فقال لي زهير: من تريد بعده؟ فقلت: ملْ بي إلى الخُطباء، فقد قضيتُ وَطَرًا من الشعراء. فركضنا حينًا طاعنين في مطلع الشمس، ولقينا فارسًا أسرّ إلى زهير، وانجزع عنا، فقال لي زهير: جُمعتْ لك خُطباء الجنّ بمَرْج دُهمان، وبيننا وبينهم فرسخان، فقد كُفيتُ العناء إليهم على انفرادهم. قلت: لم ذاك؟ قال: للفَرْق بين كلامين اختلف فيه فتيان الجن.
وانتهينا إلى المَرْج فإذا بنادٍ عظيم، قد جمع كل زعيم، فصاح زهير: السلام على فُرسان الكلام. فردّوا وأشاروا بالنزول. فأفرجوا حتى صرنا مركز هالةِ مجلسهم، والكل منهم ناظرٌ إلى شيخٍ أصلع، جاحظ العين اليُمنى، على رأسه قلَنسوةٌ بيضاء طويلة. فقلت سرًّا لزهير: من ذلك؟ قال: عُتْبةُ
[ ١١١ ]
بن أرقم صاحب الجاحظ، وكُنيتُه أبو عُيينة. قلت: بأبي هو! ليس رغبتي سواه، وغير صاحب عبد الحميد. فقال لي: إنه ذلك الشيخ الذي إلى جنبه. وعرّفه صَغوي إليه وقولي فيه. فاستدناني وأخذ في الكلام معي، فصمت أهل المجلس، فقال: إنك لخطيب، وحائكٌ للكلام مُجيد، لولا أنك مُغْزىً بالسجع، فكلامك نظمٌ لا نثر.
فقلتُ في نفسي: قرعَكَ، بالله، بقارعته، وجاءك بمُماثَلته. ثم قلت له: ليس هذا، أعزّك الله، منّي جَهلًا بأمر السجع، وما في المماثَلة والمقابلة من فضْل، ولكني عدمتُ فرسان الكلام، ودُهيتُ بغباوة أهل الزمان، وبالحَرا أن أحرِّكهم بالازدواج. ولو فرشتُ للكلام فيهم طَولقًا، وتحركت لهم حركة مَشُوْلم، لكان أرفع لي عندهم، وأولج في نفوسهم.
[ ١١٢ ]
فقال: أهذا على تلك المناظر، وكبَر تلك المحابر، وكمال تلك الطيالس؟ قلت: نعم، إنها لِحاء الشجر، وليش ثمّ ثمرٌ ولا عَبَق. قال لي: صدقتَ، إني أراك قد ماثلْتَ معي. قلت: كما سمعت. قال: فكيف كلامهم بينهم؟ قلت: ليس لسيبويه فيه عمل، ولا للفَراهيدي إليه طريق، ولا للبَيان عليه سمة. إنما هي لُكنةٌ أعجميةٌ يُؤدّون بها المعاني تأدية المَجوس والنَّبَط. فصاح: إنا لله، ذهبت العربُ وكلامُها! ارمهم يا هذا بسَجع الكُهّان، فعسى أن ينفعك عندهم، ويُطير لك ذِكرًا فيهم. وما أُراك، مع ذلك، إلا ثقيل الوطأة عليهم، كَريهَ المجيء إليهم.
فقال الشيخ الذي إلى جانبه، وقد علمتُ أنه صاحب عبد الحميد، ونفسي مرتقِبةٌ إلى ما يكون منه: لا يَغُرَّنْك منه، أبا عُيينة، ما تكلّف لك من المماثلة، إن السجع لطبعه، وإن ما أسمّعك كُلْفة. ولو امتدّ به طَلَقُ الكلام، وجرت أفراسه في مَيْدان البَيان، لصلى كَودَنُه وكل بُرثُنُه. وما أُراه إلاّ من اللُّكْن الذين ذّكَر، وإلاّ فما للفصاحة لا تهدِر، ولا للأعْرابية لا تومِض؟ فقلتُ في نفسي: طبع عبد الحميد ومساقُه، وربِّ الكعبة! فقلت له: لقد عجِلْتَ، أبا هُبيرة، - وقد كان زهيرٌ عرّفني بكُنيته - إنّ قوسَكَ
[ ١١٣ ]
لنبع، وإن سهمك لسُمّ، أحِمارًا رميتَ أن إنسانًا، وقعقعةً طلبْتَ أم بَيانًا؟ وأبيك، إن البَيان لصعْب، وإنك منه لفي عباءةٍ تتكشّف عنها أسْتاه معانيك، تكشُّف اسْتِ العَنْز عم ذنبها. الزمان دفءٌ لا قُرّ، والكلام، عراقي لا شامي. إني لأرى من دم اليَربوع بكفّيك، وألمح من كُشى الضبّ على ماضِغيك. فتبسّم إليّ وقال: أهكذا أنت يا أُطَيلِسْ، تركَب لكلٍّ نهجه، وتعجّ إليه عجّه؟ فقلت: الذئب أطلس، وإنّ التيْس ما علمْت! فصاح به أبو عُيينة: لا تعرِض له، وبالحَرا أن تخْلُص منه. فقلت: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام! فقال: إنها كافيةٌ لو كان له جِحْر. فبَسَطاني وسألاني أن أقرأ عليهما من رسائلي، فقرأتُ رسالتي في صفة البَرْد والنار والحطب فاستحسناها.
[ ١١٤ ]