ومشيتُ يومًا وزهير بأرض الجن أيضًا نتقرَّى الفوائد ونعتمدُ أندية أهل الآداب منهم، إذ أشرفنا على قرارةٍ غناء، تفنرُّ عن بركة ماء، وفيها عانةٌ من حُمُر الجن وبغالهم، قد أصابها أولق فهي تصطكُّ بالحوافر، وتنفُخ من المناخر، وقد اشتدَّ ضُراطُها، وعلا شحيجها وهاقها. فلما بصرت بنا أجفلت إلينا وهي تقول: جاءكم على رجليه! فارتعتُ لذلك، فتبسَّم زهيرٌ وقد عرف القصد، وقال لي: تهيأ للحكم. فلما لحقت بنا بد أني بالتفدية، وحيتني بالتكنية. فقلت: ما الخطبُ،
[ ١٤٣ ]
حُمي حماك أيتها العانة، وأخصب مرعاك؟ قالت: شعران لحمارٍ وبغل من عشَّاقنا اختلفنا فيها، وقد رضيناك حكمًا قلت: حتى أسمع. فقدَّمت إليَّ بغةٌ شهباء، عليها جلُّها وبرقُعها، لم تدخل فيما دخلت فيه العانةُ من سوء العجلة وسُخفِ الحركة، فقالت: أحدُ الشِّعرين لبغلٍ من بغالنا وهو:
على كل صب من هواهُ دليلُ: سقامٌ على حر الجوى، ونُحُولُ
وما زال هذا الحبُّ داءً مُبرحًا، إذا ما اعترى بغلًا فليس يزولُ
بنفسي التي أما ملاحظُ طرفها فسحرٌ، وأما خدُّها فأسيلُ
تعبتُ بما حُملتُ من ثقل حُبها، وإني لبغلٌ للثقالِ حمُولُ
وما نلتُ منها نائلًا غير أنني إذا هي بالت بُلتُ حيثُ تبُولُ
والشِّعر الآخرُ لدُكينٍ الحمار:
دُهيتُ بهذا الحب منذُ هويثُ، وراثت إراداتي فلستُ أريثُ
كّلفتُ بإلفي منذ عشرين حجةً، يجُولُ هواها في الحشا ويعيثُ
ومالي من برحِ الصَّبابة مخلصٌ، ولا لي من فيضِ السّقامِ مُغيثُ
وغير منها قلبها لي نميمةٌ، نماها أحمُّ الخُصيتينِ خبيثُ
وما نلتُ منها نائلًا، غير أنّني إذا هي راثتُ حيثُ تروثُ
[ ١٤٤ ]
ففضحك زهيرٌ، وتماسكتُ، وقلتُ للمنشدة: ما هويتُ؟ قالت: هو هويبُ، بلغة الحمير. فقلت: والله، إن للرَّوثِ رائحة كريهةً، وقد كان أنف الناقة أجدر أن يحكم في الشعر! فقالت: فهمت عنك وأشارت إلى العانة أنَّ دُكينًا مغلوبًا؛ ثم انصرفت قانعة راضية.
وقالت لي البغلة: أما تعرفني أبا عامر؟ قلت: لو كانت ثمَّ علامة! فأماطت لثامها، فإذا هي بغلةُ أبي عيسى، والخالُ على خدها، فتباكينا طويلًا، وأخذنا في ذكر أيامنا، فقالت: ما أبقيت منك؟ قلت: ما ترين. قالت: شبَّ عمرٌو عن الطوق! فما فعل الأحبة بعدي، أهم على العهد؟ قلتُ: شبَّ الغِلمان، وشاخ الفتيان، وتنكرتِ الخلاَّن؛ ومن إخوانك من بلغ الإمارة، وانتهى إلى الوزارة. فتنفستِ الصُّعداء، وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد، ونسُوا أيام الود. بحرمة الأدب، إلاَّ ما أقرأتهم مني السلام؛ قلت: كما تأمرين وأكثر.