى أوساخ الناس «٢» ادعوا لى محمية (وكان على الخمس) ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب فجاءه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس، فأنكحه، وقال لنوفل: أنكح هذا الغلام ابنتك لى، فأنكحنى، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا «٣» .
فهذا- أعزك الله- وإن كان إنما فيه منع بنى هاشم من تناول الصدقة لأنها محرمة عليهم، فإن رسول الله ﷺ إنما كانت أعماله التى يستعمل عليها عماله على قسمين: إما للحرب، أو على الصدقات، فمنع رسول الله ﷺ بنى هاشم من العمل على الصدقة بنصيب العامل وهو الصحيح: أنهم لا يستعملون عليها تنزيها لهم ولبنى المطلب عن أوساخ الناس لكرامتهم، وقد كان غير واحد من فضلاء الصحابة ﵃ يعلمون أن البيت أرفع قدرا عند الله من أن يبتليهم بعمال الدنيا، منهم:
عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، لما خرج الحسين بن على ﵄ يريد العراق وقد كتب إليه شيعتهم بالبيعة وحثوه على مسيرة إليهم ليقوم بأمر الأمة، بدل يزيد بن معاوية، لحقه عبد الله على مسيرة ليلتين، وقال: أين تريد؟
قال: العراق. قال: لا تأتهم هذه. قال الحسين: هذه كتبهم وبيعتهم «٤»، فقال
[ ٦١ ]
ابن عمر: إن الله﷿- خيّر نبيه ﷺ بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا وإنك بضعة من رسول الله ﷺ، والله لا يليها أحد منكم وما صرفها الله عنكم إلا للذى هو خير لكم فارجع، فأبى الحسين، وقال: هذه كتبهم وبيعتهم فاعتنقه عبد الله بن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل فكان كما قال ابن عمر «١»، وكذلك قال عبد الله بن عباس ﵄ للحسين: والله يابن أخى ما كان الله ليجمع لكم بين النبوة والخلافة «٢»، وهذا من فقههما، وقد أشار الحسن بن على ﵄ إلى ذلك في خطبته لما ترك الخلافة التى صارت إليه بعد أبيه وتنزه عنها وترّفع عن منازعة معاوية ﵁، فلما دخل معاوية الكوفة أشار عليه عمرو بن العاص أن يأمر الحسين فيخطب الناس ظنا منه أنه يعى، فخطب معاوية ثم أشار إلى الحسن أن يخطب فقام وحمد الله، ثم قال: أيها الناس إن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول وإن الله ﷿ قال لنبيه ﷺ: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
«٣» .
فلما قالها، قال معاوية: اجلس ونقدها على عمرو وقال هذا من رأيك «٤» فصدق الحسن ﵁ فيما قال.