(فصل:) ذهب بعضهم إلى أن السر في خروج الخلافة بعد رسول الله ﷺ عن على بن أبى طالب إلى أبى بكر وعمر ثم عثمان، أن عليا لما ولىّ الخلافة حينئذ- وهو أبو الحسين- لأوشك أن يقول قائل، ويتخيل متخيل، أنه ملك متوارث لا يكون إلا في آل البيت كما يزعمه الرافضة «٥»، فصان الله العقائد من هذه الشبهة كما صانها من شبهة قول القائل عن النبى ﷺ هو رجل يطلب ملك أبيه وهو معنى
[ ٦٢ ]
حسن، ولهذا السر جعل ﷺ الخلافة العامة في قريش ولم يخص بها أهل بيته ولا بنى هاشم حتى لا يتخيل أنه ملك متوارث والله أعلم.
وقد ظهر لى أن ولاية رسول الله ﷺ لبنى أمية الأعمال كانت إشارة منه ﷺ أن الأمر سيصير إليهم، ولى بحمد الله في هذا النحو خير سلف وأجل قدوة.
منهم: سعيد بن المسيب ﵀، قد ثبت في الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى ﵁ في حديث جلوس رسول الله ﷺ على بئر أريس «١» ودخول أبى بكر وعمر ﵄ وجلوسهما عن يمينه وشماله معه ﷺ في القف، ودخول عثمان بن عفان ﵁ وجلوسه تجاههم «٢» من الشق الآخر، وإن سعيد بن المسيب قال: فتأولت ذلك قبورهم، اجتمعت هاهنا وانفرد قبر عثمان ﵁ «٣» .
وثبت من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ نحر في حجته التى يقال لها: حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة «٤» «٥» فكان في نحره هذا العدد من البدن إشارة إلى أن مدة حياته ﷺ ثلاث وستون سنة.
وثبت من حديث أبى سعيد الخدرى ﵁، أن رسول الله ﷺ قال:
«إن أحقّ الناس علىّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ألا خلّة الإسلام، لا تبقين خوخة في المسجد إلا خوخة أبى بكر» «٦» .
فكان أمر رسول الله ﷺ بإبقاء خوخة أبى بكر ﵁ في المسجد مع منع الناس كلهم من ذلك، إشارة ودليل على خلافته بعد رسول الله ﷺ، وأن ذلك من رسول الله ﷺ تنبيه للناس إلى المسجد كما كان يصير إمام المسلمين ويخرج
[ ٦٣ ]
من بيته إلى المسجد كما كان رسول الله ﷺ يخرج، ذكره أبو بطال. وقد جعل جمهور الصحابة ﵃ استخلاف رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ فى الصلاة وهو مريض دليلا وإشارة إلى أنه الخليفة من بعد رسول الله ﷺ، وقالوا: قد رضيه رسول الله ﷺ لديننا فلا نرضاه لدنيانا؟ «١» .
وثبت في الصحيح من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلنى مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لم يدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله، فقال: إنه ممن قد علمتهم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعانى معهم، وما رأيته دعانى يومئذ إلا ليريهم منى، فقال: ما تقولون في إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا
«٢»، حتى ختم السورة؟
فقال: أمرنا أن نحمد ونستغفر إذا جاء نصرنا وفتح علينا.
وقال بعضهم: لا ندرى، ولم يقل بعضهم شيئا. فقال لى: يا ابن عباس، أكذا هو؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ، أعلمه الله له يقول: إذا جاء نصر الله والفتح، فتح مكة، فذلك علامة أجلك، نسبح بحمد ربك ونستغفره، إنه كان توابا.
قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم «٣»، فهذا فهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين وهم القدوة وهم الأسوة ووفقنا الله لاتبّاعهم.