كلا يا أبا أيوب، ولكني أجعل عوضًا من ذلك تكليفك حاجة يسيرة إذا قضيتها نعشت العثرة وجبرت الكسير واستللت الصغينة ومحوت الغمر. وقد كنت كلفت نحوًا منها الصاهل وأدليت إليه بالخئولة، فرد الولغة وهي صفر من البر والوفضة وهي خالية من سهم المعاونة، فالله جازيه بما صنع. وإني لأظنه من آل " داحس والغرباء " فإنهما كانا مشئومين من خيل العرب، لم يقودا برًا ولم يجرا صالحًا ولا نفعًا. فالله يلقيه ما لقي الأشقر، ويجعل عقباه إلى سقر.
وأعانته على أذيتي الفاختة. فإذا سقطت إلى الأرض للقط الحبة، فلا أطاقت نقرًا، وإذا صعدت إلى الجو، فصادفت بازيًا أو صقرًا. بل يقدر عليها ما هو أشد وأشق: وقوع في الشرك وقد أحكم فلا تقدر على الخلاص، ثم يعمد إليها طفل عارم فيشد خيطًا في الساق ويأخذ طرفه بيمناه ويرسلها من كفيه لتطير، فإذا علت في الهواء وهي من ذلك المرتبط في مهلة، جذبها إليه حين ترتفع إذا لم يبق مهل من الربيط، فإنما يفعل ذلك طلقًا أو طلقين وقد أعنت فخذها بالجذب، فيئست عند ذلك من الحياة وغبرت في قبضة يد الوليد: إن وفي جناحها للطيران فأعضاؤها لا تعدم عنتًا من الهوان. فإذا وهب لها الصحة عدى على جناحها باليد أو المقصين، فهي تود المدية جرت على الجيد، وأنها بالدم تطوق عوضًا عن التقليد.
[ ٣٠ ]
وما أحب لها أن تمنى بصقر من صقور " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - إذ كانت لو بلغت إلى ذلك لرزقت به نباهة بعد مماتها إذ منعت من المهل في حياتها. ولكن إن قضى عليها صيد الجارح، فتكون في مملكة خسيس من القوم حتى يكون أمرها فيما لقيته أوجع وحالها أعنت.
ولست أسألك ما سألت الصاهل من حمل الشعر. لأني لم أرب بركة في ذكره: أداني إلى طول مناقضة وأوقع بيني وبين الفاختة حتى وشت بي إليك، فصنعت بي ما تراه. ومع هذا فإني كرهت أن أتصور بصور أهل النظم المتكسبين الذين لم يترك سؤال الناس في وجوههم قطرة من الحياء، ولا طول الطمع في نفوسهم أنفة من قبيح الأفعال. فعدلت عن ذلك إلى تحميلك أخبارًا مستطرفة، لها في السمع ظاهر ولها في المعنى باطن، أنحو بها ما نحاه " ابن دريد " في كتاب الملاحن و" ابن فارس الرازي " في فتيا فقيه العرب.
وإذا ألقيت إليك ما تيسر منها عندي، فأحسن حفظه وخزنه، وإذا بلغت في سفرك مبارك الإبل من الحضرة الجليلة فارفع صوتك بالعجيج، فلعله يفهم عنك. ففي نحو من حديثنا ضرب المثل: كفى برغائها مناديًا.
ولا تسألني ذريعة بينك وبين السلطان - أطال الله بقاءه - فليس له في الحضرة الجليلة من أعتمد عليه فيما أذكر. وأريد منك أن تفرغ خاطرك لحفظ ما ألقيه إليك، وألا تشرب مديدًا حتى تبلغ لي المأربة، فإنه يزيد في رطوبتك، وأرهب عليك النسيان.
وكأني بك، أصلحك الله، تعجب في نفسك وتعد أن انصرافك عني أحزم وإعراضك عن قضاء الحاجة أولى بك وأجمل. وقد رأيتك مرما عند المسألة كإرمام الصاهل عنها! فينطق الله، جل اسمه، البعير فيقول: ما أجدرني بالقصير عما تسأل! ولكني لا أحرمك دأبًا فيما قلت. وإنما يكلفني عناء في حاجتك، ما سبق إليك بالحدة، وفرط في جنادع الغرة. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال، وقد ذكرت عنده الحدة: " إنها تعتري الأخيار من أمتي ". ولا بد للحليم وإن ثقل وزنه، من هفوات. فأخبرني بما جمعت أجهد لك في إيثارك بمشيئة الله تعالى.
فيقول الشاحج، وبالله التوفيق: العلم يدل على أن " الحسن " ﷺ لم ير الحسين قط.
وأن " الحسين " ﷺ لم ير الحسن قط؛ وأن " فاطمة " - ﵂ - لم تر في بيتها عليًا، وقد يجوز أن تكون رأته على باب البيت، وأن الخل يجوز أن يكون فيما سلف، كان بحضرة " علي بن الحسين " ﵄ " فيتكلم ويسأله عن أشياء من أمر الدين؛ وأن " محمد بن علي الباقر " ﵇، وهو والد " جعفر الصادق " لم ير في داره جعفرًا قط؛ وأن " الحسن والحسين " كانا يأخذان البث بأيديهما فيجعلانه في أفواههما، ثم ينزل إلى الصدور منهما. وأنهما كانا يتطهران بالبسر ويغتسلان منه. وكان " علي " ﵇ يرحم الأرملة ويبر اليتيم ويضرب بحد سيفه أم الصبيين، ويقطع يد الفيل على السرق، وجلده على شرب الخمر، وكان يأمر بقتل الأعرج والأعيرج وهما في الحرم، ويكره دخول الأعمى المسجد. وكان ينصف الخسيس من أهل الأقدار، ويوطأ الجليل في زمانه بالقدم. وإذا رأى نبيذًا في الجر سأل عن حاله، فإن كان معروفًا ألزم به أهله، وإن كان مجهولًا أنفق عليه من مال المسلمين حتى ينطق ويبلغ الرشد. وكان يلعن البقرة ولا يقول في الثور إلا خيرًا، ويصلي إن اتفق له فوق العنز. وأكل الصقر ولم يأكل البازي لأنه من سباع الطير. وكان يعلم البازي أفعال الصالحين فإن قبل منه وإلا أدبه بالسيف أو السوط.
ولا يعلم أن السيف والرمح ولدا أولادًا قط. فأما الصعدة فقد ولد لها أولاد قتل بعضهم " يوم الجمل "، وبعضهم في " صفين ". وكانت الصعدة في أيام " علي " ترجع إلى رأيه في الحلال والحرام. وكان يعظم " مكة " ولا نعلمه ذكر " الطائف " إلا بخير، وأمر بضرب المدينة إذا عصت. وكان يتصدق على الزمن ولا ينكر ذبح المقعد بالبصرة ولا بالكوفة، وينكر ذبحه بمكة. ويأمر بقتل الهلال كيف قدر عليه، ويقعد في ضوء القمر وضوء الشمس. ويحمل القبيلة أو القبيلتين والثلاث، ويمشي بهن في الأسواق ولا يجد لهن مسًا.
[ ٣١ ]
ودلت المعرفة بالفقه أنه ﵇ كان لا يكره أن يبال في الخيل ويكره أن يبال في الماء الدائم، وبذلك جاء الخبر عن النبي ﷺ. ولم يمنع أحدًا من إلقاء السباطة على الضرير. وكان يلقى الأسد لا بحفل بلقائه، ويكره الضبع أن تمر به، ويطأ الأرنب ولا تشعر بوطأته.
ويجيز التيمم بالتراب وفوقه أبوال البغال، ولا يجيز التيمم بتراب نجس.
ويزوي الماء عن العليل ويعطيه الظمآن. ويسير على ظهر الحية يومه أجمع، ويكره أن يطأ على الصل. ولم يكن يخضب الشيب وكان يجيز ذبح الخاضب ويجيز أكله شواء وقديرًا.
وإذا رأى يد رجل معروف أنكره، ولا يستحل النظر إلى ريحان لا يملكه. ومر بسرير يقعد عليه الناس ويأكلون الطعام له آلاف سنين منذ صنع وليس فيه سكى أي مسمار. ولو رأى بني إسرائيل يأكلون اللحم لم ينههم ولو أكلوا لحم يعقوب. واستعان بالغراب في كثير من أمره، وكان يستخرج له الماء من الأرض. ولقيته عقرب فعمت بالأذية جميع أصحابه ولم تضره في نفسه، لأن النبي ﷺ دعا له. وكان الهدهد يكلمه بكلام كثير يفهمه عن الهدهد جميع الحاضرين. وكان النهر يجيئه إلى " يثرب " وهو قاعد في منزله، وكان أصحابه يتبايعون الصمم بينهم ولا يتبايعون العرج ولا الحول ولا العمى. وكانت النساء في زمانه يرغبن في سواد العيون ويشترين الزرق مع ذلك ولا يشترين الدعد. وكان في زمانه قوم يطعمهم السنان من لحم الزج، وقد بقيت منهم إلى اليوم بقية. وكان يجيء عليه الوقت من الزمن في الشتاء، والبرد أحب ما يلقه إليه. وكان طباخه يطبخ له بالحشيش وإن الحطب لكثير موجود، وكان يبغض الحطب والحطابين. ويعطى لك أحد من أهله قطا ينتفع به، ولا يحب أن تقرب إليه قرة العين. وكان يجيز أن يكر على العدو وهو على غير طهارة، ويتطهر بالكر. وكان إذا أوتي بالعالم أر أن يقتص منه.
مضت أخبار الأئمة ﵈.
وهذه أخبار أذكرها عن نفسي وعن غيري من الناس والبلاد والبهائم والطير: أشير على الصالح من القوم إذا كانت معيشته وادعة ألا يتعرض لجلوس في البز، وألعن، علم الله، البزازين.
وأقول للعجوز الصالحة أن تصون ولدها عن لقاء البزاز: إنه لا يؤمن على السرق ولا على القتل، إنما يبكر بدهاء وختل.
وأقول للذي يبيع البلسن والبقل: إياك وجوار البزاز فإنه لا يؤمن على قدرك ولا مرجلك ولا مقدحتك.
فأما الصائغ وبائع السقط فيجب أن يكون هربهما من البزاز شديدًا. إنه لا يأمنه في الخلوة أحد إلا من شاء الله. وإن قدر باسك ألا يصلي إلى جانب البزاز فإنه حسن. سبحان ربنا العظيم، هل يصلي البزز في السفر لعله يغفر له؟ أم لا يفتقر إلى الصلاة لعلمه أنه قد حقت عليه كلمة العذاب؟ فأي موقع لصلاته وزكاته؟ إنما يصوم الأبرار ويزكي المتحرجون. فلا تشتر من بزاز قميصًا، فلعله أيها الرجل حرام. وإذا رحل في رفقة الحج فمن الحزامة لهم أن يطردوه. فإن أبى إلا أن يبيت معهم في المنازل فإن البادية إذا تخيلوا في الرجل أنه بزاز أوثقوه وصفدوه، وإن كان قد أكل من طعامهم، يخافون معرته أن تقع بخيلهم وأنعامهم.
وإن حضر " مكة " فطاف ووقف ب " عرفة " وقضى المناسك ولا غرض له في الثواب، وإنما ينتظر غفلة من الحجيج فيختلس منهم بعض المتاع.
لا حج له ولا عمرة، وإذا حلف لم يصدق، فلا تقبل له شهادة، ولا تجعل عنده وديعة ولا تقبل عليه الحوالة، ولا يحل أن يشرك بينه وبين من لا يعرفه شركة عنان ولا شركة مفاوضة. ولا يعار، إذ كانت العارية أمانة وهو لا أمانة له.
وإذا بلغ ابن البزاز وكان على طريقة أبيه ظفر به السلطان، فيجب أن يستتيبه فإن تاب وإلا وقعت عليه أحكام أبيه. قال الله سبحانه: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف " الآية.
ولا يجب أن يوثق به في الكفالة على كل حال، وإنما يكفل أخو الأمانة.
تراه عاريًا في الحندس تأخذه من البرد العرواء، وهو في ذلك لا يقدر على الدفء، وإن البز لمعلق في عنقه. وكيف يرجو دفئًا من بزه وهو يوصف بشبم وبرد؟ وإني لأعجب من البزاز يطلب القراض أو يطمع فيه. لا يكن بينك وبينه وجه من المبايعة ولا المساقاة ولا الزراعة ولا الإجارة. إنه لا يرد اللقطة إذا وجدها ولا يؤمن على إفساد الأمة إذا لقيها.
[ ٣٢ ]
فإذا انضاف إلى ما ذكر من أخلاق البزاز أنه خزاز، فإنا لله وإنا إليه راجعون! صلان في الثمة وأرقمان في الهشيمة، وشبوتان في سك واحد، وذئبان وقعا في الفريقة. إلا أن البزاز قد يكون غير خزازًا والشرة بحالها والشيمة ليست بالمغيرة عن سوئها.
والخزاز قد يكون غير بزاز، فلا يعرف به بأس يؤدي الأمانة ويصدق في الشهادة ويعترف بالحقوق، وتصلح معه المبايعة، ويحكم عليه فيما صنع بأحكام المسلمين.
فإذا كان الرجل بزازًا خزازًا قزازًا، فالمستغاث بالله ممن تجتمع هذه الخلال فيه: أما البز فحدث عظيم، وأما الخز إذا وقع في حين البز فنائبة ينسى البز معها ويغتفره الصالحون عندها، وأما القز فأيسر من الخز، وأصحاب القز قد يكونون صلحاء أخيارًا.
ومن العجائب أن كل ملك من بني أمية وبني العباس، كانوا في أول أمورهم قزازين. ولو سمع هذه المقالة بعض موالي قريش لغضب منها وعبد.
وقد علم عالم الأسرار أني لم أدع في ذلك باطلًا. ومن غريب الحديث وصحيحه أنه كان " بالكوفة " قز عند القزازين يتكلم ويشرب ويأكل من غذائهم، إلى أن ملوه فطردوه. ولا يعرف أن الخز والبز تكلما قط.
وفي هذه البلاد رجل من أغلظ الناس وأجفاهم بشرة، يحتطب مع المحتطبين ويحمل الجندل إلى أصحاب البناء، يحاك الحجر فلا يدميه.
ويماس الحديد فلا يضره إذا رفق به. ومتى أصاب جلده الخز أدماه. أفليس هذا بعجب، وإنما ألين ثيابه الكرادي الوخشة؟ وقد ذكر أنه كان في الأرض قزازًا ما سمع بشر منه: يتعمد أذية المسلمين ويقطع عليهم صلواتهم ويفرح بانهدام المساجد وقطع الزكوات، ويحث على الغيبة ويزين لإمام القوم أن يصلي بهم على غير طهر، ويحسن للقضاء أخذ الرشوة، ويتقدم إلى الولد بعقوق الوالد، ولو سمعني يهود بلدنا جاز أن يظنوني عنيت " القزاز والد منشى بن إبراهيم " وما عنيت ذلك، والذي قصدته لم يمت، وصاحبهم قتل ابنه ومات هو.
ولا أقول في الخياطين إلا خيرًا. إلا أن كل خياط وجد في الجوامع والمساجد والطرق، فقتله حلال. وكان في بلدنا قاض دين يجيز أكل لحم الخباز والخبازة، وأن يطبخ باللبن والخل.
وكان في هذا البلد جندي أبح، أقام أربعين سنة يدخل على القضاة والأمراء، وهو في ذلك لا يذوق النوم. وكان ذا وجهين.
وكان ها هنا قصاب يذبح الضأن صغارها وكبارها والأمات منها والأولاد، وما ذبح خروفًا قط! ومن زوال الدهر أنه كان في هذه البلدة جندي محارف، فنتجت فرسه خروفًا، ونفقت الفرس وبقي الخروف.
وحدثني الثقة أن الجند بخراسان يركبون الخرفان. وأن الظباء في نواحي " البصرة " تلد الجحاش. والناس في الشام يبغضون الأبارين وكذلك في العراق، ولا يرون قتلهم إلا بحق، فأما الأبارة فقتلها مباح في كل الأحيان.
والسنانير إذا كانت في أرض البادية تقلدت بالسيوف ولعبت بالرماح.
وكان في هذه الأرض قاض يحب الفالوذ فكان إذا رقد وضعه قريبًا منه، فإذا انتبه في بعض الحندس لمص. وكانت المضيرة إذا حضرت بين يديه كلمته فسمع كلامها الشهود.
وكان بعده قاض آخر يأكل الخناثر ويحتسي الحليب ويستعمل في مطعمه رسل المعز والضأن، ويعجبه ما يحتلب من الجواميس، وما يعلم أنه ذاق لبنًا قط!.
وفي البادية راع لا يزال في صيف وشتاء يحمل جحشه في يده ومعه جحشان لا يفارقانه: موقعهما بجنبيه ينام وهما معه، وينتبه وهما كذلك.
وفي قرية من هذا الإقليم أتان يشهد الثقات أن لها أكثر من ثلاث مائة سنة، وحماران يوفيان على هذه المدة. ولا عجب من أمر الله، قد مرت بنا منذ سنين جارية شهد خلق كثير أن عمرها زائد على ألف سنة.
وكانت في " حمص " عجوز لها دجاجتان أقامتا في تابوت نحوًا من ستة أشهر أو سبعة بغير علف ولا ماء، ثم خرجت بهما إلى السوق فباعتهما، ولم ينقص طول الحبس ثمنهما.
وكان في " وادي بطنان " راهب يشرب بول الأسد ولا يشرب بول اللبؤة. وكان في " بالس " خطيب يتطهر ببول العجل والعجلة، وإذا أصاب ثيابه شيء من بول الثور غسله.
وكان ب " الرقة " طبيب يفصد السواعد، ويسقي الأعلاء في بعض العلل ما يخج من السواعد. وإذ اعتل رجل ب " لموصل " استد فرقه من المحموم.
وفي نواحي " نجران " خيل لها قرون.
وفي " دمشق " عجوز ولدت بيضة في عمرها، ثم لم تعد إلى ذلك.
[ ٣٣ ]
وقد شاهدت أنا جاموسًا خرج من بيضة، ورأيت الفرس يخبط بيديه البيضة فلا يكسرها. وما عنيت بيضة الحديد، لأن ذلك معروف منها الصلابة.
والأوعال في جبالها تراقب الصوم، ولا تراقب الصلاة.
وفي " الرملة " رجل يصلي ويتحدث البيت ذلك وهو قاعد لم يقم ولم يركع ولم يسجد ولم يذكر الله، ولا هو على طهارة. وقد شهد له المسلم والكافر أن يصلي، وهو في تلك الحال.
وفي مذهب الفقهاء أن من وطيء الجامع وهو على طهارة وجب عليه الغسل فإن وطيء كنيسة فلا شيء عليه.
وكان " محمد بن إدريس الشافعي " لا يقرب الجامع ويبيت في الكنيسة.
ومن رأى " أبي حنيفة " أن من قتل حرًا فلا شيء عليه.
ويجوز في مذهبه أن يطبخ لحم الفقيه، فأما الفرضي والنحوي فلا يعرض لهما إلا بخير.
ومن بالجزيرة من العرب، يأكلون في السنة المجدبة لحوم الفقهاء.
وفي نواحي اليمن قوم فقراء يأكلون الذرة ويكيلونها بالذهب. ولعل فيهم من لم يملك دينارًا قط. ويقال إنهم يأكلون لحم الشيطان.
والدجال قد ظهر منذ سنوات في عمل " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أدام الله سلطانه. وهو يكون عند بعض الجنود بمدينة " حلب " حرسها الله.
وكذلك ياجوج. فأما " ماجوج " فلا خير منهم إلا أن يدعي ذلك بعض المتسامحين في القياس.
والقاضي ب " حلب " عادل منصف، على أنه يجيز أن يطبخ المظلوم بقدير أو مرجل، ويبيح أن يضرب خد المظلومة بالفؤوس. وفي دينه أمر الظالم بمعونة الظالمة. ويحل للخباز أن يأكل كبد العجان وغيرها من جسده. ويحب أن يدخل الجنة، على أنه يبغض الحور. ولا يلتفت إلى قول الغافر، ويود أنه غفر له. ويطلق لأم الولد إذا مات عنها سيدها ثم تزوجت، أن تبيع زوجها من المسلم واليهودي والنصراني.
ومن الأخبار الصحيحة أن أهل " سرمين " وأهل " قنسرين " لا يقدر أحد منهم أن يمس ذنب الدجاجة، فمن ادعى منهم أنه يقدر على ذلك فهو كاذب.
وههنا قرية تعرف ب " الكفر " إلى جانبها قرية تعرف ب " البارة ".
فأما " الكفر " فمقيمة في الشتاء والصيف. وأما البارة فتسافر في قيظ وربيع.
وأهل الزوج لا يفرقون من الرجل المستيقظ، ورجالهم ونساؤهم تفرق من النائم.
وساكنوا القرى من الكرابين، إذا نزل بهم الضيف ذبحوا له الدجاج وصانوا عنه البيض.
والنصارى ينتظرون نزول " المسيح " صلى الله عليه. فهل شعروا أن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - إذا ركب لامتحان الفوارس في ميدان السلم نزل المسيح لا محالة؟ وما في الأرض نصراني ولا نصرانية إلا وهو يذم القس، وإن أتياه فيمن يأتيه حتى ملك الروم وبطارقته.
ولا يمشي الرجل في " تنيس " بنعل عربية إلا ومعه بطريقان.
وفي بلاد " حلب " حرسها الله، قرية تعرف ب " أورم الكبرى " لا يدخل عيون أهلها الكرى. والنعامة في كل ليلة تبرك على أهل " عزاز " وب " الرملة " قوم سمرة يحرمون السبت، وفي " دمشق " سمرة مسلمون يحلون السبت.
وخير الأمراء من يحوط الرعية ويمنع الغاوين من شقهم عصا الملة، ويحب القناة والسيف ويبغض القصبة. فالحمد لله الذي جعل " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - كذلك.
والقاضي ب " مدينة السلام " لا يدخل عليه عدل من عدوله إلا ومعه دفان، كل واحد منهما أحب إليه من مائة دينار، والساج من بعد على كتفيه.
وأهل " منبج " لا يرى العجل منهم عند أميرهم أو قاضيهم.
وأهل " بعل بك " يفرح الرجل منهم بأن تكون له الأمة، وكلهم يبغضون الحرائر. وبلادهم كثيرة الكروم، ولا يرى الرجل منهم في كرم طول عمره.
و" جوسية " يجوز أن تجتمع فيها الكوفة والبصرة ومصر، في يوم خميس أو جمعة.
وأهل " رفنية " يأمنون البيت والمسجد، ويفرقون من الدار.
وكانت العرب تتشاؤم بالصرد وهو طائر أخضر يسمى الأخطب، وإياه عني " امرؤ القيس " بقوله:
كما رعت في الضالَةِ الأَخطبا
وبحتر من طيء لا يرى الرجل منهم إلا ومعه صردان في ليل ونهار، وكذلك كان " الوليد بن عبيد البحتري ".
وإذا ركب " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - دعا له البرج والصور بدعاء يفهم، وكل عبيده يرجو البق ويبغض الذباب، ولو وقف بعضهم على ظهور الأسد يومه أجمع لما شعرت به.
وهو، أعز الله نصره، يغضب على من ينظر إلى غراب لا يملكه، وتثنى عليه الدرة وتفر الصدفة خشية العقوبة.
[ ٣٤ ]
وأهل مملكة " محمود " يزعمون أن له سبعمائة فيل، يستعظمون ذلك. ولو أراد " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - أن يجمع في اليوم الواحد عشرة آلاف فيل على نحض وثريد لفعل.
ومثل هذه الأخبار كثيرة لا تحصى، وأقتنع بما ذكرت خشية الإطالة.
فيجوز أن ينطلق الله البعير فيقول: " دهدرين، سعد القين "! إن جرفك لمتهدم، وإنك لمجتريء على الكذب. وما يحسن بمثلي وأنا مخلف عامين، أن ينقل باطلًا ولا يتحمل كذبًا. يا نغل يا وغل، لعنت ورعنت وطعنت! ربك منك ينتقم، فلذلك عقمت فيمن عقم. أعلى " أهل البيت " ﵈ تلع؟ لعلك لهم ناصب فيصيبك عذاب واصب. أزعمت أن الريحانتين " صلى الله عليهما لم ير أحدهما الآخر، وحكمت أن " البسطين " يجريان مجرى القرطين هما في الحقيقة أخوان ولكنهما لا يلتقيان؟ وهل فرق بينهما شيء إلا الموت؟ ولعمري إن " الحسن " قد سافر تلك السفرة ولم يكن " الحسين " معه.
وزعمت أن " محمد بن علي " لم ير جعفرًا في داره، فمن الذي نقل ذلك إليك؟ أليسا " بالمدينة " كانا قاطنين؟ أفتظنهما كانا لا يتزاوران؟ لقد كذب ظنك ولم يوفق رأيك. إنما يترك الزيارة من ينسب إلى العقوق.
فأما الولد البر والأب المشفق فلا بد لهما من الزيارة. وقد دلت الأخبار أن " جعفرًا " ﵇ كان يسكن مع أبيه في الدار برهة من الدهر.
وأما قولك إن " الزهراء " صلى الله عليها، لم تر " عليا " ﵁ في بيتها، فعليك بهلة الله، " أين كانت تلقاه؟ أفي بيوت الناس أم على ظهور الصعدات؟ " وزعمت أن الخل كان يحضر مائدة " علي بن الحسين " فيسأل عن الحلال والحرام. وهل للخل أرب في ذلك؟ ما يشعر الخل، وجدك، أفي خابية خل ألقى أم لشاكى صفراء سقى؛ ولا يبالي أطبخ به لحم خنزير أو لحم فصيل؛ ولا يحفل أأدم به الناسك رغيفًا أم تصبغت به الفاجرة حليفة العهار، ولا يحس أجمد في شتاء بارد أم غلت به البرمة فوق الجمر الواقد. وهل هو فيما زعمت إلا كماء الكحب والسليط وما يعتصر من الثمار والورد؟ وما يؤمنك إذا ادعيت ذلك أن يدعى مدع للخمر أنها لقيت بعض الأثمة فسألته عن نفسها فزعم أنها حلال؟ وما تنكر، إذا قلت ذلك، أن يقول قائل: إن نبيذ التمر فقيه يفتي فيما يرد من المسائل؟ ثم زعمت أن " عليًا " - صلى الله عليه - كان لا يكره أن يبال في الخل. فبعدًا لك من مناقض بين خبريك! فالعجب من كلا أمريك: بينما جعلت الخل متفقهًا، عدت فزعمت أنه لا حرمة له كغيره من الأطعمة والأشربة. ومعاذ الله، لو جاز أن يفعل ذلك بالخل، لجاز أن يفعل ذلك باللبن والزيت.
وزعمت أن " السبطين " كانا يتطهران بالبسر ويغتسلان منه. فما الذي تقصد بهذا القول؟ لو جاز التطهر بالبسر لجاز بالعنب والبلس وكل الثمار. اللهم إلا أن تعنى أنهما كانا يعطيان البسر لمن يجيئها بالماء.
فإن كنت أردت ذلك فأي فائدة في كلامك؟ تجوز الطهارة على هذا بالإهليلج والصبر وكل ما ينتفع به الآدميون.
وزعمت أنهما كانا يأخذان البث بأيديهما فيضعانه في أفواههما. وذلك من المنكرات: إنما يؤخذ باليد ما تشغل به الأماكن. فأما الأعراض فلا يقدر أحد أن يدعى فيها ذلك. هل يمكن رجلًا أن " يقبض على السواد أو البياض أو الرائحة؟ ولكن قد اختلف المتكلمون في الحركة، وهي عرض، فقالت طائفة: الحركة لا ترى، وهو مذهب النحويين. وقالت طائفة أخرى: بل الحركة مرئية وليس لها تعلق بهذا القول. وقد نفى بعض المتكلمين الأعراض؛ وإلى ذلك ذهب " الأصم " ومن أخذ بقوله.
ولو جاز أن تقبض الكف على البث، جاز أن تقبض على السرور وعلى الغيبة وعلى الظن وعلى غير ذلك من الأعراض.
وأما زعمك أن " عليًا " كان يضرب أم الصبيين بسيفه، فإنما فعل ذلك لحدث أحدثته أوجب لها أن تضرب.
وادعاؤك أنه كان يكره دخول الأعمى المسجد، كذب لم يروه أحد من الشيعة ولا من غيرهم. وما خلت المساجد في عصره، ﵇، من المكفوفين يقرأون القرآن في المساجد ويقرأونه الناس ويؤمون بالجماعات.
[ ٣٥ ]
وقد كف قوم من أصحاب رسول الله ﷺ فما روى أن أحدًا منهم منع من المسجد. وقد نقل في الأخبار أن " ابن أم مكتوم " - وكان اسمه عمرًا فسماه رسول الله ﷺ: عبد الله - شكا إليه مجيئه للمسجد وكان بعيد الدار، وبينه وبين المسجد أشب، أي شجر ملتف. فلم يرخص له ﷺ في ذلك. - وابن أم مكتوم من المهاجرين، عامر بن لؤي، واسم أم مكتوم " عاتكة ابنة عبد الله ابن عنكثة بن عامر بن مخزوم ".
أو ليس " أبي بن كعب " كان يقرىء الناس القرآن " في مسجد رسول الله ﷺ؟ والمسلمون بعد مجمعون على أن الأعمى مندوب إلى حضور الجماعات إذا كان يقدر على ذلك. وقد روي عن " أبي حنيفة " أنه كان يكره إمامة الأعمى، والناس على خلافه. " والإمامة لعمري غير الدخول، ولو سمع هذه الحكاية عنك أضراء المساجد الذين يقرئون فيها القرآن ويلقنونه الناس، لابتهلوا عليك في أعقاب الختمات، فلقيت من العقوبة ما يتعوذ من قليله الكفرة والمؤمنون. ولو علم هذا منك قوم يتوسلون في المساجد يخبطون الأرض بالعصى، لوقفوا لك في بعض طرقك وخبطوك بعصيهم خبط الراعي السلمة، فما أجدر دمك عند ذلك أن يكون فزغًا جبارًا؛ ولديها تنسى ما لقيت من وبيل الغلام الغارم الذي يستأجر لسوقك.
ثم أضفت إلى دعواك هذه، أنه كان لا يمنع أن تلقى البساطة على الضرير. ولو بلغت هذه المقالة رجلا في هذه البلدة وهو ضرير حنزقر أعجر قد جعل له " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - جراية في وقف الجامع " بمعرة النعمان " فخظى وبظى وقويت نفسه ونفذ عزمه، لقعد لك في بعض المضايق ومعه عرزجلة عجراء، هي في العصى مثله في الناس قصيرة غليظة، فاستقبلك بها لبنًا وبزرًا بزرًا وهو يرتجز بصدر هذه الآية:
ليس على الأَعمى حَرَجْ ولا على الأَعرجْ حَرَجْ
وتحمله الرغبة في إقامة الوزن على أن يسكن جيم حرج وجيم الأعرج.
فأما تسكين جيم حرج، فكما تسكن الحروف في القوافي. وأما تسكين جيم الأعرج، فضرورة، كما " قال الشاعر:
إِنك لو باكرتِ مشمُولةً حمراءَ مثلَ الفرسِ الأَشقَرِ
رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ ما فيهما وقد بدا هَنْكِ من المِئْزَر
وإنما قلت: يرتجز بصدر هذه الآية، لأن أشياء في الكتاب الكريم قد استعان بها الشعراء في النظم، ففيه آيتان متصلتان حذفت منهما لام واحدة، ووصلهما " الحكمى " بالوزن الخفيف فقال:
أَرَأَيتَ الذي يُكذبُ بالدينِ فذاكَ الذي يَدُعُّ اليتيما
وآية أخرى إذا حذف منها إن، أمكن أن توصل بالضرب الأول من السريع فقال:
يا أَيها الناسُ اتَّقُوا ربَّكم زلزلةُ الساعةِ شيءٌ عظيم
ويحك! ألم يكفك أنك ادعيت كراهته لدخول الأعمى المسجد، حتى جعلته لا يمنع أن تلقى السباطة على الضرير؟ فإن كان مؤمنًا فكيف يأمر بذلك؟ وإن كان كافرًا فغير هذا الصنيع يجب أن يكون عقوبة للكافر.
والعجب كل العجب لهذا التضرير، له جزء في ملكك وهو يسمع خبط حوافرك والنبأة من شحيجك في ليل ونهار، كيف لا يزجرك عن هذه المقالة إن كان قد علمها منك؟ وكيف يصل إلى علم تكل؟ هيهات هيهات! ولو علم كان ضعيفًا ركيكًا خليقًا أن يحتمل كل ضيم وأن يصبر على كل أذاة. وبعض من لا يعرفه من العامة يظن أنه من أهل العلم. كذبت الظنون، لو كان كذلك لولب من حضرة " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - لأنه كما قيل في المثل: لا مخبأ لعطر بعد عروس.
ولكنه، المسكين لا يبهج لثناء يكذب عليه.
وزعمت أنه كان يجيز التيمم من التراب وعليه أبوال البغال. فمن حدثك هذا؟ أبغل أسنده لك عن بغل؟ لا اختلاف بين الفقهاء أن بول ما لا يوكل لحمه ليس بطاهر. وإنما جاءت الرخصة في أبوال الإبل، أفحسدتنا على ذلك يا لعين؟ أليس رسول الله ﷺ أمر العرنيين أن يخرجوا إلى الإبل فيصيبوا من أبوالها وألبانها؟ والعرب إلى اليوم فيهم من يشرب أبوال البكرات في الربيع من غير علة دعتهم إلى ذلك. أذكرت ما ذكرت ليفتخر به رهطك، وإنهم من ذلك الفخر لبرآء؟
[ ٣٦ ]
وذكرت أنه أحل قتل الأعرج والأعرج في الحرم. وما ذنبهما حتى يقتلا؟ أليس " أبو الأسود الدؤلي " من علية أصحاب " علي " ﵁؛ ولا اختلاف أنه كان أعرج. والعرجان في العرب أكثر من أن يحصوا في الجاهلية في الإسلام، ما أحل العرج لهم دمًا ولا أباح منهم محظورًا. ولو بلغ قولك هذا رجلًا يعرف بالأعرج يخدم في العرصة، لما أغفلك من مكافأة. وأقل ما يخشى منه أن يأخذ من فنادق العرصة ما قدر عليه من ذي بطن الفارة، فيجمعه في ردنه، فيلقيه في معلفك.
وزعمت أنه قطع يد الفيل على السرق. فمن فتح لك هذه الطرق من الكذب؟ والذئب والثعلب يسرقان منذ كانا، وهما ذليلان خسيسان ما قطعت أيديهما على ذلك. فكيف تقطع يد الفيل، والأسد يستخذي منه؟ وإنه ليكون في الجحفل العظيم فلا يكون هنالك أعز منه، وإنما يحضر لنصرة الملوك، والسرق من أخلاق السفلة. وكيف يسرق الفيل ولو غصب أجل قائد في العسكر لنفذ له الحكم عليه؟ والحيوان إذا قدر على الغصب لم يعرض للسرق. فبعدًا لك! لم يقنعك أن تكذب على نفسك ونظائرك وصغار الدواب، حتى كذبت على أعظم دابة تعرف.
لو علم بهذه الزلة أبو دغفل لما غفل ولو أضاع الدغفل.
وكيف تفرق من الكذب على الفيل وقد كذبت على " علي " ﵇ وولده الصالحين؟ وزعمت أنه كان يلعن البقرة ولا يقول في الثور إلا خيرًا. فترب لك وجندل! ما الذي جنته البقرة حتى يلعنها أمير المؤمنين؟ أليست أم الثور وأخته وابنته؟ فكيف وجب له خير منعت منه، وهي ألين عريكة وأذل نفسًا وأقل جناية بالقرن؟ أليست تكرب الأرض مع الثور وتشاركه في جر النيارج، ولا تمتنع من أعمال الآدميين؛ وربما حمل عليها الراكب في السفر فبلغته ما يريد؟ وأحسبك من جهلك ذهبت إلى بقرة بني إسرائيل التي أمرهم " موسى " أن يذبحوها في القصة المعروفة. فإن كانت تستوجب اللعنة لأن ذبحها مأمور به، فقد وجبت اللعنة على " كبش إبراهيم " وعلى عتائر الناس ب " منى " في أنواع النسك من التطوع وجزاء قتل الصيد وما يفعله المحرم من لبس ثوب أو مس طيب.
إني لأرى قي قراح على طريقك إذا انصرفت، باقرًا ترتع، ولو علمت إناثه بدعواك لعمدت لك في روحتك بصياصيها المذلقة فرحت إلى مربطك وما في جسدك عضو إلا وهو كسير أو دام. هذا إن سلمت من إتيانها على نفسك. أفحسبت " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أطال الله بقاءه - كان يعدي على البقر وقد بلغه الحديث المروي: " العجماء جبار "؟ ولعلك تظن في نفسك أنك يقاد بك، وهيهات، لا قود في البهائم إلا أن يقتل بعضها بعضًا في المعترك فتكون دماؤهن هدرًا. ولذلك قالوا في الممثل: " باءت عرار بكحل " وهما بقرتان كانتا في الدهر الأول. ولو أقيدت بقرة ببغل لسب من يفعل ذلك كما سب " ربيع العامري " فقيل فيه:
شهدتُ بأَن اللهَ حقٌّ لِقاؤه وأَن ربيعَ العامريَّ رقيع
أَقادَهمُ كلبًا بِكلبٍ ولم يَدَعْ دماءَ كلابِ المسلمين تضيعُ
والبقرة خير منك، لأن لحمها يتقرب به إلى الله سبحانه فتجزيء عن سبعة. ولي الفضيلة عليها إذ كنت مطية الصالحين، لأني أجزيء عن سبعة أيضًا، وأنا أكثر بضيعًا منها. فأما لحمك فرجس نجس إنما يرغب فيه كلب أو نحوه.
وزعمت أنه كان يأكل الصقر. وقد علم ربك بطلان ما تذهب إليه. أ " علي " ﵇ يفعل ذلك وقد جاء " محمد " ﷺ بتحريم سباع الطير صقرها وبازيها وعقابها وغير ذلك من الصوائد؟ ولم يكفك ادعاؤك أنه كان يأكل الصقر حتى زعمت أنه كان يعلم البازي أخلاق الصالحين. وما نعلمه علم طائرًا شيئًا من ذلك. وكيف صار البازي أولى بتعلم صالح الشيم من الشاهين والحمامة وغيرهما من الطير الوادعة المتظاهرة بترك الشرور؟ وكيف زويت هذه المنفعة عن الديك وهو وأسرته يتوارثون الأذان من عهد " بلال بن رباح " ولا يزال مؤذن منهم في أوقات الصلوات ما بقي في الأرض إسلام؟ أليس في الحديث الذي يحكى عن " العزيز " أن الله اختار من البهائم الضائنة ومن الطير الحمامة ومن الشجر الحبلة؟ والديك لا يرتاب في أنه من صلحاء الطير.
ألم تبلغك تلك الحكاية أن امرأة سمعت قول الشاعر:
وكأْسِ عُقَارٍ يَحْلِفُ الديكُ أَنها لدى المزجِ، من عينيه أَصفَى وأَنْوَرُ
فقالت: الديك من صلحاء الطير ولم يكن يحلف إلا صادقًا؟
[ ٣٧ ]
ولعلك زويت هذه الفضيلة عن الديك لأنه ربما أذن بالصبوح فنهض إلى الكأس الشرب كما قال " عبدة بن الطبيب ":
إذ أَشْرفَ الديكُ يدعو بعضَ أُسْرتِهِ إِلى الصَّبوحِ وهمْ قومٌ مَعازيلُ
وقال " الجعدي ":
ودَسْكَرةٍ صَوْتُ أَبوابِها كصوت المواتِحِ بالحَوْءَبِ
سبقتُ إِليها صياحَ الديوك وصوتَ نواقيسَ لم تُضْرَبِ
أتؤاخذ المؤمن من الديوك بذنب الكافر، وتلزم برها جريمة الغوى؟ إن ذلك لجهل منك، وكل العالم في الإسلام لا يخلون من قرناء كانوا على الكفر حتى اختلفت الأئمة في آباء رسول الله ﷺ وأجداده فقالت الشيعة: لم يكن بينه ﷺ وبين آدم إلا رجل مؤمن. وروى غيرهم أحاديث في ضد ذلك كثيرة، منها أنه " ﷺ " قال ل " عدي ابن حاتم الطائي " وقد قال له: يا رسول الله، اخبرني عن حاتم. فقال: " أبي وأبوك في النار " وفي حديث أنه قال: " اطلعت في النار فرأيت فيها قصي ابن كلاب يجر قصبه، فسألته عن من بيني وبينه من الآباء فقال: هلكوا ".
في أحاديث كثيرة. وفي الكتاب العزيز: " وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى ".
وقرأ " المدني ": " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " بالجزم على النهي. فجاء في التفسير أن قال ﷺ: ليست شعري ما فعل أبواي؟ فقيل له: " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ".
ولعلك تؤاخذ الديك بما قال " بشار " فيه:
يا أَطيبَ الناسِ رِيقًا غَيْرَ مُخْتَبَرٍ إِلا شهادةَ أَطرافِ المساوِيكِ
قد زُرتِنا زَورةً في الدهرِ واحدةً عُودِي ولا تجعليها بَيضةَ الديك
وما الذي يلحق الديك فيما قال " بشار " من المسبة أو المأثم؟ وهل هو في هذا إلا مثله في قول " ذي الرمة " لما وصف سقط النار فقال:
وسِقْطٍ كَعيْنِ الديكِ نازعتُ صُحْبَتي أَباها، وهيَّأضنا لموضِعِها وَكْرا
فلمَّا بدتْ كفَّنتُها وهي طفلة بطَلْساءَ لم تكملْ ذراعًا ولا شِبْرا
وقلتُ له ارفَعْها إِليكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ واقْتَتْ لها قيتةً قَدْرَا
وظاهِرْ لها من يابِسِ الشخْتِ واستَعِنْ عليها الصّبا واجعل يَدَيكَ لها سِتْرا
فما تَنَمَّتْ تأْكلُ الرِّمَّ لم تدَعْ ذوابلَ مما يجمعون ولا خُضْرَا
ولما جَرَتْ في الجَزْل جَرْيًا كأَنه سَنَا الفجر، أَهْلَلْنا لخالِقها شُكرا
فلا فضيلة للديك في أن " ذا الرمة " شبه عينه بسقط النار. كما أنه لا عار عليه فيما ذكر " بشار ". ولو أدركه من ذلك عيب لكان من يذكره الشعراء من النساء في النسيب ومن يعمدون له بكذب وهجاء، غير متعر من القالة ولا بريء من القصب ولعلك سمعت ما يتحدث به الناس عن الزمان القديم من أن الديك والغراب كان صديقين في الدهر الأول، وكانا يتنادمان. فشربا عند خمار أيامًا فلما نفد شراب الخمار وأحس الغراب أنه يريد الثمن، أصبح يومًا والديك نائم فقال للخمار: إني ماض فآتيك بحقك، وصاحبي هذا رهن عندك على مالك. وذهب فلم يعد. وذكر ذلك " أمية بن أبي الصلت الثقفي " قال:
بآيةِ قام يَنطِقُ كلُّ شيءٍ وخان أَمانةَ الدِّيكِ الغُرابُ
أَقاما يشربانِ الخَمْرَ دَهْرًا فخانَ العهدَ إِذ نَفِدَ الشرابُ
فمثل هذا الحديث لا ينبغي أن يلتفت إليه، وإنما تلك أكاذيب تحدث بها أهل الكتب من اليهود والنصارى وسمعها " أمية بن أبي الصلت " وغيره فنظمت في الشعر. و" أمية " توجد في شعره أخبار كان ينقلها من الكتب الموجودة في أيدي أهل الملتين المخالفتين. منها أن الهدهد قبر أمه في رأسه، فلذلك ريحته منتنة. قال:
غَيْمٌ وظلماءٌ وفضلُ سَحابةٍ أَيامَ كَفَّنَ واستزادَ الهُدهدُ
يَبْغِي القرارَ لأُمِّه لِيُجِنَّها فبَنَى عليها في قَفاه يَمْهَدُ
ولعلك إذا صح معك هذا الحديث، تعيب الديك بالغفلة والبله وتقول: قد جرى له مع الغراب ما سلف وكان ينبغي أن يتأدب، لأن المثل القديم:
[ ٣٨ ]
" لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ". وقد قيل إن النبي ﷺ قال ذلك ل " أبي عزة " الشاعر وكان يهجو النبي ﷺ. فأسر " يوم بدر " فأطلقه. فلما وصل إلى " مكة " عاد إلى ما كان فيه من الهجاء. فأتى به مرة أخرى أسيرًا فسأله الإطلاق فقال ﵇: " لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ".
وإنما تعنى برجوع الديك إلى مصاحبة الغراب قول الشاعر:
ولاحِقةٍ بأَعْجازِ المطايَا يَقيلُ الديكُ فيها والغُرابُ
وليس في هذا البيت دليل على اجتماع هذين، وإنما هو بيت معنى، يعنى بقوله " ولاحقة بأعجاز المطايا " الظلال. والديك والغراب وكل الحيوان الذي في الأرض يقيل في الظلال إلا أن يكون الحرباء وما هو مثله في البروز للشمس. ولعلك لحقك حسد للديك لما سمعت قول القائل:
كأَنَّ الديكَ، دِيكَ بني نُمَيْرٍ أَميرُ المؤمنين على السريرِ
فهذا تشبيه لا فخر للديك به. أليس " علي " ﵁ قد مر ب " عبد الرحمن بن عتاب " وهو مقتول، فقال: هذا يعسوب قريش؟ فأي فخر لليعسوب بذلك؟ وفي حديث آخر: " فعندها يضرب يعسوب الدين بذنبه فتجتمع إليه فرق المسلمين كما تجتمع قزع الخريف " وإنما اليعسوب ذكر النحل، وقد يسمى ذكر الجراد يعسوبًا وكذلك بعض الجعلان. ولا فضيلة للشيء من أحناش الأرض زقع به التشبيه. وإنما هذا البيت لرجل يصف نفسه بالسكر وزوال العقل، وأنه قد بلغ إلى حال يتصور فيها الأشياء بغير ما هي عليه. والأبيات:
شرِبْنَا شَربةً من ذاتِ عِرْقٍ بأَطرافِ الزُّجاجِ من العَصيرِ
وأُخرى بالمُرَوَّحِ ثم رُحْنَا نرى العُصفورَ في خَلْقِ البَعيرِ
كأَن الديكَ، ديكَ بني نُميرٍ أَميرُ المؤمنين على السريرِ
ورُحْتُ أَرى الكواكبَ دانياتٍ تنالُ أَنامِلَ الرجُلِ القَصِيرِ
أُدافِعُهنَّ عن رأسِي بِكَفِّي وأَمْسَحُ جانبَ القَمَرِ المُنيرِ
وإن كان في الديك بعض البله، فإنه مما يوصف به أهل الخير. وقد جاء في الحديث عن " المسيح ﵇ ": كونوا بلهًا مثل الحمام.
وفي الحديث المأثور أنه دخل الجنة فوجد عامة أهلها البله. فأما التباله فخلة يمدح بها الرجل إذا وصف بالكرم. قال " أبو دهبل الجمحي ":
تَخَالُ فيه إِذا حاوَرْتَه بَلَهًا عن مالِه وهو وافي العَقْلِ والوَرَعِ
أما النساء فقد كثر وصفهن بالبله. قال " حسان ":
منْ كلِّ ناعِمَةٍ غَضيضٍ طَرْفُها بَلهاءَ غيرِ وشيكةِ الإقدام
وقال " أبو النجم ":
مِنْ كلِّ عَجْزاءَ سَقِيط البُرْقُعِ بلهاءَ لم تُحفَظْ ولم تُضيَّعِ
وقال " المرقش ":
في كلِّ يومٍ لها مِقْطرَةٌ فيها كِباءٌ مُعَدٌّ وحَميمْ
لا تصطَلي النارَ بالليلِ ولا توقَظُ للضيفِ، بلهاءُ نَئٌومْ
ولعلك تؤاخذ الديك، فحل الدجاج، بما جناه المعروف به " ديك الجن " الشاعر، فإنه كان شريبًا سكيرًا، وربما نطق بالإلحاد، وهو القائل:
هي الدنيا وقد نَعِمُوا بأُخرى وتسويفث الظنونِ من السَّواف
إلا أنه قد أقر في بعض شعره بذنبه واستغفر. وقد جرى على ألسن العامة: المقر بذنبه كالتائب إلى ربه. وإنما عنيت قوله:
أَستَغفِرُ اللهَ لذنبي كلِّه قتلتُ إِنسانًا بغير حِلِّه
لُحسْنِ عينيه وحُسْنِ دَلّه وانصرم اليومُ ولم أُصَلِّه
وقد مر من قول الصاهل من أن توافق الأسماء لا يوجب اتفاق المعاني المقصودة، ما فيه كفاية. وليس لك حجة في أن النحويين ربما أعملوا الحرف عمل الحرف إذا كان في لفظه ولم يكن في معناه. وكذلك قالوا في بيت " الفرزدق ":
لو لم تَكُنْ غطفانُ لا ذُنوبَ لها إِليَّ زادتْ ذوو أَحسابِها عُمْرَا
فزعموا أن " لا " ها هنا زائدة، وأنها علمت عمل النافية، والمعنى أنه أثبت الذنوب لغطفان. وكذلك قول الآخر:
يُرَجّى المرءُ ما إِن لا يَراهُ وتَعْرِضُ دونَ أَدناه الخُطوبُ
فإن الخفيفة قد جرت عادتها أن تدخل زائدة بعد ما النافية.
كما قال " فروة بن مسيك المرادي ":
[ ٣٩ ]
وما إِن طِبُّنَا جُبْنٌ ولكنْ منايانا ودولةُ آخَرِينا
وهو كثير في الشعر وغيره. فلما كانت " ما " في قوله " يرجى المرء ما إن لا يراه، على لفظ النافية، دخلت بعدها إن، وإن كانت في معنى: الذي وهذا شاذ لا يقاس عليه، ولا يسلم لك أن تحتج بمثله.
ولعلك تزعم أن الديك مغن، وتحتج بالأبيات التي أنشدها " أبو ربيعة " في كتاب النسيب، والأبيات:
حلفتُ يمينًا للأُضاخِيِّ بَرَّةً وأُخرى على أَمثالِها أَنا حالِفُ
لقد شاقني تَحنانُ عَجْلَى ودونَها من الدّرْب بابٌ مُغْلقٌ وسَقائِفُ
لَعَمْري لَئِنْ أَصبَحت في دَارِ تَوْلبٍ يُغَنِّيك بالأسحارِ ديكٌ قُراقِفُ
لقد طال ما غنَّيتَ في الشَّوْل لم تَزُرْ خليلًا ولم يَأْلفْ بكَ الحَيَّ آلِفُ
وكم من حبيبٍ قد أَزَرْتِ حبيبَه وآخرَ قد نجَّيتِه وهو ذائِفُ
وكلُّ المطايا بعدَ عَجْلَى ذميمةٌ قلائدُ والمُبْرَياتُ الطرائف
فإنما قال: يغنيك، حتى يتفق له الوزن. ولو كان وزن الشعر يصح بقوله: يؤذن لك، أو: ينبهك، أو: يطربك، لعدل إليه.
ولا ريب أنك لم تر الحمامة أهلًا لتعلمها أحكام الدين، كما رأيت البازي أهلًا لذلك. لأن الحمامة بظنك مغنية، وتستدل على مذهبك بإجماع الشعراء. لأنها توصف بالغناء في سالف الدهر، وقد لزمها ذلك إلى هذا العصر، وإذا لم تظهر التوبة من المغنية وجب أن لا يحكم عليها بالدين. وهؤلاء الذين شهدوا عليها بالغناء يصفونها أيضًا بالنياحة والبكار. فهذان القولان متناقضان: أحدهما وصف بالفرح والآخر وصف بالحزن والترح. فعلى أي القولين تقول؟ إن كانت نائحة بأجر فلعمري إن ذلك لمن المنكرات، وإنها لأثبت على هذا الخلق من " ابنة الجون " النائحة المشهورة التي كانت في العرب. وقد ذكرها " المثقب " فقال:
كأَنما أَوْبُ يَدَيْها إِلى حَيْ زومِها فوق حَصَى الفرقدِ
نَوْحُ ابنةِ الجَوْنِ على هالكٍ تَندُبُه رافعةَ المِجْلَدِ
وإن كانت تنوح لنفسها دون غيرها من الأنيس والطير، فلعلك تؤاخذها بالحديث المروي عنه ﷺ: " ثلاثة من أمر الجاهلية: النياحة، والطعن في الأنساب، والأنواء ".
وهذه كلها دعوى من أهل الشعر، وليست الحمامة في الحقيقة مغنية ولا نائحة. وقد ادعى عليها " صخر الغي " إبانة عما في الصدر فقال وذكر الحمامة:
تَجِهْنا غادِيَيْنِ فساءَلتْني بواحِدِها، وأَسأَلُ عن تَليدِ
فقلتُ لها: فأَمَّا ساقُ حُرٍّ فبَانَ مع الأَوائلِ من ثمودِ
فقالت: لن تَرى أَبدًا تليدًا بِعَيْنِكَ آخِرَ الدهرِ الجَدِيدِ
كِلاَنا رَدَّ صَاحبَه بِيَأْسٍ وأَشجانٍ وتأْمِيلٍ بعيدِ
وقد بلغك دعوة " نوح " ﷺ لها، وأداؤها الأمانة له لما أرسلها. قال الشاعر:
وقد هَاجَني صوتُ قُمْريةٍ هتوفِ العَشِيِّ طروبِ الضُّحَا
مُطَوَّقةٍ كُسِيَتْ حُلَّةً بدَعوةِ نوحٍ لها إِذ دَعَا
من الوُرْقِ نوَّاحَةٍ باكرتْ عَسِيبَ أَشَاءٍ بِذَاتِ الأَضَا
تغَنَّتْ عليه بشَجْوٍ لها يُهَيِّجُ للصبِّ ما قد مَضَى
ألا ترى إلى مناقضته كيف جعلها نواحة مغنية في حال واحدة؟ ولعل صوتها تسبيح للقادر المجيد، ليس بنياحة ولا غناء.
وقولك في الحكاية عن " علي " ﵇: أنه كان يوطأ الجليل في زمانه بالقدم. فإنه كان لا يزيد جلة القوم عنده إلا رفعة ما ثبتوا على الديانة. فإذا زاغوا من المنهج وعدلوا عن المحجة خش أنوفهم بالذلة وعرنها بالصغار.
وقولك: إنه كان إذا رأى نبيذًا في الجر سأل عنه، فإن كان له أهل ألزمهم النفقة عليه وإلا جعل نفقته من بيت المال.
فنبيذ الجر إن كان مما يجوز أن يشرب فأي نفقة تلزم عليه؟ وإن كان مسكرًا أريق، فأي فرق بين نبيذ في الجر ونبيذ في السغد أو المشاعل؟ ألا تسأل ربك أن يحل عدة الكذب عن لسانك؟ وإنما دعواك هذه الباطلة كدعواك في الخل.
[ ٤٠ ]
وزعمت أنه كان يعظم " مكة " ولا يقول في " الطائف " إلا خيرًا ويأمر بضرب المدينة إذا عصت. وأي معصية تخشى من " يثرب " وقد دعا لها رسول الله ﷺ؟ وهل تألم لضرب لو عصت أو تعلم به إذا عوقبت؟ أفأرضها كانت تعتمد بالضرب أم جدرها المشيدة؟ أما الأرض فقد قال النبي ﷺ: " تمسحوا بالأرض فإنها بكم برة " فأحسب من ضربها بعد ذلك متعديًا غير مصيب. وأما الجدر فما الذي جنين حتى يضربن؟ إنما هي حجارة وطين. ولعلك تذهب إلى أن السارق إذا نقب وأخذ متاع البيت وجبت على الحائط عقوبة. ولم يقل ذلك أحد من المسلمين. فإن عنيت بقولك إنه كان يأمر بضرب المدينة إذا عصبت، أهل المدينة، كما قال " تعالى ": " واسأل القرية التي كنا فيها "، فما الفائدة في إفرادك مكانًا دون مكان؟ لو قلت كان يأمر بضرب مكة إذا عصبت، لكنت قد ذهبت في ذلك مذهبًا.
وأما ادعاؤك أن الصعدة كانت تلد في زمانه، فليت شعري ما أولادها في زعمك؟ ومن زوجها فيما يحضرك؟ لو قلت إن الجعبة كانت تلد، لسوغ لك ذلك لأنها قد سميت أما وقد جعل السهام لها أولادًا.
قال الشاعر - ويقال إنها لتأبط شرًا:
هي ابنةُ حَوْبِ أمُّ آزَرَتْ أَخا ثِقَةٍ تَمْرِى جَباها ذوائبُهْ
أفتجيز عليها أن تحدث فتجلد أو ترجم؟ ما الذي أوجب زعمك أن الصعدة كان لها أبناء شهدوا " يوم الجمل، وصفين " ونفيت ذلك عن الرمح والسيف؟ لو ولدت الصعدة لولدت القوس. ولو سألت عن الحلال والحرام لم يعجز السيف المهند عن السؤال في مثل ذلك، لأنه أولى بالمعرفة وأحق. وروى أن رسول الله ﷺ قال: " الخير في السيف والخير بالسيف والخير مع السيف ".
وزعمت أن أصحابه، ﵇، كانوا يتبايعون الصمم بينهم ولا يتبايعون العرج ولا الحول. وأي قيمة للصمم فيباع؟ فإن كنت عنيت أن الرجل يضرب الرجل فيذهب سمعه بالضربة فتجب عليه الدية، فلا يمتنع مثل ذلك. ولكن منع من هذا التأول أنهم كانوا لا يتبايعون العرج ولا العمى. فليت شعري عن " همدان " - وكان فيما يقال يصحب " عليًا " منهم خل كثير بآذانهم الصمم - هل كانوا يشترون ذلك بنقد أو نسيئة؟ وقد كان " الكميت بن زيد " يوصف بالصمم وكان من الشيعة إلا أنه لم يدرك أيام " علي "، أفتراه اشترى الصمم أم أهدى له أو ورثه أم أخذه جائزة على قصيدة؟ والذي يخبر به المعقول أن " الكميت " ود أنه يبتاع فقد الصمم بمال كثير.
وزعمت أن النساء في أيام " علي " كن يتابيعن الزرق بينهن ولا يتبايعن الكحل ولا الدعج. وكذبت، ما في الأرض امرأة كحلاء تود أن عينها من الزرق. ومن ل " زرقاء اليمامة " أن تكون كحلاء وأن يذهب لها سوام ونخيل؟ وكذلك " الزرقاء أم عمرو بن الزرقاء " الذي تروى له أحاديث مع " تأبط شرًا " ويقال إنه المعنى بقول القائل:
حَمَلَتْ به في ليلةٍ مَزْءَودةٍ كَرْهًا وعَقدُ نِطاقِها لم يُحْلَل
والزرق من عيوب العيون ولا سيما في العرب، لأن زرقة العيون ليست غريزة تكثر فيهم، وإنما تكون في الرجل بعد الرجل.
وكأني بك يسق إلى ظنك الاحتجاج بقول الشاعر:
لا عَيْبَ فيها غير زُرقةِ عَيْنِها كذاكَ مُلوكُ الطيرِ زُرْقٌ عيونُها
فإنما ذكر الشاعر هذا محتالًا يحتج به، ولعله يضمر غيره.
وزعمت أنه كان لا يكره الصلاة فوق العنز إذا اتفق ذلك له. والعنز ليست مما يركبه بنو آدم فيصلوا فوق. لو قلت: غنه يصلي فوق الناقة والجمل والفرس وغيرها من المركوبات، لجوز لك ذلك لأن النوافل تصلي على أكوار الإبل وسروج الخيل، وقد يسمح بصلاة الفريضة على ظهر الراحلة والفرس عند شدة الخوف والمسايفة.
وزعمت أنه كان يأمر بقتل الهلال أين طلع. وأي ذنب أذنب إليه الهلال؟ ومن يقدر عليه من بني آدم؟ لو جاز قتله لجاز قتل القمر والشمس، ولم استحق الهلال أن يؤمر بقتله. وفي الكتاب الكريم: " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ".
ولعلك تذهب إلى أنه غم ليلة في أول شهر رمضان أو في آخره فصام الناس يوم فطرهم أو أفطروا يومًا من صومهم. وأي ذنب له في ذلك؟ لو استوجب القتل بذلك لاستوجبته الشمس التي تطلع بأوار ولهيب فتشتد على زوار " البيت الحرام " حتى يهلكوا من العطش.
[ ٤١ ]
يا جاهل، لو أمكن قتل الهلال لبقيت السماء بلا قمر لأن القمر هو الهلال. وكيف يدعى أرضي يأكل الطعام أن يصل إلى مساءة الهلال؟ أف لك ولرأيك فإنه أفين.
وزعمت أنه كان لا ينكر ذبح المقعد بالبصرة ولا الكوفة، وينكر ذبحة بمكة. فعاذ الله! أمير المؤمنين كان أرأف وأعدل مما تصف، وكم من مقعد نالته بركة أمير المؤمنين! وما الذي بينك وبين أهل العاهات والمحن؟ تزعم أن يطلق أذاتهم وقتلهم حتى تغرى بذلك لئام الناس! وما خرج سهم الأعمى، إلا فائزًا في قسمتك: زعمت أنه كان يكره دخوله المسجد، وهذا أيسر من الذبح والقتل. فظهر سرك واستسر علنك، أقول ذلك داعيًا عليك.
زعمت أنه كان يحمل القبيلتين والثلاث ويمش بهن في الأسواق.
فأحسبك نصيري المذهب تدعى ل " علي، ﵇ " ما ليس في قوى المخلوقين. ولو أن هذه القبائل التي ذكرت ذحوة وذحية والوقعة، وهي قبائل صغار، لتعذر ما زعمت فيهن.
وزعمت أنه كان يسير على ظهر الحية عامة يومه. فلا دارت عذبة لسانك بكلمة! أحية بر هذه أم حية بحر؟ إنما ادعى أهل الكتاب الأفلام الحية كانت في خلق الجمل أو الناقة، فقد ذكر ذلك " عدي بن زيد " في أبيات - وتروى " لأمية بن أبي الصلت الثقفي " قال:
اسمَعْ حديثًا كما يومًا تُحدِّثُه عن ظهرِ غَيْبٍ إِذا ما سائلٌ َأَلاَ
كيف بدا ثُمَّ رَبَّ اللهُ نِعمتَه فينا وعَلَّمنا آياتِه الأُوَلاَ
كانت رِياحٌ وسيلٌ ذو عُرانيةٍ وظُلمةٌ لم تَدَعْ فَتْقًا ولا خَلَلاَ
فأمَر الظلمةَ السوداءَ فانقشعتْ وسَيَّرَ الماءَ عما كان قد شغلا
وجعلَ الشمسَ مِصْرًا لا خَفَاءَ به بين النهار وبين الليلِ قد فَصَلا
وفي السماءِ مصابيحٌ تَضِيءُ لنا ما إِنْ تُكَلِّفُنا زَيْتًا ولا فُتُلاَ
قَضَى لِستَّةِ أَيَامٍ خَليقتَه وكان آخِرُ شيءٍ صَوَّر، الرَّجُلا
فأخَذَ اللهُ من طِينٍ فَصوَّره حتى إِذا ما رآه تَمَّ واعتدَلاَ
دعاه آدمَ صوتًا فاستجاب له ونفَخَ الروحَ في الجِسْمِ الذي جَبَلاَ
لم يَنْهَهُ رَبُّه عن غيرِ وَاحدةٍ من شجَرٍ طيِّيبٍ إِنْ شَمَّ أَو أَكَلاَ
وكانت الحيَّةُ الرقشاءُ إِذ خُلِقَتْ كما ترى ناقةً في الخَلْقِ أَو جملا
فلاَطها الله إِذ أَطْغَتْ خَليفتَه طولَ الليالي ولم يجعل لها أجَلاَ
تَمشِي على بَطْنِها في الأرض ما عَمِرتْ والتُّرْبَ تأكلهُ حَزْنًا وإِن سَهُلاَ
لو كانت الحية التي ذكرت، الحوت الذي يحمل الأرض لجازما وصفت.
وزعمت أن العقرب كانت تلقاه فتعم أصحابه بالأذية ولا تضره في نفسه.
وأي شيء العقرب حتى نصل إلى ذلك، وابن الست والسبع يقتلها بالغريفة والعدد الكثير من جنسها؟ ولكنك اجترأت على الكذب فقلت ما شئت. ولعمري إذا كانت الحية يسار على ظهرها المراحل، فيجب أن تكون العقرب على حسب ذلك.
وزعمت أنه كان لا يخضب الشيب ويجيز ذبح الخاضب ويحل أكل لحمه شواء أو قديرًا.
فأما ترك الخضاب فقد روى عنه. وقيل إنه خضب مرة ثم لم يعد له.
وادعاؤك أنه أطلق ذبح الخاضب، حدث عظيم. ويحك! ألم تعلم أن " الحسين " كان يخضب؟ ومنه الحديث الذي يرويه " عبيد الله بن الحر " أنه قال: " نظرت إلى الحسين وكأن لحيته جناح غراب، فقلت: أشباب ما أرى با ابن بنت رسول الله؟ فقال: با ابن الحر عجل على الشيب. فعلمت أنه خضاب ".
وقد روت الشيعة أن النبي ﷺ كان يخضب. أما الصحابة والتابعون فالخضاب فيهم كثير.
وهل بلغت المعصية بالخاضب إلى أن يذبح؟ وإنما أكثر ما يكره من الخضاب أن يغر به الرجل امرأة في التزويج فتظن أنه شاب. وقيل ل " ابن سيرين ": ما تقول في الخضاب بالسواد؟ فقال: ما لم تغر به امرأة مسلمة فلا بأس به.
وكان " عقبة بن عامر " يختضب بالصبيب. وقيل إنه ماء ورق السمسم، ويقال إن الصبيب شجر طيب الرائحة. قال " علقمة " فدل على أن الصبيب متغير اللون:
[ ٤٢ ]
فأَوْرَدْتُها ماءً كأَن جِمَامَه من الأجْنِ حِنَّاءٌ معًا وصبيبُ
وهب الخاضب جنى جناية فاستحق ا، يذبح، فكيف يجوز أن يقتدر لحمه ويتخذ منه الشواء؟ هذا كذب لا يسوغ في الإسلام. وقد زعمت الرواة أن " عمرو بن قعاس " سكر فذبح ابنه، وقال الأبيات المعروفة يقول فيها:
ولَحْمٍ لم يَنَلْه الناسُ قبْلِي أَكلتُ على خَوَاءٍ واشتَويتُ
وفي " أخبار ابن دأب " أو غيره، أن " معد بن نزار " نزل به ركب من جرهم في سنة مجدبة فذبح لهم ابنًا كان له وقال:
نِعمَ إِدَامُ الضيفِ والرفيقِ لحمُ غُلامٍ ماجِدٍ عريقٍ
يُلَتُّ بالأَحسابِ لا السَّوِيقِ
فهذا في الجاهلية الجهلاء يدفع ولا يصح، فما باله في الإسلامورسول الله ﷺ يقول: " الإسلام قيد الفتك " ويقول: " من قتل مسلمة أو معاهدة لم يرح رائحة الجنة " ويوجب للرجل من الموالي أن يقتص له من الصميم؟ وزعمت أنه كان يزوي الماء عن العليل، فما الذي أوجب ذلك له؟ أليس في " الكتاب العزيز ": " وجعلنا من الماء كل شيء حي "؟ وقد يجوز أن تعني استغناء العليل عن ذلك. فإن كنت أردت هذا الغرض فلا فائدة في كلامك. كل من لا حاجة به إلى الشرب فقد وجب أن يزوي الماء عنه إذ كان سقى من لا ظمأ به مؤديًا إلى ضد الصحة.
وزعمت أنه كان يجيز الكر على العدو وهو على غير طهارة ويتطهر بالكر.
فهذا يحتمل مغنيين: أحدهما أن تعنى أنه إذا كان على غير طهارة تجوز بها الصلاة ثم كر على العدو تطهر بالكر، فجاز له أني صلي. فهذا فاسد لم يجزه أحد من المسلمين.
والآخر أن تعنى أنه يتقرب إلى الله بالكر عليهم، لا أنه يقوم مقام الطهارة للصلاة. فهذا يجوز أن يكون كما قال تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " لا يريد أنهم إذا كانوا غير متأهبين للصلاة قامت لهم تلك الصدقة مقام التأهب، ولكنه يريد أنها تمحو ذنوبهم، كما قال " كعب بن زهير ":
يَتَطَهَّرون كأَنه نُسُك لهم بِدِماء مَن عَلِقوا من الكُفَّارِ
وزعمت أنه مر على سرير له آلاف سنين منذ صنع.
فليت شعري من أي خشب هذا؟ ما نعلم أحدًا في الأرض يدعى أن شيئًا من سفينة " نوح " صلى الله عليه، بقى إلى اليوم. والنصارى تكون معهم أشياء يدعون أنها من الخشبة التي صلب عليها " المسيح " ﵇. فإن كان هذا السرير ظاهرًا للسماء يصيبه المطر والحرور، فلا يجوز أن يبقى شيء من الخشب على ذلك. وإن كان متواريًا فما أدري ما أقول. إنك لتجيء بالمنكرات.
وأما قولك إنه كان يستعين بالغراب على طلب المياه، فلم يرو ذلك أحد من أصحاب الأخبار. وأي علم للغراب بمكان الماء وهو يسلك القفر فيموت فيه من العطش؟ ولو قلت إن الهدهد كان يعينه على ذلك لذهبت مذهبًا، لأنه جاء في الحديث أن " سليمان " صلى الله عليه، كان يستعين بالهدهد على طلب الماء لأنه كان قباقبًا، أي مهندسًا! وادعيت أن الهدهد كان يكلمه بكلام بفهمه الحاضرون، فكذبت وأحلت. ما زعم ذلك زاعم سواك. ولو أن " عليًا " فهم كلامه بخاصة يهبها الله له، لما جاز أن يفهم كلامه غيره. كما أن " سليمان " لم يكن أحد من أهل عصره يدعى المعرفة بكلام الهدهد ولا أغراض النمل.
وقد قال بعض الفلاسفة إن قوله تعالى حكاية " عن سليمان ": " يا أيها الناس علمنا منطق الطير ".
إنما يعني بذلك علم الموسيقى، لأنه تغلغل في معرفة الحروف واللغات والأصوات!.
وزعمت أنه كان لا يعجبه أن تدنو قرة العين إليه.
فهذا الإفك المبين: " إنا لله وإنا إليه راجعون " ما أجرأك على قيل البهتان! ما بعث الله من نبي ولا كان في أهل الأرض صالح إلا وهو يسره أن تقر عينه. أليس في الحديث المأثور: " وقرة عيني في الصلاة؟ ".
ولعلك تعني بقرة العين امرأة كان اسمها كذلك في زمانه. فما بلغنا أن امرأة من أهله ولا أزواجه ولا إمائه كانت تعرف بقرة العين.
ولكن قد يجوز في الممكن أن يكون كما ذكرت، وإن صلح ما ادعيته من هذا القول فيجب أن تكون قرة العين امرأة ليست له بمحرم، وقد جاء في بعض الحديث: " لأن أزاحم جملًا قد طلى بقطران أحب إلي من أن أزاحم امرأة عطرة " فإذا كان الأمر على هذه الجهة فلا فائدة في خصوصيتك قرت العين دون غيرها من النساء المعروفات بهند ودعد وجمل.
[ ٤٣ ]
وزعمت أنه كان يواجه الأسد ولا يحفل به ويكره أن تمر به الضبع.
وقد كانت الشجاعة مسلم له، ولا أعرف معنى دعواك في أمر الضبع وقد روى عنه بعض أصحاب الأخبار أنه سئل عن امرأة تزوجها فقال: وجدتها ضبعًا طرطبة.
أفعنيت هذا الحديث أم تعتقد أنه كان يتطير بالضبع؟ وحاشى لله، قال رسول الله ﷺ: " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر " وقد جاء في بعض الحديث: " إن تكن الطيرة في شيء، ففي المرأة والدابة والدار " وكانت العقلاء من العرب في الجاهلية تعيب الطيرة وأهلها. وروى أصحاب الأخبار أن " النابغة الذبياني، وزبان بن سيار " خرجا في صفر فلقيتهما جرادة فتطير " النابغة " فرجع، ومضى " زبان " لوجهه فأصاب خيرًا. ولقيه، فقال:
يُلاحِظُ طيْرَه أَبدًا زيادٌ لِتُخبرَه، وما فيها خبيرُ
أقامَ كأَن لُقمانُ بنَ عادٍ أَشارَ له بِحكمتهِ مُشيرُ
بَلى شيءٌ يُوافِقُ بعضَ شيءٍ أحايينًا وباطِلهُ كثيرُ وقال آخر:
طال الثَّواءُ بمَأْرِبٍ ومكثتُ فيها غيرَ رائم
فلئن هلكتُ فُربَّ با كِيَةٍ وقاعِدَةٍ وقائمْ
ومُشَقِّقاتٍ للجيوبِ عَ ليَّ كالبقَرِ الحوائمْ
مَن مبلغ عمرَو بنَ لأْيٍ حيث كان من الأَقاومِ
لا يَمنعَنَّكُ من بقاءِ ال خيرِ تَعقادُ التمائم
فلقد غدوتُ وكنتُ لا أَغدو على واقٍ وحاتِمْ
فإِذا الأَشائمُ كالأَيا مِن والأَيامنُ كالأَشائمْ
وكذاك لا خيرٌ ولا شرٌّ على أَحدٍ بدائمْ
قد خُطَّ ذلك في السُّطو رِ الأَوَّليَّاتِ القدائمْ
أم تزعم أن " عليًا " ﵁، كان يبغض الضبع لحمقها ولما تحكيه العرب عنها، وقد جاء في الحديث عن " علي " أنه قال: لا أكون كالضبع تشع اللدم ثم يدخل عليها فتصاد ".
ومن أحاديث الأعراب أن الضبع وردت غديرًا فوجدت فيه تودية فجعلت تشرب وتقول: يا حبذا طعم اللبن. فلم يزل ذلك دأبها حتى انشق بطنها من الكظة.
والتودية عويد صغير يشد على خلق الناقة إذا صرت. وبعض الناس يروي في قصيدة " سحيم " هذا البيت:
وما ضَرَّني أَنْ كانت أُمِّي وليدةً تَصُرُّ وتَبْرِي لِلِّقَاحِ التواديَا
و" علي " ﵇، كان أفضل من أن يبغض على الحمق، إذ كان غريزة لا يصل إليها الدواء. أم ترى أنه أبغضها لما يقال إنها تفعل بالقتلى إذا خاست جيفهم مما يكنى عنه؟ وعلى ذلك فسروا قول الأول:
فلو ماتَ منهم مَن قَتلنا لأَصبحَتْ ضِباعٌ بأَكنافِ الشريفِ عَرائِسا
وذكرت أنه كان لا يستحل أن ينظر إلى ريحان لا يملكه.
وما الذي منعه من ذلك؟ هل ينقص الريحان وهو لزيد، أن ينظر إليه عمرو، أو يدرك صاحبه من عيب؟ ولو صح هذا فيه، لوجب في الشجر المزهر كله وأصناف الأنوار والثمار. ولعلك تريد بهذا القول المبالغة، كما يقول القائل إذا نهاك عن الرجل وأذيته: لاتؤذه ولا تنظرن إليه؛ وإنما ذلك مبالغة في النهي.
ودل كلامك على أنه لو رأى بني إسرائيل يأكلون لحمًا لم ينههم عنه ولو أنه لحم يعقوب.
وبنو إسرائيل لعظم " يعقوب " في نفوسهم يضيفون اسم الله إليه فيقولون: إله إسرائيل كان يفعل كذا، وإله يعقوب يفعل كذا. و" يعقوب " هو إسرائيل، فكيف يقدمون على أكل لحمه وهو عندهم من الشرف بحيث هو؟ و" علي " كان يغضب للمرأة الذمية أن تهتضم، فكيف كان يصبر على أكل لحم - قد حرم أكله - من نبي عند الله كريم؟ وإذا أجزت لهم أن يأكلوا لحم " يعقوب " فما الذي " يمنع إسحاق وإيراهيم " ﵉؟ وقولك إنه كان يأتيه النهر وهو في " يثرب " قاعد في بيته. فهذا، علم خالقك، كذب حنبريت. ما روى أنه كان بيثرب نهر قط.
وهذه أخبار " أيي كرب " مع أهل " المدينة " في سالف الزمن، ليس فيها ذكر نهر إلى اليوم.
غير أن ما قلت له مساغ في وجه من القياس، وهو أن تريد كان: يأتيه ماء النهر، كما قال تعالى: " واسأل القرية " أي أهل القرية؛ وكما قال الراجز:
كأَن قَزًّا تحته وبَزًّا أَو فُرُشًا مَحْشُوَّةً إِوَزًّا
أي: ريش إوز.
[ ٤٤ ]
ولم نعلم أن شرب أهل " يثرب " إلا من القلب دون غيرها من المياه.
وذكرت أنه كان إذا رأى يد رجل معروف أنكره. فما الذي عنيت باليد ها هنا؟ النعمة يسديها الرجل، أم العضو؟ وكلاهما قد أحلت فيه: كيف ينكر رجلًا من الناس لنعمة أنعمها أو يد أسداها؟ أم كيف ينكر من رآه لرؤية يده دون قدمه ووجهه؟ وأحسبك أخذك دوار من طول العمل فاضطرب عليك رأيك. وقد يدرك أخا اللب مثل ذلك عن المرض أو عن السن. والذي نزل بك شر من هذين. إنك لمعذور فيما تقول.
أتشك في أن " النمر بن تولب " كان من حكماء العرب، وأنه تغير في آخر عمره فلهج بأن يقول: اسقوهم صبوحًا اصبحوا الركب اغبقوا الركب.
وأهترت امرأة في ذلك الزمان فكانت تقول: زوجوني زوجوني. فقال بعض ولاة الأمر لقومها: ما لهج به أخو عكل أحسن مما لهجت به أختكم.
وكان " النمر " أحد الأجواد. وكان " مساور بن هند بن قيس ابن زهير " سيدًا من سادات غطفان وشاعرًا من شعرائها، فأهتر فعزل في بيت وجعلت معه امرأة تحفظه. فنظر إليه رجل في بعض الأيام وقد أخذ بعرتين فأرسلهما من يده وقال:
أُرسِلتْ الحَوَّاءُ والبَلَنْدَحُ
وكأن الحواء والبلندح في الأصل اسمان لناقتين أو فرسين. فجاءت المرأة التي قد وكلت به لترده إلى البيت، فلما رآها عاد إليه مسرعًا، وقال: سوى لي لعيقة إما لا.
فغير آمن أخو الحلم أن يزيل حلمه أمر من القدر غير مردود.
وزعمت أنه كان يعطي كل واحد من أهله قطًا ينتفع به. وقد يكون في الدار العشرة أو العشرون فينتفعون بالهر الواحد أو الهرة، وإنما الغرض في الهر الراحة من الرثايم. فلقد مادعيت أن أهل البيت ﵈ يرغبون في كثرة ذلك النوع في بيوتهم لغير الحادة. ولعمري لقد جاء في الحديث: " ليست الهرة ينجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " وقد يكون فيهن ما يأكل الحيات والعقارب، فلعلك إلى هذا تذهب.
وزعمت أنه كان يطأ الأرنب فلا تشعر به.
وكيف خصصت الأرنب بذلك دون الظبية ودون الغزال؟ ولم استحقت أن تخف عنها الوطأة؟ وكيف لا تتفر من الوطء وإنها لتكون نائمة في ظل الحبلة فيمر المار في طريقه ولا يعرض لها، فلا تترك نفارها عند ذلك؟ ولعلك ذهبت إلى أنها مغفلة كثيرة الوسن. وليست كذلك، بل هي كغيرها من صغار البهائم. وقد سموها مقطعة القلوب ومقطعة السحور، يعنون جمع سحر وهي الرئة. وإنما يريدون أنها تتعب من طلب صيدها على رجليه. قال الشاعر:
كأَنِّي إِذ مَنَنْتُ علَيكَ فَضْلِي مننتُ على مُقَطِّعَةِ القُلوبِ
أو لم تسمع قول الآخر:
فيومًا ترانا في مُسوكِ جيادنا ويومًا ترانا في مُسُوكِ الأرانِب
أراد أنهم يفرون من القتل كما تفر الأرنب. فهذا يدلك على صفته إياها بالجد في الهرب والروغان. وقد روى هذا البيت: " في مسوك الثعالب " والمعنى متقارب. وهي عندهم من حكماء البهائم ولذلك قالت العرب على لسان الأرنب: " اللهم اجعلني حذمة أزمه، أسبق الطالع في الأكمه ".
وفي حديث يروى عن " عمرو بن العاصي " أنه كان في بعض أسفاره فقرب الناس " مسيلمة الحنفي " ليختبر ما عنده. فلما رآه " مسيلمة " قال: ما نزل على صاحبكم في هذه الأيام؟ فقال: نزل عليه: " والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ".
فقال مسيلمة: قد نزل على نحو من هذا: يا وبر يا وبر، منكبان وصدر، وسائرك حقر نقر. كيف ترى يا عمرو؟.
وفي الحكاية، إن كانت صادقة، أن " عمرًا " قال له: إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب، إنما تقول العرب: استبت الوبرة والأرنب فقالت الوبرة: أران أران، رأس وأذنان، وسائرك أكلتان. وقالت الأرنب: يا وبر يا وبر، منكبان وصدر، وسائرك حفر نقر.
والأشبه ألا يكون " عمرو " واجه " مسيلمة " بالتكذيب، لأنه قد كان صار له رهط وأشياع.
أفلا ترى كلامهم على لسان الأرنب، وإنما يتكلمون على لسان ذي الفطنة والحس النافذ، عندهم؟ وادعيت أنه كان يجيء عليه الوقت في الشتاء، وأحب الأشياء إليه البرد.
وقد يصيب الإنسان من الأعراض ما يرغبه في الانكشاف للهواء والتعرض لشفيف الريح. وربما كان ذلك عن المرض أو إفراط الدفء.
[ ٤٥ ]
وأهل الدين يجوز أن يرغبوا في البرد، لأحاديث رويت في ذلك، منها فضل الوضوء في السبرات. وفي الحديث: " الشتاء ربيع المؤمنين، برد عليهم النهار فصاموا، وطال عليهم الليل فقاموا " وفي حديث آخر: " إن القلوب تلين في الشتاء لأن الله تعالى خلق آدم من طين ".
فإذا كان الصالحون يرغبون في الشتاء لهذه الجهات، فكيف ذكرت ما ذكرت جاعلًا له في المستطرفات؟ وزعمت أنه كان في عصره قوم يطعمهم السنان من لحم الزج. وقد علمت أن السوط يتخذ من الجلود، وهي أولى بالنحض من العصى والزجاج. وإذا ضربوا المثل بقلة لحم الرجل قالوا: كأنه أثناء سوط. قال الشاعر يرثي " هشام بن المغيرة المخزومي ":
أَصبَحَ بَطْنُ مكةَ مُقشَعِرًّا كأَن الأَرضَ ليس بها هشامُ
يَظَلُّ كأَنه أَثْناءُ سَوْطٍ وفوقَ جِفانِه شَحْمٌ رُكامُ
وزعمت أن طباخه كان يطبخ له بالحشيش وإن الحطب لكثير موجود.
فهذا من سوء رأي الطباخ. ولم يبغضهم، والحطب آلة عظيمة من آلات المعاش؟ لولا الحطب لعدم الجمر، ولو عدم لتفاقم الأمر. أو ليس العرب يفتخر أحدهم بأنه يحطب أهله وأصحابه، ويذمون من عجز من ذلك؟ قال الراجز:
تَسأَلُني عن بَعْلِها أَيُّ فَتى خَبٌّ جَبَانٌ وإِذا جاع بَكَى
لا حطَبَ القومَ ولا القومَ سَقَى
وقال آخر:
ألا ليت شعري هل أَبيتَنَّ ليلةً بِسُعْدٍ ولمَّا تَخْلُ من أَهلِها سُعْدُ
وهل أَحْطِبَنَّ القومَ والريحُ قَرَّةٌ فُرُوعَ أَلاءِ حَفَّهَا عَقِدٌ جَعْدُ
وزعمت أنه كان إذا أتى بالعالم أمر أن يقتص منه. وأي فرق في القصاص بين العالم وبين الجاهل؟ أليس في الحديث المشهور: " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهو يد على من سواهم؟ ".
ولعلك تذهب إلى أن العالم تشتد عقوبته على قدر علمه. وليس الأمر كذلك، القصاص يتساوى فيه الجاهل وسواه.
ولقد سمعتك أطنبت في ذم البزازين، فليت شعري ما حملك على ذلك وإن فيهم لرجالًا صالحين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويتفقهون في الدين ويتلون كتاب الله، ويصدقون الحديث ويكفون ألسنتهم عن قول المنكر ولا يرغبون في استماع الغيبة؟ وفيهم جهال كما يكون ذلك في أهل الصنائع. وكيف السبيل إلى أن يكون الناس كلهم سواء في الخير؟ هذا ما لم تجر العادة بمثله. أليس في الحديث: " لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا، فإذا تساووا هلكوا "؟ وكذلك قالوا في المثل إذا ذموا القوم: هم سواسية كأسنان الحمار، أي لا يفضل بعضهم بعضًا. ولو كان الناس كلهم على الطريق الأمثل لم تعرف لأهل الخير فضيلة.
ولو سمع هذه المقالة منك البزازون في مدينتك هذه، لجاز أن يحلفوا بالمغلظة من الأيمان لا باعوا صاحبك عباءة يدفع عنك بها معرة القر وأذية الكدان.
وذكرت أن الناس يفرقون من البزازين ويتوقعون الدواهي من قبلهم.
ولا نعرف شيئًا مما قلت. بل أهل البز أصحاب رفق ودعة.
ريحهم ساكنة وطيرهم واقعة وليلهم نائم ونهارهم قار. ورب خطيب في بلده وآخر يوم في محلته، لا صناعة لهم إلا بيع البز. وطال ما دخل المضطر إلى المصر ومعه مال ومتاع يريد أن يضعه عند أهل الثقة، فيشاور أهل النصيحة فيرشدونه إلى بزاز في ذلك المصر.
لعلك اشترى لك في بعض الأيام عباءة فوجدتها غير موافقة فوقر في نفسك بغض للبزازين. وإنما تؤخذ لك العباءة من قوم يبيعون الخلقان يغلب عليهم السفه ويظهر منهم الطمع. وليس ينبغي أن تلعن مرادًا أو السكون لأجل ما صنعه " ابن ملجم " من المنكر. ولا يجب أن يحكم على ثقيف كلها بالكفر لمكان " الحجاج ". قد علمت أن الأخوين لا يستويان في الخليقة ولا في المنظر، فكيف يستوي أصناف الناس في آفاق الأرضين؟ وذكرت شظفًا من عيش البزاز وأنه يكون عارًا لا يصل إلى الدفء.
وقد شهد ربك على كذبك. إنهم لأصحاب ملابس ومطاعم، وفيهم الغنى والواحد، يلبس الشفوف القبطية إذا صاف، والسبوب الغالية إذا شتا الناس. وفيهم أهل مروءة ينال برهم الضعيف الطاريء وعابر السبيل. وكل مصر تسلك فيه تجد أهل هذه صناعة من أحسن أهله لباسًا في قر وحرور.
ونفرت من الخزاز نفار مبغض مثير للشحناء.
وزعمت أن الرجل إذا كان بزازًا خزازًا فإنه من قصته ومن شأنه..
[ ٤٦ ]
ومن أين لك علم بالخزازين، وما بلدك بلد خز ولا قز؟ لو كنت ب " دمشق أو الكوفة " لجاز أن تدعى عرفانًا بالخزازين! ورب خزاز " بالكوفة " أجمع على صلاحه الناس.
وعظمت مذمتك للرجل إذا كان بزازًا خزازًا قزازًا. وما أنت وأهل هذه الصنائع؟ إنما حاجتك إلى عباءة من اللبد وصوف يملأ به قرطانك.
فإن استعملك صاحبك في حمل الوسوق فما أحوجك إلى إكاف! فأما الخز والبز والقز فشغله عنك الأغنياء من بني آدم. ولعمري إن الملوك ربما جللت الخيل الكريمة بالغالية من الثياب. فأما أنت ورهطك فما أبعدك من وشيٍ وحرير! وربما مسحت وجوه الخيل المجاهدة بالخر ونحوها.
ولما فتح رسول الله ﷺ " مكة " لقيته النساء يمسحن وجوه خيله بالخر يتبركن به ﷺ. فالتفت إلى أصحابه وهو يتبسم فقال: " كأن ابن الفريعة ينظر إليها " يعني قول " حسان ":
يُلَطِّمُهنَّ بالخُمُرِ النساءُ
وأما ذكرك الرجل الموصوف بالجفاء وغلظ البشرة وخشونة الملبس.
وزعمت أن الخز يدمي جلده. فإن كان ناعم يدميه، فلعل تلك خاصة في ذلك الرجل كما أن الجعلان تضر بها الرائحة الطيبة. فإن زعمت أن تلك عادة للخز معه، دون الوشي والحرير وغيرهما من الناعمات، فقد أحلت في إخبارك وناقضت.
وسمعتك أحللت قتل الخياط أينما وجد في طريق أو مسجد، ولم تقل في جماعة الخياطين إلا خيرًا. فكأنك ذهبت إلى الحديث المروي: " الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة نفر ". وإلى حديث يروى عن " معاذ بن جبل " أنه قال: " عليكم بالجماعة فإن الذئب إنما يطمع في الشاة القاصية " وفي حديث " ابن الشنية " أنه قال: دخلت المسجد فإذا رجل ملتف بعباءة قاعد وحده وهو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الوحدة خير من جليس السوء، وجليس الصدق خير من الوحدة، والسكوت خير من إملاء الشر، وإملاء الخير أفضل من السكوت " فسألت: من هذا؟ فقيل: " أبو ذر، صاحب رسول الله ﷺ ".
فكيف بلغت في عقوبة الخياط إذا نفرد، إلى القتل ولم تقتصر به على الزجر والتعزير؟ إنك لقليل المعرفة بالفقه. ربما كان الخياط ناسكًا قارئًا وبلى بمجالسة قوم أو غاب فاختار الوحدة ليبعد من أولئك القوم.
وقتل الخياط أيسر من أكل لحم الخباز والخبازة، لأنهما لا يؤكلان وهما في الحياة. اللهم إلا أن يكون أكل الميتة جائزًا في مذهبك عند غير الحاجة والضرورة. ولو عرف باعة الخبز هذا من رأيك، لما وصل أحد يعلفك ويسقيك إلى ابتياع قرص من بر أو شعير، حقدًا عليك وإنكارًا لما قبح من سريرتك. فكان يدرك نكدك من يسوسك.
وإن كنت عنيت بما ذكرت، الغيبة من قوله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه ".
فإن الغيبة منهي عنها في كل الملل. وفي بعض الحديث: " ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة " وفي حديث آخر: " اذكروا الفاسق بما فيه ".
فكأنك ذهبت إلى أن الخباز فسق فحلت غيبته للمغتابين. فأي فائدة في هذا القول؟ إذا صح هذا الحديث فكل من فسق من المسلمين لم تحظر غيبته على الناس.
وقد فهمت قولك عن القاضي الذي تتكلم " المضيرة بين يديه. ومن اجترأ على الكذب لم يرض منه بالقليل. لو جاز أن تتكلم المضيرة لجاز أن تخطب الهريسة فتقول إذا وضعت بين القوم: " رفقًا رفقًا، لقد لقيت من بني آدم بديعًا، إذ جمعوني من شت ثم جعلوني في قدر ولم يقتنعوا من بني آدم بديعًا، إذ جمعوني من شت ثم جعلوني في قدر ولم يقتنعوا لي بالنار والحطب حتى ضربوني بالمخبط كأني زانية أو مفترية، ثم قربوني بعد ذلك فأكلوني. الأكل سلجان والقضاء ليان، يا ابن آدم أكلًا أكلًا وشربًا شربًا. سوف يأكلك القدر ويشربك، ولك أجل كتاب ".
ولو خطبت الهريسة، لجاز أن تكون السكباج صاحبة خبر على طاهي السلطان، فتنهي إليه ما صنع في مطبخه من خيانة وتفريط.
ولو فعلت الصفصفة ذلك، لم يمتنع أن تغني الطباهجة، ولجاز أن يوضع الحمل على الخوان فيسأله الحاضرون لأكله: كيف كان تنورك؟ فيقول: كان حرًا منضجًا. ويخبر عمًا أخذه من الملح، أبقدر كان أم بسرف أم بتقصير؟ ويقول لبعض الآكلين: كل من موضع كذا مني فإنه أطيب وأنضج. ولجاز أن يخبر عن حرارة المدية وهل أحس برد حديدها في ودجيه؟ ولجاز أن يحدث عن حاله في السمط وهل كان الذي فعل به ذلك رفيقًا فيما صنع أم عنيفًا؟
[ ٤٧ ]
وما تنكر، إذا زعمت أن المضيرة تتكلم، على من يزعم أن الجوذابة تقول الشعر وأن الفالوذ مشامر وصاحب ملاده؟ وذكرت أن أهل الشام كلهم يبغضبون الأبارين وكذلك أهل العراق، ولا يبيحون قتلهم إلا بحق.
فما الذي فعله بك الأبارون؟ لولا الإبر لفقدت السرابيل، وإنما تصير السبية ثوبًا بالإبرة. وغير الأبارين أولى بالمقت. إنما ينبغي أن يمقت الهالكي الذي يعمل الأسنة ونصال السهام ويطبع السيوف فيكون ذلك مؤديًا إلى هلاك سوق من القوم وملوك. ولعل في الأبارين من لم يسفك دم مسلم قط؛ وأكثرهم على هذه الحال. فأما الإبرة فليست من آلات القتل. وما نعلم أحدًا قتل بإبرة إلا أن يجيء نادرًا من القدر. فأما السيف والسنان والنصل فقتلاهن تحدث من الدهر الجديد.
ثم أطلقت القتل على الأبارة؛ والمرأة أضعف من الرجل وأحق بالصيانة.
فما جرت البائسة عليك، ولعلها من اللواتي قال فيهن رسول الله ﷺ: " أنا وسفعاء الخدين يوم القيامة كهاتين " يعني بسفعاء الخدين امرأة أشبلت على ولدها وصبرت على الشقاء. ولم تجر عادة النساء أن يلين شيئًا من هذه الصنائع: قلما ترى امرأة حدادة ولا نحاسة ولا نساجة كما ينسج الرجال في الأمصار. فإن اتفق أن ترى امرأة صناعة فتلك من نوادر الزمن. وإنما يحملها على ذلك مراس الشقوة، والشفقة على الأطفال.
وفهمت ما ذكرت عن القاضي الذي وصفته باستعمال صنوف اللبن ثم نفيت ذلك عنه؛ غير جامع بين آخر كلامك وأوله ولا ناظر في معنى ما قلت. فمثلك فيما فرط منك مثل الذي يكذب نفسه فيم قال فيثبت شيئًا ثم ينفيه، أو ينفيه ثم يثبته كما قال " زهير ":
قِفْ بالديارِ التي لم يَعْفِها القِدَمُ بَلَى وغَيَّرها الأَرواحُ والدِّيَمُ
وقال " أبو عطاء السندي ":
فإِنك لم تَبْعُدْ على مُتَعَهِّدٍ بَلَى كلُّ مَنْ تحتَ الترابِ بعيدُ
ومن بديع ما ادعيت، أن قصابًا يذبح صغار الضأن وكبارها ولم يذبح خروفًا قط! ولو سمعك أهل هذه الصناعة لهزئوا منك. ولوجدك قصاب وأنت قد خليت وشأنك لزمانتك وعجزك، فقدر أن يبيع لحمك على أنه لحم خروف، لفعل. وكيف له أن يجدك في بعض الظروف ولا بقية فيك فيبيعك على أنك خروف رضيع! وأخبار العرب لا تمتنع من ذبح الخروف والشاة فكيف يمتنع من ذلك من هو متعيش به؟ قال الشاعر:
تركتُ ضأني تَوَدُّ الذئبَ راعيَها وأَنها لا تراني آخِرَ الأَبدِ
الذئبُ يطرُقُها في الدهرِ واحِدةً وكُلَّ يومٍ تراني مُدْيَةٌ بِيَدِي
وهم يفتخرون بذبحها للضيف وسلخها بأيديهم.
قال الشاعر:
إذا لم يكنْ رِسْلٌ بِبَرْقٍ فمُدْيةٌ وحبلٌ به أَوصالُ بَرْقٍ تُطوَّحُ
بِكفَّيْ فتىً لم يَدْرِ ما السَّلْخُ قَبلها تَجولُ يَداه في الأَديم وتَجْرَحُ
وقال آخر:
كأَنكَ لم تذبَحْ لأَهلِكَ نَعجةً فيُصبِح مُلْقًى بالفِناءِ إِهابُها
أتظن القصاب يرحم الخروف لصغر سنه؟ فما الذي صرف رحمته عن الرخل وهي إذا أعفيت من المدية كانت أخلق بمنافع الناس، لأنها تصير شاة تحلب وتنتج، ويجوز أن ينمى من الشاة الواحدة وقير عظيم؟ وإذا ترك الخروف فإنما المنفعة به جزه أو فحلته، والكبش الواحد يغني للفحلة عن اتخاذ ما كثر من فحول الغنم. وإنما الفضيلة عند الصعلوك للشاة لا للكبس، لأن المنفعة بالشاة أعم.
ولعلك تعني أن الخروف ها هنا اسم إنسان بعينه، لأن الأسماء يتسع فيها المسمون، فيكون خروف ها هنا مثل قيراط في قول الراجز:
شَرِبتُ بقيراطٍ وروَّيْتُ صُحْبَتي ورُحتُ ولي عند التِّجارِ دراهِمُ
وقيراط: اسم مهر كان له.
وإن كان القصاب يتكبر عن ذبح الخروف، يريد ما هو أكبر منه، فلعمري إن الخروف مما يتهاون به. قال الشاعر:
عتَبتْ عَلَيَّ لأَنْ شَرِبتُ بِصُوفِ ولئن عتبتِ لأشربَنْ بِخروفِ
ولئن عتبتِ لأَشربَنَّ بِنعجةٍ ذَرآءَ من بعد الخروف سَحُوفِ
ولَئن عَتبتِ لأَشربَنَّ بِلقْحَةٍ صهباءَ مالئةِ الإِناءِ صَفوفِ
ولئن عتبتِ لأَشربنَّ بِسَابحٍ ما فيه من هُجْنٍ ولا تقريفِ
[ ٤٨ ]
ولئن عتبتِ لأَشربنَّ بواحدِي ويكونُ صَبْرِي بعد ذاك حلِيفي
ولقد شربتُ الخَمرَ في حانوتِها صهباءَ صافيةً بأَرضِ الريفِ
ألا ترى إلى تفضيله النعجة على الخروف، وتصييره إياها دون غيرها من المتلفات؟ وزعمت أن فرس الجندي نتجت خروفًا. وهذا مالًا يمكن إلا أن يكون الله قد مسخ الفرس شاة. وقد جاء في بعض الحديث أن رجلًا من بني إسرائيل كان من أزهدهم وأعبدهم، فجعلوه حكمًا بينهم لما عرفوه عنده من الأمانة. فاختصم إليه يومًا رجلان في عجل، وكان أحد الرجلين له حمارة، فمر بالعجل ضالًا في الطريق فأخذه. جاء صاحب العجل فعرفه في يد صاحب الحمارة. فلما صارا بين يدي الحاكم قال لصاحب الحمارة: من أين لك هذا العجل؟ قال: ولدته حمارتي. قال الحكم: لا أقدر أن أقضي بينكما في هذا اليوم لأني طامث. فإذا طهرت قضيت بينكما. قالا: وهل تطمث الرجال؟ قال: وهل تلد الحمير البقر؟ فعرف صاحب الحمارة أنه قد ظهر كذبه.
وادعيت أن الجند بخراسان يركبون الخرفان. وكذبت. قد سافرت إلى خراسان ورأيت الجند بها يركبون براذين غلاظًا قصار الأعناق.
وقد جئت بما هو أنكر من هذا فزعمت أن الظباء بنواحي البصرة تلد الجحاش. وأبعدك الله كيف تشتمل الظبية على جحش؟ وقد علمت أن ولد الحمار من الرمكة لا يسمى حمارًا ولا برذونًا، وأن ولد الذئب من الضبع لا يسمى ذئبًا ولا ضبعًا؛ بل يطلب للجنس المتولد من جنسين ما يخص به من الأسماء. فأي فحل ينزو على الظبية حتى يكون ولدها جحشًا؟ أحمار أهلي أم حمار وحشي وذلك متعذر في القياس؟ ولو صح ما ادعيته لجاز أن يصح ما ادعاه الأعراب في ولد " عمرو بن يربوع ابن حنظلة ": يزعمون أنه تزوج من السعلاة فولدت له أولادًا وأن أهلها قالوا له: إنك ستجدها خير امرأة ما لم تر برقًا. فكان " عمرو؟ إذا رأى البرق أسبل على السعلاة الستور. فغفل يومًا عنها ولاح البرق فقعدت على بكر من الإبل وقالت:
أَمْسِكْ بَنيكَ عمرُو إِني آبِقُ بَرْقُ على أَرْضِ السعالي آلِقُ
وذهبت، فكان آخر عهده بها. فقال " عمرو " شعرًا يقول فيه:
رأَى بَرْقًا فأَوضَعَ فوق بَكْرٍ فلا بكَ ما أَسالَ ولا أَغاما
- ذكر، وهو يريد السعلاة، لأنه قد ذهب إلى الخليل أو الحبيب أو نحو ذلك - فقد ذكر هذا الحديث " أبو زيد " في " نوادره وحكاه عن " المفضل بن محمد الضبي " واشتهر هذا الخبر في العرب حتى سموا ولد عمرو بن يربوع: بني السعلاة. قال الراجز:
يا قبَّحَ اللهُ بني السعلاةِ عمرَو بنَ يَربوعٍ شرارَ النَّاتِ
ليسوا بأَخيارٍ ولا أَكياتِ
وقد زعم بعض أصحاب الأخبار " أن " يلمقة بنت يلب شرح " وهي الملكة التي تسمى " بلقيس " كانت أمها من الجن. ومن الأخبار التي يرويها " ابن دأب " أن " معد بن عدنان " تزوج امرأة من الجن فجاءه منها ولد يسمى " الضحاك " وأنه لحق بالشياطين وهو الذي يسمى: المذهب، يعرض للقراء والمتنسكين يوهمهم أن طهورهم لم يصح، حتى يعيدوه.
ولست مصدقًا شيئًا من الأخبار، وإنما قابلت كذبك بمثله.
وذكرت أن راعيًا في البادية يحمل جحشه على يده ومعه جحشان لا يفارقانه، موقعهما على جنبيه.
ففي أي بادية تزعم ذلك؟ أفي بادية مضر، أم في بادية ربيعة، أم في بادية اليمن؟ وهبه حمل جحشه على يده، فكيف يكون معه جحشان موضعهما على جنبيه لا يفارقانه إذا رقد وإذا انتبه؟ لقد وصفت هذا الراعي بإلف الجحاش، فلعلك تزعم أن أباه كان حمارًا، فليس ذلك بعجيب من قولك.
وكأني بك، لسوء رأيك وفساد معقولك، تحتج بما تحكيه الفقهاء في المسألة المشتركة: هب أن أباهم كان حمارًا؛ وأي حجة لك في هذا؟ لا يدل هذا القول على أن الحمير تلد الأنيس. ولو ادعيت أن هذا الراعي كان يألف الجحاش ويربيها، لجاز أن يسمع قولك. لأن الإنس ربما سدك به بعض البهائم إذا أحسن إليه. وقد روي أن " عمرًا ذا الكلب الهذلي " إنما سمي ذا الكلب لأنه كان له كلب لا يفارقه أين ذهب. و" عمرة أخت ذي الكلب " هي الشاعرة الهذلية.
وكان " تأبط شرًا " وأصحابه قتلوا " عمرًا " فقالت أخته:
أَبْلغْ بني كاهلٍ عني مُغَلْغَلَةً والقومُ من دونِهم سَعْيًا ومركوبُ
[ ٤٩ ]
والقومُ من دونِهم أَيْنٌ ومَسْغَبةٌ وذاتُ رَيْدٍ بها رَصْعٌ وأسْلوبُ
فإِن ذا الكلبِ عَمْرًا خيرهم نَسَبًا بِبَطْنِ شِريانَ يَعوِي حوله الذيبُ
تَمشي النسورُ إِليه وهي لاهيةٌ مَشْيَ العَذارى عليهن الجلابيبُ
الطاعِنُ الطعنةَ النجلاءَ يَتبَعُها مُثعَنْجِرٌ من نجيع الجوفِ أُسْكُوبُ
والمُخرِجُ الكاعبَ الحسناءَ مُذعِنةً في السَّبْيِ يَنفحُ من أَردانِها الطِّيبُ
فاجزُوا تأَبَّطَ شرًّا لا أَبا لَكُمُ صاعًا بِصاعٍ فإِن الذل معيوبُ
وفهمت قولك في الأتان. ولو أنها أنثى الحمار الذي ذكره الله سبحانه فقال: " وانظر إلى حمارك " لما زاد على هذا الحديث. أفتدعي أنها أم حمار المسيح.، أم ابنته أم أخته؟ كيف للملكة التي في " جزيرة النساء " بأن تنال مثل هذا العمر؟ وهل تدري ما جزيرة النساء؟ هي جزيرة فيها ملكة لها جيش نساء ليس فيهن رجل. ويقال إنها تغزو وتحارب وتستظهر في كثير من المرار، ولا يدخل جزيرتها رجل ألبتة. ويقال إن المرأة منهن إذا أرادت الحمل خرجت إلى جزيرة أخرى فصاحبت من تختار من الرجال. وهذا حديث تناقله أهل العلم بالمسالك والممالك. ويقال إن ملكها باق إلى اليوم تخلف عليه امرأة بعد امرأة. وقد ادعي بعض الناس أن من شأن الهواء أن يلقح النساء في تلك الجزيرة فيحبلن ولا يحتجن إلى الرجال. فإذا ولدت ذكرًا أخرجته إلى جزيرة أخرى.
والقول الأول أصح وأشبه، وإن كان الله تعالى يقدر على كل شيء.
ولعلك، بجهلك، تظن هذه الأتان حمارة " بلعم " وهو الذي نزلت فيه هذه الآية: " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين " وبم استحقت " حمارة بلعم " أن تعمر هذا العمر الطويل، والفقهاء يرون " أن النبي ﷺ أمر بقتل مثلها من البهائم؟ وفي أمر الحمارين اللذين ذكرت، عجب للمتأملين! أفتدعي أن أحدهما " يعفور " حمار النبي ﷺ، والآخر حمار " المسيح " ﵇؟ ويجب أن يكونا من آل هذه الأتان وأخويها لا محالة.
وقد قالوا في المثل: " أصح من عير أبي سيارة العدواني " ويقال إنه دفع عليه من " المزدلفة " أربعين سنة. وكيف للذائد والحرون وغيرهما من فحول الخيل أن تعمر مثل هذا العمر الطويل؟ وقد حكى أن الفيل الذي سجد ل " النعمان بن المنذر " عمر أربعمائة سنة، ولم يصح ذلك.
ولعل هذين الحمارين كانا مع " الإسكندر " في الظلمات فشربا من عين الحيوان فبقيا إلى اليوم. وكيف للإسكندر أن يكون وصل إلى هذه الفضيلة وقد جاء في الكتاب العزيز: " أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره " فجاء في بعض التفسير أنهكانت معهما سمكة مشوية فأكلا بعضها ثم قام أحدهما يتطهر فأصاب شيء من طهوره ما بقي من الحوت فرجعت إليه الحياة، فدخل في البحر، فأراد أن يحدث صاحبه، فنسى.
وقد روى غير ذلك، والله أعلم بيقين الحديث.
والجندي الأبح الذي زعمت أنه أقام أربعين سنة لا يذوق النوم، شيء لا يلمسه أحد لك. وهل في طاقة آدمي أن يقيم شهرًا الجاهلية يذوق النوم؟ وإذا سلب الغمض من العين فلا ثبات لحيوان على السهر. فكم تزعم أنه بقي على فقد النوم " حسان بن تبع بن الأقران بن الشمر بن إفريقس ابن أبرهة بن الحارث الرائش "؟ وكان " حسان " هذا قتل أخاه، وكان أخوه ملك حمير فظلمهم واشتدت وطأته عليهم. فاجتمع إليه أهل " مملكة أخيه وسألوه أن يريحهم منه ويأخذ الملك إليه. وكان في حمير رجل يقال له " ذو رعين " قد قرأ الكتب السالفة وأتاه الله بصيرة. وكانت حمير تزعم أنه من قتل أخاه غدرًا سلب منه النوم إلى أن يموت فنهاه " ذو رعين " عن قتل أخيه فلم يسمع منه وأصغى إلى ما يقوله أهل المملكة فكتب " ذو رعين هذين البيتين ودفعهما إلى " حسان ". والبيتان:
أَلا مَن يَشتري سُهْدًا بنومِ سَعِيدٌ مَنْ يَبِيتُ قَرِيرَ عَين
فإِنْ تَكُ حِمْيرٌ غَدَرتْ وخَانتْ فمَعذِرةُ الإلهِ لِذي رُعَيْنِ
[ ٥٠ ]
فقتل " حسان " أخاه فأخذه السهاد حتى مات. وعاد على أهل مملكته باللوم، إلا " ذا رعين ". " ويقال أنه عاوده النوم لما قتل قتلة أخيه " ومن الجارية التي مرت عليك فشهد الثقات أن عمرها أكثر من ألف سنة؟ أسوداء هي أم بيضاء؟ أرومية أم حبشية؟ هذه المقالة تصح إن كان في الدنيا قوم يسمون اليوم سنة. أو لعلك صحفت فأردت سبة، فقلت: سنة، فالتصحيف قد جاء عن كثير من العلماء، فمن ذلك ما يروى عن " المفضل " في قوله:
وذاتُ هِدْمٍ عَارٍ نواشِرُها تُسْكِتُ بالماءِ تَوْلبًا جَدِعا
أي سيىء الغذاء. أنشده " المفضل ": جذعًا. وصحف بعض أهل العلم:
عننًا باطلًا شدوخًا كما تع تر عن حجرة الربيض الظباء
فقال: كما تعنز. وصحف بعضهم قول " أبي ذؤيب ":
بِذَمائهِ أَو ساقطٌ مُتجَعْجعُ
فقال: بدمائه. وصحف " آخرون قول " الكميت ":
وخُضْنَا بالقُرَاتِ إِلى تَميمٍ وقد ظنَّتْ بنا مُضَرُ الظُّنونا
فقالوا: الفرات. ومثل هذا كثير. وهذه دعوى من بعض العلماء على بعض. وقد يجوز أن يكون من ادعى عليه التصحيف، سمعه من العرب كذلك. ودخل بعض البصريين على " الفراء " فسمعه يملي بيت " القتال الكلابي ":
يا قاتَلَ اللهُ صِبْيَانًا تَجيءُ بهمْ أمُّ الهُنَيْبِرِ من زَنْدٍ لها وَارِي
فقال " الفراء: أم الهنيين. فتركه حتى إذا قام الناس قال: أصلحك الله، إنما هو: أم الهنيبر. فأفكر " الفراء " قليلًا ثم قال: يرحم الله أبا الحسن - يعني الكسائي - ربما أنشدنا البيت والبيتن على غير سماع.
ورووا أن " يعقوب بن السكين " صحف قول " عدي بن الرقاع ":
وعَلاَ الصُّلْبُ فاستتبَّ إِلى حَيْ ثُ يكون العُرشانِ منه الفِقَارُ
فقال: الفرسان. ومثل هذا كثير.
والدجاجتان البيضاوان أقامتا بزعمك ستة أشهر أو سبعة لا تأكلان ولا تشربان! فلو أنهما من الحور العين لسوغ لك ما ادعيت. وليس في طاقة حيوان أرضي أن يقيم هذه المدة بلا غذاء. وقد كان رجل في زمان " الحجاج " يوصف بأنه يطوي الأيام الكثيرة بلا طعام. فيقال إنه حبسه خمسة عشر يومًا بأنه يطوي الأيام الكثيرة بلا طعام. فيقال إنه حبسه خمسة عشر يومًا لا يطعمه ولا يسقيه، ثم فتح عليه الباب فوجد قائمًا يصلي، فعجب منه وصرفه. والنصارى يدعون أن " المسيح " ﵇، أقام أربعين يومًا لا يأكل ولا يشرب. واختلفت الحكاية عن " عبد الله بن الزبير ": فروى " المدائني " أنه كان يقيم خمسة عشر يومًا لا يطعم ولا يشرب.
وقال غير " المدائني ": سبعة أيام، ثم يكون أول ما يصيب سمنًا عتيقًا يتحساه. ومراده - فيما روى - أن يفتق معاه.
وزعمت أنك رأيت جاموسًا خرج من بيضة! فعلى أي وجه أحمل كذبك؟ مثلى معك مثل الرجل مع " عمر بن عبد العزيز " لما قال له: ما تقول في رجل ضحى بضبي؟ فقال عمر: قل: ضحى بظبي. فقال: إنها لغة. فقال " عمر ": انقضى العتاب.
وقد ادعيت على البيض والبيضة أشياء منها هذا القول. ومنها قولك إن عجوزًا بدمشق ولدت بيضة. فإلى أي طريق أصرف مرادك؟ إن الإنس لا تبيض. وقد زعم بعض الناس أن " إبليس " لعنه الله لما سخط عليه باض عشرين بيضةً! فلعل هذه العجوز عندك من ولد إبليس. أو لعلك ممن يصدق بالسحر الذي يجعل به الرجل حمارًا أو المرأة فأرة.
وكأني بك يعرض لك أن تحتج بحديث المرأة مع " هاروت، وماروت " وأن الله مسخها الزهرة. وبالحديث الآخر أن سهيلًا كان يهوديًا عشارًا باليمن. وهذه الأحاديث من قرية أهل الكتاب الأول، كثروا بها عند السفلة وأهل الجهل. ومن أحاديث الجاهلية أن الطاغوت الذي يسمى ذا الخلصة في اليمن، كان امرأة وكانت فاجرة ساحرة، فدعت غلامًا من أهل اليمن إلى نفسها فأبى عليها، فسحرته فصار نعامة. وكانت له أم صالحة فدعت عليها الله فمسخت حجرًا.
وقد قال بعض المفسرين أن اللات في قوله تعالى: " أفرأيتم اللات والعزى " كان رجلًا يلت السويق للحاج. ولا أدري لم استحق عندهم أن يمسخ حجرًا. وقد روى عن " ابن عامر " قاريء أهل الشام " أنه قرأ: " اللات والعزى " بالتشديد. فهذا يدل على ما تقدم من الحديث. ولا يمكن أن يستشهد على: اللات - إذا شددت التاء - بشعر، لأنه يلتقي فيه ساكنان، وليس هو جاريًا مجرى: التقاص والتذام والدواب، فيدخل في الموضع الذي دخلت فيه.
[ ٥١ ]
وقد ذكرت الفقهاء أحكامًا للساحر، فهذا يدل على أن السحر عندهم صحيح. وفي الكتاب العزيز: " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ".
فأما سحرة " فرعون " فقد اختلف فيهم الناس. والصحيح أنهم كانوا يخيلون أن العصي والحبال ساعية فيما ترى العين.
فأما نقل الطائر إلى غير جنسه والرجل إلى النعامة والطير، فهذا أمر يشهد المعقول بأنه محال. وقد روى بعض أصحاب الحديث أن الضب قدم إلى النبي ﷺ فقال: " إن أمة مسخت ". فلا أدري لعل هذا منها.
وروى في مسخ ابن مقرض وابن عمرو والغراب والفيل، ما هو مشهور. ولا ندفع أن الله تعالى يقدر على نقل الأعيان. وإنما الكلام في إجرائه ذلك على أيدي الآدميين.
فأما العرب في الجاهلية فقد كانوا لا يشكون أن الجن تظهر لهم في صور الحيات وغيرها من صورة الحيوان. وحديثهم عن " عبيد بن الأبرص " والشجاع الذي أبصره رمضًا، معروف عند العامة. وذكر " أبو معشر المدني " في كتاب المبعث أن قريشًا وجهت " عمرو بن العاصي السهمي، وعمارة بن الوليد المخزومي " إلى النجاشي لما هاجر إليه أصحاب رسول الله ﷺ، يريدون أن يوغروا صدره عليهم. ووجهوا معهما ألطافًا مما يكون في أرض العرب. فركب عمارة وعمرو في البحر ومع " عمرو بن العاص " امرأة له. فشرب خمرًا فلما انتشى عمارة بن الوليد " راود امرأة عمرو بن العاص على أن يقبلها. فمنعه عمرو بن العاصي، فحمله فطرحه في البحر. فاستمسك عمرو برجل السفينة حتى ارتفع. فقال: لو كنت أعلم أنك تعوم ما طرحتك - هكذا في النقل. والأشبه أن يكون: لولا أني كنت أعلم أنك تعوم - فاصطحبا حتى بلغا النجاشي. والحديث مشهور معه. إلا أن في حديث " أبي معشر المدني " زيادة. قال المدني: ثم قال عمرو لعمارة: إنك رجل جميل، فصادق امرأة الملك لعلها تكون لنا وسيلة إليه. فصادقها عمارة فأخبر عمرًا بذلك فقال: ما أراها صدقتك الحب حتى ترسل إليه من ثيابه وطيبه. فأرسل إليها: أن أرسلي إلي من ثياب الملك وطيبه. فبعثت بثوبين معصفرين وبطيب من طيبه. فلما لبسهما ورآهما عمرو عليه، قال عمرو بن العاصي للنجاشي: لا أكون في أرض إلا نصحت لملكها، إني لك ناصح، إن صاحبي قد خانك في أهلك فأرسل إليه فإن ثوبين من ثيابك عليه، وطيبًا من طيبك. فأرسل النجاشي فوجده كما قال. فلما جاءوا به قال: إني أكره أن أقتل أحدًا من قريش. وقال لأصحابه: هلم شيئًا يشبه الموت. قالت كهته عنده: نعم، ننفخ في إحليله شيئًا فيتوحش مع الوحش، ففعلوا به ذلك، فرجع عمرو إلى مكة فأخبر قريشًا بالذي فعل النجاشي. وقال عمرو في ذلك شعرًا:
أَأَنْ كنتَ ذا بُرْدَيْنِ أَحْوَى مُرَجَّلًا فلَستَ برَاعٍ لابنِ عَمِّكَ مَحْرَمَا
إِذا المرءُ لم يتركْ طعامًا يُحِبُّه ولم يَنْهَ قلبًا غاوِيًا أَينَ يَمَّمَا
قَضَى وَطَرًا منها وغادَرَ سَوْأَةً إِذا ذُكِرتْ أَمثالُها تَملأُ الفَمَا
تَعَلَّمْ عُمَارَ أَنَّ مِنْ شَرِّ شِيمةٍعلى المرءِ أَن يُدْعَى ابنُ عَمٍّ له ابنَمَا
وذكر " العدوى " وهو من ولد " أبي جهم بن حذيفة "، أن " عمارة ابن الوليد " تبرر في الجبال، وأنه عاش حتى ولى " عبد الله بن أبي ربيعة " اليمن - وهو أبو الشاعر عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة - وذلك بعدما قبض النبي ﷺ بزمن طويل. فقيل لعبد الله بن أبي ربيعة: إن ببعض الجزائر التي تقرب من اليمن عمارة بن الوليد متوحشًا. فوجه إليه فأتى به فجعل يصيح: يا حي يا حي؛ حتى مات في أيديهم. وكانوا يرون أن الذي فعل به ضرب من السحر
فلعلك تذهب إلى أن هذه العجوز مسخت دجاجة فباضت بيضة واحدة ثم ردها الله الواحد بقدرته إلى حال الآدمية! كأني بك، لسوء رأيك، تتأول في قول " الطائي " ضروبًا من التأول الفاسد، أعني قوله:
للهِ دَرُّكَ أَيُّ مَعْبَرِ قَفْرةٍ لا يوحِشُ ابنَ البيضةِ الإِجْفِيلا
وأما القوم الذين زعمت أنهم يذبحون لمن نزل بهم الدجاج ويصونون البيض، فما الذي لحقك من العجب لهذا الفعل؟ من شأن الناس إكرام النازل، فإن قدروا على نحر الناقة لم يقنعوا باشاة، وإن قدروا على الشاة لم يرضوا بالحمل، وإن أمكنهم الفرير لم يرضوا بالدجادة.
[ ٥٢ ]
ولقد وصفت هؤلاء القوم بأنهم يبذلون الجهد لمن نزل بهم. على أن العرب قي القديم يعيبون الدجاج، وإنما ذلك إنكار للحضر، لأن جمهورهم وفصحاءهم أهل بدو. قال " النمر العكلي ":
ونأْمُرُني ربيعةُ كلَّ يومٍ لأُهلِكَها وأَقَتَنِيَ الدَّجَاجَا
وما تُغنِي الدجاجُ الضيفَ عَنى وليس بِنافِعي إِلا نِضَاجًا
وأنشد " علي بن حمزة العلوي " وزعم أنه سمع أعراب نهد تنشدها في قطر نجران:
تَبَدَّلتِ يا حَمراءُ أَحمرَ ناجرًا وبُعْدَ الفيافي بالقُرى والحَواضِرِ
وشُرْبًا بأَعناقِ الجِرَارِ وطالَما شربتِ بِغيثٍ آخِرَ الليلِ ماطرِ
ولِعْبًا بأَولادِ الدجاجِ وربما لعبتِ بأَولادِ الظباءِ النوافِرِ
وأما الراهب الذي زعمت أنه يشرب بول الأسد ولا يشرب بول البؤة، فكيف فرقت بين هذين؛ ولعمري إن بعض أهل اللغة ذكر أن بول البؤة يسمى الكظرم، ولم يذكر شيئًا في بول الأسد؟ وقد علمت أن الرهبان يكونون في الصوامع، وأكثرهم لا يقدر على النزول. وأقل ما يكون بين الراهب وبين الأسد من المسافة، أن يكون الراهب في القوس والأسد تحته في القرقوس، فكيف له بما ذكرت، ولو تتبع أثره في الآجام والمأسدة من الأماكن لما أمكنهخ أن يأخذ من بوله ما يشربه؟ إلا أن تدعى أن للأسد وقائع تقصدها إذا أرادت البول. إنما يعرف شرب أبوال الإبل للعرب، وقد ذكر بعضهم شرب أبوال الخيل عند الحاجة فقال:
وكان لهم إِذ يَعصِرون فُظوظَها بدِجْلةَ أَو فيضِ الأُبُلَّةِ مَوْرِدُ
إِذا ما استبالوا الخَيلَ كانت أَكُفُّهم وقائعَ للأَبوالِ، والماءُ أَبْرَدُ
وقد ضربت العرب المثل في الجهل بمن يطلب آبوا الأسد، فقال " الفرزدق ":
وإِني كما قالتْ نَوَارُ أَنِ اجتَلَتْ على رجُل ما شدَّ كفِّي خَلِيلُها
وإِن الذي يَسْعَى لِيُفسِدَ زوجتي كَسَاعٍ إِلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلها
وأما الخطيب الذي زعمت أنه يتطهر ببول العجل والعجلة، فهذا شيء يحكى عن المجوس، ولا يعترف به بعضهم. وإنما هذه دعوى منك لا يحسن إليها الإصغاء، مثل ما ادعى " جرير " على العقالية أنها تطلى ببول الوبر، قال:
وسَوْداءِ المحاجِرِ من عِقَالٍ يَشينُ سَوادُ مَحْجَرِها النِّقابا
تَطَلَّى وهْيَ سَيئةُ المُعَرَّى بِصنِّ الوَبْرِ تَحسبُه مَلاَبَا
وصن الوبر: بوله.
والمحموم الذي زعمت أن أهل الموصل " إذا مرض أحدهم فرق منه، لا أدري ما غرضك فيه؟ لا نعلم أحدًا يفرق من المحموم. وإنما كانت قريش في الجاهلية تبعد البرص وتتوقاه. وكان ذلك شيئًا أخذته عن اليهود. فأصاب " أبا عزة " الشاعر برص في جنبه، فاجتنبته قريش لا تجالسه ولا تواكله. فعظم ذلك عليه وتمنى الموت. فأخذ سكينًا وطلع إلى بعض الجبال ليقتل نفسه فيستريح. فلما وضع السكين على ذلك البياض وحرق الجلد، هاب الموت وأمسك، فسال من ذلك الموضع ماء فبرأ من الداء الذي كان به. وقال:
لا هُمَّ رَبَّ عامِرٍ ونَهْدِ ورَبَّ مَن يَسْعَى بأَرضِ نَجْدِ
أَصبحتُ عبدًا لكَ وابن عَبْدِ أَبرأْتَ مني بَرصًا بِجِلدي
من بعدِ ما طعنتُ في مَعَدِّ
وقد حكى أن " الحارث اليشكري " قام بكلمته بين يدي " عمرو بن هند " وكان الحارث به بياض، فلما خرج من بين يدي الملك غسل الموضع الذي وقف فيه بالماء.
في أشباه لهذا كثيرة.
فأما المحموم فما نفر منه أحد فيما نعلم. وقد حم جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة، فما فرق منهم أحد بل كانوا يعادون ويعللون. وحديث " عامر بن فهيرة " معروف. وقد روى حديث معناه أن النبي ﷺ جاءه جبريل ومعه الحمى والطاعون فأمسك الحمى بيثرب وبعث الطاعون إلى الشام. وفي أرض العرب محمة لا نعلم أحدًا من سكانها هرب منها، إلا أن يتفق له الرحيل عن الأرض المحمة كما يتفق له الرحيل عن الأرض المحمودة. وهم يضربون المثل بحمى " خيبر " وحمى " القطيف " والقطيف بنواحي اليمن. قال " الشماخ ":
[ ٥٣ ]
كأَن نَطاةَ خيبرَ زوَّدتْه بُكورَ الوِرْدِ رَيِّثةَ القلوع
وكانت اليهود إذا طمعت في الرجل يقدم عليهم، يقولون له على سبيل السخرية: اعل تل الرابية فانهق عليها نهاق الحمار عشر مرات لتأمن بذلك حمى خيبر. ونزل بهم رجل من العرب فقالوا له مثل ذلك فقال:
تقولُ: اعلُ وانهَقْ لا تضرُّكَ خَيبرٌ وذلك من دِينِ اليهود وَلُوعُ
لَعمري لئن عَشَّرتُ من خشيةِ الردَى نُهَاقَ الحمار، إِنني لَجزُوعُ
وأما قولك إن في نواحي " نجران " خيلًا لها قرون. فليس ببديع من قدة الله، ولكنا لم نسمع به. وكم تدعى أنه يكون للفرس؟ أقرن أم قرنان أم أكثر؟ فقد زعم " ابن الأعرابي " أن الهرميس هو الكركدن، وهو دابة أصغر من الفيل، له قرن واحد. قال الراجز:
بالموتِ ما عيَّرتِ يا لَميسُ
قد يهلِكُ الأرقمُ والفاعوسُ
والأَسَدُ المُذَرَّعُ الحَؤوسُ
والفِيلُ لا يَبقى ولا الهرِميسُ
وحدث بعض الناس أن قرن الكركدن تعمل منه المناطق، وذلك أنه أبيض، فيقطعونه على مقدار الحلية.
وقد قال بعض أهل اللغة: الشقحطب كبش له أربعة قرون.
فلذلك سألتك عن عدة قرون هذه الخيل.
وأما قولك إن الأوعال في جبالها تراقب الصوم ولا تراقب الصلاة؛ فما عرضها عندك بما تصنع؟ أتصوم وعندها ما ترعاه؟ أتظنها ترجو رحمة من الله بذلك؟ وأي صوم للذي ينبذ الصلاة خلفه؟ وقد رخص في ترك الصوم للشيخ الكبير، فأما ترك الصلاة فما رخص فيه، بل يصلي الرجل كيف أمكنه، حتى يصلي الغريق وهو على رف سفينة والمريض وهو لا يقدر على التوجه إلى القبلة.
وادعيت على الفقهاء أنهم يوجبون على من وطيء الجامع الغسل وإن كان ظاهرًا. أفتزعم أن هذا الغسل فرض أم سنة؟ فإن زعمت أنه فرض فكذبت. وإن زعمت أنه سنة فقد أخطأت. لأن الغسل إنما ندب إليه في يوم الجمعة قبل وطء الجامع، فأما بعده، فلا. وفي الحديث: " من توضأ فيها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل ".
على أن الناس لا يمكن كثيرًا منهم ذلك، فكم من خطيب يخطب على منبر في يوم جمعة، عهده بالغسل بعيد.
وزعمت أن " محمد بن إدريس الشافعي " كان لا يقرب من الجامع ويبيت في الكنيسة، فجحدت بلادك: أتدعي على رجل من قريش مطلبي معروف بالفقه أنه كان يهجر الجوامع ويكثر المبيت في الكنائس؟ وما الذي أفقره إلى المبيت في الكنيسة وهجران الجوامع؟ أميل إلى الإنجيل عن الكتاب الكريم ورغبة في صحبة قوم ليسوا على دينه ولا من أهل ملته؟ ولعله لم يبت في كنيسة قط، ولا ترك الجامع في يوم جمعة إلا من عذر. والموضع الذي كان يجلس فيه بجامع المدينة، مدينة أبي جعفر، معروف إلى اليوم، يجلس فيه الفقهاء ببغداد.
وادعيت على " أبي حنيفة " أنه كان يأكل لحم الفقيه دون الفرضى والنحوى.
أفترى " أبا يوسف، ومحمدًا " وافقاه في هذه المسألة على رأيك؟ وقد كان في زمنه فقهاء كثير، ولو علموا هذا من رأيه لم يقاروه ولم يساكنوه. وما رأيك في " زفر "، أكان يتابعه على هذا القول؟ " ألا لعنة الله على الكاذبين ".
وادعيت على أهل الجزيرة أنهم يأكلون لحوم الفقهاء في السنة المجدبة.
وكذبت على القوم. ما زال بينهم رجال من أهل الفقه منذ اشتمل على ديارهم ملك الإسلام. ولم يرب أحدًا منهم ريب إلا كما يريبه في غير الجزيرة من البلاد.
وزعمت أن قومًا بنواحي اليمن يأكلون الذرة ويكيلونها بالذهب، وإن بعضهم يجوز ألا يكون ملك دينارًا قط.
فمن يضرب له مكوك من الذهب أو صاع أو مد، كيف لا يضرب له دينار، هذه الفرية، فبفيك التراب.
ولقد جئت بالنكراء في ادعائك أن لحم الشيطان يؤكل. وقيل ل " عامر الشعبي " ماذا تقول في لحم الشيطان؟ فقال: إن قدرت عليه فكله. فأبعدك الله، أليس في الكتاب العزيز: " والجان خلقناه من قبل من نار السموم ".
وفي موضع آخر: " وخلق الجان من مارج من نار ".
فأي لحم له وهو ناري، والنار جوهر لطيف ليس يجري مجرى الطين؟ ولعلك تذهب إلى أن الشيطان ليس هو الجان الذي عني، وذلك خطأ منك. أليس في الكتاب الكريم: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ".
وكيف تظن أنهم يتوصلون إلى أكله؟ أيصيدونه بفخ أم شرك؟ أم يحفرون له زبية كزبية الأسد؟ ولو صدقت لكان غث اللحم خبيثه.
[ ٥٤ ]
ولم يكفك ما ادعيته من الكذب، حتى ادعيت أن الدجال قد ظهر منذ سنين في أعمال " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - وأنه يأوي إلى بعض الجند.
ولو علم - خلد الله ملكه - لتقرب بدمه إلى الله سبحانه وأراح من أذاته المسلمين.
وله شروط وآيات تكون قبل خروجه، لم يظهر منها شيء. وقد كان بالمدينة قوم يظنون أن " عبد الله بن صائد " هو الدجال. فأسلم عبد الله بن صائد وغزا مع المسلمين. وقال " جابر بن عبد الله "، أو غيره من الصحابة: مازلت في شك من عبد الله بن صائد، حتى قبر.
وكذلك قولك في " يأجوج " كأنك لم تسمع بقوله تعالى: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ".
وكيف لم يظهر الدجال ويأجوج إلا في علم " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أطال الله بقاءه - وهو من أوسط البلاد؟ وإنما جاء في بعض الحديث أنه يخرج في يهود إصبهان. وقال " كعب الحبار " لرجل من أهل البصرة: أفي بلادكم ماء يقال له كذا؟ - وأحسبه قال: سفوان - قال: نعم. قال: إنه لأول ماء يرده الدجال، من مياه العرب.
وزعمت أن قاضي " حلب " حرسها الله. عادل منصف، إلا أنه يجيز طبخ المظلوم بقدر أو مرجل.
فما تقوم شهادتك له بالعدل، بدعواك هذه العظيمة؟ وقد أدركنا بعض الناس يحدثون عن بعض آل كيغلغ - وأحسبه إسحاق المعروف بأبي يعقوب - أنه كان يطبخ من يقع في يده من الجانين ويطعمه بعض الجناة الأحياء. وهذا إفراط في العقوبة لم يطلقه كتاب الناس الكتب ولا سنة. وما زالت قضاة حلب، حرسها الله، عادلين راشدين لا يجيزون ذبح الفرخ إلا بحق، فكيف حسن في نفسك أن تنطق بما نطقت؟ وأعجب من هذا القول، زعمك أن يبيح ضرب خد المظلومة بالفؤوس؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. لولا أن أمك وأباك معروفان لزعمت أنك من القوم الذين مسخوا وقيل فيهم: " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ".
وقولك: إن من دينه أن يأمر الظالم بمعونة الظالمة. فمعاذ الله ما شهدنا إلا بما علمنا " وما كنا للغيب حافظين ".
وادعيت على هذا القاضي، أنه يحلل للخباز أن يأكل كبد العجان وأي عضو شاء من جسده؛ فما الذي خص العجان بذلك، وقد أعان الخباز على البغية ومهن فيما أراد؟ وأنت منذ اليوم تجيز أن يؤكل لحوم الناس كأنهم ضأن في توهمك أو معيز.
واعيت على قاضي حلب - حرسها الله - أنه يحب أن يدخل الجنة، وأنه مع ذلك يبغض الحور العين.
وما بلغت بأحد من أهل الأرض بغضة النساء والغنى عنهن، أن يبغض الحور العين! ولأي شيء يبغضهن، وهن لم يرين قط ولم يظهرن لبني آدم وهم في الحياة؟ وقد اختلف الناس فيهن، فقال قوم: هن خلق يخلقه الله عزت قدرته، ليس من بني آدم، واحتجوا بالآية: " إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكارًا، عربًاأرابًا، لأصحاب اليمين ".
وسئل بعض أصحاب رسول الله ﷺ عن الحور العين فقال: " هن عجائزكم هؤلاء الدرد الشمط ". يحتج بأنهن يخلقن خلقًا ثانيًا.
وكيف يبغض الإنسان من لم يره قط، وقد وصف له بالخير دون غيره من الشرور؟ وإنما يغض الإنسان من لا يعرفه إذا وصف له بالشر.
ولعل " جران العود النميري " لو قيل له إن امرأتيه " رزينة وأم حازم " تكونان في العاقة من الحور العين، لصبر لهما على الأذاة المؤلمة إلى آخر الدهر. وكذلك صاحب " جيداء " - وهو ابن أخي " عبد الله ابن أم أوفى " صاحب رسول الله ﷺ - ولو قيل له إن جيداء امرأته تكون في العاقة من الحور العين، لجاز أن يشغف بها شغف " عبد الرحمن بن أبي بكر " بليلى ابنة الجودى " و" عروة بن الورد " بسلمى امرأته لما طلقها فقال:
سقَوْني النَّسْءَ ثم تَكنَّفوني عُدَاة اللهِ من كَذِبٍ وزُورِ
وأصل النسء: لبن يخلط بماء، ويقال إنه أراد به ها هنا الخمر - وكان أهله سقوه فلما سكر وشوا إليه بامرأته سلمى وعابوها عنده وسألوه أن يفارقها ففعل. فلما صحا ندم.
وقصيدة " الجران " في ذم امرأتيه معروفة، ومنها:
أَلا لا تَغُرَّنَّ امْرأَ نوفليةٌ من الناسِ يومًا أَو تَرِيبٌ وُضَّحُ
ولا فاحِمٌ يُسْقَى الدِّهانَ كأَنه أَساوِدُ يَزْهاها لعينِكَ أَبْطَحُ
فإِن الفَتَى المغرورَ يُعطِي قِلادةً ويُعْطِي المُنَى من مالِه ثم يُفضَحُ
[ ٥٥ ]
فتِلكَ التي أَرضَيْتُ بالمالِ أَهْلَها وما كُلُّ ذي بَيعٍ من الناس يَرْبَحُ
جَرَتْ يوم سِرْنا عامِدين لأَرضِها عُقَابٌ وشَحَّاجٌ من الطيرِ مِتيَحُ
فأَما العُقابُ فهي منها عُقوبَةٌ وأَما الغرابُ فالغريبُ المُطَرَّحُ
أُلاقِي الأَذى والبَرْحَ من أمِّ حَازمٍ وما كنتُ أَلقَى من رَزِينةَ أَبْرَحُ
وهي طويلة. وقال " صاحب جيداء ":
جزاكِ اللهُ يا جيداءُ شرًّا لبذِلةِ أَهْلِ بيْتٍ أَو لِصَوْنِ
تُعينُ عليَّ دَهْري ما استطاعت وليستْ لي على دَهرِي بِعَوْنِ
وزعمت أنه لا يلتفت إلى كلام الغافر، ويحب أن يغفر له.
فويلك، ما الذي عنيت بالغافر؟ أرجلًا من بني آدم أم سواه؟ إنك لتقول قولًا عظيمًا.
وزعمت في حكايتك عن هذا الرجل، أنه كان إذا مات عن أم الولد سيدها فتزوجت، أجاز لها أن تبيع زوجها من اليهودي والمسلم والنصراني.
فهذا أمر ما ذكره صاحب خبر ولا راوي سنة. وكيف يجيز قاضي عدل أن تبيع المرأة زوجها من اليهودي والمسلم والنصراني، والملك والزوجية لا يجتمعان؟ ما أحسب فاركًا من الفوارك بلغ بها الفرك المتظاهر إلى بيع الزوج. وقد سبق من القول أن الملك والزوجية لا يجتمعان.
وفي الطلاق مندوحة إذا رغبت فيه المرأة. وقد روى أن " دختنوس ابنة لقيط " كانت عند " عمرو بن عدس " وكان شيخًا كبيرًا وبه وضح. فوضع يومًا رأسه في حجرها فسمعت جخيفة، أي غطيطه، فقالت: اللهم أرحني منه. فوقعت كلمتها في أذنه فطلقها، فتزوجت شابًا من بني عمها، وكان الشاب فقيرًا. فمضت تستسقي لبنًا من " عمرو فقال: " الصيف ضيعت اللبن " فذهبت مثلًا. فقالت: " هذا ومذقه، خير " فذهبت مثلًا أيضًا.
ولو تزوجت " الخنساء " " دريدًا " لم يخطر ببالها بيعه.
وإن كانت قد هجته فقالت:
مَعَاذَ اللهِ يَنكِحُني حَبَركَى قصيرُ الشَّبْرِ من جُشَم بنِ بَكرِ
يَرى مَجْدًا ومكرُمةً أَتاها إِذا عَشَّى الصديقَ جريمَ تَمْرِ
لَئِنْ أَصبحتُ في جُشَمٍ هَدِيًّا لقد أَودى الزمانُ إِذًا بِصَخْرِ
وقال:
وقاكِ اللهُ يا ابنةَ آل عَمْرٍو من الفِتْيانِ أَمثالِي ونَفْسِي
ولا تَلِدِي ولا يَنكِحْكِ مِثْلِي إِذا ما ليلةٌ طرقَتْ بِنَحْسِ
وقالت: إِنه شيخٌ كبيرٌ وهل خبَّرتُها أَنى ابنُ أَمْسِ
وأشباه هذا كثير.
وادعيت على أهل " سرمين، وقنسرين " أن أحدًا منهم لا يقدر أن يمس ذنب الدجاجة.
فلعلك عنيت دجاجة من الدجاج التي عنى " عبدة " بقوله:
في كَعْبةٍ زانها بانٍ ودَلَّصَها فيها ذُبالٌ يُضِيءُ الليلَ مَفتولُ
لدى سُتُورٍ وأَبوابٍ يُزيّنُها من جَيِّدِ الرَّقْمِ أَزواجٌ تهاويلُ
فيه الدجاجُ وفيه الأُسْدُ مُخْدَرَةٌ في كلِّ شيءٍ يُرى فيه تماثيلُ
ولعمري إن هذا الدجاج المذكور، متعذر على من هو في هذا الزمان أن يمس دجاجة منه، لأنها صور دارسة وتماثيل متغيرة. والبلاد التي كان فيها " عبدة " نائية عن هذه البلاد. ولو سمع هذه المقالة عنك أهل التسرع والخفة من شبان هذين الموضعين، فجاز أن يقصدك بمحلتك أربعون منهم أو خمسون، كلهم قابض على ذنب دجاجة. يكذبونك بذلك ويعلمون الناس تخرصك.
وقلت: ما في الأرض نصراني ولا نصرانية إلا وهو يذم القس وإن كانا يأتيانه فيمن يأتيه، حتى ملك الروم وبطارقته.
فأم القس وأخته وبنته، ألسن من جدملة النصارى؟ وكذلك بنوه وإخوته وأبوه. ولو سألت أقارب القسوس من كل بلد، لجاز ألا يقولوا فيهم إلا خيرًا. وإذا كان ملك الروم يذم القس، فما الذي يمنعه من صرفه؟ ولعلك تزعم أنه يخاف من أن يعقده أو يحرم عليه كما تقول النصارى. وإن ذلك لخطل من القول.
وزعمت أن الرجل ب " تنيس " لا يمشي في النعل العربية إلا ومعه بطريقان.
[ ٥٦ ]
ويحك؛ ما أبعدك من الصدق! وفي هذه البلدة خلق كثير من الرجال، وأحذيتهم النعال العربية، فمن أين لهم هذه البطارقة كلها؟ والذين يدعون الخبرة بملك الروم، يزعمون أن عدد بطارقتهم اثنا عشر بطريقًا، لا يزيدون على هذه العدة ولا ينقصون. فإذا فقد منهم رجل جعلوا مكانه سواه. وهذا ترتيب يجب أن يكون إلى ملكهم: إن شاء جعلهم عشرين وإن شاء جعلهم عشرة. فأما ادعاؤك لهذه المحلة أن فيها من البطارقة آلافًا، فكذب لا ريب فيه.
وزعمت أن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - إذا حضر ميدان السلم نزل المسيح.
ولو صح هذا عند البطرك لقصد ميدانه - أعز الله نصره - حتى ينظر صحة ما تقول، ولبطل حج الأفرنج وغيرهم من أهل دينهم إلى " بيت المقدس " ولنقلوه إلى ميدان " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - خلد الله أيامه -، ولجاءت الرهبان من نجران والحبشة وآفاق الأرض وتركوا الصوامع، رغبة في النظر إلى " المسيح " ﵇.
وقولك إن رجلًا ببلد كذا يفعل ويصنع - وذكرت أشياء تنقض الصلاة - قم قلت إن المسلمين واليهود والنصارى يشعدون أنه يصلي في تلك الحال.
فيجوز أن تكون أردت بقولك: يصلي، في آخر كلامك، ما يستقبل من الزمان. وقد يجوز للرجل أن يرى السابح في الماء وصائد السمك، ويشهد في تلك الحال أنه يصلي فيما بعد.
وادعيت على القصبة المسكينة، أن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - يبغضها، وكذلك غيره من الأمراء الراشدين.
ولو صح ما زعمت لأحرق بالكتاب الواحد من الحضرة العالية جميع قصباء الشام حتى لا يجد أحد قصبة يستعين بها في بناء ولا يشد فيها المخمة لسفر ما غزله الشبثان نعند الروافد وأعالي الجدر، ولما وجد راع قصبة يتخذ منها نقيبًا ليشايع بين الإبل.
ولم رميت القصبة بهذه العظيمة؟ لعلك شربت يومًا ماء القصباء فاستوبلته، فيقال إنه ماء رديء للشارب. وقد اختلفوا في قول " الهذلي ":
متى ما أَشَأْ غيرَ زهو الملو كِ أَتْرُكْكَ رَهْطًا على حُيَّضِ
وأَكْحَلْكَ بالصَّابِ أَو بالجَليَ ففَتِّح لِكُحلْكَ أَو غَمِّضِ
وأُسْعِطْكَ في الأَنفِ ماءَ الأَبا ءِ مِمَّا يُثَمَّلُ بالمخْوَضِ
فقيل: أراد بماء الأباء عصارة ورق القصب، وهو من القواتل.
وقيل: أراد الماء الذي ينبت فيه القصب.
وادعيت أن بدمشق سمرة مسلمين يحلون السبت؛ وما حدث بما قلت خبير، إنما السمرة قوم من يهود.
وادعيت أن " البارة " تسافر كما يسافر الركبان. وقد روى عن " ابن عباس " أن بعض جبال " مكة " - وأغلب ظني أنه أبو قبيس - كان من جبال خراسان فجاء مهاجرًا إلى مكة. ولعمري إن جبال مكة تستوجب أن تظهر لها المعجزة وتنزل عليها الآيات، فأما " البارة " فقرية من قرى الشام دامرة المسجد ليس بينها فرق وبين غيرها من إن القريات. وقد كان وقع بها حريق من الروم وغيرهم، فليت شعري في ظنك، هل أحدثت لها النار مزاجًا حيوانيًا تقدر به على السفر؟ سبحان الله تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرا.
وادعيت أن أهل الزوج يفرقون من النائم.
فيا للعجب، أيأمنون الحي ويخافون مناسب الميت؟ قال الله تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ".
وقيل لبعض الحكماء: صف لنا الموت. فقال: نومة طويلة. فقالوا: صف لنا النوم. فقال: موتة قصيرة.
وأما القرية المعروفة ب " أورم "، فقد نزلت فيها صيفًا وعاينت بها شبانًا لا يرفعون رءوسهم من النوم. وبت بها ليالي وأحسست غطيطًا من كل جهة.
وزعمت أن العدل من عدول القاضي بمدينة السلام، لا يدخل عليه إلا ومعه دفان كل واحد منهما أحب إليه من مائة دينار.
ولو أنهما مأشوران من خشب القطر لما زاد الأمر على ما ادعيت.
وما حاجة العدل إلى حمل الدفين؟ أيكتب فيهما ما يسمع من العلم؟ فبعض الناس تكون معه ألواح صغار يكتب فيها ما يسنح له من الفوائد، وأغلاها قيمة لا قدر له.
وقد يجوز أن تعني رغبة الرجل فيما يستودعه الدقيق من العلم، فإن الكلمة الواحدة ربما عدلت عند العالم بدرة أو أكثر. والمعروف من أهل العراق أنهم يكتبون العلم في الجيد من ورق خراسان، ولا نعلم أحدًا من عدولهم يحضر مجلس القاضي ومعه دفان بهذه الصفة.
[ ٥٧ ]
وادعيت أن حامل الدفين يكون الساج على كتفيه.
وهذه المثلة لا يرضى بها الباعة ولا أهل الدناءة، فكيف يحتملها العدل المرضى، وإنما تقبل شهادة الرجل إذا جمع بين الدين والمروءة؟ وما الذي أفقره إلى أن يحمل الساج على كتفيه كأنه مكترى للمهنة أو غلام نجار من بعض العامة؟ ولعمري إن الدف الذي يلعب به، فيه لغتان ومعاذ الله أن يحمل ذلك رجل فيه خير، وإنما تحمله الجواري الناشئات والعجائز يتكلفن حمله في الولائم. يقول النبي ﷺ: " أعلنوا النكاح واضربوا بالدف " وقال الراجز:
وطالما سُقْنا المطِيَّ زَفَّا
ليلًا وأَنتِ تقرعين الدُّفا
وإنما يعبر الرجل بحمل الجف إذا هجي. والمراد بذلك أنه من أهل التخنيث. قال الشاعر:
أَنَّى لِعَفَّانٍ أَبيكَ سَبيكةٌ صفراءُ والنهرُ العُبابُ الأزرقُ
ووَرِثْتَه دُفًّا له ويَراعةً جوفاءَ كان بِنَفْخِها يَتَمطَّقُ
وزعمت أن أهل " عزاز " في كل ليلة تبرك عليهم النعامة. وتلك أرض لا يطرقها النعام إلا بعد أن يصاد. فلو ادعيت ذلك للمزالف من الأرضين لكان أولى بك واخلق. ومثل هذا الكلام تقوله العرب على سبيل التقليل والاحتقار، كما قال:
ولو أَن عُصفورًا يَمُدُّ جَناحَه على آلِ طَيْىء كلِّها لاَستظَلَّتِ
وقال " زياد الأعجم ":
زعمتْ غُدانةُ أَن فيها سَيِّدًا ضخمًا يُواريه جَناحُ الجُندُبِ
يُرْويه ما يُرْوي الذبابَ فينتهي سُكرًا، ويُشبِعُهُ كُراعُ الأَرنب
وقد يجوز أن تعنى بقولك: تبرك عليهم النعامة، أي عندهم وفيهم.
كما يقال: نزلنا على بني فلان. ولا يراد أنهم نزلوا بأجسامهم على أجسام أولئك، إنما يراد أنهم كانوا تضيفوا القوم أو نزلوا بين ظهورهم. وإنما ينبغي أن تدعى مثل هذا في الأرض يكثر بها خيط النعام.
وأما أرض لا تمر بها النعامة إلا وهي مصيدة، فمحال.
وزعمت أن العدل من أهل " منبج " لا يرى عند قاضيهم أو واليهم مسلمًا.
ولو ذهب رسول قاصد يكشف عما قلت لوجدك مبطلًا متخرصًا.
ولا بد لعدول البلد وأماثل أهله، من السلام على الوالي والقاضي. وبهذه العادة جرت أخلاق الناس في كل الأوطان.
وزعمت أن السنانير إذا كانت في البادية تقلدت السيوف ولعبت بالرماح.
ولا يلعب بالرمح إلا من يقدر أن يطعن به. فلو صح هذا من دعواك لاجتمعت سنانير هذا الإقيلم فصدت الجيش الذي يعمد لأهله بالأذاة. لأن أهل كل دار لا يعدمون سنورًا من السنانير.
وادعيت أن أهل " بعل بك " يفرح كل واحد منهم أن تكون له أمة وأن كلهم يكرهون الحرائر.
وهذا خلق ليس عليه أحد من أهل البلاد. ويجوز أن تتفق هذه الشيمة في الرجل بعد الرجل، فأما أن يكون أهل البلد كلهم مصفقين على هذا الرأي، فمستحيل في النظر والمعقول. وما الذي يكرهون من الحرائر ويؤثرونه من الإماء؟ وليس أحد في الأرض يختار أن يكون أمة أمة. ومن أيمان العرب: أمي قينة إن كان كذا. ومن أمثالهم: لا تبل فوق أكمة ولا تحدث سرك ابن أمة. وما زال ذم الإماء موجودًا في منثور كلامهم والمنظوم. وفي كلام يروى عن " لقمان بن عاد " في حديث حزين الذي يذكره أصحاب الحديث، ذم لابن لأمة، وذلك أن " لقمان بن عاد " مكان له سبعة إخوة فخطبوا كلهم امرأة واحدة وخطبها لقمان معهم. واتفقوا على أن يصف لقمان كل واحد منهم فتختار أيهم شاءت.
فقال " لقمان ": خذي مني أخي ذا البجل، إذا كلأ القوم غفل، وإذا سعى القوم نسل، وإذا كان الشأن اتكل بعيد من نيء قريب من نضيح.
فلحيًا لصاحبنا لحيًا.
ثم قال: خذي مني أخي ذا الثجلة، يخصف نعلي ونعله، ويطعم أهلي وأهله، وإذا كان يومه قدمت قبله.
ثم قال: خذي مني أخي ذا العفاق، أفاق صفاق، يعمل الناقة والساق.
ثم قال: خذي مني أخي ذا النمر، حيي خفر، شجاع ظفر، أعجبني وهو خير منه إذا سكر. ثم قال: خذي مني أخي ذا الأمد، بحر ذو زبد، وجواب ليل سرمد.
ثم قال: خذي مني أخي ذا الحممة، يهب الناقة السنمة، والمائة البقرة العممة، والمائة الشاة الزهمة، وإذا كان على عاد ليلة مظلمة، قال: اكفوني الميمنة وأكفيكم المشأمة، وليس فيه لعثمة، سوى أنه ابن أمة.
[ ٥٨ ]
ثم قال: خذي مني أخي حزينا، أولنا إذا غدونا، وآخرنا إذا استجبنا، ومطعم أبنائنا إذا شتونا، وفاصل خطة أعيت عليها، ولا يعد فضله لدينا.
ثم قال: أنا لقمان بن عاد، ابن عادية لعاد، أضطجع فلا أجلنظي، ولا تملأ رئتي جنبي. إن أر مطعمي فحداء تلمع، وإلا أر مطعمي فوقاع بصلع.
ألا ترى إلى قوله: سوى أنه ابن أمة، كيف عابه بذلك؟ وإنما تعاب الأمة إذا كانت مبتذلة. فأما إذا حصنها مولاها، فلا فرق بينها وبين الحرة، قال الشاعر:
وكائنْ تَرى فينا مِن ابنِ سَبِيّةٍ إِذا لَقِيَ الأَبطالَ يَضربُهم هَبْرا
فمَا زَادَها فينا السِّباءُ نِسائنا ولا احتَطبتْ يومًا ولا طبخت قِدْرا
ولكنْ خَلَطنَاها بِخَيْرِ نِسائنا فجاءَتْ بهم بِيضًا وجُوهُهمُ زُهْرَا
ورب سيد من القوم وملك عظيم ونبي عند الله كريم، قد ولدته الإماء. ولما فتح " قتيبة بن مسلم " بعض بلاد الأعاجم: الصغد أو غيرها من البلاد، وجد فيها امرأة شريفة من بنات بعض الملوك، فلما نظر إليها قال لأصحابه: " ما ترون في ابن هذه؟ أيكون هجينًا؟ " فقالوا: " من قبل أبيه ". يشهدون لها بالصراحة والفضل. فبعث بها إلى " الحجاج " وحملت إلى " الوليد بن عبد الملك " فولدت له " يزيد بن الوليد: الناقص " وكان من أفضل ملوكهم. وإنما سمى الناقص لأنه نقص أعطيات الجند. وقد كان " علي بن الحسين " ﵁. ابن أمة.
وزعمت أن أهل " بعل بك " لهم كروم كثيرة، وأن الرجل منهم لا يرى في كرم طول حياته.
فمن الذي ينوب عنهم في اتخاذ العنجد وعصر العنب واجتناء الثمرة؟ أرجال منهم أم نساء؟ إن كانوا يصونون نساءهم عن ذلك فلا بد من استعانتهم بقوم ليسوا منهم يجنون لهم ما أينع من الثمار، ويضعون ما قطف من العنب في الجوخان. ولقد وصفت هؤلاء القوم بضد ما وصف به " أبو محجن " نفسه فقال:
إِذا مِتُّ فادْفِنِّي إِلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظامي في المماتِ عُروقُها
ولا تَدفِنَنِّي في الفَلاةِ فإِنني أَخافُ إِذا ما مِتُّ أَلاَّ أَذوقُها
وروى " الأصمعي " بإسناد له، أن قبر " أبي محجن " بإرمينية في كرم تحت الشجرة الرابعة منه، وكان غزا بإرمينية فمات هناك.
وزعمت أن الكوفة والبصرة ومصر يجوز أن يجتمعن بجوسية في يوم خميس أو جمعة.
وما علمنا أن أرضًا من الأرضين سارت من مكانها إلى سواه. وإنما قالوا: لا أفعل كذا ما رسا ثبير وما أقام عسيب. لعلمهم أن الجبال لا تنتقل. والأرض التي عليها الجبل، أولى بالثبات منه لأنها أثقل، ولأن الجبل ربما شبه بالراكب أو القائم وهما أقرب إلى المشي من الأرض المدحوة. ولم تزل الشعراء يدل كلامها على ثبات الأرض والجبال.
وليست " جوسية " أرض المحشر فتدعى أن غيرها يضهل إليها يوم القيامة، ولعلك تحتج بقول الشاعر الذي أنشده " أبو الغوث " بن البحتري " عن أبيه عن " حبيب بن أوس ":
أَبا جَبَلَيْ بَطْنِ العِدَانِ هل أنتما إِنِ احتملَ الأُلاَّفُ مُحتَمِلانِ
كأَنكما في الآلِ لَمَّا نهضتما حِصَانانِ فَاتَا الخيلَ مُطَّرِدان
كأَنَّهما قُدَّامَ جَيْشٍ طليعةٌ على جانب الحَوْمَاءِ يَرتَبئانِ
وقد زعَموا أَن العِدَانَ أَبوهما وأَنَّ إِلى الحَوْماءِ يعتزيانِ
وذاكَ أَبٌ بَرٌّ وأُمٌّ لَطِيفةٌ ولا صَبْرَ عن أَرضٍ بها أَبَوانِ
هكذا الرواية عن " أبي الغوث " وفي كتاب النسيب: وذاك أب فظ وأم غليظة، وفيه: الحرماء، مكان: الحوماء.
وفيه: العدان، بفتح العين.
فكأنك تظن أن قوله: هل أنتما إن احتمل الألاف محتملان دليل على أنهما ينهضان للرحلة. وهيهات! إنما هذه المقالة منه على سبيل الأسف والتقرير أنهما لا يظعنان أبدًا، كما قال الآخر:
هل أنتَ ابنَ لَيْلَى إِنْ نظَرتُكَ رائِحٌ مع الركْبِ أَو غادٍ غَدَاة غدٍ مَعي؟
أي: إنك لا تبرح أبدًا. وقال " لبيد ":
وهل عايَنْتَ من أَخَوَينِ دَامَا على الأَيامِ إِلا ابْنَي شَمامِ؟
وهما جبلان.
[ ٥٩ ]
وزعمت أن أهل " رفنية " يأمنون البيت والمسجد ويفرقون من الدار وما الذي أوجب فرقهم منها؟ وهل البيت إلا جزء من أجزائها؟ وأما قولك إن العرب كانت تتشاءم بالصرد، فذلك معروف منهم.
أنشد " ابن الأعرابي ".
تَغْتَالُ عَرْضَ النُّقْبَةِ المُزالَهْ ولم تَبَطَّنْها على غِلالهِ
إِلاَّ بِحُسْنِ الخُلْقِ والنَّبَاله آذنَ بالبَيْنِ صُرَيْدُ الضالَهِ
فظلَّ منه القلبُ في بَلبَالَه يَنزو كنَزْوِ الظبْيِ في الحِبَالَه
وأنشد " أبو الفضل ابن العميد " في رسالته إلى " ابن سمكة ":
دَعَا صُرَدٌ يومًا على غُصْنِ شَوْحَطٍ وصاحَ بِذاتِ البَيْنِ منها غُرابُها
فقُلتُ: أَتصريدٌ وشَحْطٌ وغُرْبَةٌ فهذا لَعمري شَحْطُها واغتِرابها
وأما الذي حكيت عن " بحتر " فأمر لا يسلم لك. وهذه أخبار " البحتري الشاعر " تقرأ وتنسخ، لم يزعم أحد من الرواة أنه كان يستصحب صردًا أو غيره من الطير. وفي " منبج " رجال من ولده لا يرى مع أحد منهم صرد، ولعل فيهم من لم يسمع باسمه قط.
وأما قولك: إن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - إذا ركب دعا له البرج والصور بدعاء يفهم، فيجوز أن تكون عنيت بدعائهما له، حسن أثره فيهما. فإن مثل هذا يوجد في كلام العرب وغيرها كثيرًا. وفي الكتاب الكريم: " وإن من شيء إلا يسبح بحمده " فتسبيح الحجر وما جرى مجراه، إنما هو أثر الصنعة فيه، وشهادته للعاقل إذا رآه: أن له بارئًا قديرًا يفعل ما يريد.
وقال الشاعر يمدح رجلًا:
خَبَّرَ عن فَعالِكَ الأَرض واستَنْ طَقَ منها اليَبَاب والمَعْمُورا
وقد كثر في الأشعار الحكاية عن الطلل والربع، ومخاطبة الشاعر لما يحن إليه من جبل أو ماء. ويروي ل " حاتم الطائي ":
أَتَتْني من الرَّيَّانِ أَمْسِ رِسالةٌ وغَدْوًا يَجيءُ ما يقول مُوَاسِلُ
هما يسأَلانِ ما فَعلتُ، وإِنني كذلك عما أَحْدَثَا أَنا سَائِلُ
فقلت: أَلا كيف الزمانُ عَليكما فقالا: بِخَيْرٍ، كلُّ أَرضِكَ سائلُ
فحكى عن الريان ومواسل كلامًا لا يقدر عليه إلا من يعقل، وهما موضعان في جبلي طيء. ويقال إنه كان عند بعض الملوك فدعاه إلى المقام عنده وتركه وطنه. فقال له حاتم: لي صديقان، أنا أشاورهما في ذلك. ثم دخل على الملك بعد أيام فأنشده هذا الشعر يوهمه أن الريان ومواسلًا رجلان وهذا نحو مما قال آخر:
ودِدْتُ وأَبْرَقُ العَيْشومِ أَنَّا نكونُ معًا جميعًا في رِداءِ
أُبَاشِرُه وقد نَدِيَتْ رُبَاه فأُلْصِقُ صِحَّةً منه بِدَاءِ
فجعل أبرق العيشوم يود.
وفي الكتاب الكريم في صفة جهنم: " تدعو من أدبر وتولى ".
فذهب بعض الناس إلى أنها تتكلم بإذن الله في ذلك اليوم كما يتكلم الآدميون. وقال آخرون: أخذها لهم هو دعاؤها إياهم.
وإن كنت أردت أن البرج والصور يتكلمان، فقد جريت على عادتك في الإحالة.
وزعمت أن عبيده - أعز الله نصره - يرغبون في البق ويحبونه، ويبغضون الذباب.
وإن البق والذباب لبغيضان إلى كل حيوان. ألم تسمع قول " جرير ":
ظَلِلْنا بِمُسْتَنِّ الحَرورِ كأَننا لدَى فَس مستَقبِلِ الريحِ صَائِم
من البُلْقِ رَمَّاحٍ يَظلُّ يَشُقُّه أَذَى البَقِّ إِلا ما احتمى بالقوائِم
فوصف أذاة البق الأبل. وإنما يصف بيتًا بنوه لهم على قسي وسيوف.
كما تذكر العرب في الشعر أنها تفعل إذا نزلت في الهاجرة.
وقال آخر وهو يصف بيتًا بني على نحو ما ذكره " جرير ":
ومُجَوَّفٍ قَلِقِ القوائمِ سابِحٍ تَهفُو قوائمُه ولَمَّا تَبرَحِ
سَلسِ القِيادِ متى تُنازِعْ جانِبًا منه يَرُعْكَ شِماسُه أَو يَرْمَحِ
فإذا كانت الخيل تأذى بالبق، فبنو آدم أولى بالأذاة. قال الشاعر:
يا حاضِرِي الماءَ لا مَعروف عندكمُ لكنْ أَذَاكُمْ إِلينا رائِحٌ غَادِ
بِتْنَا عُذوبًا وباتَ البَقُّ يَلسِبُنا نَشْوِي القَراحَ كأَنْ لا حَيَّ بالوادِ
[ ٦٠ ]
إِني لَمِثلِكُمُ في سوءِ فِعلكمُ إِن جِئتُكم أَبدًا إِلا مَعِي زَادِي
والذباب وإن كان مكروهًا، فإنه دليل الخصب وكثرة النبات.
ألم يبلغك قول " المتلمس ":
هَلُمَّ إِليها قد أُثيرتْ زروعُها وعادَتْ عليها المَنْجَنُونُ تَكدَّسُ
فهذا أَوَانُ العِرْضِ جُنَّ ذبابُه زنابِيرُه، والأَزرقُ المُتَلَمِّسُ
وقال " أبو النجم ":
مُسْتَأسِدٌ ذِبَّانُه في غَيْطَلٍ يقولُ لِلرَّائِدِ أَعْشَبتَ انْزِلِ
وقال " عنترة " ووصف كثرة الغيث في الروضة:
وخلا الذبابُ بها فليس بِبَارِحٍ غَرِدًا كَفِعْلِ الشاربِ الترنِّمِ
هَوِجًا يَحُكُّ ذِراعَه بِذِراعِه قَدْحَ المُكِبِّ على الزنادِ الأَجذمِ
فكيف جعلت عبيده - أعز الله نصره - يحبون البق ويبغضون الذباب؟ لعلك ذهبت إلى وقوعه على الشراب والطعام، ولعلهم يحبون البق لأن من شأنه أن يسهر ويمنع النوم، فكأنهم يرغبون في السهر مخافة أن تعرض لهم خدمة وهم نيام! وزعمت أن عبيده - أعز الله نصره - لو وقف أحدهم على ظهور الأسد يومه أجمع، لم تشعر به؛ فما الذي قصدت في زعمك؟ لقد نسبت الأسد إلى إفراط النوم وثقل رءوسها فيه، فكأنها قد همت أن تموت، كما قال الراجز يصف الإبل:
فَصَبَّحتْ حَوْضَ قِرًى بيوتًا يَلْهمْنَ بَرْدَ مائِه سُكوتًا
سَفَّ العجوزِ الأَقِطَ الملْتُوتا وتركتْ راعيَها مَسْبُوتًا
قد هَمَّ لما نامَ أَن يموتا وزعمت أنه - أعز الله نصره - يكره أن ينظر الرجل إلى غراب لا يملكه.
ومن الذي يرغب في ملك الغربان وليست حسنة في المنظر ولا مليحة الأصوات ولا ذوات بركة عند الناس، وليس أكلها بمطلق؟ والولدان يرغبون في ملك الحمائم والحجل والسوذانقات ولا يرغبون في ملك الغربان. وما زالت الشعراء تدعو على الغراب وتلعنه في الجاهلية والإسلام. وانضاف إلى ذلك إباحة قتله في الحرم. قال " الطرماح " وقد أنشده " ابن العميد ".
وَدَعَا بالذي يُخاف من البيْ نِ لَعِينٌ يَنُوضُ كلِّ مَناضِ
صَيْدَحيٌّ الضُّحَى كأَنَّ نَساه حين يَحْتَثُّ رِجْذلَه في إِباضِ
وقال آخر، وذكر الغربان:
من اللائي لُعِنَّ بِكُلِّ أَرضٍ فليس لهن في أَرضٍ مَقِيلُ
يُباكِرْنَ الديارَ يَجُلْنَ فيها وبئس من المليحاتِ البَديلُ
وزعمت أن " أمير الأمراء عزيز الدولة وتاج الملة " - أعز الله نصره - تثنى عليه الدرة وتفر منه الصدقة خشية العقوبة؛ وهو لعمري جدير بالثناء من الدرة واللؤلؤة والشذرة والشنف والعقد وجميع الحلى. ولكن، ما بالك خصصت الدرة بذلك، وليست جارية مجرى البرج والصور؟ لأن ذينك يقوم حسن الأثر فيهما مقام نطقهما بما يفهم. قال " نصيب ":
فَعَاجُوا فأَثْنَوا بالذي أَنتَ أَهلُه ولو سَكتوا أَثنَتْ عليك الحقائبُ
فأما الدرة فكيف يظهر ثناؤها على " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أعز الله نصره، وليست بلاده بلاد در ولا لؤلؤ وإنما هي بلاد جهاد وحماية؟ وما ذنب الصدفة حتى تفر خشية أن تقع بها العقوبة من " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - خلد الله أيامه؟ إن كانت لم تضمن درة ولا لؤلؤة فلا ذنب لها في الأقضية، لأن الله لم يودعها نفيسًا من الجوهر. وأي ذنب للمنزل إذا لم يسكنه رجل شريف، والمدينة الآهلة إذا لم يلها وال عادل؟ ولو وجبت على الصدفة عقوبة إذا لم يوجد فيها لؤلؤة، لوجب عقوبة الشجر إذا لم يثمر، وتحريق الهميان أو تخريقه إذا لم تكن فيه دراهم أو دنانير.
وإن كانت الصدفة قد ضمنت درة أو لؤلؤة وأدتها إلى بني آدم، فقد استحقت الشكر بأداء الأمانة، لأنها حفظت لهم النفائس.
وحسبها من الفضيلة أن الدرة تنسب إليها فتسمى صدفية. قال " النابغة ":
كَمُضِيئةٍ صَدَفِيَّةٍ غوَّاصُها بَهِجٌ متى يَنظُرْ إِليها يَسجُدِ
[ ٦١ ]
و" السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - أفضل من أن يظلم الصدفة أو غيرها من الأشياء. وما أحسبك إلا كاذبًا في دعواك، فإنها تجري من افترائك على عادة، وترجع من التخيل الفاسد إلى سجية.
وزعمت أن أهل مملكة " محمود " يزعمون أن له سبعمائة فيل، يستعظمون ذلك من ملكه، وأن " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - لو أراد أن يجمع في اليوم الواحد عشرة آلاف فيل على نحض وثريد، لفعل.
فأول كذبك أنك ادعيت للفيل أكل النحض، وهذا ما لا يعرف.
لو كان كذلك لفرس كما تفرس السباع.
ومن أين لملك في الشام فيل واحد أو فيلان، وقد كان بحلب - حرسها الله - ملوك كثير لم نعلم أحدًا منهم ملك فيلًا قط؟ وإني لأظن الصاهل أصاب في جفوتك ووفق لما أعرض عن النهوض في حاجتك.
ولعله لم يضح له من أمرك وكذبك ما قد وضح لي واستنار. فبعدًا لك، وإلى ربك مآبك، فيغفر لك أو يعاقبك، وهو علام الغيوب.
فيقدر الله سبحانه أن ينطق الشاحج فيقول: إن الشكلين متباعدان: أريها السها وتريني القمر.
ليست النخلة بأخت للسدرة. أخلف وعيًا مظنة، وإن الظن ليتقيل.
وإن العين لتكذب، وإن فراسة العاقل ربما تخيب.
كأنك، شهد الله، كوسى قدم الساعة من بلغار أو جوخان، لم تطرق أذنيه كلمة عربية قط. وإن الموصين بنو سهوان.
ألم أبدأ في خطابك بأني قد جمعت أخبارً على نحو ما ذكره " ابن دريد " في الملاحن وابن فارس في فتيافقيه العرب؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون: إذا قطعن علمًا بدا علم، استجرت من الرمضاء بنار، وفررت من السيل الراعب إلى المعطشة المهلكة، " فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ".
إنما الحسن والحسين كثيبًا رمل، ألغزتهما عن " الحسن والحسين " صلى الله عليهما وسلم. قال " الضبي ":
لأُمِّ الأَرضِ وَيْلٌ ما أَجنَّتْ بِحيثُ أَضَرَّ بالحسَنِ السبيلُ
وقال " الحارثي ":
تركْنَا بالثنيَّةِ من حُسَيْنٍ نِساءَ الحَيِّ يَلقطن الجُمانَا
وهذا الذي عنيت بقولي: إن " الحسن " ﷺ، لم ير الحسين. لأنا لم نعلم أنه - ﷺ - رأى هذا الكثيب قط.
وفيه وجه آخر، وهو أن يكون: لم ير، من قولهم: رآه يرآه إذا ضرب رئته. ثم خففت الهمزة. كما قالوا: تنا، في: تنأ. أنشد " أبو إسحاق الزجاج " في كتابه المعروف ب " جامع المنطق ":
أَقولُ والعيسُ تَنَا بِوَهدِ إِنْ تَنزِلا أَكفِكُما بِجُهدي
فطالَ ما سُقْتُ المطِيَّ وَحْدِي
والعلى: الفراش الشديد الصلب. والاشتقاق يدل على أنه العالي. فهذا البذي عنيت بقولي: إن " فاطمة " - صلى الله عليها وسلم - لم تر عليًا في بيتها.
والخل: الرجل المهزول. ويجوز أن يكون المختل الحال. وهذا الذي عنيت بقولي: إن الخل يجوز أن يكون فيما سلف، كان يحضر مائدة " علي بن الحسين " - ﷺ.
والجعفر: النهر الكثير الماء. فهذا الذي عنيت بأن " الباقر " - ﵇ - لم ير جعفرًا في داره قط. ألغزته عن " جعفر الصادق " - ﷺ.
والبث: تمر مفترق لم يجد كنزه. فهذا الذي عنيت بأن " الحسن والحسين " كانا يأخذان البث بأيديهما. ألغزته عن البث الذي يجده الرجل في نفسه. ومعلوم أنهما - ﷺ - كانا يأكلان التمر.
والبسر: الماء القريب العهد بالسحاب. قال " أبو ذؤيب ":
فجاءَ وقد فَصلتْه الجنو بُ عَذبَ المَذاقَةِ بُسْرًا خَصِرْ
وأم الصبيين: الهامة. قال " تأبط شرًا ":
إِذا أَفزعُوا أمَّ الصبيينِ طيَّروا عَفارِيَ عنها ضافَةً لم تُرَجَّلِ
ألغزت أم الصبيين عن المرأة التي لها صبيان، لأن العرب تردد ذلك، فيقولون: أم الصبي، وأم الصبيين. أنشد " الفراء ".
أَلا زعمتْ أمُّ الصبيِّ خزَايَةً على فزارةَ أَنْ عرفتُ بني عَبْسِ
والأعرج الذي عنيت أن " عليًا " - ﷺ - كان يأمر بقتله في الحرم، هو الغراب أو الذئب. لأنهما أعرجان، وقتلهما مباح في الحرم مندوب إليه.
والأعيرج: ضرب من الحيات.
[ ٦٢ ]
والأعمى: السيل والفحل الهائج من الإبل. ويقال: أعوذ بالله من الأعميين. وهما الأيهمان. ويقال إنهما في البادية، كما مضى. وفي الحاضرة: السيل والحريق. ولا ريب أن " عليًا " ﵇ - مكان يكره دخول هذه الأشياء المسجد.
والجليل الذي ذكرته في حديث " علي " ﵇ - يحتمل أمرين: أحدهما أن يعني به الثمام، ومنه البيت المروي عن " بلال ":
أَلا ليت شِعري هل أَبيتنَّ ليْلةً بِوَادٍ وحَوْلي إِذخَرٌ وجَلِيل
والآخر، أن يعني به الجلة. يقال: جلت الأمة تجل، فالشيء مجلول وجليل.
وإنما قلت: وكان ينصف الخسيس من أهل الأقدار، إلغازًا ليتوهم السامع أن الجليل ها هنا، يعني به الجليل من الناس.
والنبيذ: في معنى المنبوذ، وهو الصبي الذي قد نبذ. ألغزته عن النبيذ المشروب.
والجر: أصل الجبل. ألغزته عن الجر من الفخار. قال " النابغة ":
لولا بنو عَوْفِ بنِ بُهْثَةَ أَصبحت بالجَرِّ أمُّ بني أَبيكَ عقيما
وقولي: كان يلعن البقرة. عنيت به جمع باقر، وهو الذي يبقر بطن المرأة أو الرجل. مثل ما روى عن " الجحاف بن حكيم السلمى " أنه غزا بني تغلب فقتل الرجال وبقر بطون الحبالى. ومعلوم من سيرة " علي " ﷺ. أنه كان يلعن من فعل ذلك، وذكرت الثور بعد ذلك ملغزًا.
والعنز: الأكمة السوداء. قال الراجز:
وعَلَمٍ أَخرَس فوق عَنْزِ
والصقر: الدبس، ألغزته عن الصقر من الطير.
والبازي الذي كان يعلمه أخلاق الصالحين: هو البازي في معنى الظالم القاهر. ويقال: بزاه إذا ظلمه وقهره.
والصعدة: المرأة الحسنة القوام، شهبت بالصعدة وهي القناة المستوية قال الشاعر:
وثَدْيانِ كالحُقَّيْنِ في صَدْرِ صَعْدَةٍ تَحيَّر فيها الحُسْنُ فاعتَمَّ واعتدلْ
والمدينة: الأمة. ألغزتها عن " المدينة " مدينة الرسول الله ﷺ. ومن المدينة الأمة قول " الأخطل ":
رَبَتْ ورَبَا في كَرْمها ابنُ مَدينةٍ مُكِبٌّ على مِسْحَاتِه يَتَرَكَّلُ
والمقعد: الفرخ. وهو أحد القولين في قول الراجز:
أَبو سليمانَ وريشُ المُقْعَدِ وصيغةٌ مثلُ الحَميمِ المُوصَدِ
ومؤمِنٌ بما تَلاَ مُحَمَّدِي هكذا يروي هذا البيت بالياء، على الإضافة. ألغزته عن المقعد من الناس.
وذكرت: الزمن، تورية. والحمام وفراخها، لا تذبح بمكة.
والهلال: ضرب من الحيات. ويقال هو الذكر منها. قال الراجز يصف درعًا:
ونَثْرةٍ تَهزَأُ بِالنصالِ
كأَنها من خِلَعِ الهِلاَلِ
وذكرت: الشمس والقمر، موريًا والقبيلة، تحتمل وجهين: إن شئت كانت من قبائل الرأس وهي ثلاث تضل بينها الشئون.
وإن شئت كانت من قبائل الثوب، وهي رقاعه ألغزتها عن القبيلة من العرب. والخل: الطريق في الرمل. قال " كثير ":
تَحمِي الخلَّ ممن دنا لها
والسباطة: الكناسة والضرير: جانب الوادي. ألغزته عن الضرير من الناس. قال " أوس بن حجر ":
خليجٌ من المَرُّوتِ ذو حَدَبٍ يَرمي الضريرَ بِخُشْبِ الأَثْل والضَّالِ
والضبع: السنة الشديدة. ومنه الحديث المرفوع أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: " أكلتنا الضبع وتقطعت عنا الخنف ".
ولا شك في أنه ﷺ كان يكره السنة الشديدة.
والأرنب: المرتفع من الأرض. ومنه قول الشاعر:
كما قال سَعدٌ لابنِه إِذ يقودُه أَصَعْصَعَ جَنِّبْني الأَرانبَ صَعْصَعا
وأبوال البغال: السراب. وهو أحد القولين في قول " ابن مقبل ":
بِسَرْوِ حِمْيَرَ أَبوالُ البِغالِ به
والعليل: المعلول، وهو الذي قد سقى عللًا بعد نهل.
والحية: الأرض التي قد سقاها الحيا. وفي الكتاب الكريم: " فأحيا به الأرض بعد موتها ".
والصل: ذكر اليحات. ولا يكون إلا منكرًا.
والخاضب: الظليم الذي قد أكل الربيع فاحمرت ساقاه. وقال بعضهم:
يَحْمَرُّ أَطرافُ قَوادِمِه من الحِلِّ المساريعِ
والمعروف: الذي قد أصابت يده عرفة، وهي قرحة.
والريحان: النساء، في هذا الموضع. وقد ذكر ذلك أهل العلم.
وقال " خالد بن صفان " ل " السفاح ": عندك ريحانة من ريحان بني مخزوم. يعني امرأته " أم سلمة ".
[ ٦٣ ]
والسرير. أكرم موضع في الوادي. وهو مثل السرارة.
واليعقوب: ذكر الجمل. ويستقيم لغزي في الوقف، لأنه مصروف و" يعقوب " النبي - ﷺ - غير مصروف.
والغراب: حد الفأس. قال " النابغة ":
أَكَبَّ على فَأْسٍ يَحُدُّ غُرابَها مُذَكَّرةٍ من المَعاوِل باتِرَه
والعقرب: سورة من سورات البرد - وأصحاب الأنواء يقولون: عقارب البرد ثلاث: فالأولى في تشرين الثاني، والثانية في الأشهبين، والثالثة في شباط - وهذه ملغزة عن العقرب التي تلدغ. وكان رسول الله ﷺ، فيما يقال، دعا ل " علي " ﵇ ألا يصيبه برد ولا حر.
والهدهد: الخصم الذي بين يدي القاضي.
والنهر: الضوء والسعة، وهو أحد ما قيل في قوله تعالى: " في جنات ونهر " والصمم: الفرس الصلب. قال الشاعر:
سَمَّيْتَ نفسَكَ فيها سَلْهبًا صَمَمًا وكان غيرَك فيها السلْهَبُ الصَّمَمُ
والزرق: ضرب من الخرز.
والزج: جمع زجاء وهي النعامة الطويلة الساقين. قال " لبيد ":
يَطْردُ الزُّجَّ يُبارِي ظِلَّهُ بِأَسِيلٍ كالسانِ المُنتَخَلْ
والمعنى أن قومًا كانوا يصطادون النعام على الخيل في زمانه فيطعنونها بالرماح.
والبرد: النوم. وهو أحد القولين في قوله تعالى: " لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا ".
والحشيش: في معنى المحشوش، من قولك: خششت النار بالحطب إذا جمعته فيها، وحششت الجمر، إذا جمعته لتوقده.
والحطاب: النمام. والحطب: النميمة: وكذلك فسر في الكتاب الكريم.
والقط: النصيب.
والقرة: الضفدع الصغيرة.
والعين: عين الماء.
والكر: الغدير والحسى. قال " كثير ":
وما سَالَ وَادٍ من تِهامَةَ طيِّبٌ به قلُبٌ عادِية وكِرَارُ
والواحد كر وكر.
والعالم: الذي يعلم الشفة العليا، أي يشقها.
والبزاز: الذي يسلب الناس ثيابهم. من قولهم: من عزَ بز.
والخزاز: الذي يخز بالطعنة أو الرمية، أي يشك المرمى أو المطعون.
والقزاز: الذي يصب. وجاء في الحديث: " إن إبليس ليقز القزة من المشرق إلى المغرب "، وعنيت بالقزاز إبليس، وهو فعال من: قز يقز.
والقز الذي يتكلم، هو من قولك: رجل قز، إذا كان يعرف الأشياء.
والبز الذي ذكر عند ذكر العرواء، هو السيف.
والخياط: من قولك: خاط الأرقم وغيره من الحيات، إذا وثب وثبًا متتابعًا.
والجندي الأبح: الدينار. قال " الجعدي ":
وأَبَحَّ جُنْديٍّ وخالِصةٍ سُبكتْ كثاقِبة من الجَمْرِ
والخروف: المهر. قال الشاعر:
بِمُرِشَّةٍ نجلاءَ يَهْدِرُ فَرغُها سَنَنَ الخَروفِ من الرباطِ الأَشقَرِ
والجحاش: أولاد الظباء. يقال لولد الظبية جحش. قال " أبو ذؤيب ":
بِأَسْفَلِ ذاتِ الدَّيْرِ قد ضاع جَحْشُها فقد وَلِهَتْ يومَيْنِ فهي خَلوجُ
والأبار: الذي يعبي الناس. يقال: أبرهم بلسانه. ويقال: أبرته العقرب. وهي الأبارة. ألغزتها عن التي تبيع الإبر.
والسنور: السيد وفي كتاب السير المنسوب إلى " أبي عمرو إسحاق ابن مرار الشيباني " أن الأعجمي قال لبني القين: من سنوركم؟ فقال " قطبة بن الخضراء ": أقولها يا بني القين؟ قالوا: نعم، وأنت لها أهل. فقال: أنا سنورهم.
والمضيرة: المرأة التي قد لحقها الضير. ضارها فلان يضيرها فهي مضيرة.
واللبن: أن يشتكي الرجل عنقه من الوساد.
والأتان: صخرة في واد يمر بها السيل ويبقى عندها قليل من الماء. وهي التي تسمى أتان الضحل، والضحل الماء القليل. وذكرها يتردد في الشعر، ويشبهون بها ما صلب من النوق.
والحمارات: حجران عريضان يجفف عليهما الأقط.
والجحشة: التي يحملها الراعي على يده، عميمة من الصوف يغزلها.
والجحشان اللذان على جنبيه: من قولك: جحش جنبه، وهو أن يتقشر الجلد ولا يسيل الدم. وهو قريب من الخدش. وفي الحديث أنه ﷺ سقط عن فرس فجحش جنبه.
والجارية: الشمس، لأنها تجري. وفي الكتاب الكريم: " والشمس تجري لمستقر لها ".
والدجاجة: الكبة من الغزل.
والأسد: من النجوم. وبوله: مطره.
والعجل والعجلة: المزادة. قال " المنخل بن سبيع العنبري ":
أُولاَكَ بَنو عَمْرٍو إِذا ما ذكرتُهم بكيتُ بِعَينِ ماءُ عَبْرتِها عِجْلُ
[ ٦٤ ]
وقال " الأعشى ":
على أَعجازِها العِجَلُ
والسواعد: مجاري اللبن في الضرع قال " حميد بن ثور ":
فجاءَتْ بِمَعْيُوفِ الشرِيعةِ مُكْلَع أَرَشَّتْ عليه بالأكُفِّ السوَاعِدُ
والمحموم: القدر. من قولك: حم فهو محموم.
والقرون التي في ذكر الخيل: تحتمل وجهين: أحدهما أن تكون مرادًا بها الرماح. قال بعض العرب البيت وصيته: أطيلوا الرماح فإنها قرون الخيل.
والآخر، أن تكون القرون: الدفع من العرق. قال " زهير ":
تُسَنُّ على سَنابِكِها القُرونُ
والبيضة: المرأة الكريمة. ولذلك قالوا: بيضة الخدر وبيضات الخدور.
والبيضة: الأرض البيضاء أيضًا.
والصوم: ضرب من الشجر. قال " الهذلي ":
مُوَكَّلٌ بِشُدوفِ الصَّومِ يَرقُبُها من المغاربِ مخطوفُ الحَشَى زَرِمُ
ويصلي: من قولك: صليت الشيء على النار، إذا لوحته عليها.
والجامع: المرأة التي قد جمعت عليها الثياب: الإزار والخمار والدرع.
والجامع، التي بعدها، هي: الأتان الحمال.
والجر: ضرب من الحيات خفيف. ويقال هو ولد الحية.
والفقيه: من قولهم: فحل فقيه إذا كان حاذقًا بالضراب.
والذهب: مكيال معروف.
والشيطان: ضرب من الحيات خفيف.
والدجال: فرند السيف. ويقال هو الذهب أو ماؤه. قال " نابغة بني جعدة ":
ثم نزلنا وعطلنا الرماحَ وجَرَّ دْنا سيوفًا كساها القينُ دَجَّالاَ
ويأجوج: من قولهم: حمار ياجوج، إذا كان يتلفت من النشاط.
كأنه مأخوذ من: أج يئج إذا سمع حفيفه في عدوه، وأنشد " الشيباني ل " أحمر بن شجاع الكلبي ".
يَخشَيْنَ منه عُراماتٍ وغَيْرتَه وأَنه رَبِذُ التقريبِ ياجُوجُ
وصح لغزه في الوقف، مثل يعقوب.
والمظلوم: من قولك. ظلمت اللبن، إذا شربته أو سقيته وهو لم يرب.
والمظلومة: الأرض يحفر فيها لم تحفر قبل ذلك، ويقال هي الأرض الصلبة تحفر.
وخدها الحفر الذي فيها. وهو مثل الأخدود.
والظالم: الذي يحفر القبر. قال الشاعر:
إن الذي بين الحمائر والسَّفَا بالسيِّ حيث يخط فيه الظالمُ
والعجان من قولهم: عجن البعير، إذ خبط بيده الأرض.
وكذلك الخبار فيما تقدم، لا في هذا الموضع.
والحور: النقص. قال الشاعر:
الذمُّ يَبقَى وزادُ القومِ في حُورِ
والغافر: من قولك: غفر المحموم، إذا هذى. وهذا الحرف من الأضداد. يقال: غفر المريض إذا برؤ، وغفر إذا انتكس. قال الشاعر:
خَلِيليَّ إِن الدارَ غَفْرٌ لِذِي الهَوَى كما يَغفِرُ المحمومُ أَو صاحبُ الكَلْمِ
والزوج: النمط من الديباج. ومنه قول " لبيد ":
زَوْجٌ عليه كِلَّةٌ وقِرامُها
وذنب الدجاجة: نجم معروف في السماء.
والبارة: جمع بائر - مثل حائك وحاكة، وبائع وباعة تعالى من قولك: برت الشيء، إذا اختبرته.
والنائم ها هنا: الأسد. من قولك: نام في صوته ينيم. وهو صوت خفي.
والبيض: النساء.
والمسيح: العروق.
والقس: النميمة.
والبطريقان: جانبا شراك النعل العربية.
والكرى: ضرب من الطير. ويقال: هو الكروان. قال " الفرزدق ":
على حين أَنْ جَرَّبتُ وابيض مِسْحَلِي وأَطْرَقَ إِطراقَ الكَرَا من أحاربُه
والنعامة: ظلمة " الليل ".
والمسلم: الذي يدبغ بالسلم.
والمسرة: جمع سامر، من قولك: سمرت المسمار؛ مثل عالم وعلمة، وحازم وحزمة.
والدفان: الجنبان. قال " الراعي ":
ما بالُ دَفِّكَ بالفِراشِ مَذِيلا
والساج: الطيلسان.
والبرج: جمع أبرج، وهو الواسع العين.
والصور: جمع أصور، وهو المائل العنق. إما خلقة وإما أن يكون لمرض.
ويصح لغزه على رأي من قال: صور المدينة، بالصاد. أخذه من قولهم: صار الناس، أي ضمهم.
والبق: كثرة العطاء. قال " عويف القوافي ":
بَسَطَ الخيْرَ لنا وبَقَّه
والناسُ طُرًّا يأْكلون رِزقَه والذباب: بقية الدين. وإن شئت كان الذاب الطائر، أو ذباب السيف.
والأسد: جمع إساد، ويقال وساد وإساد، كما يقال: وشاح وإشاح.
ألغزته عن الأسد: جمع أسد.
والغراب: الغديرة من شعر المرأة. وكذلك فسروا قول الشاعر:
وشَعشعَتْ للغُرابِ الخَمْرَ واتَّخذتْ ثَوْبَ الأَميرِ الذي في حُكمهِ قَعَدَا
[ ٦٥ ]
كانت امرأة الميت إذا غسلت غديرتها بالخمر بعد أن تحلقها، علموا أنها لا ترغب في زوج بعده. واتخذت ثوب الأمير، أي الحداد.
لأن أمراءهم في ذلك الزمان كانوا يلبسون السواد والصرد: واحد الصردين وهما عرقان يكتنفان اللسان. قال الشاعر:
وأَيُّ الناسِ أَغدرُ من شَآمٍ له صُرَدان مُنطلِق اللسانِ
والحرائر: جمع حرور. ألغزت عن الحرائر من النساء.
والكرم الذي زعمت أن الرجل من أهل " بعل بعك " لا يرى فيه، هو القلادة. أما ترى أنك تقول: رأيت المرأة في كرم وفي عقد؟ والبصرة: الحجارة البيض.
والكوفة: ما استدار من الرمل.
والمصر: تراب أحمر يصبغ به. وقال بعضهم: هو تراب أصفر. والدار، في قصة أهل " رفنية ": هي في معنى الداري الخاتل، وحذفت الياء للوقف.
وألغزت الكلمة عن الدار المسكونة. وهذه الياء يجوز حذفها مع الألف واللام، وإثباتها أكثر. وقد قرأت القراء هذه الآية بالحذف والإثبات.
وهي قوله تعالى: " سواء العاكف فيه والباد ".
فأما عند الوقف فحذفها أوجه منه في الوصل. ويقوي الحذف أن تكون في فاصلة آية أو قافية بيت. قال الراجز:
أَنفِقْ على نفسِكَ منها والجارْ
إِنك لا تَدري ولا يَدْرِي الدارْ
أَأَنتَ تحويهن أَم لِصٌّ قار
من شَمَجَى أَو مِلْقَطٍ كالمسعارْ
وكثر حذفهم هذه الياء في: الوادى، حتى أجروه في الوصل مجراه في الوقف. قال الشاعر:
لا صُلْحَ بيني فاعلموه ولا بَيْنكمُ ما حمَلَتْ عاتِقِي
سَيفي وما دمنا بنجدٍ وما قَرْقَرَ قُمْرُ الوادِ بِالشَّاهِقِ و" سيبويه " يذكر قول " الأعشى ":
وأَخو الغوانِ متى يشأ يَصْرِمْنَه ويَصِرْنَ أَعْدَاهُ بُعَيْدَ وِدَادِ
في جملة الضرورات. وغيره يزعم أن ذلك لغة للعرب.
والدرة التي تثنى على " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أعز الله نصره: مراد بها المرأة الكريمة. قال الشاعر:
يا سُلَيمَانُ إِن تُلاقِ الثريا تَلْقَ عَيْشَ الخُلودِ قبلَ الهِلاَلِ
دُرَّةً من عقائل البَحْرِ مِيزَتْ لم تَنَلْها مَثَاقبُ اللآلِ
والصدفة: جمع صادف، وهو الذي يصدف عن الحق، أي يميل.
ألغزت عن صدفة الدرة.
والفيل: الرجل الأحمق. ألغزته عن الفيل المعروف. قال " الكميت ":
بَنِي رَبِّ الجوَادِ فلا تَفِيلُوا فما أَنتم، فنَعذِرَكم، لِفيلِ
وإياي ألحق اللائمة: " إذا " كان الصاهل حسدني، فالهادر أولى أن يبعدني، لأن الحافر أقرب إلي من المنسم. ولعلك من ولد " عسكر " الذي أهداه " الثقفي " إلى " ابنة أبي بكر " فشهدت عليه يوم الجمل! قال " أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان " ﵁ إملاء: فيقدر الله تعالى على أن ينطق البعير فيقول: البعير إنما قيل " له " جمل، لأنه يصبر ويتحمل ويجمل. وليس للبهائم الراعية من أذن واعية. ما أفرق بين نية معتمر وغاز، فكيف أشعر بمكان الألغاز؟ لم تترك مناصاة السلمة من حصاة لحفظ الكلمة. وما يلج قولك الثاني، في مسمعي، إلا والأول قد محى من خلدي. فاطلب لرسالتك غيري. والصاهل عجز عن حمل الأخف وهو المنظوم، فكيف أحمل الأثقل من النثر، ولو بيوتًا من الشعر كثيرة؟ وأما تخويفك إياي بدعائك، فإن الوحش الراتعة تبتهل على الأسد منذ كانت الخليقة، وما لقي من دعائها إلا خيرًا؛ وكذلك خشاش الطير يدعون على الباز والأجدل، وما يزدادان بذلك إلا رغبة في صيدهن. والظباء والسماسم يرغبن إلى الله في هلاك الذئب والكلب الصائد، فما سمع منهن دعاء.
وأنا أختصر لك معنى في إبطال غرضك: لي مأربة في وردة من هذا الورد المعلق في الأغصان، فإن قدرت أن تسأل صاحب القراح والمتولي سقى هذه الجربة أن يسعفني بواحدة منه، ضمنت لك أن أحمل رسالتك إلى حضرة " السيد عزيز الدولة أمير الأمراء " أعز الله نصره. وإن عجزت عن إفهام رجل من العامة لا هيبة له في قلبك، يقرع سمعك بلفظه في كل الأحيان وتنظر إلى شخصه في روحتك وبكورك، فأنا عما سألتنيه أعجز. لأن الهيبة عظيمة، والهيبة قارنتها الخيبة.
[ ٦٦ ]
ومن الذي أوهمك أن مثلك يسمع له قول أو يعرف مه إيماء؟ إن كان بلغك ذلك من أهل " حلب " حرسها الله، فإن حب " السيد عزيز الدولة أمير الأمراء " أعز الله نصره، يقد غمر قلوبهم وغطى أعينهم.
ومن الكلام القديم: حبك الشيء يعمى ويصم لا سيما قوم عدول يعرفون ب " بني سنان " يغلون في وصف هذا السلطان - أطال الله بقاءه - فيزعمون أن كفه أسمح من اللافظة وأن قلبه أشجع من قلب أسامة، وأنه بالرعية أبر من الوالدة، وأن رأيه أهدى للضلال من جدي الفرقد بل من الشمس الطالعة؛ ويدعون له ضروبًا من فضائل متباينات لا يجتمع مثلها في الآدميين. ولعلك بلغك عن هؤلاء القوم أنهم يدعون للسيد " عزيز الدولة أمير الأمراء " أنه أوتي ما أوتيه " سليمان " - ﷺ.
من معرفة كلام البهائم والطير وصنوف الحيوان. فإن كان نقل إليك هذا الخبر فمثله يحملك على تكليف حاجتك من يمر بك. وهل تقبل شهادة " جميل " ل " بثينة " أو " كثير " ل " عزة "؟ وما أنكر أن " السيد عزيز الدولة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - كما وصف هؤلاء، غير أني لا أزعم أنه يفهم أصوات الحيوان، وهل يعلم ذلك أحد إلا الله؟ ومثل المحبة مثل الخمر: كلما دبت في الجسم، كان أبلغ لها في تعبير الحلم. قال الشاعر:
ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكأْسَ طِيبًا سَقيتُ الجاشِرِيَّةَ أَو سقاني
إِلى أَن خِلْتُ أَن أَبا قُبَيسٍ وهَضْبَ عَمَايةٍ فَرَسا رِهانِ
فهذا من فرط الإذهان، ظن جبلين من جبال الأرض فرسي رهان.
فيقدر الله سبحانه على أن ينطق الشاحج فيقول: أما وصفك نفسك بالنسيان وقلة الفهم، فصدقت! وفيك قال القائل:
لقَد عظُم البعيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ فلم يَستغْنِ بالعِظمِ البعيرُ
وأما تكليفك إياك أن أسأل صاحب القراح في إعطائك وردة، فلا وجه له، قد أوتيت من طول العنق والجلاد ما علمت، فامدد عنقك فخذ ما شئت من الورد وغيره مما في الحائط.
وأما القوم الذين يعرفون ببني سنان، فلا أعرف أسماءهم ولا شخوصهم، ولا اقتنعت من معرفة شيم " السيد عزيز الدولة أمير الأمراء " - خلد الله أيامه - بأقوال الأنيس دون غيرهم من الحيوان. ولقد طرقنا في الواردة أسراب قطا كن لما هبط " السيد عزيز الدولة " بلاد الشام هربن من البزاة والصقور في نواحي الأرض، فأتين بلاد الهند وأوطان الحبشة ومخاليف اليمن وفلوات المغرب. ثم أجمعن الرجوع، فجعلن يتراطن بينهن ويزعمن أهن لم يرين مثل هذا السلطان - أطال الله بقاءه - في آفاق البسيطة؛ وأنهن عن رغبة في الموت في جواره، متشرفات أن يصيبهن مخالب صقوره! أفتى القطار يكذبن؛ معاذ الله، والمثل السائر: أصدق امرأة من قطاة؟.
قال " النابغة ":
تَدْعو القطا وبه تُدْعَى إِذا انتسبتْ يا صِدْقَها حينَ تَلقاها فتَنتسِبُ
وأما قلة مبالاتك بالدعاء، فبغى منك! وعليّ أن انتظر بك منصل الأل ثم أستقبل زمم العرش فأقول: يا عود يا عود، لا قدر لك جود. نقبت وحقبت، وأصبت الفاحشة فعوقبت، ومنيت بالأوق المثقل في " صعود " ذات الزقبات تحت الهاضبة في الأرض المقدرة؛ وكممت كمناجذ، وصممت كالزباب وعرجت كالقزلاء، وفلجت كفالج أبان، ولا طلعت من هذا النقب إلا وحلمك مشابه حلم السقب، حتى يهزأ بك فصلان من ولج ولدي، وحتى تكون الناضرة بينها وبين مشفرك قيد الأنملة فلا تراها عينك ولا يسوفها أنفك، فتميل بها إلى الحربش النائمة فليسها فمك، وحتى يشايع الراعي بالإبل فتقبل إليه من عوط وعشار جمعها بالزمجرة من بعيد الغيطان، وأنت قائم لا تسمع، ولو وضعت اليراعة على سم أذنك. وحرقك الظمأ ثم صادفك ماء ملح.
[ ٦٧ ]
وأكلك البرام الطلح؛ وغودرت بملاعب الوحش ليس في جسدك مجذ أعلى إلا وقد اجتمع فيه علان. وإن أصابك قطم الفحول السامية فسدمت، وإن نبا بك المرتع فهزمت. ونبحك أحد الحاميات وأنت من صممك لا تسمعه ولا تراه حتى تطأه فينشب نابه في سعدانتك، فيصيبك مما صنع بك داء الكلب - أفتظن أن مثلك يطلب له دماء الملوك حتى تخلط له بالأشفية؟ - وجمع لك والسرر والجزل والصب والعضد والهدل والفنين والخمال والهيام، ولا رزقت ممارسًا مثل " عبيد " فيداويك من هذا الكيد. وسقط فوك حتى لا تصل إلى أكل الورقة من الشجر كما تأكلها الإبل. ومست عينك شوكة فإذا هي بإذن الله فقيء، وبقيت رذيًا في القفرة وعوير ينقر كريمتيك، وأبو مذقة ينوش رزقًا في عجزك وأنت حي بالرمق ما قئت جريعة الدقر، وأوقد على كبدك ناره العشر، حتى إذا دنوت للمشرب فلقيك دونه المصرد، فمكثت لا تصدر ولا ترد.
ولا طلت أجزاعك، ولا فارقك نزاعك. وسالت مهجتك من شوقك إلى السيال، وسدرت عينك فلم تر السدر، وضؤل شخصك فلم تصل إلى الضالة، وطلحت دون الطلحة، ولا سلمت لذوائب السلم، ولا مرت سعدانتك على السعدان. وإذا رأيت البارق فطربت، ولا أعدت لك عنية متى جربت. وقدر لك عر وعر فيفر منك عبد وحر، وخشيت الإبل عدواك فلم تشرب معك من حوض، وهابت أن تراعيك في الروض؛ بل تغادرك خوفًا مما قدر، غدار البادية غريبًا جدر. ورميت بالشوق الطارق إلى أليفك المفارق؛ وأضعف السقم حسك حتى يوجد هديرك القاصف كفحيح الأفعى الفانية.
هذا مضاف إلى ما أسلفتك من الدعوات. ولأزيدنك من الابتهال: ألقيت صحيفتك إلى المجلد، وحديت بالرجز وأخذ القصيد منك، ولا فارقت مسمعك قصيدة إما قصيرة وإما طويلة. ولا بركت إلا على ضب، وألفك ابنا دايتك، وزايلك بإذن الله غراباك. وعظمت سعدانتك فسررت، بل طارت حمامتك ووقعت رخمتك، وغضب عليك سنور أهلك، ولا ساعفك بالوصال قط. ودخل بر بين جوانبك. وقربت من الشبيبة وأبعدك خالقك من الشيب. ولا زلت أخا صاد بعيدًا من دال.
وباينت القس ولا رأيت الكافر، فأما الشماس فلا أبخل عليك به أن تدنو منه. ولا بقي ملح فيما قبلك، وفارق الصليب جسدك. وطار شرر من قينك، ولا شممت القارة بقية عمرك. وأخذ من جلدك العنبر، ودنوت من القصبة. وضحك صبي في وجهك، ونأي شيخ عن بلادك.
وأخذ يربوع من متنك، وطير ذباب من عينك. وقرب إليك التبن المبيض فأخذك شبه الجنون. وعضدت، لا على معنى المساعدة. وكليت والكالي غير نائم. ورآك من لا يحفل برؤيتك، وقلبك من يتنفع بقلبك، وركبت وراكبك مالك لك والمعضد بيده والودان. وعصاك الشاب المقتبل فأما الهرم فما يهيدك. وسحرك ساحر لا يأثم فيك. ولا حمل فوق ظهرك الملح، وأخطأت أرضك مصيبة سوداء، ولا سمعت صوت المرتجز.
وكأني بك لجهلك وقلة خبرتك تقول في نفسك: ما معنى قوله: ألقيت صحيفتك إلى المجلد؟ وأي صحيفة تفتقر إلى التجليد؟ تظنها إحدى الصحف، والمجلد مجلد الكتب. وأخطأت، ليس هذا بعشك فادرجي. إنما عنيت بالصحيفة: جلدة الوجه، وبالمجلد: الذي يسلخ الإبل. يقال: جلد البعير، كما يقال: سلخ الشاة.
وكأني بك تحسب قولي لك: حديت بالرجز، معنيًا به الراجز من الشعر. والجهل يحملك على أكثر من ذلك. ولو كنت أردت ما ظننت، لكنت داعيًا لك، لا داعيًا عليك. وهل تحدى أنت ورهطك إلا بالرجز من الشعر؟ والحداء غناؤك وغناء أصحابك. قال الراجز:
فغَنِّها وهي لكَ الفِداءُ
إنَّ غِناءَ الإِبِلِ الحُداءُ
وقد روى أن " ذا البجادين " حدا بالنبي ﷺ فقال:
تَعَرَّضِي مَدارِجًا وسُومِي تَعَرُّضَ الجوزاءِ للنجومِ
هذا أَبو القاسِمِ فاستقيمي وأمر ﷺ " ابن الأكوع " أن يحدو به في بعض الغزوات. فنزل فقال:
ما همَّ لولا أَنت ما اهتديْنا ولا تَصدَّقْنا ولا صلَّيْنا
فأَنزِلَنْ سَكينةً علينا وثَبِّتِ الأَقدامَ إِنْ لاقَيْنا
وحدا " عبد الله بن رواحة " في " غزوة مؤتة " - وفيها قتل - فقال:
يا زَيدُ زيدَ اليَعملاتِ الذُّبَّلِ
تطاوَلَ الليلُ عليكَ فانزِلِ
وهذه الِعار التي ذكرت، رجز عند العرب، وإن زعم " الخليل " أن بعضها من السريع. ومثلها كثير.
[ ٦٨ ]
أو لست أنت وشيعتك، إذا سمعت الحادين بالرجز رحبت خطوتك وامتدت عنقك، وأدركتك أريحية في سيرك؟ وإنما عنيت الرجز داء يلحقك في عجزك فلا تقدر على القيام. قال " أوس بن حجر ":
أَلا تقبل المعروفَ مني تعاوَرَتْ منولة أَسيافًا عليكَ ظِلالُها
هَممْتَ بمعروفِ فقصَّرتَ دونَه كما هَمَّت الرَّجْزاءُ شُدَّ عِقالُها
وقال آخر:
أُلِيحَ بأَعْلاهُ وأَبْقَى شَرِيدَه روائمُ وُرْقٌ بينهن خَديجُ
ثلاثٌ صَلَيْنَ النارَ حَوْلًا وأَرْزَمَتْ عليهن رَجْزاءُ القيام هَدُوجُ
يعني برجزاء القيام: قدرًا أو ريحًا: استعارة من الناقة.
وإذا وقع في ظنك ما وقع من تأول الرجز، فلا ريب أنك تحسب قولي: وأخذ القصيد منك، معنيًا به القصيد من الشعر. وأي رزء يلحقك في ذلك؟ فتقول في نفسك: إذا ترك لي الرجز فما أحفل بفقد الشعر بعد. وهل أدركتني المنفعة بما روى عن " امرىء القيس " وغيره إلى اليوم؟ ولم أعن القصيد من الشعر، وإن كان الركبان ربما تغنوا فوق الإبل على غير معنى الحدو فأذنت لذلك. قال " النميري ":
وخُودٌ منَ اللاتي تَسَمَّعْنَ بِالضحَى قَريضَ الرُّدا فَى بالغناءِ المُهَوَّدِ
وقال " ذو الرمة ":
خَلِيلَيَّ أَدَّى اللهُ أَجْرًا إِليكما إِذا قُسِمَتْ بين العِبَادِ أجورُها
بِمَيٍّ إِذا أدْلِجتُما فاطرُدَا الكَرَى وإِن كان آلَى أَهلُها لا نَطُورُها
وقال آخر:
فقُلتُ لِردْفِي نالَكَ الخَيرُ غَنِّنَا بِأَسماءَ وارفَعْ من صُدورِ الركائبِ
فهذا يدل على غنائهم بالنسيب وهم في أكوار الإبل، يعللون الأنفس بذلك.
وإنما عنيت بالقصيد: المخ الغليظ، وهو دليل على السمن وحسن الحال، فأردت: أن يطير مخك ريرًا من ضرك وهزالك.
ولعلك تعجب في نفسك من قولي: أخذ منك القصيد، ثم أقول بعد ذلك: لا فارقت مسمعك قصيدة إما قصيرة وإما طويلة. فتقول: ما معنى هذا الكلام المتناقض؟ ولا تشعر أني عنيت بالقصيدة: العصا، لأنها تقصد من الشجر، أي تكسر، قصدت العود فهو مقصود. قال " أبو زبيد الطائي ":
فدعَا دَعوةَ المُخَنَّقِ والتَّلْبي بُ منه بِعَامِلٍ مَقْصُودُ
ولعلك سبق إلى وهمك أني أردت بقولي: لا بركت إلا على ضب، هذا الضب الذي يحترش، فتقول في نفسك، من غباوتك: وما الذي يلحقني من ضب أبرك عليه؟ ليس بأفعى تنكز، ولا ذي شر يرهب، وإن كان حيًا هرب مني إن اتفق لي أن أبرك عليه. وإن كان ميتًا فإنه والأرض لمتساويان.
وإنما الضب الذي عنيت: داء يصيب خفك فيرم منه صدرك، ويقال لك: أسر، عند ذلك، ولا يمكنك أن تبرك إلا متجافيًا في المبرك قال الشاعر:
وأَبِيتُ كالسَّرَّاءِ يَربُو ضَبُّها فإِذا تَحَزْحَزُ عن غِداءٍ ضجَّتِ
وهل وقع في نفسك أن قولي في الدعوة عليك: وألفك ابنا دايتك، أريد بهما ابني ظئرك؟ فما كنت إذًا إلا في حاجتك! وإنما عنيت بابني دايتك: غرابين ينقرانك ويعجلانك زهوق النفس، لا تقدر لهما على أذاة.
وتظن أن قولي: زايلك غراباك، مراد به أن يطير عنك الغرابان؟ وهيهات! إنما أردت بهما رءوس الوركين. وأي خير يبقى عندك إذا زايلاك؟ قال " ذو الرمة ":
وقَرَّبْنَ بالزُّرْقِ الجمائلَ بعدما تَقَوَّبَ عن غِرْبَانِ أَوْرِاكِها الخَطَرُ
وكأني بك تفكر في معنى قولي: عظمت سعدانتك فسررت. وتقول في ضميرك: ما يضرني من عظم سعدانتي؟ وإنما الغرض: أن يصيبك داء في سعدانتك فترم، فييأس منك صاحبك فيسرك، أي يطعنك في سرتك.
وهل تعجبت من قولي: طارت حمامتك ووقعت رخمتك؟ وقصدي بالحمامة هنا: سعدانتك، وهي كركرتك. تسمى بهذين الاسمين، استعيرا لها من الطائر لأن الحمامة يقال لها: سعدانة.
قال الشاعر:
إِذا سَعْدانةُ الجَبَلَيْن ناحَتْ عَزَاهِلُها سمعتَ لها عَرينا
والمعنى: أنك تنحر فتؤخذ كركرتك. يقال، طار بيده كذا إذا أخذه.
وقولي: وقعت رخمتك، يحتمل وجهين: أحدهما، أن تموت حتف أنفك، أو بسير مهلك، فتبقى خائستك للطير العافية.
والآخر، أن تحر فيقع الرخم على ما يبقى في الأرض من أثرك.
[ ٦٩ ]
وهذا المعنى قصد الشاعر بقوله، وذكر إبلًا:
وتَرى لها حَدَّ الشتاءِ على الثرَى رَخَمًا وما تَحْيَا لهن فصَالُ
وهل ضحكت من قولي: غضب عليك سنور أهلك، وقلت: ما هذه الدعوة الدالة على قلة اللب؟ وأي ملابسة بيني وبين السنور؟ وإنما أنا طول دهري في السفر، وربما أسمع صياح السنانير إذا جبت القرية أو المدينة فلا أحفل بهن.
ولا تعلم أن السنور: السيد - وقد مر ذكر ذلك - وإذا غضب عليك سيد أهلك، فكم في ذلك من الهوان والشقوة! ويأمر بك أن يوجع ضربك وينقص علفك، ولا يتعهد سقيك. وربما تقدم بنحرك والصدقة بك على المساكين، فلا يبقى في المصر الواسع أخو عاهة إلا وقد غلت قدره بنحض منك.
وهل عجبت من قولي: ولا ساعفك قط بوصال، وقلت: أي وصال بيني وبين القط؟ إنما أرغب في وصال الناقة البائك.
ولا تدري أن القط: الحظ والنصيب. وقد مر ذكر ذلك.
وهل سرك قولي: دخل بر بين جوانحك، وقلت: وأي خير فيمن لا يسكن جوانحه بر؟! وإنما عنيت: الفأرة. من قولهم: ما يعرف هرًا من بر. وأقسم ما تدخل فارة بين جوانحك إلا وقد نزل بك خطب جليل.
وهل ظننت قولي لك: قربت من الشبيبة، دعاء لك بأن تعود بكرًا شابًا تمرح بين بكرات الإبل وأبكارهن؟ ومن ل " نوح " - ﷺ - وغيره من الأنبياء، بأن ترجع إليه الشبيبة فيصيب من لذات العيش؟ وإنما عنيت بالشبيبة: النار، فعيلة بمعنى مفعولة، من: شببتها فهي مشبوبة. والمعنى: أنك تنحر فيشتوي لحمك على النار.
وهل عرفت معنى قولي: أبعدك خالقك من الشيب؟ وهل ظننت أن الشيب جمع أشيب وشيباء، فقلت في نفسك: وما يضرني من بعد الشيب، والشباب أقوى على إيراد الحوم وأصبر على تتبع الكلأ، وإن كان الشيب من الرعاة أعرف بمارس الشدائد وأثبت على غبر السنوات، والمثل السائر: رأى الشيخ خير من مشهد الغلام؟ وإنما عنيت بالشيب حكاية شرب الإبل. قال الراجز:
يا لَك من خَزَايةٍ وتَعذِيبْ
٣إ - ِذا تداعَيْن بأَسماءِ الشِّيبْ وقال آخر:
مالي أَرى يَومَكُما عَصِيبَا
أَنِمتُما أَم خِلْتُني مغلوبًا
قد ركبَتْ أَحفافُها العُجوبا
والشِّيبُ منهن يُنادي الشيبا
وهل جال في خاطرك أن قولي لك: ولا زلت أخا صاد وبعيدًا من دال، معنى به الصاد والدال من حروف المعجم؟ فخاب طائرك يا غبي! إنما أردت بالصاد أحد أمرين: إما الصاد وهو الداء الذي يصيبك في رأسك من قول " الراعي ":
يُدَاوَى بها الصادُ الذي في النواظِرِ
وإما صاد من الصدى، وهو العطش.
وأردت بقولي: دال، أحد وجهين: إما فاعلًا من: دلا يدلو دلوه، إذا أخرجها. وهذا أجود الوجهين.
وإما فاعلًا من: دلا الإبل يدلوها. إذا رفق بها في السير. قال الراجز:
لا تَقْلُوَاها وادلُواها دَلْوَا
إِنَّ مع اليومِ أَخاه غَدْوَا
ولعلك يجري في نفسك عجب من قولي لك: باينت القس.
فتقول: وما يغولني من بين القس وفقد الراهب؟ ولا تشعر أن القس هو حسن القيام عليك وتتبع المرعى بك.
يقال: قسست الشيء، إذا تتبعته. قال الراجز:
يُمسِينَ عن قَسِّ الأَذَى غوافِلا
لا جَعْبَريَّا تٍ ولا طَهامِلا
وهل أنكرت قولي في الدعاء: ولا رأيت الكافر، فقلت: وأي رغبة لي في أهل الكفر؟ وإنما عنيت بالكافر: الزارع. وعلى ذلك فسروا قول الشاعر:
وخَبَّرها الوُرَّادُ أَنْ ليس بينَها وبَيْنَ قُرَى قَسْر ونجرانَ كافِرُ
فأَلْقَتْ عَصاها واستقَرَّ بها النَوى كما قَرَّ عَيْنًا بالإِيابِ المسافِرُ
وإنما قيل للزارع: الكافر، لأنه يكفر الحب في الأرض، أي يستره.
وهل ذهب وهمك إلى أني غنيت بالشماس شمامسة النصارى، وقوى ذلك في نفسك أني ذكرته قريبًا من القس؟ وإنما عنيت: الشماس من الخيل، وهو فعال من: شمس يشمس.
فرجوت أن يصيبك بحافر منه.
وكيف تأويلك لقولي: ولا بقي فيما قبلك ملح؟ أتحسبني عنيت ملح " الطعام "؟ وأي حاجة بك إلى الملح؟ وإنما قصدت بالملح: البركة. وإن كانت العرب قد ذكرت الملح في القسم، فإنما ذلك لأنها عندهم من البركة. ولذلك قال القائل:
لا يُبْعِدِ اللهُ رَبُّ العبا دِ والمِلْحِ ما ولَدتْ خالِدَه
[ ٧٠ ]
فالملح، ها هنا، على وجوه، يحتمل أن تكون: البركة، والرضاع، والملح المعروفة.
وأقسموا بالملح والرماد، لأن الملح يفتقر إليها في الأطعمة، والرماد لا يكون إلا عن نار، والنار يتوصل بها إلى إنضاج المطاعم وهداية الحيران، ويدفع بها معرة القر. قال الشاعر:
أَقسمتُ بالمِلْحِ والرَّمَادِ وبال عُزَّى وباللاتِ نُسْلِمُ الدَّرَقَة
وما قولك أيها المغفل في قولي: فارق الصليب جسدك؟ أتراني عنيت به صليب النصارى فتقول في نفسك: وهل أنا نصراني فأعلق صليبًا علي؟ وإنما عنيت بالصليب: وسمًا توسم به أنت ونظراؤك. قال " ذو الرمة ":
تَحجِيبُها وصليبُها
ويجوز أن أعني بالصليب: الودك.
وهل خطر لك أن قولي: طار شرر من قينتك، أريد به القين الحداد، فتذهب إلى أني عنيت القين الذي صنع برتك، لأن " الهلالي " قال:
حَلَّيْتُها حينَ رابَتْنِي بِمَعصِيةٍ من حِلْيَةِ القَيْنِ في عرنِينِها خُرُصَا
فتقول: وأي قين لا يطير منه الشرر أخول أخول؟ قال الشاعر:
يسَاقِطُ عنه رَوْقُه ضارياتِها سِقاط شَرارِ القَيْنِ أَخوَلَ أَخْوَلا
وإنما عنيت بقينك: حرف وظيفك، وهما القينان. قال " ذو الرمة ":
كأَنني من هَوَى خَرْقَاءَ مُطَّرِفٌ دَامِي الأَظَلِّ بَعيدُ السأْوِ مَهْيومُ
دَانَى له القَيْدُ في دَيْمومةٍ قُذُفٍ قَيْنَيه وانْحسَرتْ عنه الأَناعِيمُ
فأردت: أنه يلقى في النار، على وجه الإحراق، فيطير منه الشرر.
وكيف صرفت قولي في الدعوة: ولا شممت الفارة بقية عمرك؟ أحسبت أني عنيت فارة المسك؟ وما لك ولعتائر الهند؟ شغلها عنك. المترفون! فكأنك يقع في وهمك أني دعوت عليك ألا تكون في اللطيمة وهي العير التي تحمل المسك. ولعلك وأباك وجدك لم يكن أحد منكم في عير تحمل الطيب.
وإنماعنيت: فارة الإبل، وهي رائحة طيبة تفوح منها إذا رعت أزهار الربيع. قال " الراعي ":
لها فارَةٌ ذفراءُ كلَّ عَشِيَّةٍ كما فتقَ الكافورَ بالمِسْكِ فاتِقُه
وما ظنك بقولي: وأخذ عنبر من جلدك؟ أتحسب أني عنيت العنبر المنشوم؟ فلو أنك بعض ملوك فارس والتبابعة لجاز أن يسبق ذلك إلى وهمك، لأنهم يطلون بالطيب. ولذلك قال " أمية بن أبي الصلت " لسيف بن ذي يزن الحميري:
اشربْ هنيئًا عليك التاجُ مرتَفِقًا في رأسِ غُمدانَ طنفٌ منك مِحْلاَلا
والتَطَّ بالمِسْكِ إِذ شَالتْ نَعَامَتُهم وأَسْبِلِ الآن من بُرْدَيْكَ إِسْبَالا
وإنما عنيت: العنبر الذي هو الترس. وأردت: أن يتخذ من جلدك ذلك. وإنما تصنع الترسة من جلود الإبل بعد النحر.
وما رأيك في قولي لك: ودنوت من القصبة؟ أظننت أنها الواحدة من القصب، وذهب ظنك إلى أن الإبل يشبه حنينها بصوت الزمارة المتخذة من القصباء؟ كما قال " عنترة ":
بَركتْ على جَنب الرِدَاعِ كأَنما بَركتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ
وقال آخر، وذكر إبلًا تحن:
تَبِيتُ أُسارَى في الحِبالِ ومالها ذُنوبٌ، ولكنْ حُبُّ نَجْدٍ ذنوبُها.
كأَن اليَرَاعَ الجُوفَ من تحت لَحْيهِا إِذا أَسْعَطَتْها نَشْرَ نَجْدٍ جَنوبُها
وقال آخر:
فما حَنَّتْ قُلوصِي واستَمعتُ لِسَحْرِها بِرَملةِ لُدٍّ وهي معقولَةٌ تَحْبو
فما بَرِحت حتى كأَن يَرَاعةً بِأَرْآدِ لحيَيْها يُقَلِّبُها شرْبُ
وذلك غرض فاسد. وكيف أدعو لك بذلك أو عليك؟ مولا عنيت القصبة التي يشايع بها الرعي بين الإبل.
وإنما عنيت بالقصبة: جمع قاصب: وهو مثل القصاب. مأخوذ من: قصب اللحم، إذا قطعه. ومن ذلك قيل: جمل قاصب، إذا قطع الشرب.
وأي شيء وقع في خلدك لما قلت لك: وضحك صبي في وجهك؟ أتعتقد أنه بعض هؤلاء الصبيان؟ وهيهات! ما عليك في ذلك من المضرة، وقد علمت أنه لو استغرب شيخ أو كهر أو غلام في وجهك لم تضر بذلك، ولو انتحب عندك المنتحبون وندبت النوادب، لما هادك ما فعل من ذلك؟ وإنما عنيت بالصبي: حد السيف. وقال قوم: الصبي. عير السيف وعلى هذين القولين فسر قول " الهذلي ":
[ ٧١ ]
أُنْحِي صَبِيَّ السيفِ فوقَ بيوتهِم كَرَّ المُعَيِّثِ في أَدِيمِ المِلْطمِ
وما الغرض في قولي: ونأى شيخ عن بلادك؟ لعلك تظنه بعض شيوخ الآدميين، فتذهب إلى أني أردت أن الشيخ له تدبير وحزم يصلح معهما السوام، لأن رأي الشيخ والكهل أفضل عندهم من رأي المقتبل. ولذلك قالوا في الرجل إذا وصفوه بالحنكة والتجربة: قد عض على ناجذه، وإنه لمنجذ من القوم. قال " الحارث بن وعلة ":
آلآنَ لما ابيَضَّ مَسرُبتي وعَضِضتُ من نابٍ على جِذْم
ترجو الأَعادِي أَن أسالمَها سَفَهًا لَعَمْرِي رأى ذي الوهْم
وقال آخر:
يَمنَعُها شَيخٌ بِخَدَّيْه الشَّيبُ
لا يَرْهَبُ الريبَ إِذا خِيفَ الرَّيبُ
وقال آخر:
رائعةٌ تَحمِلُ شَيخًا رائعَا
مُجَرِّبًا قد شَهِدَ الوَقائعا
وقالت امرأة من العرب:
فيا رَبِّ لا تَجعَلْ شبابي وجِدَّتي لِشَيخٍ يُعَنِّيني ولا لِغُلامِ
ولكنْ طِمِرٍّ قد علا الشيبُ رأسَه شديدِ مَنَاطِ القُصْرَيَيْنِ حُسَامِ
وإنما عنيت بالشيخ: أول الوسمي من المطر، وذلك أبلغ في مساءتك من فقدان الشيخ الآدمي.
وهل عرفت معنى قولي: أخذ يربوع من متنك؟ وإنما أردت باليربوع: لحم المتن.
وهل تردد عجب في صدرك لما قلت لك: وطير ذباب من عينك، وقلت: إنه ليعجبني أن يطير ذباب عن عيني، وإن الذباب لكثير الأذاة للإبل والخيل؟ وإنما عنيت بالذباب: إنسان العين.
وهل كثر عندك التفكر من قولي: وقرب إليك التبن المبيض فأخذك شبه الجنون. فقلت في نفسك: وما الذي أكره من التبن وإن الحاجة إليه لداعية؟ وإنما عنيت بالتبن: القدح العظيم؛ والمبيض المملوء. يقال: بيضت الإناء، إذا ملأته. وذلك دعاء عليك بالكلب، لأن من شأن الكلب أن يكره الماء. قال الشاعر، وذكر رجلًا أصابه الكلب:
ويَدعو بِبَرْدِ الماءِ وهو بَلاؤه وإِمَّا سَقَوه الماءَ مَجَّ وغَرغرا
وما الغرض في قولي: عضدت، لا على معنى المساعدة؟ والمراد: أن يضربك ضارب في عضدك. يقال: عضدته عضدًا، إذا ضربت عضده، كما يقال: رأسته، إذا ضربت رأسه.
وهل تدري ما قصدت في قولي: وكليت والكالي لك غير نائم؟ وإنما أردت كليت من قولهم: كلي الصيد. إذا أصيبت كليته.
فألغزته عن قولهم: كلئت، من الكلاءة وهي الحراسة. وجعلت الهمزة ياء، لأنها ساكنة وقبلها كسرة. كما يقولون: شيت وجيت، فيجعلون الهمزة ياء خالصة.
وما معنى قولي: ورآك من لا يحفل برؤيتك؟ أي شيء خطر لك في هذا التأويل؟ وهل وقع في نفسك أني عنيت برآك رؤية العين فقلت: وأي إنسان لا يراه من لا يحفل برؤيته، وهل في الأرض ملك أو سوقة إلا وربما رآه من هو غير مبال بالغيبة عنه؟ وإنما أردت برأى، ضرب الرئة. يقال: رآه أي أصاب رئته.
ومال الذي اعتقدت في قولي: وقلبك من ينتفع بقلبك؟ وهذه الدعوات متجانسات، ومعنى قلبك: أصاب قلبك. وكذلك قولي: ركبت، أي أصيبت ركبتك. والراكب فاعل من: ركبت أركب. والمعضد سيف رديء يمتهن به في قطع الشجر ونحوه. والددان الكهام من السيوف. وقد يجوز أن تسمى الفأس معضدًا لأنه يعضد به الشجر أي يقطع. قال الشاعر:
فلا فَتْكَ إِلا فخرُ عمرٍو ورهْطِه بما أَخذوا من مِعْضَدٍ ودَدَانِ
والمعنى أن الرجل يضرب ركبتك بالمعضد أو الددان وهو مالك لك فلا تلحقه فيما صنع إحدى التبعات.
وقولي: عصاك الشاب المقتبل؛ هل وقع في ظنك أني عنيت العصيان؟ ومن الذي يطيعك من الشبان أو الشيوخ حتى أدعو عليك بأن يعصيك الشاب المقتبل؟ وإنما عنيت بقولي: عصاك، أي ضربك بالعصا، لأن ضربته شديدة، ولأن الهرم لا قوة له. ويحتمل: عصاك، وجهًا آخر وهو أن يكون من: عصيته بالسيف، إذا ضربته به، وقلب الياء ألفًا معلى لغة طيء، كما يقولون: قد رضاه، يريدون: قد رضيه، ومتغناة يريدون: متغنية، وباناة يريدون: بانية. وأنشد " أبو زيد ":
وأَسمرَ خطىٍّ رَضَاه ابنُ عازبة
وأنشد أيضًا:
ثم غَدَتْ تنفُضُ أَحرادَها إِن مُتَغنَّاةً وإِن راعِيَه
يريد: متغنية.. وقال آخر:
وما الدنيا بباقاةٍ لِحَيٍّ ولا أَحدٌ على الدنيا بباقِ
[ ٧٢ ]
يريدون: بباقية. وهو كثير في أشعار الطائيين. وربما وجد في أشعار غيرهم من العرب، وقد كان جاورهم " امرؤ القيس " فجاء بشيء من هذه اللغة كقوله:
غيرَ باناةٍ على وَترهْ
أي غير بانية. وكقوله:
لها مَتْنانِ خَظاتَا كما أَكبَّ على ساعِديه النَّمِرْ
يريد: خظيتا، فقلب الياء ألفًا. هذا رأي أهل البصرة من أصحاب النظر.
وقال بعض الناس: أراد، خظاتان بالنون، وهو تثنية خظاة كما قال آخر:
متنانِ خظاتانِ كزُحلوفٍ من الهَضْبِ
فحذب نون التثنية للضرورة.
ولا تذهبن في قولي: سحرك ساحر لا يأثم فيك؛ إلى أني عينت السحر المنهى عنه، وإنما عنيت بالساحر الذي يصيب سحرك أي رئتك، يقال: سحره فهو مسحور.
وما تأولت في قولي: ولا حمل فوق ظهرك الملح؟ هل عرض لك أني عنيت الملح المعروفة فقلت في نفسك: شهد الله ما أحفل أحمل فوق ظهري بر أم تمر أم ملح وكل ذلك سواء علي؟ وإنما أردت بالملح الشحم، وهو أحد ما قيل في قول " مسكين الدارمي ":
أَصبحت جارتُنا مُهتاجَةً قرِمَتْ بل هي وحْمَى للصِخَبْ
أَصبحتْ تثقلُ في شحمْ الذُّرَى وتعدُّ القَولَ دُرًّا يُنتَهب
لا تَلُمْها إِنها زِنْجِيَّةٌ مِلْحُها موضوعةٌ فوقَ الرُّكَبْ
فقال قوم: أراد الشحم لأن سمن الزنج في أفخاذها وأوراكها. وقال آخرون: إنما هو من قولهم: ملحه فوق ركبته، إذا وصف بالغدر وقلة الوفاء.
والعجب كله عندك من قولي: أخطأت أرضك مصيبة سوداء.
أظننت أني دعوت لك بإخطاء الشدائد بلادك؟ وإنما عنيت بالمصيبة السحابة، يقال: أصابنا مطر وأصابتنا سحابة.
وهل ظننت أني أخطأت في قولي: ولا سمعت صوت المرتجز؛ فقلت: قد قال في أول كلامه: وحديت بالرجز، فما أرد بقوله: ولا سمعت صوت المرتجز؟ وإنما عنيت ارتجاز السحاب بالرعد، يقال: ارتجز السحاب فهو مرتجز، وكأه شبه بصوت الراجز، قال " الهذلي ":
سقى الرحمنُ حَزْمَ يُنابِعاتِ من الجوزاءِ أَنواءً غِرارَا
بِمرتجزِ كأَنَّ على ذُراه رِكابَ الشامِ يَخمِلْنَ البُهارا
ويفضي الله سبحانه أن ترد الضبع، وذلك بأغباش السحر، - لأن الشاحج إذا صخدت الهاجرة وصاف الزمان بات يدأب فيما هو فيه فتقول، إن قضي الله: " السلام عليك أيها الشاحج، إن لما تسأل جهة ومنفذا، وفي نفسي سؤال كنت أريد أن أسأل عنه بعض العلماء، وقد سمعت مخاطبتك للجمل فدلتني على فهمك ومعرفتك، وقد عزمت أن أسألك مسترشدة فأخبرني بما عندك أسع لك فيما تحب إن شاء الله.
وقد علم الشاحج أنها من أحمق البهائم، فيقد الله سبحانه أن ينطقه فيقول: هلمي لله أبوك. فتقول: لي ثلاث كنى متجانسات في اللفظ: أم عامر وهي المشهورة، وأم عويمر، وأم عمرو، قال الراجز:
يا أمَّ عمرو أَبشِري بالبشرى
موتٌ ذريع وجَرَادٌ عَظْلَى
وقال " قيس بن عيزارة ":
فإِنكَ إِذ تحدوكَ أمُّ عويمرٍ لَذو رَجْلةٍ حافٍ مع القومِ ظالعُ
فأخبرني أصلحك الله، أإياي عني القائل بقوله؟:
نَصُدُّ الكأسَ عنا أمُّ عمرٍو وكان الكأسُ مَجراها اليمينا
فيعجب الشاحج من حمقها ويقول متهزئًا: وهل عني غيرك؟ وإياك عني " جرير " بقوله:
يا أمَّ عمرٍو جزاكِ اللهُ مغفرةً رُدِّي عليَّ فؤادي كالذي كانا
وكل ما تسمعينه في الشعر الغزل من أم عمرو وأم عامر، فإياك عني به الشاعر، إذ ليس في الأرض بهيمة أحسن منك، لا سيما مشيك، ألم تسمعي قول الشاعر فيك؟
غَرَّاءُ فَرْعاءُ مَصقولٌ عَوارِضُها تمشِي الهُوَينا كما يَمشِي الوَجى الوَحِلُ
كأَن مِشيتَها من بيتِ جارتِها مرُّ السحابة لا ريثٌ ولا عجَلُ
فيسمع الجمل ذرء قوله فيقول: يا جعار، كم لحق بك من عار! إنك لبغي أتلي، هل لك في رجال قتلى؟ إن هذا الكذاب يهزأ بك وأنت لا تشعرين.
فتقول: أحسبك صادقًا أبا أيوب، لقد سمعت هذه الأبيات، وهي في امرأة يقال لها " هريرة ":