فقال لي زُهير: من تُريدُ بعدُ؟ قلتُ: صاحب طرفة. فجزعنا وادي عُتيبة، وركضنا حتى انتهينا إلى غيضةٍ شجرُها شجران: سامٌ يفوحُ بهارًا، وشحرٌ يعبق هنديًا وعارًا. فرأينا عينًا معينةً تسيل، ويدُورُ ماءها فلكيًا ولا يحُل. فصاح به زهير: يا عنترُ بن العجلان، حلَّ بك زهيرٌ وصاحبه، فبخَولة، وما قطعت معها من ليلة، إلاَّ ما عرضت وجهك لنا! فبدا إلينا راكبٌ جميلُ الوجه، قد توشح السّيف، واشتمل
[ ٨٩ ]
عليه كساء خزّ، وبيده خطّيّ، فقال: مرحبًا بكُما! واستنشدني فقلتُ: الزعيمُ أولى بالإنشاد؛ فأنشد:
لِسُعدى بِحِزَّانِ الشُّريف طُلُول
حتى أكملها، فأنشدته من قصيدة:
أمِن رسمِ دارٍ بالعقيقِ مُحِيلِ
حتى انتهيتُ إلى قولي:
ولما هبطنا الغيثَ تُذعرُ وحشُهُ على كل خوَّار العنان أسيلِ
وثارت بناتُ الأعوجيّاتِ بالضُّحى أبابِيلَ، من أعطافِ غير وبيلِ
مُسوَّمةً نعتدُّها من خِيارها، لِطردِ قنيصٍ، أو لطردِ رعيلِ
إذا ما تغنّى الصَّحبُ فوق متونِها ضُحينًا، أجابت تحتهم بصهيلِ
[ ٩٠ ]
تدُوسُ بها أبكارَ نورٍ كأنّه رِداءُ عرُوسٍ أوذنتُ بحليل
رَمينا بها عُرضَ الصُّوارِ فأقعصت أغنَّ قتلناهُ بغيرِ قتيلِ
وبادَرَ أصحابي النُّزولَ، فأقبلت كراديسُ من غض الشِّواء نشيلِ
نُمسِّحُ بالحوذانِ مِنهُ، إذا ما اقتنصنا منه غير قليلِ
فقُلنا لسلقِيها: أدرها سُلافةً شمولًا، ومِن عينيك صِرفَ شمولِ
فقالم بكأسيه مُكيعًا لأمرِنا، يميلُ به الإدلالُ كلَّ مَميلِ
وشَعشَعَ راحيه، فما زال مائلًا برأسِ كريمِ منهُمُ وتليلِ
إلى أن ثناهُم راكدينَ، لما احتسوا، خليعينَ من بطش وفضل عُقولِ
نشاوى على الزَّهراء، صرعى كأنهم أساكينُ قصرٍ، أو جُذُوعُ نخيلِ
فصاحَ عنترٌ: لله أنت! اذهب مُجازٌ. وغاب عنّا. ثم مِلنا عنه.
[ ٩١ ]