رسالة ابن غرسية
[ ٢٤٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم رسالة خاطب بها أبو عامر بن غرسية أبا عبد الله بن الحداد (^١) يعاتبه فيها ويفضل العجم على العرب، وكتب بها من لارة
سلام عليك ذا الروى، المروى، الموقوف قريضه على حللة بجانة (^٢) أرش اليمن (^٣)، بزهيد الثمن، كأن ما في الأرض إنسان، إلا من غسّان، أو من آل ذي حسان. وإن كان القوم أقنوك، وعن العالم أغنوك، على حسب المذكور، فما هذا الإعمال للكور، وترك الوكور. وقل ما تأخذ الشعرة (^٤) في الرحيل، إلا عن الربع المحيل! ولو أن القوم خلطوك بالآل، لما أحوجك إلى الخبط في الآل (^٥). مه مه، من أحوجك إلى ركوب المهمة، وثقف (^٦)، وودك لا تقف، على من اضطرك إلى الإيغال، وباعك بيع المسامح بك لا المغال، وعوضك من الأندية (^٧)، بجوب الأودية، ومن المآلف، بقطع المتالف، وحملك على مخالفة الحصان، ومحالفة الحصان، ووكلك بمسح الأرض، ذات الطول والعرض، فإذا يمّمت تبالة، تباله (^٨)، وصرت ضغثا على إبالة، تتعلل باليمين، ضنا بالعلق الثّمين
_________________
(١) كذا في نسخة الأصل. والصواب أنه «أبو جعفر بن الخراز». انظر ما سبق في ص ٢٣٤ - ٢٣٦ من التقديم.
(٢) حللة: جمع حال بمعنى نازل في المكان. وبجانة، قال ياقوت: مدينة بالأندلس من أعمال كورة ألبيرة، خربت، وقد انتقل أهلها إلى المرية، وبينها وبين المرية فرسخان.
(٣) أصل معنى الأرش العيب في السلعة.
(٤) جمع شاعر. ولابن غرسية ولوع بهذه الصيغة من الجموع.
(٥) الآل الأولى بمعنى الأهل، وهذه بمعنى السراب.
(٦) يقال ثقف، إذا صار حاذقا فطنا. انظر ما سيأتي في ٤٤ ب.
(٧) الأندية: جمع الندى، وهو مجلس القوم يجتمعون فيه. الخريدة: «من قطع الأندية».
(٨) تبالة: بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن. وتباله: تصنع البلاهة.
[ ٢٤٦ ]
أحسبك (^١) أزريت، وبهذا الجيل البجيل ازدريت، وما دريت، أنهم الصهب الشهب، ليسوا بعرب، ذوي أينق جرب، أساورة، أكاسرة، مجد، نجد، بهم (^٢)، لا رعاة شويهات ولا بهم (^٣)، شغلوا بالماذى والمران، عن رعي البعران، وبجلب العز، عن حلب المعز، جبابرة، قياصرة، ذوو المغافر والدروع، للتنفيس عن روع المروع، حماة السروح، نماة الصروح (^٤)، صقورة، غلبت عليهم شقورة (^٥)، وشقورة الخرصان، لكنهم خطبة بالخرصان (^٦).
ما ضرَّهم أن شهدوا مجادا (^٧) … أو كافحوا يومَ الوغى الأندادا
ألاَّ يكون لونهم سوادا
أرومة روميّة، وجرثومة أصفريّة (^٨).
فمتهم ذوو الأحساب والمجد والعلى … من الصُّهب لا راعو غضًا وأفانِ (^٩)
من القدم، الماس الأدم، لم تعرق فيهم الأقباط، ولا الأنباط، حسب حري، ونسب سري، أمكم لأمنا كانت أمة، إن تنكروا ذلك تلفوا ظلمة، ولا تهابل (^١٠)، في التكايل، فما سسنا قط قرودا، ولا حكنا برودا (^١١)،
_________________
(١) في الأصل: «أأحسبك»، صوابه في الخريدة.
(٢) بضم ففتح، جمع بهمة بالضم، وهو الفارس لا يدرى من أين يؤتى، لشدة بأسه.
(٣) البهم، بالتحريك، وبالفتح أيضا: جمع بهمة، وهي الصغير من أولاد الغنم.
(٤) السروح: جمع سرح، وهو المال يسام في المرعى. والصروح: القصور.
(٥) عنى بالشقورة الشقرة، وهي الحمرة. أي حمرتهم كحمرة الأسنة تعلوها الدماء.
(٦) الخرصان: جمع خرص، وهو سنان الرمح، وهو الرمح أيضا. عنى أنهم يخطبون النساء وينكحونهن بالحروب. ومثله قول الفرزدق في ديوانه ٧٣٧: وبنت كرام قد نكحنا ولم يكن … لنا خاطب إلا السنان وعامله
(٧) المجاد: مصدر ماجدة، إذا عارضه بالمجد.
(٨) يقال للروم بنو الأصفر. انظر نهاية الأرب ٢: ٣٢٢. وقد أورد ابن خلكان في ترجمة ياقوت بن عبد اللّه الرومي تعليلا خرافيا لتسمية الروم ببنى الأصفر.
(٩) الأفانى: جمع أفنية، وهو ما يسمى «عنب الذئب».
(١٠) هال الدقيق ونحوه: صبه من غير كيل.
(١١) الحوك: النسج. والبرود: جمع برد، وهو ثوب فيه خطوط.
[ ٢٤٧ ]
ولا لكنا عرودا (^١)، فلا تهاجر، بني هاجر، أنتم أرقاؤنا وعبدتنا، وعتقاؤنا وحفدتنا (^٢)، مننا عليكم بالعتق، وأخرجناكم من ربق الرق (^٣)، وألحقناكم بالأحرار، فغمطتم النعمة، فصفعناكم صفعا، يشارك سفعا (^٤) اضطركم إلى سكنى الحجاز، وألجأكم إلى ذات المجاز. رزن، رصن.
جمالَ ذي الأرضِ كانوا في الحياة وهمْ … بعد المماتِ جمال الكتب والسِّيرِ (^٥)
إذا قامت الحرب على ساق، وأخذت في اتساق، وقرعت الظنابيب، وأشرعت الأنابيب، وقلصت الشفاه، وفغر الهدان فاه (^٦)، وولي قفاه، ألفيتهم ذمرة الناس (^٧)، عند احمرار الباس، الطعن بالأسل، أحلى عندهم من العسل.
مستسلمين إلى الحتوف كأنما … بينَ الحتوف وبينهم أرحامُ (^٨)
من أمنياتهم، حلول ميتاتهم، لهم على القدمة اليدان (^٩)، على التنائي والتدان.
من الألي غيرَ زجرِ الخيل ما عرفوا … إذ تعرفُ العرب زجرَ الشَّاء والعكرِ (^١٠)
بصر، صبر، تزدان بهم المحافل، والجحافل، قيول على خيول، كأنها فيول، كواكب، المواكب، نجوم، الرجوم، من العجم، ضراغمة الأجم، بنو غاب،
_________________
(١) اللوك: المضغ. والعرود: جمع عرد وهو الشديد الصلب من كل شيء. انظر هذه الكناية في ٤٤ ا من الأصل.
(٢) الحفدة: الأعوان والخدمة، واحدهم حافد.
(٣) إشارة إلى أن هاجر كانت جارية سارة ثم عتقت وتزوجها إبراهيم.
(٤) السفع: اللطم.
(٥) البيت لأبى العلاء المعرى. شروح سقط الزند ١٤١.
(٦) الهدان، بالكسر: الوخم الثقيل في الحرب.
(٧) ذمرة: جمع ذامر، وهو الذي يذمر القوم، أي يحضهم ويحثهم.
(٨) البيت لأبى تمام في ديوانه ص ٢٨١.
(٩) القدمة: الاسم من الإقدام. قال: تراه على الخيل ذا قدمة … إذا سربل الدم أكفاها
(١٠) لأبى العلاء المعرى. شروح سقط الزند ١٤٠. وقد غير إنشاد البيت ليتساوق مع الكلام. وإنما أوله: «يا ابن الألى»، والعكر: القطعة من الإبل ما بين الخمسين إلى المائة.
[ ٢٤٨ ]
المنتفون من كل عاب، لم تلدهم صواحب الرايات (^١)، بل تبجحت عليهم سارة الجمال ربة الإياة (^٢)، شمخ، بذخ، بررة أقيال، جررة أذيال. بخ بخ، أحلتهم سيوفهم سطة الأرضين، فما قنعوا بذلك ولا رضين، حتى دوخوا المشارق والمغارب، واستوطنوا من المجد الذروة والغارب.
بضربٍ يزيل الهام عن سكناته … وطعن كتشهاق العفا همّ بالنّهق (^٣)
شرهوا برنّات السّيوف، لا بربّات الشنوف، وبركوب السروج، عن الكلب والفروج، وبالنفير، عن النقير (^٤)، وبالجنائب، عن الحبائب، وبالخب عن الخب (^٥). وبالشليل، عن السليل (^٦) وبالأمر والذمر (^٧)، عن معاقرة الخمر والزمر، وباللقيان، عن العقيان (^٨)، وعن قنيان القيان، طياتهم، خطياتهم (^٩)، وغلاتهم، آلاتهم، وحصونهم، حصنهم، أقيال، آباؤهم من بين الأنام أقتال (^١٠)
أولئك قومي إن بنوا شيدوا البنى … وإن حاربوا جدُّوا وإن عقدوا شدُّوا
وضح، رجح، لا حفزة عكر (^١١)، ولا حذرة أكر (^١٢)، ملوك جلّة، لا محرقو
_________________
(١) كانت البغايا في الجاهلية يجعلن على بيوتهن رايات ليعرفن بها. تفسير الطبري (١٨: ٥٧).
(٢) سارة: زوج إبراهيم، وكان اسمها «ساراي» ثم غير إلى «سارة» ومعناه رئيسة. انظر سفر التكوين إصحاح ١٧ - ١٨ وهي بالراء المخففة. ولا عبرة بما ورد في اللسان (هجر، سقم) من ضبطهما بالراء المشددة. والإياة، أصلها ضوء الشمس وحسنها. وفي فتح الباري (٦: ٢٧٩) أن يوسف أعطى شطر الحسن، وسارة شطره الآخر.
(٣) البيت لأبى الطمحان حنظلة بن شرقي. اللسان (سكن، عفا).
(٤) النفير: القوم ينفرون للقتال. والنقير: النكتة في ظهر النواة.
(٥) الخب، بالفتح: مصدر خب خبا، وهو ضرب من العدو. والخب، بالكسر: الخداع.
(٦) الشليل: الدرع. والسليل: سنام البعير.
(٧) الذمر: الحض والحث.
(٨) اللقيان: لقاء الأبطال. والعقيان: الذهب.
(٩) الطية: الحاجة والوطر. والخطيات: الرماح المجتلبة من الخط بالبحرين.
(١٠) جمع قتل بالكسر، وهو المثل والقرن، والمقاتل.
(١١) حفزة: جمع حافز، والمراد به السائق. والعكر، سبق تفسيره.
(١٢) الأكر: الحفر في الأرض، جمع أكرة.
[ ٢٤٩ ]
جلة، ندس، غنوا بالإستبرق والسندس، عن البت، المقيظ المشت، المجموع من النعيجات الست (^١) بسل، لا حراس مسل (^٢)، ولا غراس فسل، ملك لقاح (^٣)، ليس منهم في ورد ولا صدر شراب در اللقاح، بل شرابهم النبيذ، وطعامهم الحنيذ، لا زهيد الهبيد (^٤)، في البيد، ولا مكون (^٥)، الوكون، ولا منهم من احتشى، بمذموم الكشى (^٦)، ولا في سائر الأحفاش (^٧) من وليد وناش، من اغتذى بالأحناش، فلا يقعقع لهم بالشنان (^٨)، ولا يوعوع لهم بالشنآن (^٩)، فكف أيها الشان (^١٠) فلهم عظيم الشان، واليد الطولى إذ تخلصوكم من أكف الحبشان، صنيع، منيع، ومنّة، لا يشوبها منّة، فيا لها منحة، لكنها أعقبت محنة، إذ صادفت كفرة، لا شكرة. إيها، إذ تأبطتم تيها، معشر البداة، العداة. اعتقدتم غلا، فاستثرتم صلا (^١١). أما علمتم أن الدولة النوشروانية، والمملكة الأردشيرية بقروا أجوافكم، وخلعوا أكتافكم، ثم عطفوا، ورأفوا، وملكوكم الحيرة، بعد الحيرة. قللا، ذللا، تتخيرون البنات، عند البيات، مبهورات، لا ممهورات فبرم من ذلك غسانكم ونعمانكم، وكان برمه سببا لدرء أمانكم، فأصبح بعد جرّ
_________________
(١) يلمح قول الراجز: من يك ذا بت فهذا بتي … مقيظ مصيف مشتى تخذته من نعجات ست … سود سمان من نعاج الدست
(٢) المسل: جمع المسيل، وهو الجريد الرطب.
(٣) اللقاح: الحي الذين لم يدينوا للملوك. عنى أنهم يخضعون من لم يخضع.
(٤) الهبيد: حب الحنظل.
(٥) المكون: جمع مكن، وهو بيض الضب.
(٦) جمع كشية، وهي شحمة بطن الضب.
(٧) جمع حفش، بالكسر، وهو الصغير من بيوت الأعراب.
(٨) الشنان: جمع شن، وهي القربة الخلق الصغيرة.
(٩) في الخريدة: «ولا يزعزع له باللسان».
(١٠) أي الشانئ، وهو المبغض.
(١١) الصل: الحية القاتلة.
[ ٢٥٠ ]
الذيول، مدوسا بأخفاف الفيول (^١). والكرام بنو الأصفر، الأطهر الأظهر، عطفتهم عليكم الرحم الإبراهيمية، والعمومة الإسماعيلية، فسمحوا لكم من الشام بأقصى مكان بعد ما كان، من سيل العرم ما كان، يؤدي نعمانكم، وغسانكم، لقروم الأعاجم، الإتاوة على الجماجم.
هذي المكارمُ لا قعبانِ من لبنٍ … شيبا بماءِ فعادا بعدُ أبوالا (^٢)
مهلا بني الإماء، عن الغمز والإماء، فنحن عرق، غرق، في الأنساب الصميمة، والأحساب العميمة، فمن يهولنا أو يروعنا، وقد رسخت في المجد أصولنا وفروعنا، ومن يطولنا، وكل الورى قد شمله فضلنا وطولنا.
شرفٌ ينطح النُّجوم بروقي … هِـ وعزٌّ يقلقلُ الأجبالا (^٣)
حلم، علم، ذوو الآراء الفلسفية الأرضية، والعلوم المنطقية الرياضية. كحملة الأسترلوميقي (^٤) والموسيقي، والعلمة بالأرتماطيقي والجومطريقي، والقومة بالألوطيقي والبوطيقي (^٥)، [والنهضة بعلوم الشرائع، والطبائع، والمهرة في علوم الأديان، والأبدان.
_________________
(١) كان كسرى طلب إلى النعمان بن المنذر أن يزوجه إحدى بناته، فأبى النعمان ذلك كبرا، وأخفى بناته وأمواله في أحياء العرب، وعلم بذلك كسرى فاستزار النعمان، وعاقبه بطرحه تحت أقدام الفيلة. انظر الأغانى (٢: ٢٨ - ٢٩). وفي ذلك يقول الأعشى: فذاك وما أنجى من الموت ربه … بساباط حتى مات وهو محزرق
(٢) لأمية بن أبي الصلت. الشعراء ٤٣٣.
(٣) البيت للمتنبى في مدح سيف الدولة. ديوانه (٢: ١٠٤) بشرح العكبري.
(٤) يراد بها علم النجوم. وعند الخوارزمي في مفاتيح العلوم ٨٠ «أسطر نوميا».
(٥) الأرتماطيقى: علم العدد والحساب. انظر ابن خلدون ٤٢. والجومطريقى عند الخوارزمي ١١٧ وابن النديم ٣٧١ «الجو مطريا». ابن النديم: «إقليدس صاحب جو مطريا ومعناه الهندسة». الخوارزمي: «وهي صناعة المساحة، وأما الهندسة فكلمة فارسية معربة، وفي الفارسية اندازه، أي المقادير. وفي مروج الذهب (١: ٣٢١): والجومطريقى وهو علم المساحة والهندسة». وأما الألوطيقى فقد تكون محرفة عن «أبوطيقا» ومعناه الشعر. إخبار العلماء للقفطى ٢٨. أو «أنولوطيقا» ومعناه تحليل القياس، والبرهان. وفي مفاتيح العلوم ٨٩ أونولوطيقا معناه العكس. وأما «البوطيقى» فهي في الأصل «البرطيقى» محرفة. وفي مفاتيح العلوم ٩٢ بيوطيقى ومعناه الشعر، يتكلم فيه على التخييل، ومعنى التخييل إنهاض نفس السامع إلى طلب الشئ، أو الهرب منه وإن لم يصدق».
[ ٢٥١ ]
همُ ملكوا شرقَ البلاد وغربها … وهم منحوكم بعد ذلك سؤددا (^١)]
ما شئت من تدقيق، وتحقيق، حبسوا أنفسهم على العلوم البدنية والدينية، لا على وصف الناقة الفدنية (^٢)، فعلهم ليس بالسفساف، كفعل نائلة وإساف (^٣) أصغر بشأنكم، إذ بزق خمر باع الكعبة أبو غبشانكم (^٤)، وإذ أبو رغالكم، قاد فيل الحبشة إلى حرم اللّه لاستئصالكم (^٥). [غضوا الأبصار، فهذا الذكر إلى الفحش أصار (^٦)].
أزيدك أم كفاك وذاك أني … رأيتك في انتحالك كنت أحمقْ
فلا فخر معشر العربان، الغربان، بالقديم، المفري للأديم (^٧)، لكن الفخر بابن عمنا، الذي بالبركة عمنا، الإبراهيمي النسب، الإسماعيلي الحسب، الذي انتشلنا (^٨) الله تعالى به وإياكم من العماية، والغواية. أما نحن فمن أهل التثليث وعبادة الصلبان، وأنتم من أهل الدين المليث وعبادة الأوثان (^٩)، ولا غرو أن
_________________
(١) التكملة من الذخيرة.
(٢) الفدنية: المشبهة في علوها بالفدن، وهو القصر المشيد.
(٣) يزعمون أن إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهل، فجرا في الكعبة فمسخا حجرين ثم عبدتهما قريش. شروح سقط الزند ١٣١٥.
(٤) يذكرون أن أبا غبشان كان يلي أمر البيت، فاتفق أن اجتمع مع قصى بن كلاب في شرب بالطائف، فخدعه قصى عن مفاتيح الكعبة بأن أسكره، ثم اشترى المفاتيح منه بزق خمر وأشهد عليه، ودفع المفاتيح في يد ابنه عبد الدار بن قصي وطيره إلى مكة، فلما أشرف عليها قال رافعا عقيرته: معاشر قريش هذه مفاتيح أبيكم إسماعيل قد ردها اللّه عليكم! وأفاق أبو غبشان من سكره أشد ندامة من الكسعى. شروح سقط الزند ١٩٨٢.
(٥) كان أبرهة عامل النجاشي على اليمن قد عزم أن يهدم البيت، ومر في طريقه على ثقيف بالطائف، فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة. السيرة ٣١ - ٣٢.
(٦) التكملة من الذخيرة.
(٧) الذخيرة: «فعلى فرى الأديم».
(٨) في الأصل: انتشانا»، تحريف.
(٩) المليث من الملث، وهو أن يعد الرجل الرجل عدة لا يريد أن يفي بها.
[ ٢٥٢ ]
كان منكم حبره وسبره، ففي الرّغام يلفى تبره، والمسك بعض دم الغزال، والنطاف العذاب مستودعات بمسك العزال (^١)
لله مما قد برا صفوة … وصفوة الخلق بنو هاشم (^٢)
وصفوة الصفوة من بينهم … محمد النور أبو القاسم (^٣)
بهذا النبي الأمي، أفاخر من تفخر، وأكاثر من تقدم وتأخر، الشريف السلفين، والكريم الطرفين، الملتقي بالرسالة، والمنتقي للأداء والدلالة، أصلى عليه عدد الرمل، ومدد النمل، وكذلك أصلي على واصل جناحه، سيوفه ورماحه أصحابه الكرام، عليهم من اللّه أفضل السلام.
يا بن الأعاربِ ما علينا باسُ … لم أحكِ إلا ما حكاه الناسُ
هذا.
ولم أشتمْ لكم عرضا ولكن … حدوث بحيثُ يستمع الحداءُ
ثم أحج بشاعر غسان، لا ساسان، في هذا العيد، بالوعيد، وأحر في هذا الفصل، بعدم الوصل. لقد غم آخرك، لكن بالرغم أخرك، إذ أضربت عن مديح، علقنا الربيح، معز الدولة شهمنا الرئيس، وسهمنا النفيس، قيل الأمم (^٤)، وسيل الأمم (^٥)، معنى المعاني، ومغنى المغانى، ذي الرئاسة الساسانية، والنفاسة النفسانية. فاذهب، يا غث المذهب، وابتغ في الأرض نفقا، أو في السماء مرتقى، فهذه ألية، جلبت عليك بلية. أو حك من البسيط والمديد، ما تستجير به من بطشنا الشديد، إذ نحن معشر الموالى، لا نوالى، إلّا من هو
_________________
(١) المسك، بالفتح: الجلد. والعزالى: جمع عزلاء، وهو فم المزادة الأسفل.
(٢) في مروج الذهب (٢: ٢٧٤): «ممن قد برا».
(٣) في مروج الذهب: «وصفوة الصفوة من هاشم».
(٤) القيل: الملك، وأصله الملك من ملوك حمير.
(٥) الأمم، بالتحريك: القصد الذي هو الوسط، وهو القرب أيضا.
[ ٢٥٣ ]
لعظيمتنا موالى، وحذار حذار أن تقرع سن الندم، ولات حين مندم، قبل أن تجمع ذنوبك، على ذنوبك (^١)، وكربك في كربك، فمن أبصر، أقصر، وما حرّف، من صديقه خوّف.
فلا تتبشَّعْ ممضَّ العتا … ب يلقاك يومًا بلقياه لاق (^٢)
فإنَّ الدواءَ حميدُ الفعالِ … وإن كان مرّا كريه المذاق
يا معتقل علم الشّعر، والمستقلّ بقلم النظم والنثر.
قد استحييتُ منك فلا تكلني … إلى شيءٍ سوى عذرٍ جميل (^٣)
وقد أنفذت ما حقّى عليه … قبيح الهجو أو شتم الرسولِ (^٤)
وذاك على انفرادك قوتُ يوم … إذا أنفقتَ إنفاقَ البخيل
وكيف وأنت علويُّ السَّجايا … وليس إلى اقتصادك من سبيل
وقد يقوى الفصيح فلا تقابل … ضعيف البرّ إلا بالقبول
وإنّ الوزن وهو أصحّ وزن … يقام صغاه بالحرف العليل (^٥)
فإنْ يكُ ما بعثتُ به قليلا … فلي حالٌ أقلُ من القليل
نجزته من كلام المعري.
والسلام عليك ما سبح الفلك، وسبّح الملك (^٦). ورحمة اللّه وبركاته.
_________________
(١) الذخيرة: «في ذنوبك». والذنوب، بالفتح: الدلو.
(٢) الذخيرة «فلا تتبع … فيلقاك … لمعناه.
(٣) للمعرى في شروح سقط الزند ١١٤٤ - ١١٤٩.
(٤) يعنى الرسول الذي أنفذه بالرسالة.
(٥) الذخيرة: «وإن الشعر، وهو أتم وزن» وما في الأصل يطابق ما في الشروح.
(٦) الملك: الملائكة.
[ ٢٥٤ ]