فقال لي زهير: إلى من تتُوقُ نفسُك بعدُ من الجاهليّين؟ قلت: كفاني من رأيتُ؛ اصرِف وجه قصدنا أبي تمام. فركضنا ذات اليمين حينًا، ويشتدُّ في إثرِنا فارسٌ كأنه الأسد، على فرسٍ كأنها العُقاب، وهو في عدوه ذلك يُنشد:
طعنتُ ابن عبد القيس طعنة ثائرٍ، لها نفذٌ، لولا الشعاعُ، أضاءها
فاستربتُ منه، فقال لي زهير: لا عليك، هذا أبو الخطّارِ صاحبُ قيسِ ابن الخطيم. فاستبى لُبيّ من إنشاده البيت، وازددتُ خوفًا لُجرأته، وأنّنا لم نُعرَّج عليه. فصرف إليه زهيرٌ وجه الأدم، وقال: حيّاك اللهُ أبا الخطّار! فقال: أهكذا يُحادُ عن أبي الخطار، ولا يُخطرُ عليه؟ قال: علمناك صاحب قنص، وخفنا أن نشغلك. فقال لي: أنشدنا يا أشجعي، وأُقسم أنك إن لم تُجد ليكوننَّ يوم شر. فأنشدتُه قولي من قصيدة:
[ ٩٢ ]
منازلهم تبكي إليكَ عَفاءها ومنها:
خليليَّ عُوجا، باركَ الله فيكُما، بدارتِها الأولى نُحيِّ فناءها!
فلم أرَ أسرابًا كأسرابها الدُّمى، ولا ذئب مثل قد رعى، ثمَّ شاءها
ولا كضلالٍ كان أهدى لصبوتي، ليالي يهديني الغرامُ خِباءها
وما هاجَ هذا الشوقَ إلاَّ حمائِمٌ، بكيتُ لها لمّا سمعتُ بُكاءها
عجِبتُ لنفسي كيف مُلكها الهوى، وكيف استَفَزَّ الغانِياتُ إباءها؟
ولو أنني أنحتْ عليَّ أكارمٌ؛ ترضَّيتُ بالعرضِ الكريمِ جزاءها
ولكنَّ جُرذان الثُّغورِ رمينني، فأكرمتُ نفسي أن تُريق دماءها
إليك أبا مروان ألقيتُ رابيًا بحاجة نفسِ ما حُربتُ خزاءها
هززتُكَ في نَصري ضُحىً فكأنّني هززتُ، وقد جئتُ الجبال، حراءها
نقضتُ عُرى عزم الزَّمانِ، وإن عَتا، بعزمةِ نفسٍ لا أريدُ بقاءها
فلما انتهيتُ تبسمَّ وقال: لنعمَ ما تخلّصتَ! اذهب فقد أجزتُك.
[ ٩٣ ]