فقال: وقعت لك أوصافٌ في شعرك تظنُّ أني لا أستطيعُها؟ فقلتُ له: وحتى تصف عارضًا فتقول:
ومُرتجزٍ ألقى بذي الأثل كلكلًا وحطَّ بجرعاء الأبارقِ ما حطا
وسعى في قيادِ الرِّيحِ يُسمحُ للصَّبا، فألقت على غيرٍ التِّلاعِ به مِرطا
وما زال يُروي حتى كسا الرُّبى درانك، والغيطان من نسجه بُسطا
[ ١٢٥ ]
وعنت له ريحٌ تُساقطُ قطرهُ كما نثرت حسناءُ من جيدها سمطا
ولم أر دُرًا بدَّدته بدُ الصَّبا سواهُ، فبات النَّورُ يلقُطُه لقطا
وبتنا نُراعي الليل لم نطوِ بُرده، ولم يجر شيبُ الصُّبح في فرعه وخطا
تراه كملك الزَّنجِ في فرط كبرهِ، إذا رام مشيًا في تبختُره أبطا
مُطلًا على الآفاقِ والبدرُ تاجُهُ، وقد علق الجوزاء من أذنه قُرطا
وحتى تصف ذئبًا فتقول:
إذا اجتاز عُلويُّ الرّياحِ بأُفقه أجدَّ، لعرفانِ الصَّبا، يتنفس
تذكرَ روضًا من شوي وباقرٍ، تولته أحراسٌ من الذُّعر تُحرس
إذا انتابها من أذؤُبِ القفرِ طارقٌ حثيث، إذا استشعر اللحظ يهمسُ
أزلُّ كسا جُثمانه مُتسترًا طيالس سوُدًا للدُّجى وهو أطلسُ
فدلَّ عليهِ لحظُ خبٍ مُخادعٍ، ترى نارهُ من ماء عينيه تُقبسُ
فصاح فتيانُ الجن عند هذا البيت الأخير: زاه! وعلت أنف الناقة
[ ١٢٦ ]
كآبةٌ، وظهرت عليه مَهابةٌ، واختلط كلامه، وبدا منه ساعتئذٍ بوادٍ في خطابه، رحمهُ لها من حضر، وأشفق عليه من أجلها من نظر.