الصنف الثانى قالوا: أفضل العبادات وأنفعها التجرد والزهد في الدنيا والتقلل منها غاية الإمكان وإطراح الاهتمام بها وعدم الاكتراث لما هو منها.
ثم هؤلاء قسمان: فعوامهم ظنوا أن هذا غاية، فشمروا إليه وعملوا عليه وقالوا: هو أفضل من درجة العلم والعبادة ورأوا الزهد في الدنيا غاية كل عبادة ورأسها. وخواصهم رأوا هذا مقصودا لغيره، وأن المقصود به عكوف القلب على الله والاستغراق في محبته والإنابة إليه والتوكل عليه والاشتغال بمرضاته، فرأوا أفضل العبادات دوام ذكره بالقلب واللسان، ثم هؤلاء قسمان: فالعارفون إذا جاء الأمر والنهى بادروا إليه ولو فرّقهم وأذهب جمعهم، والمنحرفون منهم يقولون:
المقصود من القلب جميعته، فإذا جاء ما يفرقه عن الله لم يلتفتوا إليه، ويقولون:
يطالب بالأوراد من كان غافلا فكيف بقلب كل أوقاته ورد؟
ثم هؤلاء أيضا قسمان: منهم من يترك الواجبات والفرائض لجمعيته. ومنهم
[ ١٠٩ ]
من يقول بها ويترك السنن والنوافل ويعلم العلم النافع لجمعيته.
والحق أن الجمعية حظ القلب، وإجابة داعى الله حق الرب فمن آثر حق نفسه على حق ربه فليس من العبادة في شىء «١» .
الصنف الثالث: رأوا أن أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد فرأوه أفضل من النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالجاه والمال والنفع أفضل لقوله ﷺ: «الخلق عيال الله «٢» وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» «٣» . قالوا: وعمل العابد قاصر على نفسه، وعمل النفاع متعد إلى الغير، فأين أحدهما من الآخر، ولهذا كان «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» «٤»، وقد قال ﷺ لعلى: «لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» «٥»، وقال: «من دعا إلى
[ ١١٠ ]
هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» «١» .
وقال: «إن الله وملائكته يصلون على معلمى الناس الخير» «٢» وقال: «إن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر والنملة فى جحرها» «٣» .
قالوا: وصاحب العبادة إذا مات انقطع عمله، وصاحب النفع لا ينقطع عمله ما دام نفعه الذى تسبب فيه.
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا بالإحسان إلى الخلق وهدايتهم ونفعهم فى معاشهم ومعادهم لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع؛ ولهذا أنكر النبى ﷺ على أولئك «٤» النفر الذين هموا بالانقطاع والتعبد وترك مخالطة الناس، ورأى هؤلاء أن التفرغ لنفع الخلق أفضل من الجمعية على الله بدون ذلك، قالوا: ومن ذلك العلم والتعليم ونحو هذه الأمور الفاضلة.
الصنف الرابع: قالوا: أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب ﷾ واشتغال كل وقت بما هو مقتضى «٥» ذلك الوقت، ووظيفته، فأفضل العبادات في
[ ١١١ ]
وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار بل من ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن. والأفضل في وقت حضور الضيف:
القيام بحقه والاشتغال به. والأفضل في وقت السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن والذكر والدعاء. والأفضل في وقت الأذان: ترك ما هو فيه من الأوراد والاشتغال بإجابة المؤذن «١» . والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه والمبادرة إليها في أول الوقت والخروج إلى المسجد.
والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج: المبادرة إلى مساعدته بالجاه والمال والبدن.
والأفضل في السفر: مساعدة المحتاج وإعانة الرفقة وإيثار ذلك على الأوراد والخلوة.
والأفضل في وقت قراءة القرآن: جمعية القلب والهمة على تدبره والعزم على تنفيد أوامره أعظم من جمعية قلب من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.
والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر.
والأفضل في أيام عشر ذى الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير والتهليل والتحميد وهو أفضل من الجهاد غير المتعين. والأفضل في العشر الأواخر من رمضان: لزوم المساجد والخلوة فيها مع الاعتكاف، والإعراض عن مخالطة الناس والاشتغال بهم، حتى أنه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم «٢» وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء. والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته وحضور جنازته وتشييعه وتقديم ذلك على خلوتك وجميعتك.
والأفضل في وقت نزول النوازل وإيذاء الناس لك: أداء واجب الصبر مع
[ ١١٢ ]
خلطتك لهم، والمؤمن الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم أو إيذائهم أفضل من المؤمن الذى لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. وخلطتهم في الخير أفضل من عزلتهم فيه، وعزلتهم في الشر أفضل من خلطتهم فيه.
فإن علم أنه إذا خالطهم أزاله وقلله فخلطتهم خير من اعتزالهم، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف التى قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذى تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص ونزل عن عبادته فهو يعبد الله تعالى على وجه واحد.
وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى، إن رأيت العلماء رأيته معهم، وكذلك في الذاكرين والمتصدقين وأرباب الجمعية وعكوف القلب على الله، فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى الله في كل طريق والوافد عليه مع كل فريق. وأستحضر ههنا حديث أبى بكر الصديق ﵁ وقول النبى ﷺ بحضوره «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: هل منكم أحد أصبح اليوم صائما؟ قال أبو بكر:
أنا، قال: هل منكم أحد عاد مريضا؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: هل منكم أحد اتبع اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا «١» » الحديث. هذا الحديث روى من طريق عبد الغنى بن أبى عقيل: ثنا نعيم بن سالم عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في جماعة من أصحابه فقال: «من صام اليوم؟
فقال أبو بكر: أنا، قال: من تصدق اليوم؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من شهد اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: وجبت لك» «٢» يعنى الجنة. ونعيم بن سالم وإن تكلم فيه لكن تابعه سلمة
[ ١١٣ ]
ابن وردان «١» وله أصل «٢» صحيح من حديث مالك عن محمد بن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«من أنفق زوجين في سبيل الله نودى في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة نودى من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد نودى من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعى من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعى من باب الريان، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ما على من يدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة، فهل يدعى أحد من هذه الأبواب كلها، قال: نعم وأرجو أن تكون منهم» «٣» هكذا رواه عن مالك موصولا مسندا عن يحيى بن يحيى «٤» ومعن بن عيسى «٥» وعبد الله بن المبارك «٦» . ورواه يحيى بن بكير «٧» وعبد الله بن يوسف «٨» عن مالك عن ابن شهاب «٩» عن حميد «١٠» مرسلا.
[ ١١٤ ]
وليس هو عند القعنبى «١» لا مرسلا ولا مسندا. ومعنى قوله: «من أنفق زوجين» يعنى شيئين من نوع واحد نحو درهمين أو دينارين أو فرسين أو قمصين، وكذلك من صلى ركعتين أو مشى في سبيل الله تعالى خطوتين، أو صام يومين ونحو ذلك، وإنما أراد- والله أعلم- أقل التكرار وأقل وجوه المداومة على العمل من أعمال البر؛ لأن الاثنين أقل الجمع «٢»، فهذا كالغيث أين وقع نفع صحب الله بلا خلق، وصحب الخلق بلا نفس؛ إذا كان مع الله عزل الخلائق من البين، وتخلى عنهم، وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط وتخلى عنها، فما أغربه بين الناس وما أشد وحشته منهم! وما أعظم أنسه بالله وفرحه به وطمأنينته وسكونه إليه!.