لأبى جعفر أحمد بن الدودين البلنسى
[ ٣٠١ ]
رسالة ثالثة في الرد على ابن غرسية أجابه بها الأديب أبو جعفر أحمد بن الدودين (^١) اخسأ أيها الجهول المارق، والمرذول المنافق، أين أمك، ثكلتك أمك.
أو ما علمت أنك سحبت من عقالك لعقالك (^٢)، وقدمت أول قدمك، لسفك دمك، وبسطت مكفوف كفك، لسلطان حتفك، وقلمت شبا أقلامك، لاصطلامك، وحبرت بحبرك، لذهاب خبرك، ومشقت في قرطاسك، لشق رأسك، فما حقيقة جوابك، على خطل خطابك، إلا سلبك عن إهابك، وصلبك على بابك، ولو كان بالحضرة أقيال، وحضرك رجال؟! لكنك بين همج هامج، ورعاع مائج، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء». فاقسم ببارئ النسم، وناشر الأمم من رفات الرمم، لأصيرن عليك أيها السخيف، المضعوف، على نذالتك، وفسالتك، عرض البساط (^٣)، أضيق من سم الخياط، ولأخلدنك سمرًا غابرًا (^٤)، ومثلًا سائرًا، أو نشوه محياك، وتحلق [سبتا لك (^٥)] من قفاك، وتحتزم بزنّارك، وتلحق بأديارك. مالك، ومقرًا لك (^٦)، [و] أسرتك الأرذلين، وعترتك الأنزلين (^٧)، الصهب السبال، من ولغ الدم وشرّب
_________________
(١) انظر ما سبق في التقديم ص ٢٣٨. وفي الذخيرة: «فرد عليه أبو جعفر برقعة قال فيها».
(٢) عقل البعير: ثنى وظيفة مع ذراعه وشدهما جميعا في وسط الذراع، وذلك الحبل هو العقال. والعقال، كرمان: ظلع في قوائم الدابة. في الذخيرة: «إنما سمحت».
(٣) البساط، بالفتح: الأرض الواسعة.
(٤) الغابر: الباقي.
(٥) التكملة من الذخيرة. وفي أصلها: «سبالك». والسبت: الحلق.
(٦) المقر: دق العنق.
(٧) في الذخيرة: «الأنذلين».
[ ٣٠٢ ]
الأبوال، أكلة الجيف، وحللة الكنف (^١)، و«الوضح، الرجح» رجح الأكفال، وضح كذوات الأحجال، فلله أبوك لقد أجدت في قومك الوصف، وبسطت لنا منهم النصف، وأنا الآن أنصف، وفقارك أقصف. «علم، حلم» ء بالتداوي من القرم، ومنافع القلم، حلم عن كلّ مجاوز الحلم. «جمح طمح» الآن صدقت، وغلطك استدركت، جمح في الإحجام، عن الإقدام، طلب الفرار، يوم الانتصار وإدراك الثأر، طمح إلى كل رموح طموح، يطول الشبر، ويطيل الشبر، معلف، مغلف (^٢)، ذي خلق مرصوص، وهامةٍ كالفصوص (^٣).
إياك ولعابك، أن يمحو كتابك.
«حماة السروح نماة الصروح (^٤)»، النصفة، يا كشاجم لا الأنفة (^٥)، غض قليلًا من طرفك، وأمسك عنان طرفك، ولنتحاكم في ذلك إلى ظرفك، هل يصحّ في التحصيل، أو يجوز في العقول، أن يحمى قومك سروح شائهم، وقد أباحوا فروج نسائهم، أليس هذا عين المحال، ومغالطة الجهّال. فهلّا توهّمت يا فتى الجواب، قبل الخطاب، وأبصرت الورطة، قبل السقطة.
وأما ما قعقعت به ووعوعت، من صواحب الرايات، فهن وأبيك بعض بنات ربّة الإياة (^٦)، إمائنا المسبيات الممتهنات، ملكتناهن ظبا البيض الهندية، وشبا السمر الردينية، فما عجنا بهن عما عودتموهن من البغاء، للاسترضاء،
_________________
(١) حللة: جمع حال. انظر ما سبق في ص ٢٤٦. والكنف: جمع كنيف، وهو كل ما ستر من بناء أو حظيرة.
(٢) المعلف: المسمن. وهذه الكلمة ليست في الأصل، وبدلها في الذخيرة «معلب». المغلف: ذو الغلاف، والمراد به الغلفة، وهي الهنة تقطع عند الختان. وبدله في الذخيرة: «ملغب».
(٣) الفصوص من الفرس: مفاصل الركبتين والأرساع.
(٤) في الأصل: «بناة الصروح» ووجهه من الذخيرة مطابق لما مر في ص ٢٤٧.
(٥) انظر لكشاجم ما سبق في ص ٢٧١.
(٦) انظر ما مضى في ص ٢٤٩.
[ ٣٠٣ ]
فيكثر معشر العربان، من ولد سارتكم الإموان والعبدان (^١)، وفيك من ذلك أصح دليل وأوضح برهان. فهلا يا فتى ثقفت، ودون هذا الفصل وقفت.
«بُصر صبر»، بصر بتركيب عصب أنابيب السرر، ومنافعها بزعمهم للجسم والبصر! صبر على إيغال، الغراميل الطوال.
«سرجٌ، وهجٌ» سرج المضاجع، لا يطفأ وهجان ذلك السعر، إلا بدافق ماء الكمر.
«ملس الأدم، ما حاكوا قطّ برودا، ولا لاكوا عرودا». هذا وأبيك من التعريض الرقيق في مقالك، وآلك، وذلك أنك وصفتهم بإملاس الجلود، وقفيت بنفي لوك العرود، وإيجاب ذلك، لا يليق إلا ببالك (^٢). فهذا لعمرك من بديع التحقيق، فافخر فهاتان صفتان سلمتا لكم. وأما لوك العرود فإن ذلك أوضح (^٣) من السراج الوهاج، في الليل الداج (^٤). قد تحدث (^٥) أن ولدانكم عطلوا في وقت سوق نسائكم، فنمى ذلك إلى مليككم (^٦)، فحكم، أكرم به من حكم (^٧)، أن يبيح النسوان، من أنفسهن ما أباح الولدان، وامتثلن ذلك فاتسقت الحالان ونفقت السوقان، وما سمع في الأزمان، بأغرب من هذا الشان، فاشمخ بأنفك، وافخر بنصفك (^٨).
_________________
(١) الإموان بكسر الهمزة وضمها: جمع أمة، وهي المرأة المملوكة.
(٢) في الأصل: «ألا يليق إلا ببالك».
(٣) هذا ما في الذخيرة. وفي الأصل: «فأوضح».
(٤) الداجى: المظلم.
(٥) الذخيرة: «قال المحدث».
(٦) نمى: رفع وبلغ. يقال نموت الحديث أنموه وأنميه. وفي الأصل: «فنهى» تحريف، صوابه من الذخيرة. وإنما يقال منه أنهيت إليه الخير فانتهى وتناهى.
(٧) الذخيرة: «من محكم».
(٨) النصف: الإنصاف. الذخيرة: «ببضعك».
[ ٣٠٤ ]
وأما حوككم البرود، فناهيك من الغفارة الإفرنجية (^١) إلى الديباجة الرومية، والنسبتان، بذلك تشهدان.
وأما فخرك بربّة الإياة فيا ليتها حين ولدتكم ثكلتكم، فلقد سربلتموها عارا مجدّدا، وعصبتم بها شنارا مخلدًا، حين خمتم عن الكفاح، حذر الصوارم والرماح، فأسلمتم لعداتها، من بناتها، كل طفلة رداح (^٢)، جائلة الوشاح، ذات ثغر كالأقاح، وغرة كالصباح، أعجلن عن لوث أزرهن، واعتجار خمرهن، فعوضن من الإدلال بالإذلال، ومن الحجال بالرجال:
خلف العضاريط لا يوقين فاحشة … مستمسكات بأقتاب وأكوار (^٣)
وعيرت العرب بالاغتذاء بالحيات، لتعذيكم بالدماء والميتات، فيمتاز الضد، ويقع الحد، بين من تناهت جرأته، وماتت همته. على أن لا افتخار في مشرب ولا مطعم، لعرب ولا لعجم. وكذلك ما عيرتهم به من حرق الجلة والبعر، غروا بإضرام النيران، لإكرام الضيفان، وإطعام المقرور الجوعان، إلى أن عدموا الأرطى والغضى، وموجود السّمر، وسائر أنواع الشّجر، فلجئوا إلى الجلة والبعر.
وكذلك وصفك قومك بأن «ليسوا حفرة أكر، ولا حفزة عكر»، اللّه أجلّ الأكر أن يحفروها، والعكر أن يحفزوها، لكنهم حفزة جحشان وحفرة كهوف وغيران، اتخذوها مخبأ عن قبائل العربان (^٤)، وملجأ من وقع
_________________
(١) الغفارة: مثل القلنسوة يلقيها الرجل على رأسه فتبلغ الدرع ثم يلبس البيضة فوقها، وربما جعلت من ديباج وخز أسفل البيضة. والإفرنجة، قال ياقوت: «هم في شمالي الأندلس نحو الشرق إلى رومية». وانظر الفهرست ٣٠، ٣٤ ومروج الذهب ٢: ٣٤ والقاموس.
(٢) الطفلة، بالفتح: المرأة الرخصة الناعمة. والرداح: العجزاء الثقيلة الأوراك التامة الخلق.
(٣) للنابغة الذبياني في ديوانه ٤٢. العضاريط: الأتباع والأجراء.
(٤) الذخيرة: «عن حبائل».
[ ٣٠٥ ]
الصوارم والمران، فعل الخزان واليرابيع والجرذان (^١).
وأما فخرك بعلمهم الشرائع، فمن أبدع البدائع، «استنت الفصال حتى القرعى (^٢)»، وجهلهم بذلك أوضح، من أن يشرح، وأبين، من أن يبين، لكن أنكت من ذلك نكتة، وأنبذ منه نبذة، تصفعهم صفعًا، [و] ترد صهب أدمهم سفعًا. وأن يكون ذلك، هبلت لآلك، ولم يأخذوه عن نبي، ولا نقلوه عن حواري، ولم يزالوا يتعاورون أصلهم الإنجيل بالزيادة والنقصان، إلى أن أصاروه في حيز الهذيان. وحسبك بهم جهلًا أنهم يعتقدون إلهًا نبيهم، يسمونه بالرب المعبود، وصيروه بعد مصلوب اليهود، فأعجب بجهل يجمع بين هذين، الطرفين، وأعجب من ذلك أنهم يجمعون (^٣) أن عيسى ينزل إلى الأرض، لحساب الخلائق يوم العرض، فما ظنك يفعل باليهودية (^٤) على ما قدموه على زعيمهم من صلبه، فهل يصح بهذه الآراء الضعيفة، والعقول السخيفة، دين، أو يثبت لهم معه يقين. ولولا أني أجل قلمي، وأنزه كلمي، عن سخافاتهم، في دياناتهم، وبرسامهم، في أحكامهم، لأوردت من ذلك ما لا يستجيزه إلا مثل قومك العجم، عقول البوم والرخم.
وأما علم الطبائع فسلم بعضها لهم، لما تقدم في أثناء الرسالة، من علمهم بخواصّ تلك الآلة، والصدق أزين ما به نطق، وإليه سبق.
وما ذكرته من أبي رغال، فذلك جد محتال، إنه غدا (^٥) علمًا منه باستئصالهم
_________________
(١) الخزان: جمع خزر بضم ففتح، وهو ولد الأرنب.
(٢) استنت: جرت في نشاط. والقرعى: التي أصابها القرع، وهو بئر. يضرب مثلا للرجل يدخل نفسه في قوم ليس منهم.
(٣) الذخيرة: «مجمعون».
(٤) في الأصل: «بفعل اليهودية»، صوابه من الذخيرة.
(٥) بدله في الذخيرة: «بأدواء عداه».
[ ٣٠٦ ]
عن اختيارهم إلى بوارهم، فعجل الله بأرواحهم إلى نارهم.
وقضية أبي غبشان التي عظمت، ليس الأمر كما توهمت، لأن الكعبة بيت الله لا شريك له وضعه تعالى للعباد، وسوّى بين العاكف فيه والباد، وأبو عبشان إنما باع خدمته في البيت. وهبها قضية سفينها الغوى (^١)، أين تقع في قضية إمامكم يهوذا الحواريّ، إذ باع نبيه روح القدس، من أعوانه بالأفلس (^٢)، فكذّب الله ظنه، وأنجى نبيه، فدونك ضع قضية سفيهنا في كفة وفي أخرى قضية إمامك، ورجح بينهما بفض ختامك.
وأما وصفك قومك أنهم «مجد، نجد، شمخ، بذخ، عرق، غرق، فهيهات ذلك منهم، تلك صفات قومنا العرب ذوي الأنساب، والأحساب، والعلوم، والحلوم، أولى اللسن، والبيان واللحن (^٣)، والإسهاب، في الصواب، والحكمة وفصل الخطاب، فرسان الإعراب، وأرباب القباب، ومعملي الصوارم والحراب، أنديتهم عراص المنية (^٤)، وأرديتهم بيض المشرفية، ولبوسهم مضاعفة الماذية (^٥).
سهكين من صدإ الحديد كأنهم … تحت السنور جنة البقار (^٦)
مجالسهم السروج، وريحانهم الوشيج، وموسيقاهم رنّات الرّدينيّات،
_________________
(١) الذخيرة: «وصمة سفيهنا العربي».
(٢) كان لقاء ثلاثين من الفضة. متى ٢٦: ١٥. وقد ندم بعد ذلك ورد الثلاثين ثم مضى وخنق نفسه ٢٧: ٢ - ٥.
(٣) اللحن، بالتحريك: الفطنة.
(٤) عراص: جمع عرصة، وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
(٥) الماذية: السهلة اللينة. والمضاعفة: الدروع التي نسجت حلقتين حلقتين.
(٦) للنابغة في ديوانه ٣٥ والحيوان (٦: ١٨٩، ٤٩٥). البقار: موضع كثير الجن.
[ ٣٠٧ ]
وطوبيقاهم السريجيات (^١)، لم تكن قادتهم النساء، ولا رادتهم في آجالهم النساء (^٢).
يستعذبون مناياهم كأنهم … لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا (^٣)
عنوا بمد أطناب الأبنية، عزة وأنفة عن تشييد الأبنية، محالفى الصحاصح والبيد، فعل الأساود والأسود، قصورهم المناهل، ومعاقلهم الذوابل، صبرٌ، وقرُ، إذا ثار الغبار، واسود النهار، وحسن الفرار، وذهلت الأذهان، وأبهم العيان (^٤)، وتلجلج اللسان، وتلاطمت السيوف، وحميت الحتوف، وقلصت الشّفاه، وعصت الريق [بالأفواه (^٥)]، وتعانق الشجعان، وتشاجر المران، وبرم الحمام، وفل الحسام، وحمي الوطيس، والتقت الأقدام والرؤوس، فلا ترى إلا حزّ الغلاصم، وشيم الصماصم في الجماجم (^٦) فهناك تلقاهم، لا دهمك لقاهم، أقيال الأقيال، شمرة الأذيال، أسود الأغيال، حماة الأشبال، لا ملس أدم ولا جررة الأذيال، وهكذا فليكن أقيال الرجال، يا مسلوب الحجال (^٧).
كتب القتل والقتال علينا … وعلى الغانيات جر الذيول (^٨)
وما كان أغناك يا كشاجم، عن كشف عورات آلك الأعاجم، لكن ضعف نظرك، حداك إلى هذرك، وسوء أدبك، وافي بك على عطبك، نسأل الله سترًا يمتدّ، ووجها لا يسودّ.
_________________
(١) الطوبيقى، سبقت في ٢٥١، ٢٧٦ بلفظ «بوطيقى». والسريجيات: سيوف منسوبة إلى قين معروف.
(٢) رادة: جمع رائد. والنساء، بالفتح: تأخير أداء الدين إلى أجل.
(٣) لأبى تمام من قصيدة يمدح فيها المعتصم. ديوانه ٢٢٩.
(٤) الذخيرة: «وأبهم».
(٥) التكملة من الذخيرة.
(٦) شام السيف: أغمده. والصماصم: جمع صمصام، وهو السيف القاطع.
(٧) الحجال: جمع حجلة، وهي بيت كالقبة يستر بالثياب يكون له أزرار كبار. عنى أنه مهتوك الستر.
(٨) لعمر بن أبي ربيعة في عيون الأخبار (٢: ٤٩) والأغانى (٨: ١٣٣) وزهر الآداب (٣: ٧٦).
[ ٣٠٨ ]