رسالة ثانية فى الرد على ابن غرسية
_________________
(١) (تعليق الشاملة): الرسالة لمجهول، ورجح عبد السلام هارون -﵀- (ص ٢٣٧) أنها لأبي يحيى بن مسعدة صاحب الرد الأول، لما بين الرسالتين من تشابه في الأسلوب وتقارب في العبارات
[ ٢٩٣ ]
رسالة ثانية في الرد على ابن غرسية «*»
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا
أية نار قدح القادح … وأي سهم فوق الكاشح (^١)
• إحدى لياليك فهيسي هيسي (^٢) •
لشد ما استهواك أيها الشعوبي شيطانك، والتفت على نزعك أشطانك، أدريت، حين زريت، أي أديم فريت، وأي ظهر للمكارم اعروريت، رميت بكل أفوق ناصل رمي (^٣)، وأوضحت غير جلى، وراهنت على الجحاش كل سباق أعوجي، من الأدم، القدم، ليسوا بصهب خرس، ولا بمجوس فرس.
أعد نظرًا ففي الأمم العادية، والأجيال الجرهمية، والجبابرة الطسمية، والعماليق الغلب الإرمية، ما يروعك، ولا يفرخ له روعك. وفي مضر الحمراء واقيال عدنان، والتبابعة من يعرب بن قحطان، وأبرهة ذي المغار، وعمرو ذي الأذعار ما يوقظك من سنة هواك، ويحجرك عن باطل دعواك، أنوف شمخ، وجبال رسخ، ومجد تليد، وعز مشيد:
رسا أصله تحت السما وسما به … إلى النجم فرع لا ينال طويل (^٤)
_________________
(١) (*) انظر ما سبق في التقديم ص ٢٣٧.
(٢) البيت لأبى نواس في ديوانه ١٩٢ والبيان (٣: ١٩٨). وانظر الحيوان (١: ٩). والرواية فيها جميعا: «وأي جد بلغ المازح».
(٣) هاس هيسا: سار. والرجز في المقاييس واللسان (هيس) ومجالس ثعلب ٢٩٣ والمخصص (٧: ١١٣). وبعده: لا تنعمى الليلة بالتعريس
(٤) الأفوق: السهم المكسور الفوق، وهو مشق رأس السهم حيث يقع الوتر. والناصل: الذي سقط نصله.
(٥) للسموأل بن عاديا، في الحماسة ١١٤ بشرح المرزوقي، برواية: «تحت الثرى».
[ ٢٩٤ ]
اخسأ فلن تعدو الأصفرية أقدارها، ولن تعدم المجوس نارها. أرومتنا إسماعيلية نبويّة، لا عيصوية أصفرية (^١)، حرم أبوكم بين ذويه، دعوة إبراهيم أبيه (^٢) سلخ لها من النبوة سلخ الأديم، وعدل بها عن الحنيفية ملّة إبراهيم، قما أنت والفخر بالقديم، إلا كدابغة وقد حلم الأديم. منا الحي اللقاح، أولو النجدة والسماح، لما عدت عليهم عوادي الزمن، تفرقوا عن سبإ اليمن، أيادي كما انتشر الليل، وانحدروا إلى أطوار الشام قدمًا كما انحدر السيل، فحملوا، ريثما استقلوا (^٣):
والليث حيث ألب من … أرض فذاك له عرين (^٤)
فحين سميتموهم الأساورة رموكم بسهم ما أخطأكم، وأخذتم من جذع ما أعطاكم (^٥)، مجد، نجد، إن نازعتم فيدنا الأقوى، [أ] وفاخرتم فالكرم التقوى (^٦)، ما سسنا خنزيرًا وعبدنا نارًا، ولا عقدنا على الذل زنّارا، بلى ملكنا، نقوسنا ونقسنا (^٧)، على الأملاك، الملوك، حتى أنفذ الله حكمه في الدعوة الإبراهيمية فأتمها، ولأم بها عباديد العرب ولمها، فحين نظمها من الدين ناظر ووضح لها من الإيمان معالم، وثوب بالفلاح مناديها، وتطاولت إلى هاديها هواديها، أقبلتكم الخيل دوائس (^٨)، عقبانًا تحت أسد عوابس (^٩)، فثلت
_________________
(١) العيصوية: نسبة إلى عيصو، وهو العيص بن إسحاق ﵇. وفي نهاية الأرب (٢: ٣٢٢): «وولد روم بن العيص بن إسحاق بنى الأصفر، لأن روم كان رجلا أصفر في بياض، فلذلك سميت الروم بنى الأصفر». وانظر سفر التكوين ٢٥: ٢٤ - ٢٦.
(٢) في سفر التكوين أن لذي بارك يعقوب وحرم عيسو أخاه الأكبر إنما هو إسحاق أبوهما. الإصحاح ٢٧: ٢٧ - ٤٠.
(٣) الاستقلال: الارتجال.
(٤) سبق في ص ٢٨٣.
(٥) إشارة إلى المثل: «خذ من جذع ما أعطاك». وانظر ص ٢٣٧ لتضم هذه أيضا إلى ما ورد في ص ٢٣٧ من دلائل تعزيز نسبة الرسالة، وكذا ما في ٢٩٨ ص ٤.
(٦) إشارة إلى قوله تعالى: «إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم».
(٧) كذا وردت العبارة.
(٨) في الأصل: «دواس»، تحريف. وفي اللسان: «أنهم الخيل دوائس، أي يتبع بعضهم بعضا».
(٩) في الأصل: «غواس»، تحريف.
[ ٢٩٥ ]
عروش أنوشروانكم وقباذكم، وفلّت غرب يزدجردكم وشهرياركم (^١). وسدوا مسالككم، وخلعوا خلع الخمائل ممالككم، وحطوا عن مفارقكم تيجانكم، ونسخوا فصحكم ومهرجانكم، وورثوا أرضكم ودياركم، وأطفئوا بنور الله ناركم.
أصخ أيها الغمر، فقد آن لك أن توقد بصيرتك مدراج العمر (^٢)، فتذكر قتلى باليرموك وجبت جنوبها، وأشلاء بالقادسية عصف عليها من المنون هبوبها (^٣)، تهافتوا علينا أمثال الدبا، لم تغن عنهم الأسنة ولا الظبا، فتعلم أن البأس للعرب، وأن النبع ليس من الغرب (^٤):
ولم أر أمثال الرجال تهافتوا … على المجد حتى عدّ ألف بواحد
هم طردوكم عن أكناف الشام، ورستاق العراق، طرد غرائب النياق، وجذوكم عن تخوم بابل وخراسان، جذ العير الصليان (^٥):
بضرب يزيل الهام عن مستقره … وطعنٍ كإيزاغ المخاض الضوارب (^٦)
مكر، نكر، لم يتخذوا القصور وكورا، ولكن مذاكى ذكورا.
بنيتم بالشيد وبنينا (^٧) وأحدقتم، بالحيطان، وأحدقنا بعوالي المران، وألفتم الأبنية والأندية، وجبنا في طلب العز المهامة والأودية، وأذلتم الدّبابيج والمرمر (^٨)، وذلّلنا العناجيج الضّمّر. جررة عوال (^٩)، وبذلة نوال:
_________________
(١) في الأصل: «شهرباذكم»، تحريف. وانظر ما سبق في ص ٢٨٠.
(٢) في الأصل: «القمر».
(٣) الهبوب: الريح تثير الغبرة.
(٤) انظر ما سبق في ص ٢٩٠.
(٥) الصليان: ضرب من الشجر.
(٦) للنابغة في ديوانه ٨.
(٧) لعل هنا كلمة ساقطة يتم بها السجع مع «الشيد» ولعلها «بالقرميد».
(٨) الدبابيج: جمع ديباج، وهو ثوب يتخذ من الإبريسم، وفارسيته «ديباه». ويقال ديباج كسروي. والمرمر: ضرب من تقطيع ثياب النساء. وفي الأصل: «الذبابيح والمزمر».
(٩) عوال: جمع عالية، وهي أعلى الرمح ورأسه، والعالية أيضا: القناة المستقيمة.
[ ٢٩٦ ]
فما دب إلا في بيوتهم الندى … ولم ثرب إلا في حجورهم الحرب
دنتم بالراح، ودنا بدرّات اللّقاح، فشتّان بين محظور ومباح (^١). ما ذا الإيغال، في أبي رغال، وقد غاله من الإله ما غال، حين دل على بيت الله أغربة الأحابش. كما دلت على أهلها براقش، فهلك وهلكوا، وحدا بهم حادي الردى أية سلكوا. وضح، صرح، لم تعرق فينا سحمة الحبشان، فجئنا صفر الألوان، ذوي نطف أمشاج (^٢)، بين الزنوج والأعلاج. أشهد أن الساسانية، العديمة الإنسانية، نكحت أمهاتها وبناتها، وتشبهت بالبهائم في شهواتها، ألا زجرهم عنه معقول، أو دين عن الأمم منقول، ذهبوا والله من العار بثمه ورمه (^٣)، وفحل السوء يبدأ بأمه. أفخرًا بالحنيذ، والنبيذ، هلا بقرى الضيوف والسنون غبر، وعزة الجار والأسنة حمر، وكرم الوفاء إذا استؤثر بالغدر، وكتم السر حين تجيش مراجل الصدر:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها … واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي (^٤)
أيها الزاري علينا بشأن، أبى غبشان، وما ذا على رجل تخوف فصرف على أربابها السدانة، ووفى فأدى إلى أهلها الأمانة، دون خدعة ولا خلاب، وجرى المذكيات غلاب (^٥)، نجح، رجح، لا تطيش بهم الأحلام، ولا تساجلهم الأيام. فمه أيها المتعاطي لما لا يدرك، المتشبع بما لا يملك، المتبجح في دعواه، كالخصي يفخر بمتاع بمولاه. إنّ حظّكم من الأسترلوميقى (^٦) والأرتماطيقى،
_________________
(١) في الأصل: «مجذور»، وهو تحريف سمعي.
(٢) أمشاج: مختلطة. وفي الأصل: «ذو نطف».
(٣) أي بقليله وكثيره. انظر ما سبق ص ٢٦٥ س ٢.
(٤) للحطيئة يهجو الزبرقان. ديوانه ٥٤.
(٥) المذكى من الخيل: المسن، والغلاب: المغالبة. والمثل يضرب لمن يوصف بالتبريز على أقرانه في حلبة الفضل.
(٦) انظر لهذا وما بعده ما سبق في ص ٢٥١.
[ ٢٩٧ ]
والتعاليم المنطقية والموسيقى، والفنون الفلسفية والجومطريقي - حظ الزمان من من الهرم (^١)، والحمر من تأليف النغم، لكنها والله أقوى منكم لحيا، وأقوم هديا، وأثقب خواطر، وأصدق بصائر. تلك علوم يونان، ومبادئ كلذان، ونتائج هرمسية (^٢)، ونسب فيثاغورية، لا ما أنتم بنو الاستاه منه متعاطون (^٣)، وفي عشوائه خابطون، إنّ العرب بأميتها لأدركت بحلومها، ما أدركته الأوائل بتعاليمها، أهل البيان وأربابه، لهم فتحت أبوابه، ورفعت باليفاع قبابه؛ نزل الفرقان بلسانها، فدل على إحسانها:
فلو أن السماء دنت لمجدٍ … ومكرمة دنت لهم السماء (^٤)
عُتُق صدق، جعل الله لها الكعبة البيت الحرام قيامًا، والحنيفية السمحة قواما، وإنّ بيتًا رفع منه إبراهيم القواعد وإسماعيل، ونطق بفضله التنزيل، وسفر بين ساحته جبريل، لمظنة خيرات، ومصبّ بركات، ومنجم آيات معجزات؛ مشاعر معظمة، ومناسك مكرمة، وملتقى آدم وحواء، ومهبط الوحي من السماء، ذلك بيت الله لا بيوت نيرانكم، وشعاره لا شعار صلبانكم، ومدارس الذكر لا مدارس البهتان، ومعارج الملك لا مدارج الشيطان، إن القرآن ليس بديوانكم، ولا الكعبة من زخاريف إيوانكم:
إن الذي سمك السماء بنى لنا … بيتًا دعائمه أعز وأطول (^٥)
_________________
(١) أي ليس لهم حظ من تلك العلوم والفنون، كما ليس للزمان حظ من الهرم، فإن الزمان دائم الشباب.
(٢) انظر للكلام على «هرمس» ابن النديم ٤٩٤ وابن أبي أصيبعة ١: ١٦ - ١٧ والقفطي ٢٢٧ حيث ذكر هرمس الثاني والثالث. وأمّا هرمس الأول، وهو هرمس الهرامسة، وهو إدريس ﵇ فقد ذكره في ٦ - ٧. وراجع ما أسلفت في حواشي الرسالة المصرية ص ٣٩.
(٣) العرب تسمى بنى الأمة: بنى استها. وانظر ص ٢٧٦ س ١١.
(٤) لأبى البرج القاسم بن حنبل، في الحماسة بشرح المرزوقي ١٦٥٩.
(٥) للفرزدق في ديوانه ٧١٤.
[ ٢٩٨ ]
بيت في كسره اعتلج محمد ﷺ ودرج، وفيه دب وإلى السماء عرج، ثمرة دوحة زكت في مضر منابتها، ونما في النضر بن كنانة نابتها، ووشجت إلى إبراهيم ﷺ أعراقها، وتولفت من هاشم أغصانها وأوراقها، سمت صعدا بين السنا والسناء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ما فاهت الأفواه، ووردت المياه، واستغفر الله كل منيب أواه، وعلى صحبه وعترته نجوم الهدى، ورجوم العدى، الركع السجود، القوام الهجود، أصحاب الغرر والتحجيل (^١)، وحملة التنزيل، والعلمة بالتأويل، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ. إليك فقد بين الصّبح لذي عينين، وطبّق بين الخافقين. فلا تفغر أيها الأثيم الأفاك، بقديم بعدها فاك، ولئن أوجعناك، فبما قدمت يداك. أجل صديق المرء عقله، وعدوه جهله، ولا يحزنك دم هراقه أهله:
غمزت قناتي غمزة فوجدتها … من العز يأبى عودها أن يكسرا
فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا … فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا
كملت الرسالة والحمد للّه رب العالمين
_________________
(١) في الحديث «أمتي الغر المحجلون»، أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والوجه والأقدام. وكتب إزاء الكلمة في الجانب: «والحجول». وانظر ما سبق في ص ٢٦٢ س ٣ لتضمه إلى ما سبق في ٢٣٧ من دلائل تعزيز نسبة الرسالة مشفوعا بما نبهت عليه في الحاشية رقم (٥) من ص ٢٩٥.
[ ٢٩٩ ]