وكانت في البركة بقُربنا إوزَّةٌ بيضاء شهلاء، في مثل جُثمانِ النّعامة،
[ ١٤٥ ]
كأنما ذُرَّ عليها الكافور، أو لبست غلالةً من دمقس الحرير، لم أر أخفَّ من رأسها حركة، ولا أحسن للماء في ظهرها صبًا، تثني سالفتها، وتكسر حدقتها، وتُلولبُ قمحدوتها، فترى الحُسن مستعارًا منها، والشكل مأخوذًا عنها، فصاحت بالبغلة: لقد حكمتُهم بالهور، ورضيتم من حاكمكم بغير الرّضا.
فقلتُ لزهير: ما شأنها؟ قال: هي تابعةُ شيخٍ من مشيختكم، تسمى العاقلة، وتُكنى أمَّ خفيف، وهي ذات حظٍ من الأدب، فاستعدَّ لها. فقلتُ: أيتها الإوزةُ الجميلة، العريضةُ الطويلة، أيحسنُ بجمال حدفتيك، واعتدال منكبيك، واستقامة جناحيك، وطول جيدك، وصغر رأسك، مقابلةُ الضَّيف بمثل هذا الكلام، وتلقي الطارئ الغريب بشبه هذا المقال؟ وأنا الذي همت بالإوزة صبابةً، واحتملت في الكلف بها عضَّ كل مقالة؛ وأنا الذي استرجعتها إلى الوطن المألوف، وحببتُها إلى كل غطريف، فاتخذتها السادة بأرضنا واستهلك عليها الظُّرفاء منا، ورضيت بدلًا من العصافير، ومُتكلمّات الزرازير، ونُسيت لذَّةُ الحمام، ونقارُ الدُّيوك، ونطاحُ الكباش.
فدخلها العُجبُ من كلامي، ثم رفعت وقد اعترتها خفةٌ شديدةٌ في مائها، فمرَّةً سابحة، ومرةً طائرة، تتغمسُ هنا وتخرجُ هناك، قد تقبب
[ ١٤٦ ]
جناحاها، وانتصبت ذُناباها، وهي تُطرب تطريب السرور؛ وهذا الفعل معروفٌ من الإوز عند الفرح والمرح. ثم سكنت وأقامت عُنقها، وعرَّضت صدرها، وعلمت بمجدافيها، واستقبلتنا جائيةً كصدر المركب، فقالت: أيها الغارُّ المغرور، كيف تحكم في الفروع وأنت لا تُحكمُ الأصول؟ ما الذي تُحسن؟ فقلت: ارتجال شعر، واقتضابٌ خُطبة، على حُكم المقترح والنُّصبة. قالت: ليس عن هذا أسالُك. قلت: ولا بغير هذا أجاوبك. قالت حكم الجواب أن يقع على أصل السؤال، وأنا إنما أردتُ بذلك إحسان النّحو والغريبِ اللذين هما أصلُ الكلام، ومادَّةُ البيان. قلت: لا جوابَ عندي غير ما سمعت. قالت: أُقسم أنَّ هذا منك غير داخلٍ في باب الجدل. فقلت: وبالجدل تطلُبيننا وقد عقدنا سلمه، وكُفينا حربه، وإنَّ ما رميتكِ به منه لأنفذُ سهامه، وأحدُّ حرابه، وهو من تعاليم الله. ﷿، عندنا في الجدل في مُحكم تنزيله. قالت: أُقسم أنَّ الله ما علمك الجدل في كتابة قلت: محمول عنك أمَّ خفيف، لا يلزمُ الإوزةَّ حفظُ أدب القرآن، قال الله، ﷿، في مُحكم كتابه حاكيًا عن نبيه إبراهيم، ﵇: " ربي الذي يُحيي ويُميتُ، قال: أنا أُحيي وأميت ". فكان لهذا الكلام من الكافر جواب، وعلى وجوبه مقال؛ ولكنَّ النبيَّ، ﷺ، لما لاحت له الواضحةُ القاطعةُ، رماهُ بها، وأضرب عن الكلام الأول، قال: " فإنَّ
[ ١٤٧ ]
الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فلهت الذي كفر " وأنا لا أُحسنُ غير ارتجال شعر، واقتضاب خُطبة، على حُكم المُقترح والنُّصبة، فاهتزَّت من جانبيها، وحال الماء من عينيها، وهمّت بالطيران. ثم اعتراها ما يعتري الإوزَّ من الألفة وحسن الرَّجعة، فقدَّمت عنُقها ورأسها إلينا نمشي نحونا رويدًا، وتنطق نطقًا مُتداركًا خفيًا، وهو فعل الإوز إذا أنست واستراضت وتذلَّلت؛ على أني أحبُّ الإوزَّ وأستظرفُ حركاتِها وما يعرِضُ من سخافاتها.
ثم تكلمتُ بها مبسبسًا، ولها مؤنسًا، حتى خالتتنا وقد عقدنا سلمها وكُفينا حربها، فقلت: يا أم خفيف، بالذي جعل غذاءك ماء، وحشا رأسك هواء، ألا أيما أفضل: الأدبُ أم العقل؟ قالت: بل العقل. قلتُ: فهل تعرفين في الخلائق أحمق من إوزَّة، ودعيني من مثلهم في الحُبارى؟ قالت: لا قلت: فتطلبي عقل التَّجربة، إذ لا سبيل لك إلى عقل الطبيعة، فإذا أحرزت منه نصيبًا، وبؤتِ منه بحظ، فحينئذٍ ناظري في الأدب. فانصرفت وانصرفنا.
تمت الرسالة بحمد لله.
[ ١٤٨ ]