أفرد له علي بن سعيد صاحب المغرب المتوفى سنة ٦٨٥ ترجمة خاصة (^١) قال فيها:
«أبو عامر بن غرسية (^٢) من عجائب دهره، وغرائب عصره، إن كان نصابه
_________________
(١) المغرب ٤: ٢٣٦ مخطوطة دار الكتب ٢٧١٢ تاريخ.
(٢) غرسية تعريب «جارسيا»: Garcia ومعناه في الأسبانية ذو الحيلة، أو الثعلب أو الماكر، كما ورد في معجم المجمع العلمي الأسبانى (Dicionario de la LinguaEspanola) وهو علم شائع في بلاد الأندلس تسمى به كثير من ملوكهم وأمرائهم وفرسانهم. وذكر ابن حزم في جمهرة الأنساب ٤٦٧ تحقيق پروفنسال: «غرسية» ملك البشاكسة الذي زفت إليه أورية بنت قسى، فولدت له «موسى بن غرسية». ومن أبرز علماء المشرقيات الأسبانيين المعاصرين صديقنا الأستاذ «إميليو جارسيا جوميز»: Emilio Garcia Gomez الأستاذ
[ ٢٣١ ]
في العجمية، فقد شهدت له رسالته المشهورة بالتمكن من أعنة العربية، وهو من أبناء نصارى البشكنس (^١)، سبى صغيرا وأدبه مجاهد مولاه، ملك الجزر ودانية.
وكان بينه وبين أبى جعفر بن الخراز صحبة أوجبت أن استدعاه من خدمة المعتصم ابن صمادح ملك المرية، ناقدا عليه ملازمة مدحه وتركه ملك بلاده».
ثم قال: ومن شعره:
إن أصلى كما علمت ولك … ن لساني أعز من سحبان
وأنا من خير الملوك بصدر … هل ترى بالقناة صدر السنان
ويحمل هذا النص:
١ - أن مولد أبى عامر كان ببلاد البشكنس. وبفهم ذلك أيضا من نصوص البلوى في كتابه ألف باء ١: ٣٥٠.
٢ - وأنه انتقل إلى دانية من أعمال بلنسية في سباء وقع عليه وهو صغير، حيث ربى في كنف أبى الجيش مجاهد العامري (^٢).
_________________
(١) بجامعة مدريد. ومما يجدر ذكره أن هناك عالما جليلا من علماء الأندلس يشترك مع أبي عامر في الكنية، وهو أبو المطرف عبد الرحمن بن أحمد بن سعيد بن محمد بن بشر بن غرسية القرطبي المالكي، ويعرف أيضا بمولى بنى فطيس، ولاه متولى قرطبة علي بن محمود الحسنى القضاء سنة ٤٠٧ وتوفى في شعبان سنة ٤٢٢ وله ثمان وخمسون. ذكره الذهبي في سير النبلاء (القسم الأول من الجزء ١١ مصورة دار الكتب رقم ١٢١٩٥ ح). قال الذهبي: «ولم يجيء بعده قاض مثله».
(٢) البشكنس أو البسك: Basgues ويسميهم المسعودي «الوشكنس» هم قوم يسكنون ما بين جنوب فرنسا والشمال الشرقي من أسبانيا مما يجاور خليج «بسكاى». ويتميزون عن جيرانهم بلغتهم غير الآرية، ولهم ميل إلى الأخذ بالخرافات والمحافظة على القديم، وهم ذوو حماسة وكبر وتمسك بالمعتقدات الدينية والمبادئ الأخلاقية، تبلغ عدتهم نحو ٦٠٠ ألف منهم ١٢٠ ألفا في الأقاليم الفرنسية. انظر المعلمة البريطانية، وكذا: Great encyclopedia of univeal Krsnowlages
(٣) هو أبو الجيش، الموفق مجاهد بن عبد اللّه العامري، مولى عبد الرحمن الناصر ابن المنصور محمد بن أبي عامر. نشأ بقرطبة، ولما جاءت الفتنة وتغلبت العساكر على النواحي بذهاب دولة بنى أبى عامر، قصد إلى الجزائر التي في شرق الأندلس فغلب عليها وحماها، ثم حاول الاستيلاء على سردانية فنجح ثم صدته الروم، ثم استولى على دانية وما يليها، وتوفى سنة ٤٣٦. جذوة المقتبس ٣٣١ - ٣٣٢ تحقيق محمد بن تاويت. وفي المغرب ٤: ٢٢٦: «وكان جليل القدر، له غزوات في النصارى في البحر -
[ ٢٣٢ ]
٣ - ويبدو أن أبا عامر كان له شأن عظيم في دولة مجاهد، الأمر الذي حمله على أن يستدعى صديقه أبا جعفر بن الخراز لينضم إليه في خدمة مولاه مجاهد. كما يفهم من نص لابن الأبار (^١) أنه كان لابن غرسية ولد سماه «أبا جعفر أحمد» كان له مؤدب خاص من بين العلماء، وهو «أبو العباس الجريري». قال: «وسكن دانية وكان بها يؤدب أبا جعفر أحمد بن أبي عامر بن غرسية الكاتب». فهذا دليل على أنه كان من خواص الدولة، ودليل أن عمله الرسمي كان الكتابة.
٤ - ويفهم أيضا من هذا النص ومن ترجمة مجاهد التي سقتها من قبل أن ابن غرسية وجد في كنف مجاهد مرعى صالحا لشعوبيته، إذ أن مجاهدا كان مولى من موالى الروم، وهم مظنة البعد عن العصبية العربية.
وفي ذلك يقول أبو يحيى بن مسعدة في أواخر رسالته:
أيا عبد عبدٍ ألا تستحي … ولا لك دون النهى زاجر
فهو يعيره بأنه مولى مولى.
بل يبدو أن «مجاهدا العامري» كان مأوى وملاذا للشعوبيين، فكما نشأ ابن غرسية في بلاطه، نجد عالما آخر لائذا بكنفه، وهو اللغوي ابن سيدة صاحب المخصص. جاء في سير النبلاء (^٢) في ترجمته: «كان شعوبيا يفضل العجم على العرب» ثم قال: «وكان منقطعا إلى الأمير مجاهد العامري».
٥ - وهو يحاول أن يجتذب صديقه أبا جعفر بن الخراز من كنف ملك عربى، هو المعتصم باللّه أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح التجيبى (^٣)، وكان المعتصم
_________________
(١) - مشهورة، ومن أعظم ما فتحه جزيرة سردانية الكبيرة، وكان محبا للعلماء محسنا لهم، كثير التولع بالمقرئين للكتاب العزيز حتى عرف بذلك في بلده، وقصد من كل مكان، وشكر في الأقطار بكل لسان، وقد أثنى عليه ابن حيان في كتاب المتين بهذا الشأن. وقد وفد عليه أفذاذ الشعراء كإدريس بن اليمان، وجلة العلماء كابن سيدة». ومما يجدر ذكره أن مجاهدا كان «رومى» الأصل. انظر المعجب للمراكشى ص ٤٨ طبع السعادة. وانظر أخبارا أخرى لمجاهد مع العلماء في جذوة المقتبس ١٧٢، ١٧٣، ٢٩٣
(٢) في المعجم ص ٢٩٩.
(٣) سير النبلاء ج ١١ القسم الثاني ص ١٨٠ مصورة دار الكتب.
(٤) انظر ترجمته في قلائد العقيان ٤٧، ووفيات الأعيان، والحلة السيراء ١٧٢. وكانت وفاته سنة ٤٨٤. وتجيب: بطن من كندة.
[ ٢٣٣ ]
ملكا على المرية، وهي مدينة كبيرة من كورة ألبيرة من أعمال الأندلس، وكانت هي وبجانة بابى الشرق.
٦ - وهو في ذلك يعتب عليه، لتركه مدح مجاهد واقتصاره على مدح ابن صمادح، كما يفهم من نص المغرب مقرونا إلى نص ابن بسام التالي.