ثمَّ انصرفنا، وركضنا حتى انتهينا إلى شجرةٍ غيناء يتفجرُ من أصلِها عينٌ كمقلةٍ حَواء. فصاح زُهير: يا عتابُ بن حبناء، حلَّ بك زُهير وصاحبهُ، فبعمروٍ والقمر الكّالِع، وبالرُّقعةِ المفكوكةِ الطّابع، إلاَّ ما أريتنا وجهك! فانفلق ماء العين عن وجهِ فتىً كفِلقةِ القمر، ثم اشتقَّ الهواء صاعدًا إلينا من قعرها حتى استوى معنا فقال: حيّاك الله يا زهير، وحيّا صاحبك! فقلتُ: وما الذي أسكنك قعر هذه العين يا عتاب؟ قال: حيائي من التّحسُّنِ باسمِ الشِّعرِ وأنا لا أُحسنُه. فصحتُ: ويلي منه؛ كلامُ مُحدثٍ ورب الكعبة! واستنشدني فلم أُنشده إجلالًا له، ثم أنشدتُه:
أبكيتَ، إذ طَعَنَ الفريقُ، فِراقَها
حتى انتهيتُ فيها إلى قولي:
[ ٩٤ ]
إنّ امرُؤٌ لعب الزَّمانُ بهمّتي، وسُقيتُ من كأس الخُطوبِ دهاقها
وكبوتُ طِرفًا في العُلى، فاستضكتْ حُمُرُ الأنامِ، فما تريمُ نُهاقها
وإذا ارتمت نحوي المُنى لأنالها، وقف الزَّمانُ لها هُناك فعاقها
وإذا أبو يحيى تأخَّرُ نفسهُ، فمتى أُؤمّلُ في الزَّمان لحاقها؟
فلما انتهيتُ قال: أنشدني من رثائك. فأنشدتُه:
أعينَا امرأَ نَزَحَتْ عينُهُ، ولا تَعجَبا مِن جُفُونٍ جمادىِ
إذا القلبُ أحرقهُ بثُّهُ، فإنَّ المدامِعَ تِلوُ الفُؤادِ
يودُّ الفتى مَنهلًا خاليًا، وسعدُ المَنيةِ في كل وادِ
ويصرفُ للكونِ ما في يديهِ، وما الكونُ إلاَّ نذيرُ الفسادِ
لقد عثرَ الدَّهرُ بالسابقينَ، ولم يُعجِزِ الموت ركضُ الجَوادِ
لعمرُكَ ما ردَّ ريبَ الرّدى أرِيبٌ، ولا جاهدٌ باجتِهادِ
سِهامُ المَنايا تُصِيبُ الفتى، ولَوْ ضَرَبُوا دُونه بالسِّدادِ
أصَبنَ، على بطشِهِم، جُرهُمًا، وأصمينَ، في دارهم، قومَ عادِ
[ ٩٥ ]
وأقصعنَ كلبًا على عِزِّهِ، فما اعتزَّ بالصَّافِناتِ الجِيادِ
إلى أن انتهيتُ فيها إلى قولي:
ولكنّني خانَني مَعشري، ورُدتُ يَفاعاَ وبيلَ المَرادِ
وهل ضرب السيفُ من غيرِ كفٍ؟ وهل ثبتَ الرَّأسُ في غيرِ هادِ؟
فقال: زِدني من رثائك وتحريضك، فأنشدتُه:
أفي كلّ عامٍ مصرعٌ لعظيمِ؟ أصابَ المَنايا حادثي وقديمي
هوى قمرًا قيس بن عيلانَ آنفًا، وأوحشَ مِن كلبٍ مكانُ زعِيم
فكيف لِقائي الحادِثاتِ إذا سطتْ، وقد فُلَّ سيفي منهُمُ وعَزيمي؟
وكيف اهتدائي في الخطُوب إذا دجت وقد فقدت عيناي ضوءَ نُجُومِ؟
مضى السَّلفُ الوضَّاحُ إلا بقيةً، كغُرَّةِ مُسودِّ القميصِ بهيمِ
[ ٩٦ ]
ومنها:
رَمَيتُ بها الآفاقَ عنّي غريبةً، نتيجةَ خفاقِ الضُّلوعِ كظيمِ
لأُبدي إلى أهل الحجى مِن بواطني، وأُدلي بعُدرٍ في ظواهر لُومِ
أنا السّيفُ لم تتعبْ به كفُّ ضاربٍ، صرومٌ إذا صادفتُ كفَّ صرُومِ
سعيتُ بأحرارِ الرّجالِ، فخانني رجالٌ، ولم أُنجَدْ بِجِدِّ عظيمِ
وضيعني الأملاكُ بدءًا وعودةً، فضعتُ بدارٍ منهُمُ وحَريمِ
فقال: إن كنتَ ولا بُدَّ قائلًا، فإذا دعتك نفسكُ إلى القولِ فلا تكُدَّ قريحتك، فإذا أكملتَ فجمامُ ثلاثة لا أقلَّ. ونقّحْ بعدَ ذلك، وتذكّرْ قوله:
وجَشَّمَني خوفُ ابنِ عَفّانَ رَدَّها، فثقفتُها حولًا كريتًا ومربَعا
وقد كان في نفسي عليها زيادةٌ، فلم أرَ إلاَّ أن أُطيعَ وأسمَعا
وما أنتَ إلاَّ مُحسِنٌ على إساءةِ زمانكَ. فقبلتُ على رأسه، وغاصَ في العَين.
[ ٩٧ ]