ألا تعلم لنا الخبر يا ثعال؟ فمضي ثعالة مبادرًا، ثم لا يلبث أن يعود فيقول: العامة يخبرون أن زعيم الروم قد نهد إلى أرض المسلمين.
[ ٧٤ ]
فيجم الشاحج هنيهة ثم يقول: بنت برح شرك على رأسك، سمع لا بلغ، صمى صمام، صمى يا ابنة الجبل! هذه الخنفقيق، والسيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " - أعز الله نصره - بردهًا حقيق. وإني لأحسب هذا الخبر كذبًا إن شاء الله، لأن مثل السيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " أعز الله نصره " ومثل زعيم الروم، مثل بازيين لكل واحد منهما فرق من الطير تحمل إليه الإتاوة، وقد تعاقد البازيان ألا يعرض واحد منهما لما في حيز الآخر من الخشاش، فالطير لما هي عليه من الخفة والجهل بغوامض الأمور، إذا رأت البازي الذي ليست هي في ملكه قد نظر إلى شطرها عن غير تعمد، أدركها من الفرق بالطبع ما يحملها على ترك الوكنات وطيرانها في الآفاق. وهي لا تعلم بما في نفوس البازيين، لأن كل واحد منهما لو عرض لطير الأخر بسوء لم يأمن أن يعرض لطيره بمثله أو شر منه وقد تأملت العوالم فوجدت عالم الجماد يشبه العالم النامي من جهات، ووجدت النامي يشبه العالم الحي غير الناطق شبهًا أغلب من الجماد بالنامي، ووجدت الحي غير الناطق يشبه الناطقين شبهًا أغلب من الذي قبله، ووجدت الناطقين يشبهون عالم نطقهم في بعض الشئون. وإنما قلت ذلك لك، لأن الملوك إذا وقع بينها الخلف، لقيت الرعية مشقة من الحياة حتى تحمد الوحدة ويثنى على العقم، وحتى يصح قول النبي ﷺ: " يأتي على الناس زمان يكون أروح الناس فيه الخفيف الحاذ " قيل: يا رسول الله، وما الخفيف الحاذ؟ قال: " الذي ملا أهل له ولا مال " فمثل الوحيد مثل الحرف الفارد، إن لحقه تغيير فيسير، والغالب عليه أن يثبت على أمر لا يتغير، مثال ذلك الباء الزائدة، والكاف الزائدة، ألا ترى أن الباء تثبت على الكسر، والكاف تثبت على الفتح؟ والذي يلحقه من الفاردة تغيير مثل لام الملك كانت في الظاهر على هيئته فقلت: لزيد ولعمرو، وجاءت في المضمر على سوى ذلك فقلت: لك وله. ولو تكلف تغيير الفارد متكلف لم يمكنه فيه إلا أربعة أصناف: الضم والفتح والكسر والإسكان، فهذا مثل الوحيد من بني آدم يكون له التغيير أقل، فإذا كان الرجل له صاحب أو صاحبة فمثله مثل ما كان على حرفين مثل دم ويد، يتغيران بالقلب. وتلك الحادثة قد أممنها الوحيد لأن القلب إنما يمكن في الاثنين فتقول: دم مر. ويلحق الدال والميم صنوف التغييرات من الإعراب والسكون عند الوقف، أفلا تنظر إلى زيادة الاثنين في تغيير النوائب على الواحد؟ فإذا كان للرجل عيلان فصاروا ثلاثة كان التغيير أزيد وأوجد، ألا ترى أن الثلاثي من الأسماء مثل جمر وعمرو تنقلب حروفه ست مرات، والثنائي إنما ينقلب مرتين؟ فإذا كان للرجل ثلاثة من العيلة كان فعل الزمن في تغييرهم أكثر تصرفًا منه في تغيير صاحب الاثنين والواحد. والأربعة أشد حملًا للغير من الثلاثة، ألا ترى أن جعفرًا وزهلقًا وما كان مثلهما من الرباعي، تنقلب حروفه أربعًا وعشرين قلبة؟ فإذا كان للرجل أربعة من العيلة فصاروا خمسة كان التغيير لهم أكثر، وذلك أن الخماسي من الأسماء مثل فرزدق وسفرجل، تنقلب حروفه مائة وعشرين قلبة؛ ثم تنتهي حال الأسماء الأصلية حروفها في العدد، ولا تنتهي حال الرجل في العيلة. ولو جاء شيء من الأسماء على ستة أحرف من الأصول لا نقلب سبعمائة وعشرين قلبة، فما ظنك بالمسكين آدم تكون له العشرة من العيلة وأكثر، وإنه للصعلوك الفقير؟ ولعل ذاهبًا يذهب إلى أن الوحيد من بني آدم لا بد له من أن يتصل بغيره، فمثله مثل الحرف الواحد، ألا ترى أنك إذا أمرت من: وفى يفي، ومن: وعي يعي، لم يمكنك أن تنطق بذلك حتى تصله بغيره، فإن لم يكن لك غرض في الوصل جئت بهاء الوقف فقلت: فه، وعه؟ ولا يخفى هذا الوضع على من مثل ابن آدم بالحرف.
ولكن اتصال الفارد بغيره ممن لا يحفل به، أهون من اتصاله بمن فراقه عزيز عليه وبمن هو جار مجرى أعضائه، لأن من كان له صديق فباينه وجد العوض منه، ومن كان له ابن أو أخ أو والد لم يجد العوض منهم.
[ ٧٥ ]
ألا ترى أن كاف كم، ولام لم، إذا فارقتهما الميم لم يعرف لهما معنى ولم يصلح أن يتصلا بشيء من اللفظ؟ والكاف واللام اللتان أصلهما الانفراد ليستا كذلك، لأنك إذا قلت: كزيد ولعمرو، ثم بدا لك أن تخرج الكاف واللام عن هذين الاسمين، صلح ذلك ولم يكن فيه مشقة وأدخلتهما على أي الأسماء شئت. فكذلك الرجل يتصل بالقوم فيكون معهم، أو بالصاحب فيصاحبه، المشقة عليه في فراقه إذا لم يكن ثم نسب قريب. ومثل أصحاب السيوف مثل الأسماء، ومثل غيرهم من الناس مثل الأفعال وحروف المعاني، ومثل الدول مثل الجمل من الكلام. وقد يمكن بناء الجملة من الأسماء والأفعال والحروف، ولا يمكن بناؤها من الحروف والأفعال دون الأسماء. وأفعال السيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء، أعز الله نصره " مثل الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفعولين، ففعله - خلد الله ملكه - يرفع نفسه، وإنما عنيت رفع المحل وعلوه، ثم يكون رفع اللفظ تابعًا لذلك. ومفعولاته الثلاثة: الأول منها الرعية، والثاني العرب، والثالث الروم. وهو بتدبيره وسياسته يعمل فيمن بعد منه، فمثله مثل إن وأخواتها تتخطى ما بينها وبين معمولها من المعترضات حتى تعمل فيه. ألا ترى إلى قوله تعالى: " إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر " الآية، إلى قوله " تعالى ": " لآيات لقوم يعقلون " كيف تخطت إن ألفاظ الآية وهي كثيرة ولم يمنعها من العمل في " آيات " دخول اللام المعترضة؟ فكذلك هو - أعز الله نصره - وإن كان مقيمًا في " حلب " حرسها الله، يؤثر فعله وسياسته فيمن وراء الدروب وإن فصل بينهما أعلام وسهوب.
وزعمت العامة بجهلها أن رسالته إلى زعيم الروم أمسك عن جوابها لأمر لا يعلم، فهل شعروا أن مثل رسالته مثل واو القسم يجيء جوابها بعد المهلة المتراخية وإن ظن السامع أن الكلام قد انفصل بعضه من بعض؟ ألا ترى أن الواو في قوله تعالى: " والفجر " جاء جوابها متراخيًا بينه وبينها ألفاظ كثيرة وجمل معترضة، وهو قوله " تعالى ": " إن ربك لبالمرصاد "؟ ولعل زعيم الروم يخاف إن برز إلى بلاد المسلمين أن يفعل به " السيد عزيز الدولة " ما فعل بابن الصعق " الذي قال:
تركتُ النِّزَالَ لأَهلِ النزالِ وأَكرمتُ نفسِي على ابن الصَّعِقْ
جَعَلتُ يَدَيَّ وِشاحًا له وبعضُ الفوارِسِ لا يَعْتَنِقْ
وقد حمل " السيد عزيز الدولة " - خلد الله ملكه - ما فيه من الكرم والرأفة بالرعية والرغبة في حقن الدماء، على أن بعث هدية سنية أشبهت شرف قدره وعزوف نفسه. والهدية مثلها مثل ما التي تكف العامل عن العمل، ألا ترى أن إن وأخواتها تكفهن ما عن النصب؟ قال " ابن أبي ربيعة ":
إِنما أَهلُكِ جيرانٌ لنا إِنما نحنُ وهم شيءٌ أَحَدْ
وأنشد " سيبويه ":
تَحَلَّلْ وعالجْ ذاتَ نفسِكَ وانظُرَنْ أَبَا جُعَلٍ، لَعَلَّما أَنتَ حالِمُ
فلولا أن " ما " كفت لعل أن تعمل، لم يجز أن تتصل أنت بلعل، كما لا يجوز أن تتصل بنحن. وكذلك قول الآخر:
أَعِدْ نظرًا يا عَبْدَ قيسٍ لعلما أَضاءَت لكَ النارُ الحمارَ المُقَيَّدا
فلما كانت " ما " كافة، أمكن ها هنا نصب الحمار.
ومثل " حلب " حرسها الله مثل عند، ومثل " السيد عزيز الدولة " - خلد الله ملكه - مثل من، ولا يجوز أن يدخل على عند شيء من الحروف العوامل غير من. وأجمع أهل النحو واللغة على أن قول العامة: مضيت إلى عند فلان، خطأ، لأن " إلى " لا تدخل على عند. ومثل السلطان المنصرف مثل " ربة " في قول " ضمرة بن ضمرة ":
مَاوِيَّ يا رُبَّةَ ما غارةٍ شعواءَ كاللِّذْعَةِ بالمِيسَمِ
حذفت منها الهاء فقيل: رب، واجترىء عليها من بعد فخففت الباء فقيل: رب، كما قال " عامر بن حليس ":
أَزُهَيْرَ إِنْ يَشِبِ القَذَالُ فإِنني رُبَ هَيْضلٍ لَجبٍ لَفَفْتُ بهيضلِ
ثم اجترىء على تسكين الباء، وحكى ذلك بعض الكوفيين. ثم زادت الجرأة فحذفت رب من الكلام وخلفتها الواو في مثل قول الراجز:
وبَلَدٍ عَامِيَةٍ أَعماؤه
كأَنَّ لَونَ أَرضِه سماؤه
[ ٧٦ ]
وكانت هذه الواو من صواحب " رب " القديمة في قولك: ورب غارة، ورب بلد. فمثلها مثل صاحب المنصرف ولا معتبة عليه في القدر بل قد انصرف والعامة تثني عليه بالرأي والشجاعة، ولكن المنصرف للأقدار، قال الراجز
يا أَيُّها المُضْمِرُ هَمًّا لا تُهَمّْ
إِنكَ إِنْ تُقدَرْ لكَ الحُمَّى تُحَم
ومثله ومثل " السيد عزيز الدولة، أعز الله نصره " مثل الفعلين الأول والثاني يجتمعان على طلب العمل في الاسم فيكون العمل والقوة للثاني لأنه أقرب وعلى ذلك ورد كلام العرب، وبه أخذ أصحاب النظر من أهل البصرة. قال " طفيل " فأعمل الثاني:
جَنَبْنَا من الأَعرافِ أَعرافِ يَمْنةٍ ومن هَضْبِ لُبْنَ الخيلَ يا بُعدَ مَجْنبِ
وِرَادًا وحُوًّا مُشرِفَا حَجَباتُها بناتِ حِصانٍ قد تُعُولِمَ مُنجِبِ
وكُمْتًا مُدَمَّاةً كأَن متونَها جرى فوقَها واستشعرتْ لَوْنَ مُذْهَب
فجعل العمل للثاني وهو: استشعرت، لأنه أقرب إلى لون مذهب.
وقال آخر:
فإِنَّ حَرامًا أَنْ أَسُبَّ مُقاعِسًا بِآبائِيَ الشُّمِّ الكرامِ الخضارمِ
ولكنَّ نِصْفا لو سَبَبت وسَبَّني بنو عَبدِ شمسٍ من مَنافٍ وهاشِمِ
فأعمل " سبنى " لأنه أقرب.
والملوك بعد ينقسمون كانقسام الأفعال، فمنهم " من يشبه فعله الفعل المتعدي إلى مفعولين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما مثل: ظننت وخلت وبابهما، وذلك من الملوك من يعمل فعله في رعيته ولا يكون له بد من محاربة عدوه. ومنهم من هو كالفعل الذي يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، مثل أعطيت وكسوت، وذلك الذي يعمل فعله في رعيته فيكون له عدو مرة يحاربه ومرة يسالمه. وأما الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد فمثله كثير من الملوك والعامة والولاة: فملك يعمل فعله في الرعية فقط وذلك الذي تكون فوق يده يد عالية، ووال ينفذ فعله في أهل ولايته، وعامي ينفذ فعله في أهله وعياله.
والوحيد من بني آدم مثله مثل الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول، مثل قام وقعد، وإنما هو مقصور على فاعله لا غير. وفعل لا يصل إلى العمل إلا بحرف جر مثل مررت وبابها، ومثله مثل الأعمى والأعرج لا يصلان إلى كثير من المآرب إلا بمعين. ومن الأفعال ما له فاعل لا يظهر، وذلك فعل التعجب في قولك: ما أحسن زيدًا، فذلك مثل لمن لزم بيته من الناس فلم يتصرف مع القوم ولم يعايش العوام. ومن كان من أو زاع الناس يدبر ابنه وأخاه دون غيره، فهو بمنزلة كان وأخواتها تعمل في فاعل ومفعول وهما لعين واحدة. وفي الملوك من يكون فعله كالفعل المتعدي إلى مفعولين ثم يلغي بعد ذلك، مثل ما قال " اللعين المنقري ":
أَبا الأَراجيزِ يا ابنَ اللؤمِ تُوعِدُني
وفي الأَراجزِ، خِلتُ، اللؤمُ والخوَرُ
فذلك مثل الملك الذي زالت مملكته. وكذلك في العامة من يكون مثله مثل كان، يرفع الفاعل وينصب المفعول، ويعمل في الحال والظرف، فبينا هو كذلك جاءه بعض الأقضيه فصار كأحد الحروف الملغاة، مثل ما أنشد " يحيى بن زياد الفراء ":
لقدْ أَسمى وشرَّف حين عُدَّتْ لي الأصهارُ ربيِّ في كلابِ
سَراةُ بني أَبي بَكْرٍ تَسَامَى على كان المطَهَّمةِ الصِّلابِ
فكان، هاهنا ملغاة.
فلما أسفر الصبح وظهرت الجالية بالفرثد وبالأطفال، سمع الشاحج أصوات القوم، فجاز أن ينطقه الله سبحانه فيقول: " القارعة، ما القارعة، وما أدراك ما القارعة، يوم يكون الناس كالفراش المبثوث " الآن صرح الحق عن محضه. وظهر نجيث القوم:
قد صرحتْ بِجِلدان إِليها أمُّ ذبانْ
ضَرْبًا كإِيزاغ الضانِ
أَجْمَعوا أَمرَهُمْ بلَيْلٍ فلما أَصبحوا أَصبحتْ لهم ضوضاءُ
[ ٧٧ ]
إنا له وإنا إليه راجعون. قربت بأساء الضياون وحضرت آجال الديكة والدواجن، ودنت منايا الحنتم. أما الضيون فإذا رحل عنه أهله ضاع وفقد الطعام والماء، فإن كان حازمًا لحق بالنموس فكان معها حتى يرفأن الناس وتخمد نار الفتنة. وإن أقام في المنزل ضعف جرماه: جسمه وصوته، حتى يطمع الجرذ فيه ولا تهابه الفلوة ولقد كانت تسمع صوته وهو في سفل البيت وإنها لفي العلو فينالها من ذلك فزع شديد. وقد بلغني أنه يكون في الجولات من أملاك الروم ها هنا قوم متخلفون يحملهم سوء الوثع وقلة النزاهة على أكل الضياون، لأن أهلها يغيبون فتظهر من الدور طلبًا للمعايش، فيصيدونها صيد الوحش التي أطلق أكلها للإنس. وقد كانت بنو أسد في القديم تعير بأكل الكلاب، وفي ذلك يقول الراجز:
يا أَسَدَيُّ لِم أَكلتَه لِمَهْ
لو خافَكَ اللهُ عليه حَرَّمَهْ
فما أَكلتَ لَحمَه ولا دَمَهْ
فأما الخياطل فما ذكر أكلها في أخبار المتقدمين. فويح للضيون! بعدما كان يطارد الغفة كما قال الشاعر:
يُدِيرُ النهارَ بِحَشْرٍ له كما عالجَ الغفوةَ الضَّيْونُ
ويختلها ختل السرحان الغزال ويثب إليها كما وثب حبيل براح إلى أمم الأغفار؛ ضعف لعدم القوت حتى رآها وهي المخطبة فما عرض لها بالقبيح، وجاءته ورهطه شعوب فرأيتهم في الحجرات وقد طفئت منهم العيون الزاكية، بعد ما قال فيها الشاعر:
خَليليَّ عُوجَا من صُدورِ الكوادنِ نُصِيبُ قليلًا من ثَريدِ الحواقن
ثريدٌ كأَن السَّمنَ في حَجَراتِه نجومُ الثريَّا أَو عيونُ الضياوِنِ
أتدري يا ثعال من أي شيء اشتق الضيون؟ وهيهات! لعل سميك " أحمد بن يحيى الشيباني " ما سمع خبرًا لذلك. وهو نادر من الكلام لأن ياءه لم تدغم بالواو، فإذا كان من: ضان يضون فهو فيعل، وإلى ذلك ذهب الناس في وزنه. وإن كان فعولًا فهو من: ضان يضين، وكلا القولين ممات. ولا يقعن في وهمك أن اشتقاقه من الضأن، فإن الضأن مهموز. أليس في الكتاب المجيد: " من الضأن اثنين ومن المعز اثنين "؟ ولا يغرنك قول الشاعر:
أَصبحتُ فَنًّا لِرَاعِي الضأنِ أُعجِبُه ماذا يَريبُكَ مني راعِيَ الضانِ
فإن تخفيف الهمز من الضأن جائز في النثر والنظم، ويكون لازمًا في القوافي الملينة. إلا أن الحكم في الاشتقاق للهمزة.
وأما الديكة والدواجن فإذا ريع الناس بهشوا إليها بالأصلات مخافة عليها من جيران السوء والضيعة إذا تركوها بالأفنية. ومن أشفق منهم على التعارف وصواحبهن، فإنه يربط بعض أرجلها إلى بعض، فكأني بأبي عقبة وهو مشدود الرجلين إلى أرجل دجائج ثلاثة أو أربع وهو معلق من مؤخرة إكاف، وقد أفرط هو وصواحبه في الصراخ. صبرًا أبا عقبة " فإن مع العسر يسرًا " الغمرات ثم ينجلين:
البَسْ لِكُلِّ عِيشَةٍ لبوسَها
إِمَّا نعيمَها وإِمَّا بُوسَها
بعض الشر أهون من بعض. هذا خير لك من أن تكون قد دليت في وطيس محام أو غلت بك إحدى البرم عائمًا في ملح وماء. ولئن سلمت يومك لتهتفن في دار معترفة:
لا تأمنَنَّ الدهرَ بين ظعائنٍ كما بان من جوٍّ الوديقةِ أَكْدَرُ
أتجري يا ثعال من " أكدر " هذا المذكور؟ هو " أكيدر بن عبد الملك " - ويقال: أكيدر بن عبد الله - صاحب دومة الجندل وكان رسول الله ﷺ كتب له الكتاب المعروف ثم ارتد وظعن عن بلاده إلى بلاد الحيرة فابتنى له دارًا وأقام بها.
وأما الحناتم فإنها تكون عند القوم المتصعلكين والمستورين قد ملئوها باللصف والشفلح وعلوهما بدر الضئين والمعز، فإذا ارتاع الناس وأزمعوا الهرب كانت من أجل ما يحتملون. ويكون على الحمار أو البغل الكبير عبء ثقيل غير متعادل في التحميل، بل هو من اليمين مخالف لحاله من الشمال. فمثله مثل هذه الأبيات التي هي في كتاب سيبويه كما أذكر، وقد غيرها بعض الناس رغبة في إصلاح الوزن، وهي:
كيف رأَيتَ زبْرا
أأقِطًا أَو تمْرا
أم قرشيًّا بازلًا هِزَبْرا
ألا ترى إلى قصر البيتين الأولين وطول البيت الثالث؟ وبعضهم ينشده:
أم قرشيًّا صَقْرا
والرواية الصحيحة في كتاب سيبويه كما أخبرتك. والرواية الأخرى أصح وأوزن. وقد جاء عنهم نظير لذلك وهو منه، قال الراجز: ٣يا تَيْمُ كوني جَدِلَهْ
[ ٧٨ ]
أَغنى امرؤُ ما قِبَلَه
إِذ قاتلت تيمٌ وفرَّت حنظلَه
واستوعَلتْ كلبٌ وكانت وعِلَه
فالبيتان الأولان يقصران عن البيتين الأخيرين قصرًا ليس بخاف.
فذلك مثل وسوق الجالية لأنها ليست تعتدل إذ كانوا ليسوا أهل ظعن وارتحال فيعرفوا أمر الإيساق، ويمنعهم الخوف من الأناة. فإذا كان الأمر على ما أصف أسرع الإنكسار إلى ما يحملون من الخزف والزجاج، لأن وسوقهم لا يمكن فيها التعديل. فإن كانت لن يا ثعال رغبة في الكامخ أو البن فتتبع آثار الجالية فإنك لا تعدم جرة كسيرًا قد اجتهد صاحبها أن تثبت له في الوسق فأعيت عليه وزلت في ذلك إلى الأرض، أو علقها بأذنها فضعفت أن تحملها فلقيها القهقر في الأرض الجرولة فرأيت خبيئها وقد طلى به وجه المعز، وكان ربها البائس قد أعده لطلي به رغيفًا بعد رغيف، كما ضمخ وجه المترف من الملوك بالغالية وفنيق الأناب؛ وإن الجهل ليصنع بأهله أكثر من هذا الصنيع. أفلا ينظر هؤلاء القوم حقيقة النظر ويعطون قوس الرمي " عميرة "، وصعدة الخط " ردينة "، ويؤتون " عمرًا " الصمصامة، ويلقون السهم الأقذ إلى الرائش بطبته، ويتكلون بعد الله العظيم على سياسة " السيد عزيز الدولة أمير الأمراء " - أعز الله نصره؟ فإنه شراب بإنقاع! قد آل وائل عليه، وركب الصعبة والذلول، وطعن بتام وقصير، وضرب العدو بالجراز بعد الجراز، ونزع في العاصية والمطيعة، فهو كما قال الأول:
يا تَمْلِكُ يا تَمْل ذواتِ الطوقِ والحِجْلِ
ذَريني وذَرِي عَذْلي فإِن العَذْلَ كالقتلِ
ومني نظرةٌ بعدي ومني نظرةٌ قَبْلي
حذارِ الأَسدِ الضيغ م أَو في نظرةٍ مثلي
وقد أَبدأُ بالطعنةِ م تثنى سَنَنَ الرّجْلِ
كجَيْبِ الدفنِس الورها ءِ رِيعتْ وهي تَستغلي
وقد أَسبقُ بالضربة م لا يَدمَى لها نَصْلي
وقد أَنزَعُ في الزوراءِ تُعطِيني على بُخلِ
فمثله - أعز الله نصره - مثل السيف الصارم تجده على الوحدة أهيب من النبل الزائدة في العدة. وفي الكتاب المحفوظ: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين "، وقال القائل في القديم الأزمان:
تركْنَا بني أَسماءَ، منهم مُحَلَّمًا ومُرَّةَ يَحبُو وابنَ ضمرَةَ حِذْيَما
وما إِنْ قتلناهم بأَكثرَ منهم ولكنْ بأَوْفَى في اللقاءِ وأَكرَما
لقد حملهم الفرق على الخرق، فسوق يلقون شظفًا من العيش وتنزل بهم الضرورة الناقلة من حال إلى حال، فإن هذه الآونة تحمل القاطع على أن يصل والمهاجر صاحبه أن يعطف ويعتذر، ولم يفعلا ذلك رغبة في صلة الرحم ولا تحوبًا من سوء القطيعة، وإنما ذلك للضرورة الحادثة، فأشبها فيما فعلاه حال الشاعر إذا وصل همزة القطع، كما قال " أبو زبيد " وذكر كلبًا له يسمى أكدر:
فأَيْقنَ اكْدَرُ إِذ صاروا ثمانيةً أَنْ قد تفرَّدَ أَهلُ البيت بالثُمُنِ
وبعض الناس تؤضه الشدة إلى قطع الحميم وفراق الأليف وعقوق الوالد والولد، فيكون مثله مثل الشاعر لما اضطر لقطع ألف الوصل كما قال الراجز:
لَمَّا رأَتْ شيبَ القذالِ عيسا
وفوقَ ذاكَ لِمَّةً خَلِيسا
قَلَتْ وِصَالي واصطفتْ إِبليسا
وصامَت الإثنينِ والخَمِيسَا
عبادةٌ كنتُ بها نِقْرِيسا
والشدائد في هذه الروعات تحمل المتطاول من القوم على أن يتواضع، والغنى على أن يتهيأ بهيئة الفقير فيشبه الممدود إذا قصر كما قال " العرجى ":
أَنْزَلَ الناسَ في الظواهرِ منها وتَبَوَّى لنفسِه بَطْحَاهَا
والطمع من أهل الخسة في مثل هذه الحادثة يحسن لهم التطاول وتتبع رحال الضعفاء، فيكون مثلهم مثل المقصور إذا مد، كما قال الراجز:
يا لَكَ من تَمرٍ ومن شيشاءِ
٣ي - َنشَبُ في المَسْعَلِ واللَّهاءِ وهذه النائبة تلزم الذين يتظاهرون بالعدم والفقر، أن يخرجوا ما يخفون من الذخيرة، يستعينون بها على اكتراء الحمار والراحلة، فيكون مثلهم مثل المدغم أظهرت الضرورة ماعنده، كما قال " العجاج ":
إِنَّ بَنِيَّ لَلِئامٌ زَهَدَهْ
[ ٧٩ ]
ما ليَ في صدورهم من مَوْدَدَه
يريد: مودة. قال " زهير ":
ما يَلْقَها إِلا بِشِكَّةِ باسلٍ يَخشى الحوادثَ حازمٍ مُسْتَعدِدِ
أي: مستعد. وعند هذه النازلة ترى المريض والزمن وغيرهما من أهل العاهات، قد تشبهوا بالأصحاء السالمين فبان فيهم ذلك وظهر منهم التكلف، وكان مثلهم مثل المعتلات نحو قاض وغاز يصيران في الضرورة كصحاح الأسماء، وذلك بمشقة ليست بالخافية، كما قال الراجز:
قد عجبتْ مني ومن يُعَيْليَا
لما رأَتْني خَلَقًا مُقْلَولِيا
وقال: الفرزدق ":
فلو كان عبدُ الله مولًى هجَوتُه ولكنَّ عبدَ اللهِ مَوْلَى مَوالِيَا
وقال آخر:
لا بارَكَ اللهُ في الغوانِيَ هل يُصبِحْنَ إِلا لَهنَّ مُطَّلَبُ
والخوف إذا وقع بغتة، رأيت المعروف بالحزامة وأخا التجربة ومن كان مشهورًا بالجرأة، قد حمله الحزم واللب على قلة الانبعاث وكلول الغرب، فصار كأنه الظعينة من خوف العاقبة وانفلال الحد، فيكون مثله مثل المذكر من الأسماء إذا انث للضرورة كما قال القائل:
وحَمَّالُ المِئينَ إِذا أَلَحَّتْ بنا الحدثانُ والأَنِفُ الغيورُ
وإذا فجئت هذه الملمة وغيرها من الملمات، حسنت للنساء ذوات الخفر أن يتبرجن ويجرين في المشي والعمل مجرى الرجال، فيكون مثلهن مثل المؤنث إذا ذكر عند الحاجة، كما قال الشاعر: " عامر بن جوين الطائي ":
فلا دِيمةٌ ودقَتْ وَدْقَها ولا أَرضَ أَبْقَلَ إِبقالَها
وربما رأيت الجماعة الكثيرة وهم لقلة البصيرة وطيران الألباب يجرون مجرى الفذ ممن الرجال، فيكونون كالجميع من الأسماء إذا جاء مؤخر الخبر أو لم يتصل بفعله الضمير إذا أخر، كما قال الشاعر، أنشده " الفراء " عن " المفضل الضبي ":
أَلا إِن جِيراني العَشِيةَ رائح دعَتْهم دواعٍ من هوىً ومَنادِحُ
وما قال آخر:
يا عمْرُو جِيرانُكم باكِرُ فالقَلْبُ لا لاهٍ ولا صابِرُ
وقال الراجز:
بَالَ سُهَيْلٌ في الفَضِيخِ ففَسَدْ
وطابَ أَلبانُ اللقاحِ وجَرَدْ
وقال " الحطيئة ":
وإِني لأَرجو، وإِن كان نائيًا رجاءَ ربيعٍ أَنْبَتَ البقْلَ وابِلُهْ
لِزُغْبٍ كأَفراخِ القَطا راثَ خَلْفُها على عاجزات النهض حُمْرٍ حواصِلُه
فأما الوادع فإنه إذا عصفت به شمال الرعب زف راله وفزعت أجراله، فكان مثله مثل الساكن إذا حرك لإقامة الوزن كما قال " زهير ":
لم يُنظرْ به الحَشَكُ
وإنما هو: الحشك. وكما قال آخر:
أَتْبَعتُه إِياهما في السَّهَلِ
حتى إِذا ما زَنَأا في الجبل
أَزنأتُه فيه ولَمَّا أُبَلِ
وأما المتصرف من النفر في ذهاب ومجيء كالمنادين والدلالين، فإنه إذا حمل في مجلاه فقدت حركته في المعاش فكان مثله مثل متحرك من الحروف سكن كما قال الراجز:
وَرْدَ عليهِ طالبُ الحاجاتِ
وهذا قليل، لأنه سكن الفتحة. وإنما شبهته بالمفتوح الذي يسكن، ولم أشبهه بالمضموم والمكسور لأن من شأن ربيعة أن تسكن ما كان كذلك من الأسماء والأفعال ما لم يكن المتحرك بضم أو كسر في الطرف، فيقولن: كرم، أي كرم، وعلم أي علم. وقياس لغتهم أن يقولوا: كبد وكتف، في الكبد والكتف قال " القطامى ":
إِذا نَشْبَتْ مَخالِبُه وعَلْقَتْ له الأَنيابُ تُرْكَ له المَرَارُ
يريد: نشبت وعلقت وترك. وقال آخر:
إِذا لم يكنْ قبْلَ النَّبِيذِ ثريدةٌ مُلَبَّقَةٌ صفراءُ شحْمٌ جميعُها
فإِن النبيذَ الصرْدَ إِنْ شُرْبَ وحدَه على غيرِ شيءٍ، أَحْرَقَ الكَبْدَ جوعُها
فهذا ليس عندهم من الضرورة.
وربما طمع الجار - لهذه الفتنة - إذا كان من أهل الشر، في جاره إذا كان من أهل الخير، فعدا على منزله فأخذ ما فيه، فأشبه فعله ذلك نقل الحركة من الحرف إذا وقف عليه، إلى ما جاوره من الحروف.
وشبهت المال بالحركة لأنه تكون عنه القوة، والحركة قوة الحرف وحياته والمعنى بما ذكرت قول الراجز:
عجِبْتُ والدَّهْرُ كثيرٌ عَجَبُهْ من عنَزِيٍّ سَبَّني لم أَضربُهْ
نقل حركة الهاء إلى الباء. وكذلك قوله:
[ ٨٠ ]
فقُلتُ لِلسَّائِسِ خُذْهُ واعْزِلُهْ وَاغْدُ لَعَنَّا في الرِّهانِ نرسلُهْ
وقال " طرفة ":
حابِسِي رَبْعٌ وقفتُ به لو أطيعُ النفسَ لم أَرِمُهْ
وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذا ليس بضرورة؛ وإن كان كما زعم فإنه قليل كقلة ما يستوحش منه الفصحاء.
ولأشيرن عليك يا ثعال بالمكرمة من الفعل: إن كان لك صديق في الجالية فوصه ألا يكون في أوائل الرفقة ولا الأواخر، ولكن يكون متوسطًا بين الأول والآخر، فإنه إذا كان أولًا لم آمن عليه أن تدركه نائبة كما أدركت فاء عدة وزنة، وكما لحقت أوائل الأبيات التي بناؤها على حرفين متحركين بعدهما ساكن. وتلك النائبة هي الخرم الموجود في أوائل الأشعار كما قال " ساعدة ":
فِيمَ نساءُ الحَيِّ من وَتَرِيَّةٍ سَفَنَّجةٍ كأَنها قوْسُ تَألَبِ
وهو في شعر الجاهلية وأهل الإسلام، ألا ترى أن عين " عدة " سلمت من الحذف وكذلك زاي " زنة "؟ وإن حذف متوسط فحذفه شاذ، وإنما يكثر حذف الأطراف والأوائل، كما حذفوا فيما اعتلت فاؤه ولامه فقالوا في المعتل اللام: برة وقلة ودم ويد. وقد مضى ذكر ما اعتلت فاؤه. ومن العلل التي تلحق الأواخر أنك إذا جمعت فرزدقًا وبابه قلت: فرازد؛ فشقيت القاف بالحذف. وكذلك إذا صغرت قلت: فريزد. ولو لم يدلك على ما يلقاه الآخر من المضرة إلا الترخيم، لوضح به الدليل: تحذف آخر الاسم دون غيره من الحروف. إلا أنه ربما جاور الحرف الآخر حرف لين فدخل معه في النائبة يجتذبه إلى ما لقي، أو يكون مجاوره أراد أن يواسيه في المصيبة. فإن كان فعل هذا فهو حسن، وما أحسبه حذف إلا مضطرًا إلى الحذف. على أن الترخيم في باب النداء ليس هو بضرورة. والحرفان المتجاوران: كواو منصور ورائه، وألف مروان ونونه، وألف حمراء والهمزة بعدها. قال الشاعر:
يا أَسْمَ صبرًا على ما كان من حَدَثٍ إِن الحوادثَ مَلْقِيٌّ ومُنْتَظَرُ
وقال " أبو زبيد ":
يا عُثْمَ أَدرِكْني فإِنَّ رَكِيَّتي صَلدَتْ فأَعيَتْ أَن تَبِضَّ بمائها
يريد: عثمان. وقد حملهم الطمع في الأخير على أن حذفوا حرفين صحيحين، أو يكون الأول منهما همزة حدثت في الجمع كما قال " لبيد ":
درَسَ المَنَا بمُتالعٍ فأَبَانِ
يريد: المنازل. وقال " أبو داود ":
يَلْدِسْنَ جَندلَ حائرٍ بِجُنُوبِه فكأَنما تَنْفِي سَنابِكُها حُبَا
يريد: حباحبا، يعني نار الحباحب. وقال " علقمة ":
أَبيَضُ أَبْرَزَه لِلضحِّ راقِبُه مُقَلَّدٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَفْدُومُ
يريد: سبائب الكتان.
ومن حذف الأواخر المفرط ما جاء عن رسول الله ﷺ من قوله: " كفى بالسيف شا " يريد: شاهدًا. وهذا نادر غير مستمر.
وإنما حذرت من يكون في الأواخر من الحوادث الطارئة كثيرًا عند الأطراف، مثل حذف اللام من سنة وابن، ومثل ما يحدث في القوافي من ترك الإعراب وتخفيف المشدد، وذلك كثير موجود، قال " لبيد ":
مَنْ هدَاه سُبُلَ الخيْرِ اهتدى ناعمَ البالِ ومَن شاءَ أَضَلْ
فلام أضل مشددة، وحففها في القافية تخفيفًا لا بد منه، ومن شددها فهو عندهم مخطيء. وكذلك من شدد الراء في قول " امريء القيس ":
واليوم قر وإني أفر
وقد عيب على بعض العلماء أن لام " المصل " وجدت بخطه مشددة في قول " لبيد ":
يَلْمُسُ الأَحْلاسَ في منزِله بِيَدَيْه كاليهوديِّ المُصَلْ
يريد: المصلى، فحذف الياء وخفف. وأشد منه قوله:
وقَبِيلٌ من لُكَيْزٍ حاضِرٌ رهْطُ مرجومٍ ورهطُ ابن المُعَلْ
يريد: المعلى، فحذف الألف وهي أوجب ثباتًا من الياء.
ومن قبل الوصية في أن لا يكون آخرًا، فأشر عليه أن لا يجاور الأخير في السير، فإني لا آمن عليه أن يفعل به ما فعل بألف مروان وعثمان وواو منصور وهمزة سبائب وزاي منازل وحاء حباحب، وهاء شاهد.
وأما الأول فلا نعلم جاره الناس الحروف ملقي إلا خيرًا. إلا أن الحيطة لمجاور الأول من السارين أن يجعل دونه سواه، لأنه إذا جاء ترخيم التصغير حذف الأول الزائد، وإذا كان بعده حرف مثله في الزيادة حذف معه.
[ ٨١ ]
وليس حذفه لجوار ذلك الحرف، وإنما هو محذوف للزيادة، ولا ينكسر بهذا ما أصلت. ولو رخمت منطلقًا لقلت: طليق، فحذفت الميم والنون، وليس هذا الحكم متعلقًا بالأول والآخر، وإنما هو متعلق بالزائد والأصلي.
وكأني بوالي هذا المصر كامل صنيعة السيد " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - وقد ركب لحياطة الجالية وكف الدعرة، وقد سكنت الدموك المجعجعة لطعامه على النقمى، وهرب الفعفعى الذي كان يسحط له النقد ويشصب أولاد الحذف، وخمد حميس الحضاء الخامط لخوانه البذج أو العمروس في أين الآزة من المغرغرات، من يلقي إلى صاحب قناعه شبيهات الزبرقان. وهو بإقبال السيد " عزيز الدولة أمير الأمراء " - أعز الله نصره، متجلد على ذلك لم يبن فيه الخور ولا الضعف.
فمثله مثل سميه من الشعر وهو الوزن الكامل تذهب منه ست حركات فلا يغيض ذهابهن منه، بل يمكث على السجية المعهودة، ولا يعلم ما ذهب منه إلا أهل الخبرة، كما قال " عنترة ":
بَكرَتْ تُخَوِّفُني الحُتُوفَ كأَنني أَصبحتُ من غرَضِ الحُتُوفِ بِمَعزِلِ
فاقْنَى حياءَك لا أَبَا لَكِ واعلمي أَني امرؤُ سأَموتُ إِن لم أُقْتَلِ
إِني امرؤُ من خَيْرِ عَبْسٍ منصبًا شَطري، وأَحْمِي سائري بالمُنْصُلِ
فالبيت الذي قافيته: بالمنصل، قد ذهبت منه حركات ست، وهو في الغريزة كغيره من الأبيات لم يبن فيه الخلل ولا التقصير. وكذلك أهل الفضل والبقية يصبرون في الشدائد ويتحملون، ولا يشعر عامة الناس بما عندهم من فقر المال ومعاناة الخطوب. وأهل الشفقة والخفة تبدو منهم الشكية ويظهر الشكع. فمثلهم مثل قول " الأعشى ":
تَسْمعُ للحَلْيِ وَسْواسًا إِذا انصرفتْ كما استعانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجلُ
أول حرف ذهب منه عرف خلله وظهرت شكيته، ولم يتجمل فيصبر كما صبر قول " امريء القيس ":
كدَأبِكَ من أمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارتِها أمِّ الرِّبابِ بمَأسَلِ
قد ذهبت منه أربعة أحرف ولم يعلم بذهابهن.
وأما صاحب المعونة فكان مثله مثل " ما " الحجازية بطل عملها فكأنها صارت التميمية، لأنك إذا قلت: ما زيد قائمًا، ف " ما " قد علمت الرفع والنصب. وإذا قلت: ما زيد قائم، فما لم تعمل شيئًا.
وأما القاضي فتربك هذه الأرض ولحق بوطنه " بالس " ردته إليها الضرورة، فكان مثله مثل المرفوع من الأعلام في النداء لما لحقته الضرورة فنون، رجع إلى أصله وهو النصب، كما قال " مهلهل ":
ضربتْ صدرَها إِليَّ وقالتْ يا عَدِيًّا لقد وقَتْكَ الأَواقي
وكما قال الآخر:
دعَوتُ عَدِيًّا والمَهَامِهُ بيننا يا عَدِيًّا يا عَدِيَّ بنَ نَوفَل
وأما العدول، فوضعوا السيجان والمشاوذ وتهيئوا للنفر إن صاح الصائح فكان مثلهم مثل الأسماء المتغيرة عن هيئتها عند الضرورة، كما قال الراجز:
جاءَت عجوزٌ مِنْ أَعَالِي البَرِّ
قد تركتْ حَيْهِ وقالت حَر
ثم أَمالتْ عُنُقَ الحِمَرِّ
سَيْرًا على جانبِها الأَيسَرِّ
فنبى الحمار، وهو فعال، على فعل. وقالت أخت " حازوق الخارجي " ترثيه:
أُقَلِّبُ عَيني في الفوارِسِ لا أَرى حِزَاقًا وعَيْني كالحَجاةِ من القَطْرِ
فنقلته من فاعول إلى فعال. وكذلك قول " دريد ":
أَخُناسُ قد هامَ الفؤادُ بكم واعتادَه نُصْبٌ إِلى نُصْبِ
وكأني بأصحاب البز وقد كفت عن أرجلهم الحيش، وخلط هلعهم بين ثياب العطب وثياب الشريع، جعل السبيبة مع المخيط، وأضاف البجد إلى ما رق من البرود. فكان مثلهم مثل من ركب قصيدة مقيدة جمع في رويها المسكن، بين أشتات الحروف، ولم يبال إذا سلمت له القافية من لحاق العيوب كيف وقع ترتيب الكلمة في الأصل.
ألا ترى أن قول " الأعشى ":
لَعَمْرُكَ ما طولُ هذا الزمَنْ على المرءِ إِلا عَناءٌ مُعَنْ
قد جمع بين قوافيه وهي مختلفة النجار، لأنه قال: الزمن، فسكن ونونه في الأصل مكسورة، ثم قال: معن، فحذف من الكلمة حرفين وجعل النون التي أصلها السكون مع النون التي أصلها الكسرة؟ وقال فيها:
وأَشربُ بالريفِ حتى يقالَ قد طال بالريف ما قد رجَنْ
فجاء بنون أصلها الفتح. وقال فيها:
[ ٨٢ ]
ومِنْ شانيءٍ كاسِفٍ وجهُه إِذا ما انتسبْتُ له أَنْكَرَنْ
يريد: أنكرني. فجعل مع النونات، التي تدخل لسلامة آخر الأفعال الماضية من الكسر، وهي مباينة لنون: زمن ومعن ورجن.
وكذلك البزاز لا يحفل إذا سلم متاعه باختلاف الترتيب.
فأما الصيدلاني فكان دكانه مرتبًا على أحسن هيئة كما نضد " ذو الرمة " قصيدته البائية:
ما بالُ عَيْنِكَ منها الماءُ يَنْسَكِبُ
والميمية:
أَأَنْ تَرَسَّمتَ من خَرْقاءَ منزلةً ماءُ الصَّبابةِ من عَينيك مسجومُ
وإنما ذكرت هاتين القصيدتين لأنهما على طولهما سلمتا من الزحاف الظاهر في الغريزة، ولم يأت فيهما نحو من قول " الأعشى؛:
عُلِّقْتُها عَرَضا وعُلِّقَتْ رجلًا غيري، وعُلِّقَ أخرى غيرَها الرجل
ولا مثل قول " زهير ":
قد جَعَلَ المُبتَغونَ الخَيرَ في هَرِمٍ والسائلونَ إِلى أَبوابِه طُرُقَا
والمثل قول الآخر:
نَكفِيه إِنْ نحنُ مُتْنا أَن يُسَبَّ بنا وهْوَ إِذا ذُكِرَ الأَبناءُ يَكفِينا
فانتقض ترتيب الدكان حتى صار كأنه كلمة " عدي بن زيد " التي على الراء المقيدة، أو أبيات " بيهس، المعروف بنعامة " وإنما سميتها أبياتًا لأن الرواة يوقعون عليها هذا الاسم، ولا نظام لها في الحقيقة. والأبيات:
يا لَها نفسًا يا لَها أَنَّى لها الطُّعُم والسلامَهْ
قد قتل القومُ إِخوتَها فبكلِّ أَرضٍ زُقاءُ هامه
فلأَطرُقَنْ قومًا وهم رقودٌ ولأَبْرُكَنْ بَرْكَ النعامه
قابِضَ رِجْلٍ وباسِطَ أخرى والسيفَ أَقرمُه أُسَامه
فترى الدكان وقد اختلط إهليجه بالعناب والصبار، ووتيره المعلول بسليل المصاب قد وقع فيه بعض الأدهان. وكذلك القاهي صار عنجده مع البلس وخليط الضرو، وفرى عفزه بالقمروض، ولحق في تغير الهيئة بالصيدلاني.
وتخلو عند ذلك أحشاء الخضر والسود اللواتي طال ما اشتملن على ضمائر حارة باردة، تلذها أفواه الواردة.
ويعطل في هذه الفادحة بيت المسيح فلا يدخله المسلم ولا النصراني.
ويكون ماؤه في اليوم الأول شخيمًا وفي اليوم الشافع باردًا، ثم تصفر أنابيب الحميم فتصفر بها جنود الريح.
ويأخذ أخو الضغيل سيفه الذي يزعم أنه من الجنثى المنسوب من رهط مخزم أو رسوب، وذات نصابه الجارية على رءوس السوق والملوك فلا تزال ترتع في أسود حلكوك مثل التنوم، وأصهب كأنه لحي الروم وخليس كريم الجاشر ومصوح الرياض وأهل علوة إذا خالطوا أهل طراز، وأبيض كأنه الثغام. ويضيف إلى هذين المذكورين، صنوين له مملوكين يرعيان في الأماكن العزيزة وهما متفقان ولا يمكن أحدهما مرعاه وهما مفترقان. فيذهب لشأنه في أرض الله أين ما وقع خدم وأرق الدم، فلا يطلب أبدًا بثار ولا يحسب قبيح الآثار، وقد حمل معه خضراوين تمتلئان كل يوم وتفرغان من دماء أهل العمد أو أهل المغاني.
وأما قين القلبة والخدم وصانع الرعاث والثوم والذي يزين صغريات الشناتر بالفتخة أو الحلق المتخذ من سام خزيبة أو سيراء ذي سامة، فخمد أجيج ناره، وخلص من الجحيم شخص ديناره؛ ورأيته يحمل أداته، روحته للهرب أو غداته:
يا لَبَكْرٍ انشروا لي كُلَيْبًا يا لَبَكرٍ أَيْنَ أَينَ الفِرارُ
فمثله مثل شاعر مجيد كان يصنع في مدائح " السيد عزيز الدولة، أعز الله نصره " صنوف الأشعار المختلفة بين خفيف وثقيل، وكلاهما يحسن من القيل؛ وبيت قصر وبيت طال، وكل ما صنع ليس بالمعطال؛ فمن قصيدة كالخلخال ليس بناؤها من معنى بخال، ومن أخرى مثل السوار صدرت عن صدر بالفكرة شديد الأوار، وسائرة في الآفاق خفيفة المحمل على الرفاق، كأنها القرط العطر أو الشنف، حملته الأذن وساف رياه الأنف، وأبيات عملت في بديه ختم بها المجلس ونجوى ناديه، فكأنها خاتم يد ختم بها وقت غير مفند؛ فأدركته علة من أمر الله عاقت الخلد عن الفكر واللسان عن الذكر.
وأما الهالكي في هذه الناحية، فإنما يصنع خصينًا أو مسحاة أو حدأة منحاة أو سنة ينتفع بها في المعزقة. وربما صنع مدية للأقلام وذات جزأة يذمها أوداج الذبيح. ومهما فعل فإنه لا محالة سيرفض فلا ينظر إليه.
[ ٨٣ ]
وسوف تبطل ذوات السموم فلا ينتفع بها، بالذنب ولا الرأس، ولا يهش من أولع بها للمراس. وما يصنع القوم في هذه الحزة بالنصيح والشليل، وهو أوان يلقي الرجل أسمال قميصه ويقتنع بزهيد القوت لخميصه؟ وكأني بالضعفاء من أهل القصبة أو هذي القريات وقد عمدوا لهذه البقول فنهبوها نهب المنفسات، وحملوها في الكرزة والجشر إلى شعث يابسات من كل عجوز كالسفود لا تعرف حلب الرفود. فإذا فنى ما ظهر منها للعين حفروا عما بطن باليدين، فترى صاحب الجمازة من الحليت يحتفر كأنه الشب يكشف عن أصول الرخامى النابتة سقاها الربب، فهو كما قال " عبيد ":
أَوْ شَبَبٌ يَحفِرُ الرُّخامَى تَحفِزُه شمالٌ هَبُوبُ
وكما قال " خفاف ":
يَصِيدكَ العَيْرَ يَرُفُّ النَّدَى يَحفِرُ في مُبْتَكرٍ رَاعِدِ
ويئس العامل مما في البستان فيذر الاستقاء. وأفوز بالراحة بعض ساعة من اليوم، فأكون كما قيل في المثل: " نعيم كلب في بؤسي أهله " - وذلك أن القوم إذا أصابتهم السنة ماتت أموالهم فنعم بأكلها الكلب - ثم يجيء رسول الملاك فأقرب إلى ما هو شر علي وأشق: أوتي بأشياء كثيرة مختلفة يراد مني أن أسير حاملًا لها في الرفقة، منها جربة فيها جشب من الطعام، وسفيح قد مليء من الأسفار، ومخلاة عظيمة قد أخذت فوق ما تحتمل من العسوم، وقراطف أخلاق، وبراجد وضروب مما لا أعلم إلا أنها مثقلة ولا أطيق. فأحمل وأنا أفكر وآسف على ما كنت فيه، وأتمنى العدوة إلى هذا المدار؛ والحمل يتساقط ويتواقع كما قال " سعد بن مالك ":
وتساقُطَ التَّنْواطِ والذَّنبا تِ إِذ جُهدَ الفِضاحُ
مَنْ فرَّ عنْ نِيرانِها فأَنا ابنُ قيسٍ لا بَراحُ
فيلهمني الله تعالى أني لا أخلص إلا بسوء الخلق، وألتفت فأرى عجوزًا تريد أن تركب على ذلك الحمل، أو شيخًا شرًا من تلك العجوز:
سُلَيْمَى أَنتِ في العِيرِ
قِفي إِن شِئتِ أَو سِيري
فأما أنا فما عندي من نطيش. وآخذ عند ذلك في ضرب الند والزم.
خسا زكا، إليك إليك:
مَنْ مُبلغٌ عني يزيدَ بنَ الصَّعِق
دونكَ ما استحسنتَه فاحْسُ وذُقْ
٣ق - د كنتُ حذرتُكَ آلَ المصطلقْ
وقلتُ يا هذا. أَطِعْني وانطلِقْ
إِنكَ إِنْ حمَّلتَني ما لم أَطِقْ
ساءَك ما سرَّك مني من خُلق
والذين أرادوا تحميلي، قيام ينظرون ويقولون: ما كانت هذه له بعادة!
وقد زعمتْ أَني تغيَّرتُ بعدَها ومَنْ ذا الذي يا عَزَّ لا يتغيرُ
فأضرب عصيًا كثيرة وأنا لا أزيد على خبط الأرض بالحوافر، فليت شعري على اي صرعى أقع؟ هل أترك وما أريد، أم أحمل على شصاصاء؟ وأما يهود فهي في هذه البلدة ثلاث فرق: صباغون، ودباغون، وحاكة في الكلم لا غون.
فأما أهل الصبغ فيردون إلى الناس متاعهم أصفر وأحمر وأزرق كأنه أنوا الربيع، وإن قدروا على ما في الأنفس لحقوا باليرابيع.
وأما أصحاب الأهب والنفوس فيشفقون عليها إشفاق تاجر اليمن على الشفوف، ويرون الآفق من حفظ أفيقه، وفائت المنية من أحرز منيئته.
فيظل الواحد منهم وقد جمع فوق رأسه أصنافًا من الأدمة وهو يتخير لها المعاقل.
وأين الهرب من قضاء الله؟
لَنْ يُسبَقَ اللهُ على حِمارِ ولا على ذي سَيعَةٍ سَيَّارِ
قد يُصبحُ اللهُ أَمام السارِ
وأما الحائك فيطوي الشقة وبعضها قد نسج وبعضها ليس بنسج، كأنها كلمة الفحل من الشعراء قد نظم بعضها وتصور الغابر منها وإنما شبهته بالشاعر لأن " كعب بن زهير " قال:
فَمن لِلقَوافي بعدَ كعبٍ يَحُوكُها إِذا ما ثَوَى كعبٌ وفَوَّزَ جَرْوَلُ
وإنك لتشاهد هذا الرجل من يهود وقد أحس بالخويخية فصار وجهه مثل الفرسكة، وعمد إلى الخوخة فاستخرج منها مشمشيات الألوان كان يدخرها لأم خشاف والعنقفير، وجعل هبرزيًا في فيه وأزم عليه إلا مقدار الحذرفوت، فكأنما غيب منه الفوقانية إلا مثل الفسيط. وبادر به إلى المكارين يكشر لهم عن ذلك الخبيء. ويكون كراؤهم قد وقع بالدراهم، فتحملهم بالرغبة فيما مظهر لهم، على الغدر. فكلما أجابوه إلى ما يسأل أبرز لهم شيئًا من الدينار، حتى إذا تمت الموافقة بصق نقيشًا يتلهب فبل عند ذلك بعير يحمل عليه أو بغل.
[ ٨٤ ]
وإنك لترى الضرورة الواقعة وقد فعلت في القوم الشيء وضده، وذلك بقضاء الله العالم بخفي الأمور: فترى الرجل أخا النشاط والمرح قد حمل على ظهره الأوق المثقل، فصار يهدج هداج الشيخ ويدلف دليف الهم الكبير. وترى الآخر الذي كان يمشي هونًا على الأرض وقد استعجله عن السجية الخوف فأرغب الشحوة واجتهد في التوقص، فيكون مثله ومثل الذي قبله، مثل " امريء القيس " و" طرفة " وقد حملت الضرورة " الكندي " على أن يسكن الباء في قوله:
فاليومَ أَشربْ غيرَ مُستَحقبٍ إِثمًا من اللهِ ولا واغِلِ
هكذا أنشده " سيبويه " وقد خولف في هذه الرواية.
وحملت الضرورة " البكرى " على أن حرك الباء في قوله:
اِضرِبَ عنك الهموم طارِقَها ضربَك بالسَّوْطِ قَوْنَسَ الفرس
والبصريون يرون أنه أراد النون الخفيفة فحذفها وبقيت الحركة. وكان " الفراء " يذهب إلى أنه لما تتابع متحركات أربع كل واحد منها بعده ساكن، حسن في نفس الشاعر أن يحرك بعض السواكن. وهذا قول حسن لأن أعدل الكلام عندهم متحركان بعدهما ساكن، أو ساكن بين متحركين.
وإنك لترى الرجل من يهود، وهم أهل لين وضعف، يظهر التشدد والتجلد على ما نزل فيخرج به ما فعل عن الطبع، ويكون مثله مثل الحرف الذي يقع به التشديد في الوقف ثم يستعمل كذلك في الوصل فينكره السمع وتنفر منه الغريزة، كما قال " هميان بن قحافة " وذكر الثور الوحشي:
والقَطْرُ عن مَتْنيه مُرْمَعِلُّ وهوَ إِلى الأَرطاةِ مُستَظِلُّ
يقولُ: أَصبِحْ ليلُ، لو يَفْعَلُّ حتى إِذا الصبحُ بدا الأَشعَلُّ
ظلَّ كَسَيْفٍ شافَه الصَّيقلُّ
ألا ترى إلى لام: الأشعل، والصيقل، ويفعل، كيف خرجت بالتشديد عن حال العرفان؟ ويهود لا بد لها من لين. ومثلها مثل الأشعار التي لا تخلو أواخرها من الحروف اللينة، وإنما ألزمت ذلك لأنه أحسن بها عند السماع وأسلم لها في اللفظ. وهي تنقسم قسمين: منها ما يلزمه مع اللين التقييد، ومنها ما يكون مطلقًا. فالمقيد مع اللين مثل قول " طرفة ":
مَن عائدِي الليلةَ أَمْ من نصيحْ بِتُّ بِهَمٍّ ففؤادي قريحْ
ومثل قول " ربيعة بن مكدم ":
شُدِّي عليَّ العصْبَ أُمَّ سَيَّارْ فقد رُزِيتُ فارسًا كالدينارْ
ولا ينكسر لزوم اللين هذا الوزن بقول الراجز:
أَسْبِلْنَ أَذيالَ الحِقِيِّ وارْبَعْنْ
مَشيَ حَيِيَّاتٍ كأَنْ لم يَفزعْنْ
إِن يُمنَعِ اليومَ نِساءٌ تُمنَعْن
لأنه محسوب من الشواذ، وإنما كلامنا على ما يكثر ويتعارف.
والأوزان التي يلزمها اللين والتقييد تسعة عند " الخليل " وعشرة في قول " سعيد بن مسعدة " ولا أذكرها فأطيل.
والمنطلق الذي يلزمه اللين - وهو الألف أو الياء المكسور ما قبلها، والواو المضموم ما قبلها - مثل قول " أبي خراش ":
لَعَمْرِي لقد راعتْ أُمَيْمَةَ طَلْعَتي وإِن ثوائِي عندها لَقلِيلُ
ومثل قول الآخر:
الخَيْرُ ما طلعتْ شَمْسٌ وما غَرَبَتْ مُعَلَّقٌ بِنواصِي الخَيْلِ مَعصوبُ
ومثل قول الآخر:
هَلاَّ سَأَلتَ بِرَامَةَ الأَطلالا ولقد سألتَ فمَا أَحَرْن سُؤالًا
فهذه أوزان لا بد في أواخرها من أحد حروف اللين. وقد ذكر " سيبويه " في الإدغام قول الشاعر:
وما كلُّ مُؤتٍ نُصحَه بِلَبيبِ
وذكر أن اللين له لازم. ودل كلامه على أنه لا يجوز أن يستعمل في هذا الوزن قبل الروي ياء مفتوح ما قبلها ولا واو كذلك. وقد ذكر " حبيب بن أوس " في الحماسة أبياتًا على هذا الوزن وقبل رويها ياء مفتوح ما قبلها، وأولها:
لَعَمْرُكَ ما أَخْزَى إِذا ما سببتني إِذا لم تَقُلْ بُطْلًا عليَّ ولا مَيْنَا
ويروي: نسبتني: والأبيات معروفة. وهذا خلاف ما أصله " سيبويه " إلا أن قوله يحمل على ما كثر وعرف، لا على ما قل وندر. والياء والواو إذا انفتح ما قلهما ففيهما بعض اللين وإن لم يكمل مثل كماله في: عود، وعيد. وهذا الوزن الذي زعم " سبيويه " أنه لا يفارقه اللين، لا يوجد في شعر العرب إلا على ما قال، ولو فارقه اللين لضعف وقبح، كما ضعف قول " امريء القيس ":
[ ٨٥ ]
ولقد رَحَلْتُ العِيسَ ثم زجرْتُها وَهْنًا وقلتُ عليكِ خَير مَعَدِّ
وعليكِ سَعدَ بنَ الضِّبابِ فَسَمِّحي سَيرًا إِلى سَعْدٍ عليكِ بِسَعْدِ
أفلا تسمع هذه القافية كيف ضعفت لفقد اللين؟ فأما الذي يلزمه مع الردف التقييد فقد يجيء مما قبل واوه ويائه وهو مفتوح، وذلك فيه أكثر منه في المطلق. قال الشاعر:
يا رُبَّ مَنْ يُبغضُ أَذْوادَنا رُحْنَ على بغضائِه واغتديْنْ
لو يُصبِحُ المَرعَى على أَنفِه لَرُحْنَ منه أُصُلًا قد أَنينْ
وقال الراجز:
ما لَكَ لا تَنْبَحُ يا كَلْبَ الدَّومْ بعد هدوءِ الحيِّ أَصواتَ القَوْمْ
قد كنتَ نبَّاحًا فما لَكَ اليَوْم
فمثل يهود مثل هذه القوافي لا يحسن بها فقد اللين.
وتختلف آراء الناس في هذه الجولة ويغرها من الجولات، ويكون اختلافها متباينًا كاختلاف العرب في النشيد: فالمقيم منهم مثله مثل الذي يقف على البيت المطلق إذا أنشده بالسكون، فيقول:
أَقِلِّي اللَّومَ عاذِلَ والعِتابْ وقولي إِن أَصَبْتُ لقد أَصابْ
والذي يفر إلى مظنة الأمن، مثله مثل الذي يثبت الألف للترنم فيقول: العتابا، وأصابا؛ وهو الذي فعل ما يجب. ومن رحل إلى موضع لا يأمن فيه، فمثله مثل من ينون القوافي في غير موضع التنوين، فيقول: العتابن، وأصابن.
وإنك لتشاهد في القوم الجالين رجلًا فيه أيد وقوة وقد نظر إلى رجل ضعيف وعليه أوق ثقيل فيقول: أعطني أوقك أخفف عنك! فربما حمله عنه الساعة أو الساعتين، فإن كان المنقول إليه الثقل متقدمًا فمثله مثل الحرف الذي يكون قبل الحرف الموقوف عليه فتنقل إليه حركته، كما قال " جرير بن عبد الله البجلي ":
أَنا جريرٌ كُنْيَتي أَبو عَمِرْ أَجُبنًا وغيْرةً خلفَ السَّتِرْ
قد نصرَ اللهُ وسَعْدٌ في القَصِرْ
وقال آخر يوم فتح مكة من حزب الكفار:
قد علِمتْ بيضاءُ من بني فِهِرْ نقِيةُ الوجهِ نقية الصَّدِرْ
لأَضربنَّ اليومَ عن أَبي صَخِرْ
فهذا يستعلمونه في الوقف وليس بضرورة. فإذا أطلقوا حسب من الضرورات كما قال " أوس بن حجر ":
أَبَنِي لُبَيْنَى لَستُمُ بِيَدٍ إِلا يدًا ليست لها عضُدُ
أَبني لُبَينى إِن أُمَّكمُ أَمَةٌ وإِن أَباكمُ عَبُدُ
يريد: إن أباكم عبد، فحرك الباء بحركة الدال كأنه يريد الوقف ثم أطلق وبقيت الباء على الضم.
وإن كان الذي ينتقل إليه العبء متأخرًا في الرفقة، فمثله مثل الحرف الذي تأتي حركته على ما بعده، كما قال رجل من أهل السراة:
أَلاَ رُبَّ مَوْلودٍ وليسَ له أَبٌ وذي وَلَدٍ لم يَلْدِه أَبَوانِ
يعني آدم والمسيح صلى الله عليهما. وكما قال الآخر:
فواللهِ لولا بغضُكم ما تركتكم ولكنني لم أَجْدِ من بُغضِكم بُدَّا
فسيبويه يرى في قوله: " لم يلده أبوان " أنه مفتوح الدال، وأنهم لما سكنوا اللام وهي مكسورة فرارًا من الكسر، لم يكونوا ليكسروا الدال، والفتحة عنده لالتقاء الساكنين ولإتباع الفتح الفتح في ياء: يلده.
ومن أجاز الكسر في: لم يلده، فإنه يحمله على أحد وجهين: التقاء الساكنين، أو نقل حركة اللام إلى الدال. وهذا الوجه الذي يصح عليه التشبيه المقصود في هذا الموضع من نقل العبء عن المتقدم إلى المتأخر. وإنما قلت ذلك لأن الحركة ثقل على الحرف. وقد قال بعض الناس في قول " عامر بن جوين ":
فلم أَرَ مثلَها خُبَاسةَ واحدٍ ونَهنَهتُ نفسِي بعدما كِدتُ أَفْعلَهْ
أنه نقل حركة هاء التأنيث إلى اللام. فأما " سيبويه " فدل كلامه على أنه أراد: أن. ويقال: بل أراد النون الخفيفة. وإذا صح مذهب من يزعم أن حركة هاء التأنيث تنقل إلى ما قبلها في الوقف - وهي عندهم لغة لخمية - فهي مثل لرجل طرح ثقل نفسه وحمل ثقل غيره. وقد يتصرف ذلك على الحمد والذم، فإذا حمل على التضييع فهو مذموم كما قال القائل:
كتارِكَةٍ أبَيْضَها بالعراءِ ومُلْبِسَةٍ بَيْضَ أُخرى جَنَاحَا
وإذا حمل على الإيثار فهو محمود، كما قال " عروة بن الورد ":
[ ٨٦ ]
أَقسِّمُ نفسي في جُسومٍ كثيرةٍ وأَحْسو قَرَاحَ الماءِ والماءُ باردُ
ومن هذه اللغة اللخمية قول الشاعر:
فإِني قد رأَيتُ بأَرضِ قومي حوادثَ كنتُ في لَخمٍ أَخافَهْ
ينشد بفتح الفاء. وكذلك قول الراجز:
ليسَ لواحدٍ عليَّ نِعْمَهْ
لا ولا اثنَيْنِ ولا أَهمَّهْ
يريد: ولا أهمها. حكاه " المفجع " في حد الإعراب.
وإنك لترى في الظاعنين شهلة من النساء وهي على أحد بنات صعدة وحمله من تحت متشاول كأنه قول " زهير ":
ولَنِعْمَ حشوُ الدِّرْعِ أَنتَ إِذا نَهِلتْ من العَلَقِ الرماحُ وعَلَّتِ
والشطر الثاني زائد على الشطر الأول بثلاثة أحرف. وكذلك قول الآخر:
ولقد هدَيتُ الركْبَ في دَيْمومَةٍ فيها الدليلُ يَعَضُّ بالخَمْسِ
فهذا زيادته في شطره الأول، وهي ثلاثة أحرف.
ولا تزال تلك الراكبة في ويل وأليل واستغاثة بالمكارين، فهل يعرف كريها قول " عذافر بن أوس الكندي ":
يا ليتَ أَني لم أَكنْ كَرِيَّا
ولمْ أَسُقْ بِشَعْفَرَ المَطِيَّا
بَصْرِيَّةٌ تزوجتْ بَصريا
يُطعِمُها المالِحَ والطرِيَّا
وربما رأيت السبروت الضعيف وقد حمل أربعة من أولاده في مكتلين أو سفيحين وجعلهم على حمار وان، وإن تلك لأعجوبة عند البهائم.
ومثلهم مثل أربعة أحرف متحركات جمع بينهن في الشعر فشهرن واستثقلن كما قال " ابن ميادة ":
لَه الفِعالُ وله الوالدُ الأك بَرُ فالأَكبَرُ فالأَكبَرُ
فلام الفعال، والواو بعدها، واللام والهاء: كلهن متحركات. أفلا ترى كيف ثقل بهن الوزن؟ وكذلك قول " الهذلي ":
فَسَمِعَتْ نَبْأَةً منه وأَرْسَلَها زُرْقَ العُيونِ على أَعناقِها القِدَدُ
فأما المحمل فربما اجتمع فيه ستة من العيلة، وليس لذلك مثل في المتحركات إذا اجتمعن في المنظوم، لأنه لا يزاد فيه على جمع بين أربعة أحرف متحركة، فأما النثر فيجمع الناطق فيه بين متحركات كثيرة لأنه يقدر أن يقول: ضرب وفعل وصنع.. إلى أن ينقضي النفس.
وأكثر ما اجتمع في كتاب الله " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " وجل من الحروف المتحركة ثمانية، وذلك في موضعين من سورة يوسف: أحدهما قوله تعالى: " أني رأيت أحد عشر كوكبًا ".
فبين واو كوكب وياء رأيت، ثمانية أحرف كلهن متحرك.
والموضع الآخر قوله " تعالى ": " حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ".
على قراءة من حرك الياء في: لي، وأبي.
ومثل هذين الموضعين قوله تعالى: " سنشد عضدك بأخيك ".
" والغرض من هذا، مالا ياء فيه تتحمل الحركة والسكون ".
وربما عاينت المرأة الراكبة أو الماشية وعلى كتفها أو في حجرها صغير مثل التولب، وقد أخذه منها أبوه فتقدمها بالخطوات، وفصل بينها وبينه سواه، فهي تنظر إلى ولدها نظر شفيق لا تصل إليه. وهو ينظر إليها نظر فقير إلى ما في الثدي. فمثلهما مثل المضاف والمضاف إليه يفصل بينهما بالظرف والمصدر، وكل واحد منهما شديد الحاجة إلى صاحبه، كما قال " ابن قميئة ":
لَمَّا رأَتْ ساتِيدَما استَعْبرتْ للهِ دَرُّ اليومَ مَنْ لاَمَها
تقديره: لله در من لامها اليوم. وقال آخر:
فَرِشْنِي بِخَيرٍ لا أَكونَنْ ومدْحَتِي كنَاحِتِ يومًا صَخرةٍ بِعَسِيلِ
يريد: كناحت صخرة يومًا. والعسيل ريشة العطار.
فإن بعد بالطفل أبوه حتى تكثر الفواصل بينه وبين أمه، فمثلهما كمثل قول " ذي الرمة ":
كأَنَّ أَصْواتَ مِن إِيغالِهنَّ بنا أَوَاخرِ المَيْسِ أَصواتُ الفراريجِ
فرق بين أصوات، وبين أواخر الميس بقوله: من إيغالهن بنا.
وهذا أكثر من الفرق الأول وأشق.
وقد تكون الوالدة من المسرفات في الإلاحة وسوء الظنة، فيشفها أن تفارق ولدها وإن كان بإزائها على كتف أبيه أو أخيه، فمثلهما مثل الباء الخافضة يفرق بينها وبين المخفوض وهي كأنها متصلة به لأنها حرف واحد لا يقوم بنفسه. وذلك قليل رديء. وقد روى بيت للفرزدق:
وإِني لأَطْوِي الكَشْحَ مِنْ دُونِ ما انطوَى وأَقطعُ بالخَرْقِ الهَبُوعِ المُرَاجِمِ
[ ٨٧ ]
يريد: وأقطع بالهبوع المراجم الخرق. وهذا قبيح معدوم. وقد كان " الفرزدق " يتبع شواذ القول ويجيء بكلامه على سوء النظم.
وأما أتباع الناس في هذه الروعة وغيرها من الروعات فإنهم على ضربين: أحدهما تابع قديم قد لزم أمره فصار كأنه من صميم القوم فمثله مثل همزة أحمر وإثمد وإصبع، تثبت ثبات غيرها من الأصلية.
والضرب الآخر حدث مع الضرورة، وهو على أنواع: منه ما زيد للحاجة إليه فعرف مكان زيادته وثقل على الناهض بشئونه. فمثله مثل ألف الاستفهام وواو العطف وفائه وغيرها من الحروف الفاردة تزاد على الأبيات التامة وهي غنية عنها، ليعلم أنها استفهام أو معطوفة على ما قبلها من الأبيات. وقد حكى " محمد بن يزيد المبرد " في كتاب التعازي أن بعض الرواة ينشد قول " الخنساء " بزيادة آلف الاستفهام، يعني قولها:
أَقَذًى بِعيْنِك أَم بالعَيْنِ عُوَّارُ أَم ذَرفَتْ أَنْ خَلَتْ من أَهْلها الدارُ
والبغداديون الآن ينشدون كثيرًا من أبيات قفا نبك التي في أوائلها: كأن، بزيادة واو العطف، وهو شيء أخذوه عن الشيوخ الماضين، فيقولون:
وكأَنَّ دِماءَ الهادياتِ بِنَحْره
وكأَنَّ ذُرَا رأْسِ المجَيْمِرِ غُدْوَةً
ولا أستحسن ذلك، ولا أزعم أنه يفعله إلا قوم لا يحفلون بإقامة الوزن. وقد حكى أنهم ربما خزموا بالحرفين مثل: هل، وبل. وقد ادعى على " طرفة " أنه خزم النصف الأول والثاني فقال في قصيدته التي أولها:
أَشجاكَ الرَّبْعُ أَم قِدَمُهْ أَمْ رَمادٌ دارِسٌ حُمَمُه
هل تذكرون إِذ نُقَتِّلُكمْ إِذ لا يضرُّ مُعدِمًا عَدمُهْ
فخزم الأول بهل، والثاني بإذ، وإنما تقويم الوزن أن يقال:
تذكرون إِذ نُقَتِّلُكُمْ لا يضُرُّ مُعدِمًا عَدمُهْ
وكذلك ينشده البغداديون اليوم، والرواية الأخرى معروفة. وقال ذكرت عن " ابن الأعرابي " في قصته مع " الحسين بن الضحاك الخليع " ومن أتباع الناس ما يلحق للضرورة إلا أن الحاجة إليه أدعى منه إلى ما تقدم ذكره، فيكون مثله مثل الواو والياء والألف يزدن لإقامة الوزن، كما قال الراجز:
لو أَنَّ عِندي مائِتي دِرْهَامِ
لاَبْتعْتُ دارًا في بني حَرامِ
وعِشتُ عَيْشَ الملِكِ الهُمامِ
وسِرْتُ في الأَرْضِ بِلا خاتامِ
فهذا زاد الألف. وقال آخر فزاد الواو:
خَوْدٌ أَناةٌ كالمَهاةِ عُطْبُولْ
كأَنما رِيقَتُها القَرَنْفُول
وأما قولهم: أنظور، يريدون: أنظر، فيقال إنها لغة لطيء. قال الشاعر:
اللهُ يَعلمُ أَنا في تَحمُّلِنا يومَ الرحيلِ إِلى أَحبابِنا صُورُ
وأَنني أَيْنما يَثْنِي الهَوَى عُنُقِي مِنْ حيثما يمَّمُوا أَدنو فأَنْظُورُ
وأما قول " الوليد بن يزيد ":
إِني سَمِعتُ بلَيْلٍ نحوَ الرُّصَافةِ رَنَّهْ
خرجتُ أَسحَبُ ذَيْلي أنظورُ ما شانُهنَّه
إِذا بناتُ هِشامٍ يَندُبْنَ سَيِّدَهُنَّه
يَندبْنَ شيخًا كريمًا قد كان يُكرِمِهُنَّه
فإنه في كتاب " إسحاق بن إبراهيم ": أنظر ما شأنهنه، بغير واو. فإن صحت الرواية فهو كسر على رأي " الخليل " ولن يخفي قبحه في الغريزة. وإن أنشد بالواو على اللغة الطائية فالوزن صحيح. وقد زادوا الياء في: سواعيد، وأزاميل، قال " التغلبي ":
وسَواعيدَ يُخْتَلَيْنَ اختِلاءً كالمَغَالِي يَطِرْنَ كلَّ مَطيرٍ
وقال " الهذلي ":
ولِلقِسِيِّ أَزاميلٌ وغَمْغمةٌ حِسَّ الشَّمالِ تَسوقُ الماءَ والبَرَدا
وعض الناس يكون له تابع يستزيده في حال الإقامة، فإذا حان الظعن فارقه. فمثله مثل الحرف الموقوف عليه يشدد فإذا زال الوقف ترك التشديد.
فيقولون: الطول، والأفكل. فإذا وصلوا الكلام لم يشددوا. وإن أجروه في الوصل على ما هو عليه في الوقف، فتلك عندهم ضرورة. كما قال الراجز:
مُهْرَ أَبي الحَبْحابِ لا تُشَلِّي بارَكَ فيكَ اللهُ من ذي أَلِّ
ومن مُوَصًّى لم يَدَعْ قِيلًا لي إِذ أَخذَ القلوبَ كالإِفكلِّ
خَوارِجًا من لَغَطِ القَسْطلِّ
[ ٨٨ ]
وربما كان التابع أشد لزومًا من هذا النوع فيلغي عند الضرورة - ولا يثبت سوى الصميم. فمثله مثل الواو والياء اللاحقتين هاء الإضمار في مثل قولك: له، وبه. يحذفان عند الضرورة فربما بقيت الحركة وربما ألغيت، كما قال " الهمداني ":
ولا يَسأَلُ الجارُ الغريبُ إِذا شَتَا بما زخَرَتْ قِدْري به يومَ ودَّعا
فإِنْ يَكُ غَثًّا أَو سَمِينًا فإِنني سأَجعلُ عينيه لنفسِهْ مَقْنَعا
وقال آخر:
أَنا ابنُ كلابٍ وابنُ قَيْسٍ فمَنْ يَكُنْ قناعُه مُغطِيًا فإِنيَ مُجْتَلَى
أَنْحَى عليَّ الدهرُ كفًّا ويَدَا أَقسمَ لا يُصلِحُ إِلا أَفْسَدَا
يُصْلِحُه اليومَ ويُفسِدُهْ غدَا
وقال رجل من أهل السراة:
فبِتُّ لدى البيتِ العتيقِ أُخِيلُه ومِطْوَايَ مُشتاقانِ لهْ أَرِقانِ
ويدخل في هذا الجنس حذف التنوين، كما قال:
كفاني ما خشِيتُ أَبو فِراسٍ ومثلُ أَبي فراسِ كفى وزادا
والضرورة تحمل الرجل على أن يفارق من الأتباع من هو إليه محتاج مفتقر، إلا أنه عند الشدة يقتصر على اللوازم، كما قال " العبدي ":
وسائلةٍ بِثعلبةَ بنِ سَيْرٍ وقد علِقتْ بثعلبةَ العَلُوقُ
يريد: بثعلبة بن سيار، فرده من: فعال وهو اسم فاعل، إلى: فعل، وهو مصدر.
وما أجدرك أن ترى في نهج الصرمان وغيرها من المذارع الشرقية ثلاثة يتعاقبون حمارًا ضعيفًا كأنهم الحركات الثلاث المتعاورات آخر الأسماء، يدخلن على دم وإن قصر، كما يدخلن على سفرجل وإن طال؛ أو كأنهم الحركتان والسكون أو الحركتان والحذف الطارئ على الأفعال المعربة! وما يفتأ في الجالية - سلمهم الله - فكأنهما الحركتان المعاقبتان في آخر ما لا ينصرف، أو كأنهما الحرفان المتعاقبان في زحاف الشعر إذا سقط أحدهما ثبت الآخر، ويجوز أن يثبتا جميعًا ولا يجوز أن يجتمع فيهما السقوط. وهذان الرجلان ربما حملهما الأين على أن يركبا البهيمة معًا.
إلا أن ثبات الحرفين في الشعر حسن وركوب هذين الراكبين ظهر البهيمة قبيح. ومثل ثبات الحرفين قول " امريء القيس ":
ألا رُبَّ يومٍ صَالِحٍ لك منهن صالحٍ ولا سيما يومٌ بدَارةِ حُلْجُل
ألا ترى أنه في الغريزة مستقيم؟ وإذا سقط أحد الحرفين أنكرته الحاسة كما أنشده بعض الرواة:
أَلا رُبَّ يَومٍ لكَ منهنَّ صالحٍ
فهذا يبين زحافة في الحس، وهو سقوط السابع من الجزء السباعي.
ومعاقبه الخامس الذي بينه وبينه حرف متحرك، وقد سقط الخامس في قوله:
إِذا قامتا تضوَّعَ المِسْكُ منهما نسيمَ الصَّبَا جاءَت بِرَيَّا القرنفُلِ
فموضع الحرف الساقط، بين التاء والضاد من: تضوع.
ويجوز أن تلقي الراكبين، هذا يركب مرة وهذايركب مرة ولا يجتمعان ألبتة على الركوب. فيكون مثلهما مثل الحرفين المتراقبين في الشعر: يجوز أن يسقطا على الانفراد، ولا يجتمعان في السقوط ولا في الثبات. وإنما شبهتهما بالنجمين المراقبين إذا طلع أحدهما في المشرق سقط الآخر في المغرب، وذلك في نجوم الأنواء الثمانية والعشرين التي ينزلها القمر.
ورقيب النجم هو الخامس عشر في العدد. قال الشاعر:
أَحَقًّا عِبادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ لاقِيًا بُثينةَ أَو يَلْقَى الثريَّا رقيبُها
أي أنهما لا يلتقيان أبدًا.
والذي يضيفه الإنسان إلى نفسه من الناس في هذه الشدائد، تكون إضافته غير محضة، بل هي في نية الانفصال، مثل إضافة اسم الفاعل إذا كان في الحال أو في الاستقبال: يضاف وهو في نية التنوين، ألا ترى أنه لا يتعرف بتلك الإضافة؟ وفي الكتاب العزيز: " هذا عارض ممطرنا " أي ممطر لنا.
وقال " جرير ":
يا رُبَّ غابطِنا لو كان يطلبُكم لاقَى مُباعدةً منكم وحِرْمانا
ولو كان لهؤلاء القوم الظاعنين فارس مثل " العرني " وفرس كالعرادة، لأخذ لهم الخفر من " حلب حرسها الله " في الوقت الذي ليس بمتطاول، فإن الأخبار تختلف عند البيان: فبعضها يتبين في اليوم الأول، فمثله مثل المعنى الذي يتبين في البيت الواحد، كقول " زهير ":
تَحمَّلَ أَهلُها منها فبانوا على آثارِ مَن ذهبَ العَفَاءُ
[ ٨٩ ]
وبعضها لا يتبين إلا في اليوم الثاني، فمثله مثل المعنى المستودع في البيتين، كما قال " زهير ":
تاللهِ قد علمتْ سراةُ بني ذبيانَ عامَ الجَدْبِ والأَصْرِ
أَنْ نِعْمَ مُعتَركُ الجياع إِذا حُبَّ الطعامُ وسابىءُ الخَمْرِ
وبعض الأخبار لا يتبين إلا بعد أيام يقل عددها أو يكثر، فمثله مثل المعنى الذي يبدأ به في البيت ثم لا يعرف تمامه إلا بعد أبيات، كما قال " سحيم ":
فمَا بيضةٌ باتَ الظَليمُ يَحُفُّها ويَرفَعُ عنها جُؤجؤًا مُتجافِيا
ويَجعلُها بينَ الجناحِ ودَفِّهِ ويُلْحِفُها وَحْفًا من الرِيشِ وافيا
ويرفعُ عنا وهي بيضاءُ طَلَّةٌ وقد وافقتْ فَرعًا من الشمسِ ضاحيا
بأَحسنَ منها يومَ قالت أَرائِحٌ مع الركبِ أَم ثاوٍ لدينا لَيالِيَا
ألا ترى أن المعنى لم يكمل إلا في البيت الرابع؟ وقد أنعم الله على هذه الرفقة الراحلة بأمنها من العرب، بتدبير " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - لأن الله سبحانه أدال به الرعية ونقلها مما كانت فيه، فكان مثلها مثل لام التعريف، لما رآها الله تعالت قدرته تدغم في ثلاثة عشرة حرفًا من حروف المعجم على لغة أهل الحجاز والعالية وكل ساكن في أرض العرب إلا من شاء الله، قيض لها قومًا من اليمن من حمير، يجعلونها ميمًا فلا تدغم في شيء من الحروف، كما لا تدغم فيها الميم والحروف التي تدغم فيها لام التعريف تنقسم في ترتيب حروف المعجم ثلاثة أقسام، فالقسم الأول حرفان متواليان وهما الثالث من حروف المعجم والرابع، وذلك: التاء والثاء - والثاني: عشرة أحرف متواليات أولها الدال على ترتيب حروف المعجم وآخرها الظاء. والثالث: حرف فارد تدغم فيه اللام وهو النون. وأما لغة حمير في تصييرهم لام المعرفة ميمًا، فقد جاءت في الحديث المأثور عنه ﷺ، وذلك أنه قال: " ليس من امبر امصيام في امسفر " ودخل " أبو هريرة " على " عثمان " وهو محصور فقال: " طاب امضرب " يريد: طاب الضرب. وأنشد " أبو عبيد القاسم بن سلام ":
ذاكَ خَليلي، وذو يُناصِحني يَرمي ورائي بامْسَهمِ وَامْسَلْمَه
يريد: بالسهم والسلمة. وأنشد غيره لبعض شعراء اليمن:
سَبَتْنِي حِبَّتِي رُهْمُ بوَجْهٍ مِثلِ ذي امْشرْق
وفرعٍ مثلِ عنَّابٍ وفَرْقٍ أَيما فَرْقِ
إِذا تَمشِي تِدفَّاعًا كَمشي امْفحلِ ذي امْوَسْقِ
أَلا يا لَيْتَها لُدْغَتْ وأُدْعَى كِيمَ ذي أَرقِي
أراد: الشرق، والفحل " ذا " الوسق. وأراد بلدغت: لدغت، فسكن على لغة ربيعة، كما قال:
دَبْرتْ صَفْحتاه وكاهِلُه
وكأنك بالرجل من هؤلاء إذا سار الفرسخ أو الفرسخين، وضع ما حمله في دار المضيعة في بعض القريات ثم رجع يفتقد منزله وقد خبأ في جب له مالا يمكنه أن يحمله من القربشوش مثل إكاف حمار متكسر، وتابوت قدم. عليه العهد فتزايل، وجوالق فيه عفص أو نحو ذلك؛ وظن أنه قد أحرزه وهو ينادي على نفسه بأثر الطمر والحفر، لو دخل إليه من في عينيه الهدبد والسمادير أو الجذل أو الجثر والظفرة أو الجدجد والقمع، لم يخف عليه مكانه. فمثله مثل المضمر على شريطة التفسير لا يخفى مكانه على السامعين كما قالوا: نعم رجلًا زيد. ألا ترى أن في: نعم، ضميرًا قد فسره قولك: رجلًا؟ وكذلك هذه الآية: " إنه من يأت ربه مجرمًا " فالهاء في: إنه. قد فسرتها الجملة التي بعدها.
[ ٩٠ ]
فليشكر أهل هذه البلاد ربهم عزت كلمته، ثم السيد " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - كما أصلح أمورهم مع العرب، فسلكوا في واد وجبل وهم آمنون، وأن الله سبحانه رحمهم فلم يجمع عليهم خوفين: خوف العرب وخوف الروم، كما لم يجمع على الحرف الواحد من السماء والأفعال علة العين واللام في حال واحدة، ولكن إن اعتلت اللام صحت العين، وإن اعتلت العين فاللام صحيحة لا محالة. ألا ترى أن اللام لما اعتلت في حياة نواة صحت العين لا غير، وأن العين لما اعتلت في غاية وراية جاءت اللام صحيحة؟ فأما شاء فعينه معتلة ولامه صحيحة، لأنها إما همزة أصلية غير مبدلة وإما مبدلة من الياء. وكذلك قولهم: شوى وعوى، لما اعتلت اللام لم يكن بد من صحو العين. على أن ابن آدم قد يخالف اللفظ في هذه الرتبة فتجتمع فيه العلل الكثيرة، ومثله في ذلك مثل البيت من الموزون يجوز أن يجتمع فيه زحاف وخرم وحذف ملازم وضرورة شعر مع ذلك. وقد روى أن " عطاء بن أبي رباح المكي " كان أعور أشل أعرج، ثم عمى وأقعد.
ولزعيم الروم أوقات تكون مظنة لنهوده إلى هذه الناحية، منها وقت الخريف إذا استقبل الشتاء وبعدت البادية عن هذه الأرض، فمثله مثل الترخيم يوجد في النداء دون غيره فإذا جاء في غير النداء فإنما تلك ضرورة، كما قال:
إِنَّ ابنَ حَارِثَ إِن أَشْتَقْ لِرؤيتهِ أَو أَمتَدِحْه فإِن الناسَ قد عَلِموا
وكما قال الآخر:
ولَيْلةٍ صَرِيمُها كالخَزِّ أَدْلجتُها من أَجلِ أمِّ عَزِّ
وأمُّ عَزٍّ من عَتِيق البزِّ
يريد: أم عزة.
وقد خرج زعيم الروم سنة خمس وثمانين في إبان الربيع، وإنما حملته على ذلك ضرورة دعت إليه، لأن من كان بحلب، حرسها الله، استدعاه لينصره على محاصريه. والسيد " عزيز الدولة أعز الله نصره " مع من حارب كما قال " ابن عنمة ":
إِنْ تَسأَلوا الحَقَّ نُعْطِ الحقَّ سائلَه والدِرْعُ مُحْقَبَةٌ والسيفُ مقروبُ
وأخلق بعدوه أن يكون كأبي أروى لما قال فيه القائل:
ودَاعٍ دَعاهُ البغيُ والحَيْنُ كَاسْمِه ولِلحَيْنِ أَحداثٌ تَصدُّ عن الحزم
دَعَوْتُ أَبا أَروى إِلى الرأْي كي يَرى برأْيٍ أَصيلٍ أَو يَعودَ إِلى حِلْم
أَتاني يَشُبُّ الحربَ بيني وبينه فقلت له لا بلْ هَلُمَّ إِلى السَّلمِ
وإِياكَ والحربَ التي لا أَدِيمُها صحيحٌ، وقد تُعدِي الصِّحاحَ من السُّقم
فإِن ظَفِرَ القومُ الذي أَنتَ فيهمُ وآبُوا بِفَضلٍ من سِبَاءٍ ومنْ غُنمِ
فلا بُدَّ من قَتْلَى لعلكَ مِنهمُ وإِلاَّ فجُرْحٌ لا يَحِنُّ على العَظمِ
ولمَّا رَمَى شخْصِي رميتُ سوادَه ولا بُدَّ أَنء يُرمَى سوادُ الذي يَرمِي
فكانَ صريعَ الخَيْلِ أَوَّلَ وَهْلةٍ فأَهوِنْ به مُختارَ جَهْلٍ على عِلْمِ
وأهل ملته يزعمون أنه لو خرج لم ينصرف. وكذبوا، لو خرج لصغره السيد " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - فانصرف. وإنما عنيت صغره، من الصغار. ألا ترى أن عمر وقثم وزفر، إذا صغرن انصرفن، وكذلك مساجد إذا كان اسم رجل ثم صغر فإنه ينصرف؟ فهذا حكم في انصراف الطاغية، وقد ينصرف بالضرورة، كما قال:
ضواربَ بالأَيدي وراءَ بَراغِزٍ صِغارٍ كآرامِ الصريمِ الخواذِلِ
ولأهل هذه المحلة عادة إذا خرج زعيم الروم، أن تنزل طائفة منهم عظيمة بالضيعة المعروفة ب " تل منس " ولا ريب أنهم يجرون في هذه التارة مجراهم في القديم. وليس من فعل ذلك منهم بالمصيب: إن كان ما بلغهم من هذا الخبر حقًا فقد رموا بحرائبهم في نحر العدو، وإن كان كذبًا فقد أخلوا الأوطان ولم يحلوا بأماكن الأحرار.
يا هَيَّما يا هَيَّما يا هَيَّما بِتْنَ مُنَاخاتٍ وبتْنَا نُيَّما
ولو سَرَوا يا مَيُّ كان أَحْزَمَا
[ ٩١ ]
والذي يمنع جالية هذا البلد من البعد في الأرض، هو قلة النفقة وكثرة العيال. والدراهم مثلها مثل حروف العطف تجعل الشيء في حكم الشيء حتى يصيرا مجتمعين في المعنى الواحد. وكذلك الرجل إذا كان معه شيء استعان به قومًا فأعانوه على تسيير العيلة وحفظ الجهاز.
وكأني بالقسيس المقيم بمعرة النعمان قد خرج فنزل على القسيس المقيم بتل منس، فكان مثلهما مثل اللامين تدخل إحداهما على الأخرى عند الضرورة، كما أنشد " الفراء ":
لَدَدْتُهمُ النصيحةَ أَيَّ لَدِّ فمَجُّوا النُّصْحِ ثم ثَنَوا ففاءوا
فلا واللهِ لا يُرْجَى لِمَا بي ولا لِلِمَا بهم أَبدًا شفاءُ
وأنشد أيضًا:
فَلَئِنْ قومٌ أَصابوا عِزَّةً وأَصَبْنا من زمانٍ رَنَقَا
لَلَقَدْ كنا لَدَى أَرحُلِنا لِصَنيعينِ: لِبَأْسٍ وتُقَى
وربما تحول النصراني من بيته فسلمه إلى النصراني الآخر، فكان فيه رجل في معناه إلا أنه ليس به، فمثلهما مثل الضمة في منصور إذا رخمت في النداء على لغة من قال: يا حار، قلت: يا منص. أقيل بضمة الصاد ها هنا في لفظ الضمة إذا قلت: يا منصور؟ وليست هذه بتلك: لأن الضمة إذا أتممت أو رخمت على لغة من قال: يا حار، للبناء، والضمة إذا قلت: يا منص، على لغة من قال: يا حار، تجري مجرى ضمة الاسم العلم إذا قلت: يا زيد. طرأت إحدى الضمتين على الأخرى فزالت القديمة وبقيت الحادثة. ومثل ذلك ضمة القاف في قفل والجيم في جند، إذا رخمت فقلت: قفيل وجنيد، فالضمة في المصغر غير الضمة في المكبر لأن الضمة التي كانت قبل التصغير دخلت عليها الضمة اللازمة أو المصغرات فزالت الأولى وبقيت الثانية. ألا ترى أن كسرة جذع وفتحة عمرو تخلفهما الضمة إذا صغرت فقلت: عمير وجذيع؟ وكذلك فتحة جعفر في الواحد، هي غير الفتحة التي في أول الجمع المكسر إذا قلت: جعافر. ألا ترى أنك إذا جمعت درهما أو برقعا قلت: دراهم وبراقع، فخلفت الضمة والكسرة فتحة الجمع؟ فكذلك تخلف الفتحة الموجودة في الواحد.
وأحر بأن يظل رجل كان يؤم الناس في بعض المساجد قد حل في كنيسة يقيم فيها الصلوات ويتلو الفرقان، فيكون مثله مثل اللام التي خرجت عند الضرورة من قول " السموءل ":
لَيتَ شِعري؛ وأَشعرَنَّ، إِذا ما قرَّبوها منشورةً ودُعِيتُ
أَلىَ الفَضْلُ أَم عليَّ إِذا حُو سِبْتُ أَني على الحسابِ مُقيتُ
أراد: ولأشعرن، في أحد القولين. ودخلت في قول الراجز:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجوزٌ شَهْربَه ترضى من اللحمِ بعَظمِ الرقبَه
ويدرك الجالية فناء الزاد لأن الأمر نزل بهم بغتة، فترى من كان يأكل البر وقد أقوى فصار يأكل الشعير. فمثله مثل شاعر يقوى في القصيدة، يبتديء بها مرفوعة ثم يخفض. لأن الشعير دون البر في القيمة والمصلحة، وذلك مثل ما قال الشاعر:
فمَلَكْنا بذلك الناسَ حتى مَلَكَ المنذرُ بنُ ماءِ السماءِ
والشعير والبر جنس واحد في بعض أقوال الفقهاء. فعند من زعم ذلك ا، من اشترى قفيز بر بقفيزى شعير فقد رابى. وإلى هذا القول ذهب " مالك بن أنس " وقد روى عن " جعفر بن محمد ". فأشبه المتعوض من البر بالشعير من أكفأ في القوافي فجاء بالميم مع النون، والدال مع الطاء. أنشد " الجرمى " لا مرأة من خثعم هويت رجلًا يقال له " جحوش " والأبيات مختلف فيها ولمن هي، وبعضهم ينشد في أولها هذا البيت:
إِن كنتَ من أَهلِ الحجازِ فلا تَلِجْ وإِن كنتَ نجدِيًّا فَلِجْ بسلامِ
فلَيْتَ سِماكِيًّا يَحَارُ رَبابُه يُقَادُ إِلى أَهلِ الغَضا بزِمامِ
فيَشربَ منه جَحْوشٌ ويَشِيمُه بِعَيْنَي قَطامِيٍّ أَغرَّ يَمانِ
وقال الراجز:
بِتْنَا بحَسَّانَ ومِعْزاه تَئِطْ في لَبَنٍ منها وسَمْنٍ وأٌقِطْ
حتى إِذا جَنَّ الظلام واختلطْ أَمْهلنا حتى إِذا النجمُ سَقَطْ
جاءَ بضَيْحٍ هل رأَيت الذيبَ قط فاغتبق القومُ فلم يَبْقَ أحد
وقال آخر:
جاريةٌ من ضَبَّةَ بنِ أُدِّ كأَنَّ تحتَ دِرْعِها المُنْعَطِّ
[ ٩٢ ]
شطًّا رميتَ فوقَه بِشَطِّ
فإن اضطر الرجل فلم يجد شعيرًا يقيمه مقام البر فأكل عنجدًا أو فراسًا أو نحو ذلك. فمثله مثل من أكفأ فجاء بحرف لا يقارب الأول، كما أنشد " سعيد بن مسعدة ":
فقال لِخِلَّيْه ارْحَلاَ الرَّحْلَ إِنني بِعافِيةٍ والعاقياتُ تدُورُ
فبَيْنَاه يَشْرِي رَحْلَه قال قائلٌ لمَنْ جَمَلٌ رخْوُ المِلاَطِ نَجِيبُ
وتسمع تضاغي الأصيبية من فقد الأطعمة، ويصير من كانت له عادة بأن يوطيء في المطاعم، لا يصل إلى الوجبة إلا بعد المسألة والاحتيال.
وأوشك بالرجل من يهود أن يفتقر إلى الرجل من رهط المسيح. فإن كان المتهود حصيف العقل أرم وشغله ما هو فيه عما سلف من حديث الأنبياء، وأرى النصراني أنه غير حافل بدين التوراة. ولا آمره بمخالفة الدين ولكن أحثه على حسن العشرة وسياسة الأمور. فمثل هذا الرجل إذا افتقر إلى غيره فحل في منزله، مثل الحرف المدغم لقيه الحرف الآخر فانقلب الأول إلى حال الثاني. ألا ترى أنك لما أردت أن تدغم الخاء في الغين جعلت الخاء غينًا فقلت: اسلخ غنمك، فجعلت الخاء من اسلخ غينًا لمكان إدغامها في غين غنمك؟ وكذلك لام التعريف تصير مع الراء راء إذا قلت: الرجل، ومع الدال دالًا إذا قلت: الدر. وعلى هذا تجري حال المدغمات.
وإن كان صاحب يهود متهور الجول، أخذ في شيء من أحاديث الأولين فأبغضه النصراني وتذكر ما بينهما من الذحول، واعتقد فيه ما جاء في الكتاب الكريم: " قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفا صدورهم أكبر ".
ويبغي للحازم في الشدائد أن يكون مثل الهمزة، يخالق النفر بما يريدون ويسكت على ضمائر النفس فإنه لا يقضي المأربة باللسان. وليس في الحروف حرف أكثر مسامحة من الهمزة. ألا تراها إذا كانت ساكنة في مثل رأس وبؤس وذئب، فبلغت بها ما تستحقه من الهمز فهي كالحروف الصحاح، ويجوز أن تقول في القوافي: " رئم " مع سهم، و" سؤل " مع جمل، و" شأم " مع وخم؟ فإذا اتفق لها أن تصاحب في القوافي حروف اللين صارت ألفًا في شام، وياء في ريم، وواوًا في بوس وسول، فجرت مع: رام، وجول، وهيم؟ وهي في ذلك غير جارة للعيب، بل قد أدت حق الحروف الصحيحة في حسن العشرة، وتكلفت لحروف اللين ما ليس هو لها أصلًا في الحقيقة. قال الراجز:
لا تَقربَنَّ الشَّامَ إِنَّ الشأْمَا كان لِدُرَّاءِ العِراقِ وَخْمَا
فالهمزة في الشأم محققة لا يجوز فيها التخفيف بحال في هذا الموضع لأنها موازية لخاء وخم. وقال " جبيهاء الأشجعي ":
إِن المدينَة لا مَدِينةَ فالزَمِي نَعْفَ السِّتارِ وقُنَّةَ الأَوجامِ
يُجْلَبْ لكِ اللبنُ الغريضُ ويُنتَزَعْ بالعِيسِ من يَمَنٍ إِليكِ وشامِ
ألا ترى إلى الهمزة كيف لزمت التحقيق في ذلك الرجز، ولزمت التخفيف في هذا الموضع لما احتاجت إليه؟ ومما توصف به الهمزة من الحكمة أنها إذا لقيت همزة في كلمة واحدة، لم يكن بد من تخفيف إحدى الهمزتين.
فذلك مثل للرجل الحازم يلقى مثله فيعلم كل واحد منهما أن اجتماعه مع الآخر يشق عليه، فيلزم أحدهما نفسه التخفيف. وربما ترك وطنه وارتحل إذا كان الآخر من جنسه، وذلك مثل الهمزة في قول " الخليل " لما لقيتها الهمزة في " جائىء " وإحداهما همزة فاعل التي تحدث في المعتل: قائم وبابه، والأخرى الهمزة الأصلية. " فالخليل " يرى أن همزة فاعل نقلت من مكان العين وجعلت مكانها الهمزة التي من الأصل.
وربما علم الرجل الأصيل الرأي أن مكانه ينقل فانصرف وإن لم يلقه نظير له، فيكون مثله مثل الهمزة حذفت من سائر فقيل: سار قال " الهذلي ":
وغَيَّر ماءُ المَرْدِ فاها فلونُه كَلَوْنِ النَّئورِ وهْيَ أَدْماءُ سَارُها
أي: سائرها. وإنما يحمل الهمزة على ذلك مجاورتها الألف، لأن الألف أقرب حروف المعجم إلى الهمزة، ولذلك تركت مكانها في قولك: راء وشاء، والأصل: رأي وشأي، قال الشاعر:
وكلُّ خليلٍ راءَني فهو قائل من أجلِكِ هذا هامةُ اليومِ أَو غدِ
وقال " عمر بن أبي ربيعة " فجمع بين اللغتين:
بان الحُمولُ فما شَأَوْنَكَ نَقْرَةً ولقد أَراكَ تُشاءُ بالأَظعانِ
شأونك: سقنك، وتشاء: تشاق.
[ ٩٣ ]
وربما تركت الهمزة مكانها للحرف الضعيف ولم تصبر على المضارة، أو تكون رغبت في التفضل على المجاورة كما قالوا: را، يريدون: رأي.
قال الشاعر:
ومَنْ رَا مِثلَ مَعْدانَ بنِ لَيْلى إِذا ما النسْعُ جالَ على المَطِيَّهْ
وقالت امرأة من العرب:
مَن بيَّن الأَخَوينِ كالغُصْنَينِ أَم مَنْ رَاهُما
فكأنها تشبه في هذا الصنيع رجلًا فيه كرم وشدة لو أراد لضار جاءه وأقصاه، فيحمله الكرم على تخلية مكانه له. وقد رأيت الهمزة حذفت من ترى، وأصلها أن تجيء فيه كما جاءت في قوله تعالى: " وهم ينهون عنه وينأون عنه ".
ولكنها بعدت من موطنها فلم ترجع إليه إلا عند ضورة، كالرجل فارق الوطن فلم يلمم به إلا عند النائبة. قال الشاعر:
أَلا إِنما ذا الدهْرُ يومٌ ولَيلةٌ ومَنْ يُحْيَ في الأَيامِ يَرْأَ ويسمَعِ
ومثلها في هذا الموضع مثل الرجل لا يدخل وطنه إلا عند شريطة. ألا ترى أن الفصحاء لا يقولون: ترأى، في المنثور، وإنما يستعملونها في المنظوم لإقامة الوزن؟ وكذلك وجدناهم يحذفون الهمزة إذا كانت طرفًا وقبلها ساكن، ويلقون حركتها على ما قبلها فيقولون: خذ الجز و" قريء ": " يخرج الخب في السموات والأرض ". فإذا كان ذلك في الشعر حذفت الهمزة إلى آخر الدهر لأن رجوعها يكسر، قال " حسان ":
فَرَهنتُ اليدينِ عنهم جميعًا كلُّ كفٍّ لها جُزٌ مَفصومُ
وإذا اتفق لها ذلك في النثر، جاز أن ترجع وجاز ألا ترجع. وكذلك حالها في: يسأل وبابه، إذا كانت في النثر فهي في الرجوع على أحد أمرين وإذا كانت في النظم فلا تقدر على رجوعها إلى الوطن، كما قال " القطامي ":
وقد يَزيدُ سؤالُ المرءِ معرفةً ويَستريحُ إِلى الأخبارِ من يَسَلُ
فغرب الله من يبغض السيد " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - عن وطنه، تغرب الهمزة في " يسل " عن الوطن، فإنها يائسة أن ترجع إليه وتلك الغربة هي غربة الموت لأنها فقدان الشخص.
وما أحسن بالقوم التأسي إذا نزلت الشدائد! فحقيق على الغنى إذا شبع ألا يترك جاره الفقير وهو طاو، وألا يحوجه إلى المسألة، بل يكفيه النظر إليه إلا كما قال " الأفوه الأودي ":
أَلْوَتْ بإِصْبعِها وقالت إِنما يكفِيكَ مِمَّا لا تَرى ما قد تَرى
لا يَسْتَوِي الجارانِ أَن يتجاوَرا هذا أَخو شِبَعٍ وذا طاوِي المَعِي
ألا ترى أن الكاف في: بكر، لما اضطرت إلى الحركة في بيت " أوس " دخلت مع الباء في الكسر ولم ترغب في الضمة، فعد ذلك فيها من المواساة؟ قال " أوس ":
لنا صرخةٌ ثم إِصماتةٌ كما طَرَّقت بِنِفَاسٍ بِكِرْ
ففي هذا مثل لمن يأخذ نفسه بزي جاره ويترك مضاهاة الأبعدين. وكذلك قول " الهذلي ":
ماذا يَغِيرُ ابنتَيْ رِبْعٍ عَويلُهُما لا ترقُدانِ ولا بُؤسَى لمَنْ رقَدا
كِلتاهما أَبْطنتْ أحشاؤها قصَبًا من غابِ حَلْيَة لا عَشًّا ولا نقِدا
إِذا تجاوَبَ نَوْحٌ قامتا معه ضربًا أَليما بِسِبْتٍ يَلْعَجُ الجِلِدا
ألا ترى أن اللام لما اضطرت إلى الحركة رغبت أن تنكسر مثل الجيم؟ وروى عن " الخليل " أنه كان يمشي مع " ابن مناذر " الشاعر، فانقطع شسع نعل " ابن مناذر " فنزع نعله. فلما رآه " الخليل " فعل مثل ما فعل، فقال له ابن مناذر: ما هذا أبا عبد الرحمن؟ قال: أردت أن أساويك في الحفاء.
فإن زعمت أن كاف بكر ولام جلد أساءتا في مجانبتهما الراء والدال، ومواساتهما الباء والجيم؛ فكذلك يجب، لأن الباء أسبق حرمة إلى الكاف وأقدم صحبة في بكر، وكذلك الجيم في جلد، لأنك تنطق بهما قبل الراء والدال. وفي كتاب الله تعالى: " والسابقون السابقون، أولئك المقربون ".
[ ٩٤ ]
ويدعو ما يلقاه النافرون من ضيق الأنفس وحرج الصدور، إلى تشاجر الشركاء واختلافهم في الجهات المقصودة، ويحملهم ذلك على الفرقة، إما قبل الرحلة ممن المصر وإما بعد الظعن عنه. فرما كان الرجلان شريكين ولك واحد من رأس المال ما يمكن أن يستبضع فلا تضره الفرقة. فيكون مثلهما مثل قناديل وسمادير: إذا قسمت هاتان الكلمتان وما كان مثلهما من الكلام، فإن الشطرين يمكن بكل واحد منهما نطق الناطقين وإن اختلفت المعاني قبل القسمة وبعدها؛ فإنك إذا نقلت الشطر الأول أو الثاني إلى غير معناه الأولصلح. ألا ترى أن سمادير، والمراد بها الغشاوة التي تدرك العين والإظلام يكون في البصر، إذا قسمتها شطرين فشطرها الأول سما، من قولك: سما يسمو. وشطرها الثاني دير، من قولك: دير به يدار به فهو مدور به؟ وقد يكون الشريكان لأحدهما أكثر من الآخر وتكون لصاحب القليل مبقية بعد الفرقة. فمثلهما مثل مساجد وسفرجل، إذا أخذ منهما: مسا وسفر، بقي منهما أقل مما ذهب، إلا أنه يمكن أن ينطق به، وله معنى يتصرف في بعض الوجوه. ألا ترى أن قولك: جد، هو أمر من قولك: وجد يجد؟ وقولك: جل، يجوز أن يقع في قافية من قولك: جل الأمر يجل، بتخفيف اللام؟ وإذا كان الرجلان لأحدهما شطر يمكنه أن يتجر به، والآخر يضيق أمره عن ذلك، فمثلهما مثل الثلاثية من الأسماء، إذا قسمتها على حرفين وحرف، فالحرفان يمكنك بهما النطق، والحرف الواحد لا يتأتى ذلك فيه إلا أن تصله بسواه.
وربما رأيت الشريكين معيشة كل واحد بالآخر، وإذا افترقا لم يكن لهما بد من الاتصال بسواهما لأن الحاجة دعت إليه. فمثلهما مثل: " حرفين إذا اجتمعا أفادا معًا، وإذا افترقا عدمت الفائدة، فمثلهما " مثل: لك، وما كان مثلها من الحروف المتألفة. وإذا فارقت اللام الكاف لم تعطك فائدة إلا أن تصلها بغيرها من الأسماء. ويشبهان أيضًا ما ليس له نصف من الأوزان المشطورة، فلا يمكنك فيه القسمة. ألا ترى أنك لو أردت تصريع قول الراجز:
حَلَّتْ سُليْمَى جانبَ الجَرِيبِ
لم تصل إلى ذلك؟ وأنت عن تصريع المنهوكين من المنسرح أعجز، لضيقهما عما يجب للتصريع. مثل قول نادبة " سعد بن معاذ ":
وَيْلُ أم سَعْدٍ سَعْدَا
صرامةً ومَجْدَا
وفارِسًا مُعَدّا
سُدَّ به مَسَدَّا
وكذلك هذه الأبيات التي أنشدهما " أبو نصر: صاحب الأصمعي في كتاب الألفاظ:
أَرُبَّ مُهْرٍ مَزْعوقْ مُقيَّلٍ أَو مغبوقْ
من لبَنِ الدهْم الرُّوقْ حتى شتا كالذُعْلوقْ
أَسْرَعَ من لمْحِ الموقْ وطائرٍ وذِي فُوقْ
وكلِّ شيءٍ مَخلوقْ
فلو صرعت مثل هذا لخرج من حكم الشعر إلى حكم المنثور.
وربما اتفق أن يكون الشريكان مختلفي الملة، فتكون البغضاء أشد والشحناء أكثر. فأما اليهودي والنصراني إذا اجتمعا بتل منس وأخذا في المذاكرة بحديث الأنبياء وكان اليهودي في بت النصراني، فتلك هي الفاقرة:
أُكاشِرُه وأَعلمُ أَنْ كِلانا على ما ساءَ صاحبَه حَرِيصُ
فمثلهما مثل القتال والنمر، صلحهما على دخن ومودتهما ليست بالدائمة:
كِلانا عدُوٌّ لو يَرى في عدُوِّه مَحَزًّا، وكلٌّ في العداوةِ مُجْمِلُ
إِنَّ زمانًا أَيها البَكْرُ ضمَّنِي وإِياكَ في كلْبٍ لشرُّ زَمانِ
فيجوز في قدرة الله تعالى أن ينطق الثعلب فيقول: صدقت أيها، الشاحج، أنك للكهل المجرب وإني لراغب في استماع ما عندك من الأمثال، ولكن الشمس قد هوت للغروب، وإني منصرف إلى مصر الجالين فداخل في الليل مع النموس نعتس في منازل القوم، ولعلنا نصيب شيئًا من فضل الله، فلم نعدم طائرًا في تمراد أو دجاجة قد حضنت الكيك، ونحو ذلك مما ينتفع به الصعلوك. وأجيئك إذا الصبح جشر، بأخبار الناس.
فيقول الشاحج إذا شاء الله: امض على غلوائك، فقد هممت أن أكلفك توكف الأخبار وإلقاء ما يصح منها عندك إلي. وإذا هجمت أنت وقتئذ منازل القوم، فاحذر أن تريب طير الرسائل فإن حقها عظيم.
فيمضي الثعلب حتى إذا تبين سوادٌ سوادًا، جاء فسلم على الشاحج وورد، ثم قال:
[ ٩٥ ]
أخبرك أعانك الله أني دخلت المدرة في طائفة من الثعالب والنموس، فوجدنا القوم قد احترزوا من كل متعرض لهم بسوء. وألفينا في كل ربع من ربوعهم واحدًا قد تخلف لمراعاة الربع. فمثله مثل السبعان في بابه، لا يوجد على هذا المثال غيره فيما زعم " سيبويه " وقد خولف. وكذلك سخاخين، وهو في معنى سخن، لا يوجد على فعاعيل غيره. قال الراجز:
أَحِبُّ أُمَّ الغمْرِ حُبًّا زائدَا حُبًّا سُخاخِينًا وحُبًّا بارِدَا
فلم نصادف غرة من المنصرفين. وخرجت أقفو آثار الجالية فانتهى بي الأثر إلى " تل منس " وقد نزل بها معظم الناس. فسمعت الجالية يشتورون في المساجد والكنائس ويديرون الرأي، فلا تنصرم لهم عزيمة ولا تبرم بأيديهم مرة. بل يختلفون اختلاف العرب في الوقف: فبعضهم يقف على السكون فمثله مثل من رأى أن يقيم بحيث هو من هذه القرية. وبعض العرب يشم ويروم عند الوقف، فذلك مثل من يروم النهوض إلى مظان الأمن ولا يجد سبيلًا إلى ذلك. وبعضهم يشدد الحرف الموقوف عليه ليدل على حركته في الإدراج، فذلك مثل من يعزم عن النهوض ويمثله بين عينيه. ولو قبلت المشورة من مثلي لهديتهم إلى الرشد، ولكن لا رأى لم لا يطاع:
أَمَرتُهمُ أَمْرِي بِمُنعَرَجِ اللِّوَى ولا أَمْرَ لِلمَعْصِيِّ إِلاَّ مُضيَّعَا
لا ينبغي أن يبيتوا في هذه المحلة إلا الليلة أو الليلتين ولا أشير عليهم بالسلوك جهة الشرق لأنه ناسب لفظ الشرق؛ و" جرجناز ": جرج ناز؛ و" الكفير " وإن كان أهلها أحرارًا فإن لفظها من لفظ الكفر؛ و" عجاز " من العجز؛ و" الحيار ": من الحيرة. ولا يسبق إلى ظنك أيها الشاحج أنني خالفت الحديث المروي وهو قوله ﵇: " لا عدوى ولا طيرة " فقد رويت عنه ﷺ أحاديث تشبه كراهتي أسماء هذه المواضع. منها أنه قال لرجل: " ما اسمك "؟ فقال: شهاب. فقال ﷺ: " بل أنت هشام " كأنه كره شهابًا لأنه من شهاب النار. وولد لرجل مولود في زمانه فقال " ما سميتم مولودكم؟ " فقالوا: الوليد. فكره ذلك وقال كلامًا معناه: " لا يزالون يسمون أبناءهم بأسماء الجبابرة " يعني " الوليد بن المغيرة " وأن فرعون كان سمى الوليد في بعض الروايات! ويقال إنه " ﷺ " سمى " الحباب بن المنذر الأنصاري: عمرًا " وقال: " الحباب شيطان " ومعنى ذلك أن الحباب من أسماء الحيات. ولما أرد الرجل أن ينزل إلى الركية في غزاة الحديبية قال: " ما اسمك "؟ قال: مرة. فقال: " وراءك " ثم جاء الآخر فقال: ما اسمك؟ فقال: ناجية. فأمره بالنزول. فأما الفأل فلا شك أنه كان يعجبه ﷺ. وإذا رددت الفأل والطيرة إلى القياس وجدتهما يصدران عن غار واحد.
وأنا أذكر شيئًا من حكم الفأل ليكون حجة على ما آمر به من التدبير: إن الذين كانوا يستعملون الفال وروى عنهم القول به، لم يكونوا يحملونه على التصريف والاشتقاق في كل المواطن، بل يجرونه مرة على ذلك، ومرة على مقدار الظاهر من اللفظ. لأن الفال والطيرة إنما هما بالظن والاتفاق. فمن ذلك ما روى عن " الحسين " ﵁ أنه لما سأل عن الموضع الذي قتل فيه، قالوا له: كربلاء. قال: " كرب وبلاء " وإذا أخذت من كربلاء لفظ الكرب لم يبق من الكلمة لفظ بلاء، وإذا أخذت منها لفظ البلاء لم يبق منها لفظ الكرب، وإنما ذلك شيء يقع بالتقريب.
وروى أن " أبا جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس " لقيته البيعة لما مات " السفاح " بموضع يقال له " الصفينة " فقال: " فصت لنا إن شاء الله " والصفينة ليست من لفظ صفت، ولكنه أخذ صدر الكلمة فحمله على الفأل. وأنشد " ابن الأعرابي " في النوادر أبياتًا فيها نحو من هذا الحمل على بعض الكلمة. وقد ذكرها " أبو الفضل بن العميد " في رسالته إلى " ابن سمكة " والرواية التي ذكرها " ابن العميد " أوفى وأتم. والأبيات:
لعَيْناكَ يومَ البينِ أَسْرَعُ واكِفًا من الفَنَنِ المَمْطورِ وهو مَرِيحُ
جَرَى يومَ سِرْنا عامدينَ لأَرضِها سَنِيحٌ فقال القومُ مَرَّ سَنيحُ
وقالوا: عُقابٌ، قلتُ غَرْثَى وصَيْدُها غَزَالٌ وِشبْهٌ للغَزَال مَلِيحُ
[ ٩٦ ]
عُقَابٌ بإِعْقَابٍ من الوصْلِ بعدما جَرَتْ نِيَّةٌ تُسْلِي المُحِبَّ طَرُوحُ
وقالوا: دَمٌ، دامتْ مواثيقُ عَهدِها ودامَ لنا حُلْوُ الوِدَادِ صَرِيحُ
وقالَ صِحَابي: هُدْهُدٌ فوقَ بانةٍ فقُلتُ هُدًى يَغدُو لنا ويَرُوح
وقالوا: حَمَاماتٌ، فَحُمَّ لِقاؤها وطلْحٌ، فنِيلَتْ والمَطِيُّ طلِيحُ
فاشتق عقابًا من الإعقاب، وهذا صحيح في التصريف. وتفاءل لما ذكر له الدم، من لفظ دامت فقال: دامت مواثيق عهدها وليس الدم من لفظ دامت. وتفاءل لما ذكر له الهدهد فقال: هدى يغدو لنا ويروح وليس الهدهد من لفظ الهدى، ولكن الكلمتين أشبه صدر إحداهما صدر الأخرى، كما أن الدم قارب لفظه لفظ دامت وإن كان مخالفًا لها في الاشتقاق. وكذلك روي عن بعضهم أنه قال في همدان، اسم هذه القبيلة: إنه هم دان. وهذا على سبيل الطيرة يشبه ما مضى في كربلاء.
وإنما ذكرت ذلك لأخبر أن الجالية إذا عمدت للشرق والمنازل المتقدم ذكرها في كراهة الأسماء، كانوا قد أخذوا بما يكرهه بعض الناس.
ولو قدر لهم التوفيق لأجمعوا على السير إلى " حلب " حرسها الله، لأن في دنوهم إلى الحضرة العالية أعظم سعادة وأسنى حظ. والذين وفقوا منهم لليمن قد ركبوا تلك المحجة، وذلك أنهم لايعدمون في طريقهم ضروبًا من الفأل، يمرون بسرمين، وإذا حملت على ما تقدم من قول القائل في همدان: هم دان، ومن قول الآخر في هدهد: هدى؛ فصدرها من لفظ السرور، وباقيها مين، من المين، فعل ما لم يسم فاعله، أي هذا الخبر عن العدو مين قد مين أي كذب. وإن عرضت لهم في الطريق " زردنا " فيجب أن يغلبوا عليها الفأل فيقولوا: هي زردنا، أي درعنا التي من الزرد، والدرع وقاية من العدو. وإنما قلت ذلك مخافة أن يظن ظان منهم غير هذا المعنى فيحملها على الطيرة فيقول: هي زردنا، والزرد الخنق. والكلمة الواحدة تتصرف على الطيرة والفأل. ألا ترى إلى قول " الجران ":
فأَما العُقابُ فهْيَ منا عُقوبَةٌ وأَما الغُرابُ فالغَرِيبُ المطَرَّحُ
فهذا حملها على ما كره. وقال الآخر
عُقابٌ بِإِعقاب من الوَصْلِ بعدما جرتْ نِيَّةٌ تُسْلِي المُحِبَّ طروحُ
فهذا حملها على ما أحب.
وإذا بلغوا " جبل جوشن " فالجوشن جنة يدفع بها الشر. وإذا رأوا حفر الخندق فحملوه على ما تقدم، فإن شطر هذه الكلمة فألان يدلان على السعادة: خن، يشبه خن العدو، إذا استأصله، حكى ذلك عن " العباس ابن الفرج الرياشي "؛ ودق، يشبه دق الجيش إذا هزمه. وكذلك يفعل " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - بجيوش الأعداء.. و" قويق " النهر، يشبه صدر لفظه الأمر للجماعة بالتوقي، كما قال تعالى: " قوا أنفسكم وأهليكم نارًا " ومما يشبه هذه الأحكام، ما حكم به المفسرون في تعبير الرؤيا، من أنه إذا رأى الإنسان في منامه سفرجلًا، حكموا عليه بالسفر.
وقد علمنا أن صدر سفرجل غير مراد به السفر من الأسفار، ولكنه شيء يحمل على تقارب اللفظ وما يكون حسنًا في الظن. وأما " حلب " حرسها الله فلفظها يحتمل أمرين كلاهما فأل محمود: إن كانت من: أحلبت القوم أي نصرتهم فحسبها فألًا بالنصر. ويقال للذين ينصرون الرجل من بني أبيه أو قبيله الحلائب، قال " اليشكرى ":
ونحنُ غَداةَ العَيْنِ عَيْنِ مُحَلِّمِ نصرناكَ إِذ ثابتْ عليكَ الحلائِبُ
وإن كانت من الحلب، حلب اللبن، فحسبها بذلك خيرًا وبركة.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه دخل على امرأة فقال: " مالي لاأرى في بيتك بركة؟ " قالت وما البركة؟ قال: " مالي لاأرى في بيتك شاةً؟ " وإنما سمي الشاة بركة من أجل اللبن. وقد روي عنه ﷺ حديث معناه، أنه ليس فيما يؤكل ويشرب شيء يجري مجرى اللبن، لأنه طعام وشراب. وحسب اللبن من الفضيلة أنه غذاء لجميع ولد آدم صلى الله عليه، به تربي الأطفال ولا ينوب منابه سواه.
وكذلك قالت العرب: لله درك، أي: لله اللبن الذي أرضعت به.
[ ٩٧ ]
ولقد ترك أولئك القوم، أعنى الذاهبين عن أوطانهم، جهة الحزامة وهم عليهامقتدرون. ولو كاتبوا الحضرة العالية منتصرين بما يفد عليهم من الآراء، لكفوا مئونة الرحلة. ولكنهم هابوا الحضرة وأعظموها وأعرضت لهم الفائدة فأعرضوا عنها، وأرادوا التخفيف عن السلطان - أعز الله نصره - فثقلوا على أنفسهم، فكان مثلهم مثل علابط: كان والألف فيه كلمةً خفيفةً، والدليل على خفته أنه لم يكن يمتنع منه وزن من أوزان الشعر.
بل يدخل في خفيف وثقيل، وطويل من الأوزان وقصير. فاستطال علابطًا بعض الناس فحذف منه الألف فاجتمع فيه أربعة أحرف متحركة، فثقل في السمع ولم يذلك لركوبه كل وزن، ولكنه احتمله بعض الأوزان لكثرة حروفه، واحتمله بعضها لخفته ومهانته، فأمكن أن يدخل هو ومثله في الوزن البسيط لأنه من ملوك الشعر، وهو مع ذلك يجري مجرى الوزير للملك إذ كان هو والطويل كالملكين للشعر، وهما من بعد أخوان.
فمثلهما مثل ابني " سبأ بن يشجب " وهما حمير وكهلان: جعل أبوهما سبأ الملك لحمير وسلم إليه السيف، وجعل الوزارة لكهلان وسلم إليه الترس. وكلاهما من أهل بيت المملكة، إلا أن الطويل أولى بالملك من البسيط. ألا ترى أنه لم يقبل " علبطًا " ونحوه، لأن الملوك لا تحتمل تثقيل العامة، واحتمله البسيط. لأنه وزير الملك، والوزراء واجب عليهم حمل الأثقال؟ ومما احتمل فيه البسيط كلمة تجري مجرى علبط في اجتماع المتحركات قول " النابغة ":
فحَسَبُوهُ فأَلْفَوه ما حَسَبَتْ تِسْعًا وتِسعين لم تَنقُصْ ولم تَزدِ
فاحتمله هذا الوزن لعظم شأنه في نفسه، ولأنه يرى حمل الأعباء عن الملك فريضة مؤكدة. وأما الوزن الذي يحتمل: علبطًا، ونحوه لخفته ومهانته، فبحر الرجز والسريع، كما قال:
وقد شرِبْنا لَبَنًا هُدَبِدَا وقد تركنا في الدِّيارِ رَثَدَا
وقد يجيء علبط، في سوى هذه الأوزان إذا وقع في القافية المقيدة، وحسبك بهذه نقيصة. ما قولك في رجل لا يقدر أن يحضر مجلسًا مع القوم إلا وهو في غل وصفاد؟ وأحذر الجالية من بيوت الأعراب. يا حضرية لا تصلحين لجوار البدوية! إن بيت الأعرابية من الشعر وكأنه بيت الشعر إنما هو رائح وغاد، يسلك بهضب أو واد، ويحل تارة عند الوعل والظيان، ويضرب مرة بين خزامى الدمث وعند طبي السهل الطيان. شربها في أخلاف الإبل وضروع الشاة، ولا تختبز لغداء أو عشاء:
كانت لنا من غَطْفانَ جارَهْ جارةُ صِدْقٍ من بَني فزارَه
حَلاَّلَةٌ ظَعَّانَةٌ سَيَّارَه كأَنها من بُدُنٍ وشاره
مدفَعُ مَيثاءَ إِلى فَزاره تَبِيتُ بينَ الزَّرْب والحِظاره
كأَنما باتتْ عليها فاره وإنما بيوت الأعراب كالقوافي الجذ، مثل ما قال " القطامي ":
وطالما ذَبَّ عني سُيَّرٌ شُرُدٌ يُصبِحْنَ فوق لسانِ الراكبِ الغادِي
وقال " المسيب بن علس ":
فَلأَهْدِيَنَّ مع الرياحِ قصيدةً مني مُغَلْغَلةً إِلى القَعْقاعِ
تَرِدُ المِياهَ فما تزالُ غَريبةً في القومِ بين تَمثُّلٍ وسماع
فما ظنك بحواء ينتقل من الجبل إلى القاع، ويشبه بهدية " المسيب إلى القعقاع "؟ وما كان من بيوتهم مبنيًا على ثمانية أعمدة أو نسائج ثمان، فهو يشبه ما كان من الشعر على ثمانية أجزاء. وتلك بيوت أمرائهم وأملاكهم تشابه من الموزون قول الشاعر:
قِفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
وقول الآخر:
إِنا مُحَيُّوكَ فاسلمْ أَيها الطَّلَلُ
وما كان نحو ذلك. والذي يبنى من بيوتهم على ستة أعمدة أو من ست نسائج، يشبه ما كان من الشعر على ستة أجزاء، مثل قول " عنترة ":
هلْ غادرَ الشعراءُ من مُتَرَدَّمِ
وقول " عمرو بن كلثوم ":
أَلا هُبِّي بصَحْنِكِ فاصبَحِينَا
وما كان مثل ذلك وهو كثير. وهذه دون تلك في الرتبة، وهي لمن دون الأمراء.
وما كان من بيوت البادية على أربعة أعمدة أو مبنيًا من أربع نسائج فهي بيوت العامة منهم، تشبه من الموزون ما كان على أربعة أجزاء، كقول القائل:
اِسلَمِي أُمَّ خالدِ رُبَّ ساعٍ لِقَاعِدِ
وكقول امرأة من عاد. فيما يزعمون:
[ ٩٨ ]
أَلَلَيَّهْ أَلَلَيَّهْ ما جنى الوفدُ عَلَيَّهْ
وما كان من بيوتهم على ثلاثة أعمدة أو مبنيًا من ثلاث نسائج، فتلك بيوت الضعفاء والعبيد، تشبه من الموزون ما كان مشطورًا على ثلاثة أجزاء، مثل قول الراجز:
يا دارَ سلمى يا اسلمي ثم اسلمِي
عن سَمْسَمٍ وعن يمينِ سَمْسَمِ ومثل قول الآخر:
أَقبَلْنَ من نِيرٍ ومن سُوَاجِ بالقومِ قد مَلُّوا من الإدلاجِ
فهُمْ رَجَاجٌ على رجَاجِ
وما كان من بيوتهم على عمودين، فهو ما لا يمكن أن يكون بيت دونه، يشبه من الشعر ما كان على جزءين، كقول الراجز:
يا رِجْلِ لا تُراعِي إِن معي ذراعِي
وكقوله:
أضرِبُهمْ باليابِسِ ضَرْبَ غُلامٍ عابِسِ
من الحياةِ آيِسِ وهو المنهوك من الشعر. وللسيد " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - فضل على غيره من الملوك مثل فضل الطويل على المنهوك، لا بل أعظم وأكثر. إذا كان الطويل إنما غاية عدته ثمانية وأربعون حرفًا، والمنهوك أطول ما يكون أربعة عشر حرفًا، وأقصر ما يكون عشرة أحرف.
وجميع هذه الأبيات المذكورة من بيوت العرب وبيوت الشعر، على قصرها وطولها، وخفتها وثقلها، سيارة في أرض الله، فما ظنك يا حضرية بأهل دار يحمل بيتهم على البعير ويدلج به في العير؟ ريحانك نبت في حوض وريحان البدوية مبثوث في الروض. ولو نزلت في حللهم " الجرادتان " وهما المغنيتان اللتان كانتا على عهد " قيل بن عتر " من عاد، لتمنتا أنهما جرادتان تطيران وتزفيهما جنوب وشمال عن أولئك الجيران. القوم كرام ولكن صحبتك لهم حرام. إن الكلب إذا ربض بفنائهم لا يكهر، وإذا ولغ في إنائهم لم يطهر. لو حلت فيهم قينة الحضر لجن جنونها من عيش مذموم، وفرت من الرمل والمزموم.
وإنما عنيت بالمزموم والرمل جملًا يزم ورملًا من السير يذم. وما عنيت مزموم الغناء ورمله، لقد شمر فقير سمله. إنما بيوت البادية كما قال " الفقعسي ":
ويومٍ من النجم مُستوقِدٍ يَسُوق إِلى الركبِ نُورَ الظِبَاء
تراها تلوذ بِغيرانِهما ويَهجمُها بارِحٌ ذو غمَاء
لجأت بصَحْبِي إلى خافِقٍ على نبْعَتيْنِ بأرضٍ فضاء
تنازِعُنا الريحُ أَقطارَه وكسْرَيْه يَرمَحُ رَمْحَ الفِلاء
وبيضاءُ تَنْفَلُّ عنها العيون تطالعنا من وراء الخِباء
يعني بالبيضاء الشمس، كما قال الآخر:
وبيضاءَ لم تَطبَعْ ولم تدْر ما الخنى ترى أَعْيُنَ الفِتيانِ من دونِها خُزْرا
ولو نزل على بيوتهم " أبو عمرو بن العلاء " لشغل عما بين الباء والسين، أو " عمرو بن عثمان " المعروف بسيبويه "، لذهل عما بين الثاء والراء.
وأهل الحضر يرثون بيوتهم أبًا عن جد، وأهل البدو يفتقرون في المدة القصيرة إلى بيت مستجد. ولم يبق فيهم أرب لطلاب الفصاحة فيقول قائل: أنزل فيهم فلعلي أسمع مستطرفًا من القول. ولقد تبعتهم تارات فيء الظعن وشاهدتهم إذا أجرهد السير وترجل النهار وتجاوبت الحداة من كل أوب، لا يعرفون غير هذين البيتين يكررونهما تكرير النفس:
يا حُلْوَةَ العَيْنين في النِّقابِ
لا تَحْبِسيني قد مضى أَصحابي
كأن أم الرجزعقيم من غيرهما، وكأن الرجاز من عهد عدنان وقبل ذلك، غفلوا عن الرجز إلى اليوم! وكأن " أبا النجم، الفضل بن قدامة " صدق لما قال:
أَنا أَبو النجمِ إِذا اشتدَّ الحُجَزْ
تَفْنَى إِذا مُتُّ أَفانينُ الرجَزْ
وقد حمل " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - رغبته في إيناس الرعية ورأفته بمن ولي من العامة، أن كلف " أسد الدولة " - أدام الله تمكينه - أن يحمل إلى " حلب حرسها الله "، والدته " الرباب " إيثارًا لسكون الأنفس وإعلامًا للسواد الأعظم بالتئام الكلمة والتضافر على صد الأعداء. ولا امتراء في أن " أسد الدولة " - أدام الله تمكينه - أشفق على والدته من " أبي عبادة " على كلمته السينية:
صُنْت نفسي عما يُدَنِّسُ نفسي وترفعْتُ عن جَدَا كل جِبْسِ
[ ٩٩ ]
فإن " أبا عبادة " صان وتديها عن التشعيث، فما ظنك بعربي يسكن العماد يشفق على بيت عربية من تشعيث الوتد؟ والأوتاد يوصفن أبدًا بالشعث، قال " الكميت " يصف الوتد:
وأَشعَثَ في الدارِ ذي غُرْبةٍ يُطِيلُ الحفوفَ ولا يَقْهَلُ
وقال " ذو الرمة ":
لم يُبْقِ منها أَبَدُ الأَبِيدِ غيرَ ثلاثٍ ما ثلاثٍ سودِ
وغيرَ مَشجوجِ القَفا مَوْتودِ أَشعثَ باقي رُمَّةِ التقليدِ
وذلك كثير في الشعر.
فأما تشعيث وتد القصيدة فإن وزن السينية إذا كان مستعملًا بالردف، جاء في الجزء الذي يقع فيه اللين زحاف يسمى التشعيث لم يمتنع منه الشعراء في الجاهلية ولا الإسلام، كما قال " اليشكري ":
آذنَتْنا بِبَيْنِها أَسماءُ
فقوله: أسماء، فيه تشعيث، وكذلك قول الآخر:
ليْسَ من ماتَ فاسترَاحَ بِمَيْتٍ إِنما الميْتُ مَيِّتُ الأَحياءِ
فقوله: الأحياء، فيه تشعيث.
فإذا فقدت الأوزان من هذا الجنس حروف الردف جاءت سالمة من التشعيث، لأنه إذا ظهر بأن خلله فيها، فيجتنبه الفحول مثل ما اجتنبه " أبو عبادة ". وربما جاء فيما فقد لينه من الأوزان، كما قال " أبو داود ":
كنتُ جارًا لكم فأَشمَتُّمْ النَا سَ بلى اليومَ آل كعبٍ وعَمْرِو
شرُّكُمْ حاضِرٌ ودَرُّكُمْ دَرُّ م خَروسٍ من الأَرانبِ بِكْرِ
يا فتى ما قتلتُم غيرَ دَعْب وبٍ ولا من فُوَارةِ الهِنَّبْرِ
وفتًى يُطعِمُ الأَرامِلَ إِذْ هَبَّ تْ نسيمُ الشتاءِ بالصِنَّبْرِ
ورأَيتَ الإماءَ كالجِعْثِنِ البا لي قيامًا على فُوَارِ القِدْرِ
ورأَيتَ الدخَانَ كالكودَنِ الأَصْ حَمِ يَنباعُ من وراءِ السِّتْرِ
فالأبيات الأربعة الأخيرة قد أدرك قوافيها التشعيث، وهو غير خاف في الغريزة.
وإن الأعرابية إذا دخلت المصر، لتشبه النون الخفيفة أو الثقيلة إذا دخلت في غير مواطنها الستة، كما قال " جذيمة الأبرش ":
ربما أَوْفَيتُ في عَلَمٍ نَرفَعَنْ ثوبي شَمالاتُ
وعن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - ليتكلف من إيناس الرعية ما لا يجب على السلاطين، حتى لقد خلط بالنساء المدريات سواكن البر القفريات، فمثله مثل قائل:
إِنَّ بالشِّعْبِ الذي دون سَلْعٍ
لزم من تشديد اللام في القافية ما لا يجب عليه. وكذلك " زياد " لما قال:
غَشِيتُ منازلًا بعُريْتِناتٍ فأَعْلَى الجَزع للحَيِّ المُبِنِّ
لزم في القصيدة من تشديد النون ما لا يجب عليه. وكذلك " كثير " لما قال:
خَلِيليَّ هذا رَبْعُ عَزَّة فاعْقِلا قَلُوصَيْكما ثم انزِلا حيثُ حَلَّتِ
فلزم اللام قبل التاء، وذلك لغزارة البحر في الشاعر ولعظم القدر.
والرأفة في قلب الملك، فما الذي يطلبه الجالون إلى البادية؟ إذا نزلت الكرائم من الأعرابيات بحلب حرسها الله فما يبتغي مصاحب البادية إلا مقلتًا من الأرض يحكم إذا نزله المقلة من الحصيات، كما قال " القيني ":
أَلم ترني ردَدتُ على عَدِيٍّ وقد خلَعتْ هوادِيهَا نِعالا
حُشَاشَتَه وبِنتُ الأَرضِ تقضِي إِذا ما استودف القومُ السِّخالاَ
أو كما قال " مزاحم العقيلي ":
ولمَّا ركِبْنا صَعْبَها وذَلُولَها إِلى أَن حجَبْنا الشمسَ تحت السُّرادِق
رمَتْنا بِفِلْذٍ من سَرارِة قلبِها فطُفْنَا به من بين حاسٍ وذائِقِ
وشجر الأعرابية سلم يرف، وشجر الحضرية الحبلة والضرف.
جناة النازلة في البدو إنما هي ابن أوبر أو المغرود، وجارها الناشط يرود كما قال " الرؤاسي "، ورؤاس حي من كلاب بن ربيعة:
يا أُخْتَ ذَحْوَةَ بل يا أُختَ إِخوَتِهم من عامِرٍ أَو سَلُولٍ أَو من الوقَعَهْ
هل يَكفِيَنْكِ ضَريبُ الشَّوْلِ ضاحِيَه والشحْمُ من حائر الكَوْماءِ والقَمَعَه
ومن جَنَى الأَرضِ ما تأتي الرِّعاءُ به من أُتْنِ أَوْبَرَ والمُغرُودِ والفَقَعَهْ
[ ١٠٠ ]
ومثْلِ آتِيِّ ضَحضاحٍ الثِّميلةِ من نَخْلٍ ابنِ يامِنِ بَيْنِ الحوضِ والقَلعه
إِنَّا أُناسٌ بِبَرٍّ لا بُحورَ لنا بحيث تنثُرُ تلك اليُمنةُ الزَّمَعَه
ألم تعلم تلك الحواريات أن رجالهن الجالين إذا عقلوا بحلب، حرسها الله، يضيفون الروذق إلى الخضيمة، ويزيلون الغيم الغالب على الأفئدة بالقارس في حر الظهيرة، ويذهبون الدرن بالناغر من ذات الزبر والصرفان، وينظرون بهاء " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - إذا ركب مع الناظرين، وتلك هي الفضيلة العظيمة؟ فما يردن من ظعائن يتبعن البارق ويكافحن الشارق ويحدجن الأينق بنفوسهن ويعددن النظر إلى السراب مغنيًا في البادية عن الشراب؟
ظعائنُ أَبْرقْنَ الخريفَ وشِمْنَه وخِفْنَ الهُمَامَ أَن تُقادَ قنابِلُه
ترحض إحداهن ثوبها من " قويق " فلا يدركه الوسب إلا وبيتها مضروب على " دجلة " أو فيض " الأبلة " أو " كافر: نهر الحيرة ".
وترعى شاتها في أول الربيع نبت الشام وترعى في آخره نبت العراق.
وتجني البلس في وعاء الشام فلا تذهب فضوله من ذلك الوعاء حتى يخلط بها شيء من تمر العراق، وذلك بسيرها في البردين لا بما حمله إليها المائر في شهر المليساء:
إِذا الجَوزاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا فظُنَّ بِآل فاطمةَ الظنونا
فالحمد لله الذي جعل " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يصرف على اختيار شخص " أسد الدولة " - أدام الله تمكينه - كما صرف الراجز اسمه على اختيار، فقال:
لَئِنْ خرجتُ من دِمَشقَ صالِحا
وقد تجهَّزتُ جهِازًا صالحا
لأَجذبَنَّ النِسْعَ جَذْبًا صالحًا
وآتِيَنَّ بالعراقِ صالحًا
إِني رأَيتُ صالحًا لي صالحا
ولولا أن الوزن الذي يسمى ركض الخيل وزن ركيك، لوجب على نقيب الشعراء أن يتقدم إليهم ألا ينشدوا " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - شعرًا في هذه الآونة إلا على ذلك الوزن. ولكنه وزن ضعف وهجرته الفحول في الجاهلية وفي الإسلام. وربما تكلفه بعض الشعراء، كما قال:
أَوَقَفْتَ على طَلَلٍ طَرَبًا فشَجاكَ وأَحزَنَكَ الطَّلَلُ
وقد تأملت عدو الخيل فوجدت هذا الوزن يشابه التقريب الأعلى والتقريب الأدنى، على حسب عجلة المنشد وترسله. وهما تقريبان أحدهما الثعلبية والآخر هو الذي يسمي الإرخاء. وكلاهما إذا سمعته أدى إلى سمعك هذا الوزن بعينه. وذلك أن الفرس يضرب بحوافره الأرض ثلاث ضربات متواليات ثم يثب، فيكون ضربه الأرض موازيًا لثلاثة أحرف متحركات، ويكون وثبه موازيًا للسكون.
والمرجفون بزعيم الروم يزعمون أنه كاسم الفاعل يعمل في ما يستقبل من الزمان. وقد مضى القول في أن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يصغره إذا خرج، وقد علمنا أن اسم الفاعل إذا صغر بطل عمله، فمن قال: هذا ضارب زيدًا غدًا، لم يجز أن يقول: هذا ضويرب زيدًا غدًا. ولعل المرجفين بذلك، يظنون أن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - قليل العدة؛ وهو بنفسه الخميس اللجب.
وإنما مثله في " حلب حرسها الله " مثل الضمير يضمر فيختصر، فإذا ظهر عظم شأنها. ألا ترى إلى قوله تعالى: " ولو أنهم فعلوا مما يوعظن به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا "؟ فالهاء في " به " تدل على أشياء كثيرة مما وعظوا به، ولو ظهرت لا تسع فيها القول وكيف يظن ذلك بسلطان بعض جنوده " بنو عامر بن صعصعة " وهم الذين رأت أمهم في المنام قائلًا يقول لها:
إِذا ولدْتِ عامِرًا وعامِرا
فقد ولدتِ العدَدَ الجَمَاهرا
فولدت " عامر بن صعصعة وعامر الأجرار من كلب ". وحكم حلفائهم وجيرانهم مثل حكمهم الفرزدق النجدة والمسارعة إلى النصرة. ومن بعض حلفائهم طيء، ومن بعض أحياء طيء سنبس، وقد قال " الأخرم السنبسي ":
لَنَا زَارةٌ ضَبِسٌ نَابُها يَهونُ على حامِيها الوعيدُ
بِها قُضُبٌ هندوانِيَّة وغابٌ تَزَاءَرُ فيه الأُسودُ
ثمانونَ أَلْفًا ولم أُحْصِهمْ وقد بَلَغتْ رجْمَها أَو تزيدُ
[ ١٠١ ]
وإنما جعلت حلفاءهم مثلهم، لأن بعض ما يزاد في الكلمة يكون مثل حرفها الأصلي. ألا ترى أنك إذا جمعت كوثرًا أو صغرته قلت: كويثر وكواثر، فكانت الواو وهي زائدة، ثابتة ثبات عين جعفر وما كان مثلها من الأصليات؟ وكذلك الجزء من الشعر يزاد عليه شيء من الجزء الآخر فيصير معه لا يفارقه، كما زيد الترفيل والإذالة على السباعيين في مثل قول الأول:
اِحْبِسْ جمالَك يا ابنَ قَيْ لةَ إِنها إِحدى المَحابِسْ
يا صاحِبَيَّ سَلِمتُما منْ خاطِرٍ في القلبِ هاجسْ
وفي مثل قول المرأة المكية:
أَبُنَيَّ لا تَظلمْ بِمَكةَ لا الصغيرَ ولا الكبيرْ
واحفِظْ مَحارِمَهَا ولا يَغرُرْكَ باللهِ الغَرورْ
ولعل بعض المعادين يحسب أن هذه الطوائف لا تهش للقتال، يذهب إلى أنهم بلا أرزاق. أو ما شعروا أن إقطاعهم كالأرزاق لهم؟ لو لم يكن لهم إقطاع لقاتلوا حمية وانتصارًا. قال الراجز:
نحن ضرَبْنا الأَسْدَ بالعِراقِ والحَيَّ من ربيعةَ المُرَّاق
بِلا معونةٍ ولا أَرْزاقِ إِلا بَقايا كرَمِ الأعْراقِ
ضرْبًا يُقِيمُ صَعَرَ الأَعْناقِ
والمرجفون من أهل الجهل يتخوفون أن زعيم الروم إن خرج نازل " حلب حرسها الله ". ولو فعل لجاز أن يكون للأيام الثلاثة يوم رابع.
والأيام الثلاثة: يوم المخاضة، ويوم أفامية، ويوم الكرملوك.
وقد مضى القول في أن اللفظة تحمل على الطيرة وعلى الفأل ولو رأت جيوش الروم " قويقًا " لجاز أن يكون لهم طيرة بالهلاك، لأنه تصغير قاق، من تسمية العامة الغراب قاقًا. فينعب لهم قويق بتفريق الشمل. وكذلك لو رأت " العافية " هذه القرية، واسمها لأهل حلب حرسها الله فأل لعافية الجسم والصحة من السقم، وهي للعدو طيرة تعفو أثره، من قولك: عفته الريح، كما قال " حسان ":
دِيَارٌ من بَني الحَسْحاسِ قَفرٌ عَفَتْها الريحُ بَعْدَكَ والسماءُ
ولو نظروا إلى " القلعة " قابلتهم الطيرة بالبوار، لأن القلعة، بتحريك اللام، هو الكلام الصحيح، وهي موافقة لجمع قالع من قولك: قلع الفارس عن فرسه، فالواحد قالع والجمع قلعة، مثل ضارب وضربة. ولا عجب من أمر الله: كانوا يرون " القلعة " من أبواب المدينة شامخة في أعنان السماء، ثم تخرج إليهم القلعة من أبواب المدينة.
فانظر إلى هذين المعنيين كيف حسنا مع التضاد؟ و" القلعة " أدام الله حمايتها وإن كانت معقلًا للمسلمين، فقد صارت لما ملكها " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - كالقلعة السحابة العظيمة، واحدة القلع من قول " الباهلي ":
بِقَاعٍ من فَسا ذَفِرِ الخُزامَى تَهادَى الجرْبِياءُ به الحِنينا
تَفَقَّأُ فوقَه القَلَعُ السَّواري وجُنَّ الخَازِبازِ به جُنونَا
وإنما صارت كذلك لأن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يمطر عليهم الإحسان ويبلهم بالمعروف.
ومن سكن لام القلعة من العامة، فهو فأل لأهل البلد وطيرة للعدو، وكأنه المصدر من: قلعت الجيش عن الموضع قلعة. وإنما مملكته في هذا الموطن كما قال " ابن أحمر ":
اِسلَمْ بِرَاووقٍ حُبِيتَ به وانعَمْ صباحًا أَيها الجَبْرُ
ما أُمُّ عُفْرٍ بالغَلاَلةِ لم يمَسَسْ حَشَاها قبلَه غُفْرُ
قَعَدتْ من الشُّمِّ الطوالِ إِلى عنقاءَ يَلغَبُ دونَها النَّسْرُ
فذكر " المفجع " أن " ما " في قوله: ما أم غفر، للنفي، وأن الخبر محذوف. ولا يعجبني هذا القول. وإنما المعنى أنه أراد الاستفهام والتقرير، لأنه يخاطب امرأة ويزعم أنه أشار عليها بأمر فلم تقبل، أي: لو كنت قبلت لكنت كأم الغفر في المنعة والعز. وما، على معنى التقرير كما جاء في الحديث: " أم زرع وما أم زرع " أي: أي شيء هي: على معنى التعجب من الخير الذي هي فيه.
ولو نزل جيش العدو - خذله الله - بظاهر " حلب حرسها الله "، لصادفته القافية على الروي ومنع نومه الرس، وخاف الشجب من الحذو، وفقد الإشباع وفزع إلى التوجيه، وطلب المجرى والنفاذ فوجدهما عزيزين.
[ ١٠٢ ]
وأضر به في ذلك الإقواء وأكفى عن المراد، وعرفه " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - كيف يكون الإيطاء. وحمل البطريق على السناد، وسأل في تضمين وإغرام، ومن له بأن يصل إلى الإجازة أو الإجارة؟ ولكره جيشهم أن يدنو إلى التأسيس، وذهل عن الردف إذا وقع بهم وصل وخروج. فكان صاحب الردف كما أنشد " حبيب بن أوس " في بعض اختياراته " للفرار السلمى ":
عَدمتُ أُناسًا بالجليلِ كأَنما عَميدُهمُ لَيْثٌ بِبِيشَةَ أَقْدَعُ
كأَن ابنة الشَّقْراءِ لمَّا ابتذلتُها بِذي الرِّمْثِ ظَبيٌ من تَبالة أَخْضَعُ
غداةَ يقولُ القَيْنَ هل أنت مُردِفِي وما بين ظهرِ القَيْنِ والرُّمحِ إِصبَعُ
فقلت له يا ابنَ الخَبيثةِ إِنها برَبٍّ خفيفٍ واحدٍ هي أَسرعُ
فإِن يَكُ عارًا يومَ ذاكَ أَتيتُه فِراري، فذاكَ الجيشُ قد فَرَّ أَجمعُ
وهذه الألفاظ التي تقدمت، ملغزة عن حروف القوافي وحركتها، وعيوب الشعر: فأردت بالقافية جماعة يبرزهم السلطان - أعز الله نصره - فيقفون العدو، أي يضربونهم في قفيهم. من قولك: قفوته، إذا ضربت قفاه. فالواحد قاف والجماعة قافية. كما قتلو: رجل سائر ورجال سائرة.
وألغزتها عن قافية البيت.
والروي الماء المروي. ألغزته عن روي الشعر. والماء الروي هو " قويق " المبارك الذي إذا حمل على أنه تصغير: قاق، من قول العامة للغراب: قاق، فهو فأل بالسعادة الدائمة لملك هذا المصر ورعيته. لأن " قويقا " مذ أجراه الله لحلب حرسها الله، لم يصده عنها شيء. فكان مثل قولهم في المثل: ليس غرابهم بمطار. قال " النابغة ":
ولآلِ عَتَّابِ وقَدٍّ سُورَةٌ من المجدِ ليس غرابُها بِمُطارِ
وقيوق على هذا القول، هو ذلك الغراب المذكور في المثل. ونقيض قول " النابغة ". قول " النميري ":
فلو كنتُ معذورًا بنصرِكَ طيَّرتْ صقوريَ غِربانَ البعيرِ المقَيَّدِ
وعنيت بالرس، ما يجده الرجل في قلبه من وجد أو حزن. يقال: وجد رسًا ورسيسًا. ألغزته عن الرس وهو الفتحة التي تكون قبل التأسيس، كفتحة النون في قول " النابغة ":
كِليني لِهَمِّ يا أُميمةُ ناصبِ
وعنيت بالحذو، المصدر من قولك: حذوت المكان أحذوه حذوا، إذا حاذيته. والمكان هو " حلب " حرسها الله. ألغزته عن الحذو في الشعر، وهي حركة ما قبل الردف، تكون مرة فتحة، ومرة ضمة، ومرة كسرة.
وعنيت بالإشباع، المصدر من: أشبعهم الطعام، ألغزته عن الإشباع في الشعر، وهو حركة الحرف الدخيل، ومكانه بين التأسيس والروي. مثل صاد " ناصب " وقد يكون الإشباع حركة ما قبل الروي بغير تأسيس.
وعنيت بالتوجيه، توجيههم في طلب الصلح. ألغزته عن توجيه الشعر. وهي حركة ما قبل الروي المقيد.
وعنيت بالمجرى. مجرى الخيل. ألغزته عن المجرى في الشعر، وهي حركة حرف الروي.
وأردت بالنفاذ، المضاء في الأمر. ألغزته عن النفاذ في الشعر، وهي حركة هاء الوصل. كفتحة الهاء في قول " لبيد:
عَفَتِ الديارُ محلُّها فمُقامُها
وعنيت بالإقواء، فناء الزاد. ألغزته عن إكفاء الشعر. والمكفأ الممال. قال " ذو الرمة ":
ودَوِيَّةٍ قَفْرٍ ترى وجهَ رَكْبِها إِذاع ركبوها مُكفَأً غيرَ ساجعِ
وعنيت بالإيطاء، إيطاء الفرس القتيل. كما قال " زيد الخيل ":
يا بني الصيداءِ رُدُّوا فَرَسي إِنما يُفعَلُ هذا بالذليلْ
عَوِّدُوا مُهري كما عوَّدتُه دَلَجَ الليلِ وإِيطاءَ القتيل
ألغزته عن الإيطاء في الشعر، وهو ترديد القافية مرتين.
وعنيت بالسناد، الناقة الضامرة يحمل عليها البطريق إذا أسر، ألغزته عن السناد في الشعر، من قول " عدي بن الرقاع ":
وقصيدةٍ قد بِتُّ أَجمَعُ شملَها حتى أَقوِّمَ مَيْلَها وسِنادَها
والتضمين، من قولك: ضمن الرجل نفسه سواه، إذا ضمن عنه المال. ألغزته عن التضمين في الشعر، وهو أن يتم البيت والمعنى لم يتم.
بل يكون متعلقًا بالبيت الآخر.
[ ١٠٣ ]
والإغرام، من قولك: أغرمته مالًا. ألغزته عن الإغرام في الشعر، وهو ضرب من التضمين أيسر منه. وقال قوم: بل الإغرام أن يتم البيت ولا تتم الكلمة. وذلك مفقود في أشعار المتقدمين، وربما تكلفه المولدوه.
كما قال بعضهم:
أَبا بكرٍ لقد جاءَتْك عن يحيى بن منصو
رِ الكأسُ فخذْها منه صِرفًا غيرَ ممزو
جةٍ جنّبكَ اللهُ أَبا بكرٍ من السُّو
وعنيت بالإجازة، المصدر من قولك: أجزت القوم دار المخافة، إذا عبرتهم إياها. ألغزتها عن الإجازة في الشعر، وهو اختلاف حركة ما قبل حرف الروي في الشعر المقيد، كما قال امرؤ القيس: " أني أفر " ثم قال: " جميعًا صبر " ثم قال: " واليوم قر " والإجارة، أردت بها: أجرت القوم من العدو. ألغزتها عن الإجارة في الشعر، وهي مثل قول الراجز:
باتتْ وباتَ ليلُها دَبا دبا يَتبعْنَ محبوكَ القَزالِ أَخدَبا
فهو أَخٌ لهذه وعَمُّ تا
وعنيت بالتأسيس، المصدر من: أسست البناء. وإنما أردت تأسيس السور. ألغزته عن تأسيس الشعر. وهو أن تجيء فيه ألف بينها وبين حرف الروي حرف واحد، كألف: ناصب، ونحوها.
وعنيت بالوصل، اتصال المطر، من قول الشاعر:
سُحَيْرًا وأَعناقُ المَطِيِّ كأَنها مدافعٌ ثُعْبَانٍ أَضرَّ بها الوصْلُ
يريد اتصال المطر. والثعابن ينشد هنا بالعين، ولو أنشد بالغين المعجمة لصلح. ألغزته عن وصل الشعر، وهو ألف أو ياء أو واو أو هاء، يكن بعد حرف الروي.
والخروج، أردت به خروج الناس للقتال، ألغزته عن الخروج في الشعر، وهو ألف أو واو أو ياء، يكن بعد هاء الوصل المتحركة.
وقد يحتمل أن أعني بالوصل، وصل القوم خروجهم بعضه ببعض.
وإنما حملته على المطر في القول الأول، لأن المرجفين من أهل ملة العدو يزعمون أنه يؤخر خروجه إلى الشتاء. وأحلف إن كان عزم على الخروج في الربيع ثم انكسر عن ذلك، إنها لأول هزيمة. والكسر إن شاء الله يتبع الكسر، كما قرأ بعض الأعراب: " الحمد لله رب العالمين " فأتبع الكسر الكسر.
أو ليس المتحاربون يواعد بعضهم بعضًا الربيع ونبات الروض؟ ولذلك قال القائل:
قد كنتَ تأَمَنُنا والجَدْبُ دونَكُمُ فاحذرْ إِذا بُقْقُ أَولادِ الجرادِ نَزا
وأنشد " ابن الأعرابي ":
وقد جعلَ الوَسمِيَّ يُنبِتُ بيننا وبين بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطَا
أي تقتتل إذا أنبت الروض، فنترامى عن قسى النبع والشوحط. وقال آخر:
وفي البَقْلِ إِن لم يدفعِ اللهُ شَرَّه شياطينُ ينزو بعضُهن على بَعْضِ
وقال " الإيادي ":
قومٌ إِذا نَبَتَ الربيعُ لهم نبَتَتْ عَداوتُهم مع البَقْلِ
ومن هذا النحو، بيت ينشده أصحاب المعاني:
لو وصلَ الغيثُ أَبْنَيْنَ امرأَ كانت له قُبَّةٌ، سَحْقَ بجادْ
أصحاب يلو جاء المطر واتصل، لرعت الخيل النبت فقويت على الغزو والغارة، فأغرنا على الرئيس صاحب القبة فاحتاج، لأخذنا قبته، أن يتخذ بجادًا خلقًا على عمودين يستتر به ويستظل.
وبعض أهل العلم ينشد هذا البيت:
لو وَصَلَ الغيثُ لأَبْنَيْنَ امرأً
وكذلك ذكره " أبو عمر " في كتاب الياقوت. وهو خطأ لا محالة.
وإنما يفعل ذلك من لا معرفة له بعلم الأوزان، لأنه يرى الوزن وقد نفرت منه الغريزة، فيجذبه بطبعه إلى ما يألف. ألا ترى أن قوله:
لو وَصَلَ الغيثُ لأَبنيْنَ امرأً
هو نصف الرجز التام تقبله الغريزة بلا إنكار؟ إلا أنه إذا فعل به ذلك بعد شكله من النصف الثاني. وقد روت الرواة أشياء كثيرة فأفسدوها في النقل. وسبب ذلك، الذي أخبرتك به. وهذا البيت في أبيات توجد في كتاب الصعاليك الذي يرويه " علي بن سليمان " وهي لرجل من اللصوص. وفيه أبيات قد لحقها في النقل من الفساد مثل ما لحق هذا البيت في رواية رواية من قال: " لأبنين امرأ " والأبيات:
سائِلْ سُلَيمى إِذا لاقيتَها هل تُبْلَغَنْ بلدةٌ إِلا بِزَادْ
قل للصعاليكِ لا تَسْتَحسِروا من التماسٍ وطَوفٍ بالبلادْ
فالسَّيرُ أَحْجَى على ما خيَّلت من اضطجاعٍ على غَيْرِ وِسَاد
لو وصلَ الغيثُ أَبْنَيْنَ امرأَ كانت له قُبَّةٌ، سَحْقَ بِجادْ
[ ١٠٤ ]
وفي كتاب الصعاليك: " لو وصل الغيث أبنين امرأ " بغير لام، وهي الرواية الصحيحة، إلا أن فيه بعد هذا البيت:
وبلدةٍ موحِشةٍ أَرجاؤها أَصداؤها مَغرِبَ الشمسِ تَنَادْ
وقد لحق هذا البيت الفساد بزيادة هاء التأنيث، مثل ما لحق البيت المتقدم بزيادة اللام، وأشبه ذلك أن يكون من سوء النقل. وتصحيح الوزن أن يكون بغير هاء: " وبلدة موحش أرجاؤها " وبعد هذا البيت:
جاوَزْتُها وصاحبي عَيْرانةٌ في مرفقيها عن الدفِّ تَعَادْ
فقد أفسد الوزن بقوله: " وصاحبي " بزيادة الواو. وإنما تصحيح الوزن أن يقال: " جاوزتها صاحبي عيرانة ".
وهذا الفساد متجانس. ولا شك أنه من جهل الرواة. وقد حكى " محمد ابن سلام " عن " يونس بن حبيب " أنه قال: " عجبت لمن يأخذ عن " حماد " وهو يلحن ويكذب ويكسر ". ول " حبيب بن أوس " كتاب يعرف بكتاب القبائل فيه خمس وثلاثون قبيلة من معد بن عدنان، وليس فيه قبيلة من قبائل قحطان! وفيه أبيات من قصيدة " المرقش " التي أولها:
لابنةِ عَجْلانَ بالجزعِ رُسومْ لم يتعفَّينَ والعهدُ قديمْ
وهي في وزن هذه الأبيات الماضية. وفيما ذكر " حبيب " فساد بين.
فيجوز أن يكون أفسده من نسخ الكتاب من بعد " حبيب " ويجوز أن يكون " حبيب " ذكرها على ذلك، لأنه وجدها في النقل، عليه. فأقرها على ما وجد.
ثم أعود إلى حديث الغزو في الربيع.
ألا ترى إلى قوله: " هل تبلغن بلدة إلا بزاد " أي اعذريني يا سليمى فإني لا سبيل إلى الغزو، وذلك لفقد الزاد. وقال " النابغة ":
وكانت له رِبْعِيَّةٌ يعرفونها إِذا خضخضتْ ماءَ السماءِ القبَائِلُ
تحثُّ الحداةَ، جالزًا بردائه يقي حاجبيه ما تثير القناديلُ
ولكن الطاغية هاب العرب وغيرها من جيوش المسلمين فجعل يطلب المعاذير. وقد كان رأي " حلب حرسها الله " في سنة خمس وثمانين ووطيء بساطه من كان بها من الولاة. ولو رآها الثانية لكان كما أنشد " ابن السكيت " " للأسدي ":
لما رأَى برقا يُضِيءُ وميضُه منازلَ من أَسماءَ كانت تكونُها
بكى جَزَعًا من أَن يموت فأَجْهشَتْ إِليه الجِرِشَّي وارْمَعَلَّ خنينُها
ولو خرج في الشتاء كما يدعى أهل ملته، وذلك إذا طلع قلب العقرب، لهره الهراران: شيبان وأخوه. فكان مثله ومثل أصحابه مثل نابحات أصمتها أريز وشفيف، ولكان أصحاب القسي من جنوده في ليلة كليلة " الشنفرى الأسدي " لما ذكرها فقال:
وليلةِ نَحْسٍ يصطلي القوسَ ربُّها وأَقطُعَه التي بها يتنبَّلُ
سريتُ على غَطْشٍ وبَغْشٍ وصحبتي سُعارٌ وإِرزيزٌ وجِنٌّ وأَفكَلُ
يعني بالغطش إظلام البصر، والبغش: المطر الضعيف، والسعار شدة الجوع. قال الشاعر:
تُسَمِّنُها بأَغزرِ حَلبتيها ومولاكَ الأحَمُّ له سُعَارُ
ويقال: السعار شبه الجنون من الجوع: والجن ظلام الليل.
والإرزيز الصوت، كأنه يعني صوت أسنانه من الرعدة. ويجوز، إذا قلنا إن الإرزيز الصوت، أن نجعله ها هنا الرعد " ويقال: الإرزيز، وخز على الكبد من الجوع. والأفكل: الرعدة ".
ولو نزل بهم ذلك لتهادوا أوتاد الخيام ليوقدوها في المجامر، كأنها المجمر أو الغار، ولقال الأعرابي لامرأته وهو يريد الغنيمة وضمها إليه، كما قال " مرة بن محكان " لامرأته وهو يريد إكرام الأضياف:
يا رَبَّةَ البيتِ قُومِي غيرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إِليكِ رِحالَ القومِ والقِرَبَا
يا ليلةً من جُمَادَى ذاتَ أَندِيةٍ لا يُبصرُ الكلبُ من ظلُماتِها الطُّنُبَا
لا ينبح الكلبُ فيها غيرَ واحدةٍ حتى يلفَّ على خيشومِه الذنَبا
إذًا لقال العلج الكافر وقد غمره الصقيع - وهو فيما يزعم يناجي ربه ويستغيث " المسيح " لو أغاثه - كما قال بعض الأعراب لما كلب عليه القر:
أَيارَبِّ إِن القُرَّ أَصبحَ مؤذِيًا وإِني لَسُبروتٌ ومَالِيَ دِرهمُ
فإِن كنتَ يومًا ما جهنمَ مُدْخِلي ففِي مثلِ هذا اليومِ طابت جهنمُ
رويدك رويدك! إن أمامك لأمرين: إسارًا يطيل استخدامك، أو سيفًا يسفك دمك كما قال " الحارثي ":
[ ١٠٥ ]
فقالوا لنا ثنتانِ لا بد منهما صدورُ رماحٍ أُشرِعتْ أَو سَلاسِلُ
ولو نزل خميسهم بحيث يظن المرجفون، وهو وافر كامل، لرأيت الطويل العاتر مديدًا فيهم، والخفيف المقبوض بسيطًا إليهم. فكثر المتقارب عند ذلك بينهم، وسمعوا الهزج والرجز، فعجزوا عن الرمل والمضارع له في تلك الساعة، وكان السريع والمنسرح عندهم محمودين.
وظل جيشهم مجتثًا وعميدهم مقتضبًا؛ واستغنى بما أخذ منهم الخليل وحمل جهازهم على العروض، وكثر فيهم المقيد وقل المطلق.
وهذه الألفاظ ألغزتها عن أجناس الشعر التي رتبها " الخليل: فأردت بالطويل الرمح، وبالمديد الرمح إذا مد إليهم، وهو فعيل من: مددت، في معنى مفعول.
وعنيت بالخفيف السيف، لأن السيوف يقال لها: البيض الخفاف.
وأوهمت أني أريد الخفيف من الشعر.
وأردت بالمقبوض، الذي قبضة الكف على قائمه. وأوهمت أني أريد المقبوض الأجزاء، وهو الذي ذهب خامسه الساكن في الأصيل. وليس في الخفيف من الأوزان قبض، فذلك تقوية للإلغاز.
ووصفت الجيش بالوفارة والكمال، لأن في الشعر وزنين يقال لهما: الوافر والكامل.
وعنيت بالبسيط، المبسوط للضرب، لأن في الشعر وزنًا يقال له البسيط وذكرت الهزج وأنا أعني به هزج السيوف في الضرب، لأن في اشعر هزجًا.
وعنيت بالرجز، ارتجاز القوم في الحرب، لا أني خصصت به الرجز الذي ذكره " الخليل " دون الرجز على مذهب العرب.
وأردت بالرمل، الرمل من السير، كما قال الراجز:
مالَكِ من شيخِكِ إِلا عَمَلُهْ
إِلا رسيمُه وإِلا رَمَلُه
وأردت بالمضارع له، ما قاربه من السير، ومن ذلك قيل للفعل مضارع، لأنه ضارع الأسماء، أي قاربها.
وعنيت بالسريع، الرجل الذي يسع في الهرب.
وبالمنسرح، الذي ينسرح في السير ويمتد، من ذلك: سرحت الغنم إذا أرسلتها.
وأردت بالمجتث، الذي قد اجتث أصله، أي قطع.
وبالمقتضب، الذي قد اتضب من أصحابه، أي اقتطع. والاقتضاب الاقتطاع.
والمتقارب، أردت به الخطو المتقارب من الفزع، أو الرجل الذي تقارب خلقه، أي انضم وتضاءل من الخوف.
فهذه أجناس العروض الخليلية، قد مضت في هذا الفصل على معنى اللغز والتورية.
وأردت بالخليل، الفقير. ألغزته عن " الخليل بن أحمد ".
وأردت بالعروض، الناقة التي لم تكمل رياضتها. ألغزتها عن عروض الخليل قال الشاعر:
ورَوْحةِ دُنيا بين حَيَّينِ رُحتُها أَسيرُ عروضًا أَو قضيبًا أَرُوضُها
وأردت بالمقيد، رجلًا قيد.
وبالمطلق، من يطلق من الإسار.
وزعم المرجفون من أله ملة الطاغية، أنه قد أمر قومًا من أهل عمله، بحفر أماكن في بلده ظن المرجفون أن حفرها يكون قوة لزيادة الماء في السعيد " قويق " - جعله الله الغمر السائح - وإنما سميته السعيد لأن النهر الصغير يقال له سعيد، وجمعه سعد. قال " أوس بن حجر ":
وكأَن أَظعنَهم مُقَفِّيةً نَخلٌ مَوَاقِرُ بينها السُّعُدُ
ولأنه سعد بقربه من " السيد عزيز الدولة " أعز الله نصره " وبكونه شربًا للمسلمين. وفي قدرة الله تعالى أن يجعله في الآخرة من أنهار الجنان.
وزعموا أن ذلك الموضع يتصل بالسواجير. وتلك السواجير في أعناقهم إن شاء الله.
وهذا فن من الكذب دل على نزول الطاغية بدار المعجزة. وكيف لنا أن يذهب الله عمرو! وما له في تقوية " قويق " السعيد حتى يكون ثالثًا للرافدين وهما " دجلة والفارت "؟ قال " الفرزدق ":
أَميرَ المؤمنين وأَنت عَفٌّ نَقِيٌّ لستَ بالوالِي الحريصِ
بعثتَ على العراقِ ورافِديه فَزارِيًّا أَحَذَّ يدِ القميصِ
وحتى يعظم سمكه فتصير واحدته، وهي دون الشبر، تزيد على شبر الرجل أي قامته؛ وحتى تكون صغاره التي يعمل من مثلها الصحناء، حيتانًا تشبع أخيذتها جماعة يشكون اسغب، وحتى تجري فيه السفن والفرافير، وحتى يكون النازل بحلب حرسها الله، كما قال القائل:
يا صاحِ أَلمِمْ بأَهلِ الفصرِ والوادي وحبَّذا أَهلهُ من حاضرٍ بَادِ
تُزجَى فَرافيرُه والعيسُ واقفةٌ والضَّبُّ والنُّونُ والملاَّحُ والحادِي
[ ١٠٦ ]
وقد مضى القول في أن " قويقًا " المبارك، طيرة لهم. فكلما زادوه من قوة فإنما يرجع وبالًا عليهم. ولعل هذا الغراب المصغر في قول العامة، يعظم فيصير عقابًا إن شاء الله، فتكون مضرة عدوها أعظم.
لأنه إذا فتك بهم وهو صغير من أفرخة الغربان، فكيف به إذا عد من الكواسر المختطفات؟ ولعله إن شاء الله يصير العنقاء التي يذكرها الناس ويضربون بها المثل. فإذا صار كذلك، صارت جموع الأعداء قوتًا في كل أوان. وذلك أن بعض الرواة زعم أن العنقاء المذكورة كانت طائرًا عظيمًا فاختطفت صبيًا في بعض الأيام، فدعا عليها " حنظلة بن صفوان " - وهو نبي أهل الرس فيما يقال - فغابت إلى اليوم.
ولو كان عنده من القوة ما يدعيه أهل ملته، لشرع في قطع " قويق " السرى، لا في تقويته. وإنما وصفته بالسرى، لأن السرى النهر الصغير.
وهو سرى في نفسه، من: السرو، لأن ماءه نمير يروي الواردة ويسقي الأرض المجاورة، وقلما يغرق كما يفعل غيره من الأنهار الخضارم.
وإنما مثل " قويق " ومثل الروم في هذا الحديث المصنوع، مثل رجلين يتحاربان، في يد أحدهما نصل من نصال السهام وقد شق على الآخر مكانه في يده، فكان ينبغي إن كان من أهل القوة أن ينتزعه من يد ذلك الرجل، لا أن يشرع في زيادته وتقويته حتى يوجد سنانًا أو سيفًا.
ولولا أن الكذب لا يحسن بأهل الإسلام ولا بأحد من الناس، لجازيناهم على كذبهم الظاهر، وكنا فيما نفعل بريئين من الملامة.
وذلك أن فاعل القبيح من القبائح على سبيل الجزاء، لا يحسب ذميمًا في الرأي. قال الله " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " وجل: " ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين ".
فالمكر منهم ذميم، والمكر الثاني على سبيل الجزاء، فهو خارج عن المعنى الأول. وقال " عمرو بن كلثوم ":
أَلاَ لا يَجهَلَنْ أَحدٌ علينا فنَجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا
فالجهل الأول قبيح، والثاني على طريق الجزاء فليس بقبيح.
ولم نكن لنرضى في مجازاتهم بالمماثلة، ولكن نضعف ونزيد. لأن ذلك من أفعال الله تعالى، يجزي على السيئة والحسنة بالخلود الدائم، إما في الشقوة وإما في النعيم.
وما الذي كنا نقول لو استحسنا ذلك؟ كنا نزعم أن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - قد راسل " أمير المؤمنين الظاهر لإعزاز دين الله " بأن يأمر الحفدة والأعوان والعلماء بالهندسة ومجاري المياه، أن يصرفوا البحر عن مدينتهم " قسطنطينية " إلى جهة أخرى، حتى ينضب مما بينها وبين بلاد المسلمين من ماء البحر، فيصير أرضًا مسلوكة تسافر فيه الناقة والبعير، ويمكن الجيوش المنصورة أن تسلكه لفتح مدينتهم التي بها دار المملكة، فما حجزهم عن ذلك بصدر الإسلام إلا البحر.
وقد روى أن رسول الله ﷺ قال: " أما فراس فنطحة أو نطحتان، ثم لا فارس بعدها " والروم ذات القرون أهل صخر وبحر، هيهات آخر الدهر.
وإنما قلت ذلك لأن بعض أصحاب السير من الفلاسفة، ذكر أن ما بين " الإسكندرية " وبلادها وبين " القسطنطينية " كان في قديم الزمان أرضًا تنبت الجميز، وكانت مسكونة وخمة، وكان أهلها من اليونانية. وأن " الإسكندر " خرق إليها البحر فغلبت أمواهه على تلك الأرض. وكان بها فيما يزعمون " ققنس " الطائر الذي تدعى الفلاسفة فيه تلك الدعوى المستطرفة، وأنا أذكر من دعواهم ما سنح: يزعمون أن هذا الطائر طائر حسن الصوت، وأنه كان في بلاد اليونانية.
فإذا حان موته زاد حسن صوته قبل ذلك بسبعة أيام، حتى لا يمكن أحدًا أن يسمع صوته، لأن يغلب على قلبه من حسن ذلك الصوت ما يميت السامع. وأنه يدركه قبل موته بأيام طرب عظيم وسرور فلا يهدأ من الصياح. ويزعمون أن عامل الموسيقى من الفلاسفة، أراد أن يسمع صوت ققنس في تلك الحال، فخشي إن هجم عليه أن يقتله حسن صوته، فسد أذنيه سدًا محكمًا، ثم قرب إليه فجعل يفتح من أذنيه شيئًا بعد شيء حتى استكمل فتح الأذنين في ثلاثة أيام، يريد أن يتوصل إلى سماعه رتبة بعد رتبة، ولا يبغته حسنه في أول مرة فيأتي عليه. ويزعمون أن ذلك الطائر هلك فلم يبق منه ولا من ولده شيء. وكأنهم يرون أن ماء البحر غشي ققنس ورهطه بالليل في الأوكار، فلم تبق له بقية.
وهذا حديث يذكر للعجب منه.
[ ١٠٧ ]
وأهل الفلسفة يزعمون أن البلاد الوخمة، يكون أهلها أصح أفهامًا من أهل البلاد الصحيحة، لأن الهواء إذا صح والماء إذا كان نميرًا، دعوا إلى شهوة الطعام، والاستكثار منه مضر بالفهم. وقد قال الأولون: البطنة تذهب الفطنة.
ويقال إن بعض الفلاسفة أراد ملك من الملوك قتله، فتحوب من قتله بالسيف، فأعطاه قدحًا فيه سم ليشربه، وأعلمه بذلك فظهرت منه مسرة وفرح. فقال له أصحابه: ما هذا أيها الحكيم؟ فقال هل أعجز أن أكون مثل ققنس؟ أو كنا تقول لهؤلاء السفهاء: إن " السيد عزيز الدولة " أعز الله نصره، يراسل أمير المؤمنين في خرق " بحر القلزم " إلى " بحر الروم " ليكثر الماء على مدينتهم فيغرقها. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: " لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
أراد بالخزي فتح مدينتهم العظمى، ولا بد لها أن تفتح فيما يقال.
والله يجعل ذلك على يدي " السيد عزيز الدولة، أعز الله نصره ".
وزعيم الروم قد ألف الغدر ونشأ عليه من شب إلى دب:
والشيخُ لا يتْركُ عاداتِه حتى يُوارَى في ثَرَى رَمْسِهِ
وقال " حاتم بن عبد الله الطائي ":
ومَنْ يبتدعْ خِيمًا سوَى خيمِ نفسه يَدَعْه ويَغلبْه على النفسِ خِيمُها
وإنما قلت ذلك لأنه خرج إلى هذه البلاد مرتين وهو فيما يزعم سلم للحمدانية، فجعل غنيمته من رعاياهم وبلادهم في المرتين. وقد طرقت سرية له " معرة النعمان " في سنة خمس وثمانين، فكان مثله مثل " عمرو بن هند " والطائيين: كان بينه وبينهم عهد، فغزا " عمرو " في جيش فأخفق، فلما قفل المريض بقوم من طيء يسكنون السهل فأخذهم ففي ذلك يقول " عارق الطائي ":
أَلا حَيِّ قبل البَيْن من أَنت عاشقُهْ ومَنْ أَنتَ موموقٌ إِليه ووامقُهْ
ومَنْ لا تُوَاتى دَارُه غيرَ فَيْنةٍ ومَنْ أَنت تبكي كلَّ يومٍ تَفارقُه
تَحُثُّ بصَحراءِ الثوِيةِ ناقتي كعَدْوِ رَبَاعٍ قد أَمَخَّتْ نواهِقُه
إِلى الملك الجبرِ ابنِ هند تزورُه وليس من الفَوْتِ الذي هوَ سابقُه
أَكُلُّ خميس أَخطأَ الغُنْمَ مَرَّةٌ فَصادَفَ حَيًّا غافلًا فهو سائقه
فإِن نساءً غير ما قال قائلٌ غنيمةُ سُوءٍ بينهن مَهارقُه
ولو نيلَ فيما بيننا لحمُ أَرنبٍ وفَيْنَا، وهذا العهدُ أَنت مغالِقُه
حلَفتُ بهَدْيٍ مُشعَرٍ بَكَراتُه تُحَثُّ بصحراءِ المَرِيطِ دَرادِقُه
لَئِنْ لم تُغيِّرْ بعضَ ما قد صنعتُمُ لأَنتحِيَنْ لِلعَظمِ ذو أَنا عارقُه
فأما إيعاده فعجز وفشل. والمثل السائر: الصدق ينبي عنك لا الوعيد.
وأما " القلعة " أدام الله حمايتها، فكما قال القائل:
فما تَبْلغُ الأَرْوَى شماريخَها العُلاَ ولا الطيرُ إِلا نَسْرُها وعُقَابُها
ولا طمِعتْ فيها أَمانيُّ طالبٍ ولا نَبحَتْ إِلا النجومَ كِلابُها
وقال " عمرو بن أمامة " لعمرو بن هند:
مَنْ مُبلغٌ عمرَو بنَ هند رسالةً إِذا استَحْقَبَتْها العِيسُ تَهوِي من البُعْدِ
أَيوعِدُني والرمْلُ بيني وبينَه تأَمَّلْ رُوَيدًا ما أُمَامَةُ من هنْدِ
ومن أَجَأٍ حولي رِعانٌ كأَنها قنابلُ خَيْل من كُمَيتِ ومن وَرْدِ
غَدَرْتَ بأَمْرٍ أَنتَ كنتَ اجتذبتَنا إِليه، وبئسَ الشِّيمَةُ الغَدْرُ بالعَهْدِ
وقد يَترُكُ الغَدْرَ الفتى وطعامُه إِذا هو أَمسى، جُلُّهُ من دَمِ الفصْدِ
فويحه! ألا فعل فعل " عامر بن حوين الطائي " مع " امريء القيس ابن حجر "؟ وذلك أن " امرأ القيس " لما قتل أبوه وتشتت ملك بني آكل المرار، جاوز جبلي طيء فنزل ب " عامر بن جوين " وهو بالجزع.
[ ١٠٨ ]
ومع امريء القيس يومئذ جهاز وأثاث من بقايا المملكة، وعلى نسائه حلى ونظام فكانت امرأة عامر بن جوين ترى على نساء امريء القيس من الحلي واللباس ما لا تصل إلى مثله، فجعلت تحسن لعامر الغجر به حتى هم بذلك وتردد في نفسه، إلا أنه تهيب الغدر. فيقال إنه لما طال عليه ما يعتلج في صدره من حديث الغدر والوفاء، أتى موضعًا بالجزع وهو خال من الناس فصاح بأعلى صوته: " غدر عامر بن جوين " فأجابه الصدى: غدر عامر بن جوين. ثم صاح: " وفي عامر بن جوين ".
فأجابه الصدى: وفي عامر بن جوين. فقال لنفسه: هاتا أحسنهما. ثم انصرف إلى امرأته فأخبرها أنه لا سبيل له إلى الغدر بامريء القيس.
ثم إن " امرأ القيس " ظن بعامر ظنن السوء وخاف أن يغدر به.
فتحمل عنه بأهله وماله. ففي ذلك يقول " عامر بن جوين ":
أَأَظْعانُ هندٍ تلكمُ المُتَحمِّلَهْ لتُحزِنَ قلبي خُلَّتِي المتدِلِلَّهْ
أَلم تَرَكم بالجَزْعِ من مَلِكات وكم بالصعيدِ من هِجَانٍ مؤَبَّلَه
فلم أَرَ مِثلَهما خُباسةَ واحدٍ ونَهنهتُ نفسي بعدما كدتُ أَفْعلَه
إِذا هَزَّتِ العنقاءُ دونِيَ رأسَها كجِيدِ العروسِ أَصبحتْ متعطِّلَة
فآليتُ لا أُعطي مليكًا مَقَادةً ولا سُوقَةً حتى يعيشَ ابنُ مَنْدله
الخباسة: الغنيمة. والعنقاء: هضبة في الجبلين. " وابن مندلة " ملك قديم ضرب به المثل لأنه مشهور. كما قال " الهذلي ":
وحتى يئوبَ القارظانِ كِلاهما ويُنشَرَ في القتلى كليبٌ لوائلِ
و" قويق " السعيد إذا أراد كيد العدو، فإنه مصغر على معنى التكبير، كما قال " لبيد ":
دُوَيهيَّةٌ تَصفَرُّ منها الأَناملُ
ولو خرج في الأشهبين، والعامة تسمى ذلك الوقت الكوانين، لكان شطر هذه الكلمة طيرة له بالكي. وقد حدث بعض من ورد من حضرة هذا الرجل وادعى الخبرة بما عنده، أنه يعرض له صداع شديد. وأنه يداوي منه بالكي، ففي رأسه مسامير كثيرة. والمثل السائر: آخر الدواء الكي.
وبعضهم يقول: آخر الداء الكي. وكلاهما له معنى قال الراجز:
يُنْقَضُ مني كُلَّ يومٍ شَيُّ
وأَنا في ذاكَ صحيحٌ حَيُّ
والمرءُ يُفنيه المَدَى والطيُّ
وآخِرُ الداءِ الدويِّ الكي
والعامة إذا أنكروا ما يأتي به الرجل قالوا: يجب أن يكون على رأسه صليب. وملة هذا الرجل تقتضي أن يكون كيه مصلبًا. وما خير شيخ قد كوى رأسه ذات المرار؟ وقد علمنا أن " سحيمًا " لما ابتهل في الدعاء قال:
وَرَاهُنَّ ربيِّ مِثْلَ ما قد وَرَيْننِي وأَحْمَى على أَكبادِهنَّ المَكاوِيا
وإنما مثله في سه وتنقض جسمه الكي الذي برأسه، مثل " عمرو ابن أحمر " لما قال:
لَبِسْتُ أَبي حتى تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ وأَبْلَيْتُ أَعمامي وأَبليتُ خاليا
وما كنت أَخشى أَن تكون مَنِيَّتي ضَرِيبَ جِلاَدِ الشَّوْلِ مَحْضًا وصافيا
شربتُ الشُّكاعَى والتددتُ أَلِدَّةً وأَقبلتُ أَفواهَ العروقِ المكاويا
أُرَجِّي شبابًا مُطْرِهِمًّا وصحةً وكيف رجاءُ المرءِ ما ليس لاقِيا
ولسنا نعيره الكبر ولا غيره من القضية، وإن كان القائل قد قال:
إِذا عُيِّروا قالوا مقاديرُ قُدِّرتْ وما العارُ إِلا ما تَجُرُّ المقادِرُ
لأن المثل: لا تسخر من شيء فيحور بك: وقال " عمرو بن شرحبيل ": لو عيرت رجلًا برضاع الغنم، لخشيت أن أرضعها. وقال بعض التابعين: إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني أن أعيبه إلا مخافة أن أبتلي به. وزعم الرواة أن " الأخطل " لما بلغه قول " جرير ":
جارَيْتَ مُطَّلَعَ الرِّهانِ عَشِيَّةً رَوْقًا شبيبتُه وعُمْرُكَ فان
قال: " أديل والله مني النابغة الجعدي " وذلك أنهما كانا تهاجيا والنابغة شيخ والأخطل شاب. فعيره الأخطل مسنه، قال:
لقد جارَى أَبو ليلى بقَحْمِ ومُنْتَكِثٍ عن التقريب وانِ
فهذا من قولهم: لا تسخر من شيء فيحور بك.
وأنشد " ابن الأعرابي ":
لا يَبْعُدَنْ عهدُ الشابِ ولا لذاتِه وزمانِه النَّضْرِ
[ ١٠٩ ]
والمُرْشِقَاتِ من الخدور كإِي مَاضِ الغمامِ صوَاحبِ العِطْر
هَزِئتْ زُنَيْبَةُ أَنْ رأَتْ ثَرَمِي وأَن انحنى لِتقادُمٍ ظهري
حتى كأَنيَ خاتِلٌ قَنصًا والمرءُ بعدَ تمامِه يَحرِي
لا تَهزئي مني زُنَيْبَ فما في ذاكِ من عجَبٍ ولا سُخرِ
أَوَ لم تَرَىْ لُقمانَ أَهْلَكهُ ما اقتاتَ من سَنَةٍ ومن شهْرِ
وبقاءُ نِسْرٍ كلما نفدتْ أَيامُه عادت إِلى نَسْرِ
وحدث بعض الواردين من حضرة هذا الرجل بأشياء يكنى عنها. ولكنا نجعل البدل من ذكرها إنشاد أبيات ل " امريء القيس " وأبيات ل " الفرزدق " لأنهما كانا يتاظهران بطلب المنكرات. قال " امرؤ القيس ":
سَمَوتُ إِليها بعد ما نام أَهلُها سُمُوَّ حَبَابِ الماءِ حالًا على حالِ
فقالتْ سَبَاكَ اللهُ إِنكَ فاضِحي أَلستَ ترى السُّمَّارَ والناسَ أَحوالي
فقلت يمينَ اللهِ أَبرَحُ قاعدًا ولو قطعوا رأسي لدَيْكِ وأَوصالي
حلفتُ لها باللهِ حِلفةَ فاجر لَناموا فما إِنْ مِنْ حديثٍ ولا صَال
وقال " الفرزدق ":
ترى قُضُبَ الأراك وهنُّ خُضْرٌ يَمِحْنَ بها وعِيدانَ البَشام
بكَرْنَ به على بردٍ عِذابٍ وليس بُكورُهنَّ على الطعامِ
سَيُبْلِغُهُنَّ وَحْيَ القولِ عني ويُدخِلُ رأسَه تحت القِرامِ
أُسَيِّدُ ذو خُرَيِّطةٍ ضئيلٌ من المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُمامِ
فقُلن له نَواعِدُكَ الثريا وذاكَ إِليه مُرتَفَعُ الزحامِ
ثلاثٌ واثنتان فهن خمسٌ وسادِسةٌ تميلُ إِلى الشِّمامِ
وأفحش في أبيات لا أذكرها، ثم وصف كبره فقال:
رمَتْني بالثمانينَ الليالي وسهمُ الدهرِ أَقْتَلُ سَهمِ رامِ
رآني الغانياتُ فِقُلن: هذا أَبونا جاءَ من تحتِ الرِّجامِ
رأَيْنَ لِدَاتِهن مؤزَّراتٍ وشَرْخَ لِدِيَّ أَسنانُ الهِرَامِ
ولو جَدَّاتُهن سأَلن عني قرأنَ عليَّ أَضعافَ السلامِ
ولو كان هذا الرجل ولد له في اقتبال عمره، لكان ولد ولده كهولًا.
وقد أنشد " عاصم بن بهدلة القاريء " ل " زر بن حبيش " صاحب " ابن مسعود " وعنه أخذ " عاصم " القراءة:
إِذا الرجالُ ولدتْ أَولادُها
واضطربتْ من كِبَرٍ أَكتادُها
وجعلتْ أَوجاعُها تعتادُها
فهْيَ زروعٌ قد دَنَا حَصَادُها
والذي يوجب ما وقع إلينا من أخباره، أنه في عشر السبعين. وقد يولد للإنسان وهو ابن اثنتي عشرة سنة. وقد روي أن " عمرو بن العاص " كان أكبر من ولده " عبد الله " باثنتي عشرة سنة.
وقال " كثير ":
وإِني لأَسْتأنِي ولولا طماعتي بعَزَّةَ قد جمَّعتُ بين الضرائرِ
وهَمَّتْ بناتي أَن يَبِنَّ وحُمِّمَتْ وجوهُ رجالٍ من بَنِيَّ الأَصاغرِ
وقد يمكن أن يكون هذا، في ابن ثلاثين وما دونها من السنين.
فلو كان ولد لهذا الرجل - وهو زائد في السن عن هذا العدد الذي ذكر لعمرو بن العاص ﵀ - حتى يكون ابن خمس عشرة أو ابن ثماني عشرة، وهي الأشد في قول بعض المفسرين، لكان أولاده " شيوخًا.
لأن " عطاء بن أبي رباح " روى عن " عبد الله بن عباس " في قوله تعالى " ثم لتكونوا شيوخًا " قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة فهو شيخ.
وقد اختلف ذلك، فقال أصحاب اللغة: إذا غلب البياض على السواد في اللحية فالرجل شيخ. وحكى " قطرب " أن الرجل يقال له من سبع عشرة إلى أربع وثلاثين: شاب، ومن أربع وثلاثين إلى إحدى وخمسين كهل، ثم هو شيخ إلى أن يموت. وقال المفسرون قي قوله تعالى: " ويكلم الناس في المهد وكهلًا ": الكهل: ابن ثمان وعشرين سنة، وقيل: ابن ثلاثين. وأقوال الناس تختلف في هذا اختلافًا شديدًا. وقد تردد في أخبار النبي ﷺ، أن شابًا من قريش فعل وصنع. وهو المعنى بذلك. ولم يبعث ﷺ حتى بلغ أربعين سنة.
وقال " مروان بن الحكم بن أبي العاصي ":
[ ١١٠ ]
ما قلتُ يومَ الدارِ للقومِ حاجزِوا عن الموتِ واستبقوا الحياةَ على الذُّلِّ
ولكنني قد قلتُ للقومِ ضارِبُوا بأَسيافِكم حتى يَصِلْنَ إِلى الكهْلِ
يعني " عثمان بن عفان " وهو يومئذ ابن نيف وثمانين سنة. وكان ﵁ - فيما يزعمون - يخضب بالصفرة. وروى أصحاب الأخبار أن " نائلة ابنة الفرافصة الكلبي " - و" ابن حبيب " يقول: الفرافصة، بفتح الفاء - لما دخلت على " عثمان " قال لها: أتقومين إلى أم أقوم إليك؟ قالت: ما كنت لأقطع إليك عرض السماوة، وأكلفك أن تقطع إلى عرض السرير. فقال لها: لا يغرنك الشيب، فإن وراءه ما تحبين.
فقالت: إني من نساءٍ أحبُّ أزواجهن إليهن الكهل.
فسمته كهلًا.
و" الأصمعي " يذهب إلى أن شعر اللحية إذا اتصل ولم يبق فيه مزيد، فالرجل كهل. وقال بعض الناس: إذا رأى الشيب الرجل فهو كهل، ولذلك يقال للنبات: اكتهل. إذا أزهر.
وقد كان يجب على هذا الرجل أن يأخذ نفسه بشيم أهل السن.
وقد يكون الإنسان على الطريقة العادلة، ثم يستيقظ فيلزم القصد. قال " زهير ":
صَحَا القلبُ عن سلمى وأَقصر باطلُه وعُرِّيَ أَفراسُ الصِّبا ورواحلُه
وأَقْصَرتُ عمَّا تعلمينَ وسُدِّدتْ عليَّ سِوَى قَصْدِ السبيلِ مَعَادِلُه
وقال " أعشى قيس " وكان أحد غواة العرب:
فإِن أَخاكِ الذي تعلمين لياليَنا إِذ نَحُلُّ الجِفارا
تبدَّل بعدَ الصِّبا حِكمةً وقنَّعه الشيبُ منه خمارا
فإِمَّا تَريْني على آلة قلَيْتُ الصِّبا وهجرتُ التِّجارا
فقد أُخرِجُ المُسْتَرا ةَ من خِدْمِها وأشِيعُ الفِجارا
وأحسن من هذا الانتقال عن الغي إلى الرشد، ما قال " الأعور الشني ":
وإِني لأَرجو أَن أَموت ولم أَنَلْ حرامًا من الدنيا: زِناءً ولا خَمْرا
وما أَطلعتْني بِنتُ جارٍ مجاوِرٍ على سِرِّها حتى أَسوقَ لها مَهْرا
وقول " الدعيل بن الكلب العنبري ":
وما أَعجبَتْني حُلَّةٌ فوق خاربٍ رأَى اللهُ حَظِّي غيرَها فكسانِيا
وما أَنا بالجاذي على حَدِّ مرْفَقي إِلى جارتي ليلًا لأُصبحَ زانِيا
وقول الآخر:
نارِي ونارُ الجارِ واحدةٌ وإِليه قَبْلِي تُنزَلُ القِدْرُ
ما ضرَ جارِي إِذ أجاوِرُه أَلا يكونَ لِبيتِه سِتْرُ
وفي الحديث المأثور: " أبغض الناس إلى الله، الشيخ الزاني والفقير المحتال ".
وحدث رجل يعرف ب " مشرق بن عبد الله " - وأصله رومي وهو من أهل القرآن ومقامه الآن بحلب حرسها الله، وكان في صحبة محمد ابن عبد الله الفصيصي - أن هذا الرجل له ولد من امرأة ليست تحل لمثله على رأي أصحاب الشرائع، وأنه قد جعل له رتبة. ورأيه، إن مات أخوه قبله، أن يقر بنسبه ويجعل الملك إليه. فمثله في هذا مثل " معاوية " و" زياد ابن أبيه " وإذا صح أمر هذا الولد، فمثله مثل قول الشاعر وهو يروي ل " أم تأبط شرًا ":
ليت شعري ضَلَّة أَيُّ شيءٍ قَتَلكْ
أَمرِيضٌ لم تُعَدْ أَم رصيدٌ خَتَلَكْ
والمنايا رصدٌ للفتى حيث سَلك
كلُّ شيءٍ قاتل حينَ تَلْقَى أَجَلَك
ليت نفسي قُدِّمتَّ للمنايا بَدَلَكْ
أَيُّ شيءٍ حَسَنٍ في الفتى لم يك لك
والأبيات معروفة، وقد ذكرها صاحب الحماسة وإنما ضربت بها المثل لهذا الولد، لأنها تحتمل أمرين: أن تكون من الوزن المديد، وهو من أهل بيت المملكة في الشعر، لأنه أخو الطويل والبسيط وإن كان مقصرًا عنهما، وهو معهما في دار الملك. وعنيت بدار الملك: الدائرة التي تجمعه وأخويه. فمثله مثل " إبراهيم بن شكلة " خرج اسمه بالغناء، وأخواه " موسى وهارون " الملكان. والأمر الآخر في هذه الأبيات أن تكون من الرمل، وهو من عامة الشعر. وبذلك حكم عليها أهل العلم.
[ ١١١ ]
ولذلك يجب أن يحكم على هذا الولد بأنه من العامة لا من الملوك، لأن رسول الله ﷺ قال: " الولد للفراش، وللعاهر الحجر " وفي حديث آخر: " وللعاثر دعدع وللعاهر الحجر " ومر رسول الله ﷺ بأمة مجح - وهي الحامل المقرب - فقال: لم هذه؟ قالوا: لفلان. قال: أيلم بها؟ قالوا: نعم. قال: " لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره. كيف يورثه وهو لا يعرفه؟ أم كيف يستخدمه وهو لا يعرفه؟ ".
فقول نحن: إن الميراث ليتفاضل. ورسول الله ﷺ كره أن يرث ولد الأمة شيئًا قليلًا امرأة المال، لأنه ملا يعرف أبوه. فكيف يورث هذا الرجل ملكه امرأة لا يثبت نسبه في الأحكام؟ أم كيف يكو ملك جيل من الأجيال من ولد لغير رشدة وقد علم أهل الملك بذلك؟ إن هذا لهو الخزي العظيم.
والعرب، على أنهم كانوا أهل رتب وشقوة، يعيبون على الرجل والمرأة قلة المهر. قال " جرير ":
تُساقُ من المِعْزَى مُهورُ نسائِهم وفي قزمِ المِعْزى لهنَّ مهورُ
وقال آخر، وهو كالمفتخر بكثرة المهر:
إِني وإِنْ سِيقَ إِليَّ المَهرُ عبدٌ وقيناتٌ وذُودٌ عَشْرُ
أَحَبُّ أَصهارِي إِليَّ القبرُ
فأما الفقهاء فيختلفون في المهر اختلافًا كثيرًا: فأجاز بعضهم التزويج على ما قل وما كثر، ولم يجعل في المهر حدًا يعرف. وممن ذهب إلى ذلك " محمد بن إدريس الشافعي ".
وقال " أبو حنيفة " وأهل العراق: عشرة دراهم أقل المهور.
وقال " مالك ": المهر ربع دينار.
وروى عن " إبراهيم النخعي " في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها أنه قال: المهر رطل امرأة ذهب. وهذا قول لم يأت على الجزم والإيجاب.
والقول الثاني: أربعون درهمًا. والقول الثالث أنه قال: أحب عشرة أو عشري، ليكون مخالفًا لمهر البغي.
وروى العرب " سعيد بن جبير " أنه قال في أقل المهور: خمسون درهمًا.
وروى عن " الأوزاعي " أنه قال كلامًا معناه: أنه من تزوج على درهم لم ينقض عليه قاض. فيروون أن مذهبه في أقل المهور هو الدرهم الواحد.
وقال " ابن شبرمة " خمسة دراهم.
وروى أن " سعيد بن المسيب " زوج ابنته على درهم.
فأما الذي توجبه المروءة والديانة، فأن يكون مهر امرأة على مقدار حال الرجل: فإن كان موسرًا حسن منه أن يكثر مهر امرأته. وإن كان مقترًا عذر في التقصير.
وذكرت المهر لأن ولد الرومي جائز أن تكون أمه لم تعط مهر بغي ولا غيره.
وإنما يمكن أن تكون هذه الأبيات الكافية من المديد لأنه إذا حمل على أخويه وجب أن يكون على ثمانية أجزاء، ولم تستعمله العرب إلا سداسيًا.
وأطول ما استعملت منه: " إن بالشعب " ونحوها. إلا أن أهل العلم يضعون له أصلًا ثمانيًا ليكون مثل أخويه. فمن ذلك قول القائل:
ليس مَن يشكو إِلى أَهلِه طولَ الكرَى مثْلَ مَنْ يشكو إِلى أَهلِه طولَ السَّهَرْ
الأبيات الكافية مشطور هذا الوزن.
ولهذا الولد ولهذين الملكين مثل آخر: وهو أنهما إذا كانا مثل الضربين الأولين من البسيط، وهما ملكان، والأول منهما هو الأكبر والثاني منهما هو الأصغر، فهذا الولد إن صح أنه من أهلهما فهو مثل الثالث من البسيط، لا يعرف في الظاهر أن بينه وبين الأولين قرابة، لأن الأول مثل قول " الأعشى ":
ودِّعْ هُريرةَ إِن الركْبَ مُرتحِلُ
وهو " بسيل ".
والثاني مثل قول " كعب ":
بانتْ سُعادُ فقلبي اليومَ مَتبولُ
وهو " قسطنطين ": والثالث مثل قول " عمرو بن قميئة ":
الكأْسُ مُلْكٌ لمنْ أَعملَها والملْكُ منه كبيرٌ وصغير
منها الصَّبوحُ التي تتركني ليثَ عِفرِّينَ والمالُ كثير
وأَولَ الليلِ لَيْثٌ خادِرٌ وآخرَ الليلِ ضِبْعَانٌ عَثور
وهذا الوزن في السمع بعيد من نمط الوزنين الأولين، وإنما يعلم بقرابته منهما أهل الخبرة. و" الخليل " سمى هذا الوزن الثالث: مذالًا.
أخذه من الذيل لأن في الجزء زيادة حرف ساكن.
ونحن نتأوله إذا نقلناه إلى ذلك الولد، أنه من الإذالة، أي الهوان.
[ ١١٢ ]
وللأخ الأصغر من الأخوين أولاد إناث. فمثلهن مثل الضروب الثلاثة الأخيرة من البسيط: فيهن انكسار وضعف وركاكة. وهذه الأوزان الثلاثة لا يستعملها المحدثون إلا أن يخبنوا الثالث منها في العروض والضرب، فيستعملوه عن ذلك. وإنما توجد شاذة في أشعار الليل ومن بعدهم من القالة.
وإذا قدم عهد الشاعر كان ديوانه مظنة لمثل هذه الأوزان النادرة، وما أفلح وزن منها قط. وربما ندر بيت بعد بيت، ولا يجيء حسنًا في السمع إلا أن يلحقه بعض التغيير عما هو في الأصل. فمن ذلك قول " عبيد ":
تَصبو وأَنَّى لكَ التصَابي أَنَّى وقد راعك المَشِيبُ
وفيها.
مَنْ يسأَلِ الناسَ يَحرِموه وسائلُ اللهِ لا يَخيبُ
فهذان البيتان إنما حسنا في الوزن لأجل شيء سقط منهما فقبلتهما الغريزة الخالصة. ألا ترى إلى قوله:
والمرءُ ما عاش في تكذيبِ طولُ الحياةِ له تعذيبُ
كيف هو مخالف لهذين البيتين؟ فقد يجوز أن تحسن عقول الروم لها إذا فقد هذان الأخوان، أن تملك بعض بنات الأصغر، فيكون مثلها مثل ما استقام من هذا الوزن في السمع، وهي مع ذلك ضعيفة ركيكة. والروم ربما ملكت النساء وبعض الناس يقول: " الزباء الرومية " - يعني صاحبة " جذيمة " - ينسبها إلى الروم. وتمليك امرأة صحيحة النسب في بيت الملك، أحسن من تمليك رجل لم يثبت نسبه.
وإذا شبهنا الطاغية بالضرب الأول من البسيط، وظهر من الدروب ناقضًا للسلم، ف " عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يلحق به الطي أو الخبل. فإنه إذا طوى تغيرت هيئته وذهب أيده. والطي الذي وضعه " الخليل " هو ذهاب الرابع من السباعي. ونحن نعني به المصدر من قولك: طواه الله، أي أهلكه. وقد طوى " زهير " الضرب الأول من البسيط في موضعين. في أول النصف الأول، وفي أول النصف الثاني. وذلك قوله:
يَطعَنُهمْ ما ارتموَا حتى إِذا طُعِنُوا ضارَبَ حتى إِذا ما ضارَبوا اعتنَقا
و" السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - لا يرضى له بالطي في موضعين، بل يطويه في أربعة مواضع ليكون التغيير له أشد، وحاله عند من عرفها أنكر. ألا ترآ إلى قول " الباهلي ":
إِني أَتتْني لسانٌ لا أُسَرُّ بها من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ
لو دخل معه قول القائل:
ارتحلوا غُدوَةً فانطلقوا بُكَرًا في زُمَرٍ منهم تتبعُها زُمَرُ
لكان بعيدًا عن شكله غير ملائم له في وزنه؟ وهذا البيت الثاني قد لحقه الطي في أربعة أماكن.
والخبل الذي وضعه " الخليل " هو سقوط الثاني والسابع من السباعي كما قال " النابغة ":
فَحسَبُوه فأَلْفَوه كما حَسَبتْ
وقد مضى ذكره.
ونحن نعني بالخبل فساد الأعضاء وتغير العقل من الهلع، كما قال " متمم ":
وكلُّ فتًى في الناسِ بعدَ ابنِ أُمِّه كذَاهبَة إِحدى يَدَيْه من الخبْلِ
ويقال: أصاب بنو فلان بني فلان بخبل؛ أي بقطع أيد وأرجل.
وإذا قالوا: فلان مخبول؛ فإنما يريدون اضطراب العقل وتغيره.
ولم يكن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يقتنع بخبله في موضع واحد، بل يجمع له الخبل في أربعة مواطن حتى ينكره أدنى الأحباء وأعز القرابين، فيكون مثله مثل هذا البيت:
وزعَموا أَنهم لَقيَهم رجلٌ فأَخذوا مالَهُ وضربوا عُنُقَه
ألا ترى أن حاله تغيرت حتى أنكرته الأذن ونفر منه الحس؟ فلو أقسم مقسم أنه لا يناسب قول " زهير ":
بانَ الخَليطُ ولم يَئودُوا لِمنْ بانُوا
ولا قوله:
إِن الخَليطَ أَجَدَّ البَيْنَ فانفرقا
لعذر في ذلك.
وإن لم يشبه بالبسيط الأول وجعلناه من الطويل الذي هو أشرف وأجل، فإن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يلقاه بالثرم.
وهو فيما وضعه " الخليل " مثل قول الشاعر:
هاجَها رَبْعٌ دارِسُ الرسْمِ باللوَى لأَسماءَ عَفَّى آيَهُ المُورُ والقَطْرُ
ونحن نعني بالثرم قولنا: ثرم الرجل، إذا سقطت مقاديم أسنانه.
وثرمه غيره ثرمًا. ونضيف له إلى ذلك، الكف. وهو في رأي " الخليل " سقوط السابع من الجزء السباعي ففي هذا الوزن. كما ينشد بعض الناس:
سآخُذُ مِنكُمْ آلَ حَزْنٍ بِحَوْشبٍ وإِن كان مولايَ وكنتم بَنِي أَبِي
[ ١١٣ ]
وهكذا في النسخ القديمة. وقد غيره بعض الناس كراهة الكف، قالوا:
وإِن كان لي مولى وكنتم بني أَبي
ونحن نعني بالكف أشياء كثيرة: إن شئت كف البصر، وإن شئت كف اليد؛ وكل منع يقع بالإنسان فهو كف. ويقبض " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يد عوده أن تنبسط. كما قبضت عروض الطويل فلم ينشرها أحد من الفصحاء المتقدمين ولا نشرها أحد من فحول الإسلام.
غير أن " الجعفي " فعل ذلك في كلمته التي أولها.
لِجنِّيَّةٍ أَمْ غادةٍ رُفعَ السَّجفُ
وهو قوله:
تَفكُّرُه عِلْمٌ ومَنطِقُه حُكْمُ وباطنُه دِينٌ وظاهرُه ظَرْفُ
وقد عابه عليه " اسماعيل بن عباد، الصاحب ".
وإنما يزول قبض هذه العروض في التصريع إذا وقع في الضرب الأول.
ولم يكن - أعز الله نصره - يخليه من القبض في مواضع سوى هذه، كما قال " امرؤ القيس ":
سَمَاحةَ ذا وبشرَ ذا ووفاءَ ذا ونائلَ ذا، إِذا صَحَا وإِذا سَكِرْ
والقبض سقوط الخامس. ويجوز أن نعني به قبض النفس، من قولك: قبض الله روحه. وهل يأمن المتعرض لمضرة المسلمين - وإن كان مثله مثل قول " امريء القيس ":
أَلا انْعِمْ صباحًا أَيها الطلَلُ البالي
ومثل قول " الشماخ ":
أَلا يا اصْبَحاني قبلَ غارةِ سِنْجالِ وقبل منايا نازلاتٍ وأَشغالِ
أن تدور عليه الدائرة فينعكس أمره حتى يحسب من الأركاء الضعفاء؟ فإن هذين البيتين وغيرهما من الأبيات التامة المحسوبة من الطويل والبسيط، تدور عليهن الدائرة التي وضعها " الفرهودي " فيصرن في رتبة قول " إسماعيل بن القاسم ":
عُتْبَ ما للخيالِ خبِّريني ومالِي
ما لَه لم يَزُرْني طارقًا مُذْ ليال
وهذا من أضعف أوزان الشعر وأركهن. ولم تستعمله الجاهلية ولا الفحول في الإسلام. وإنما عمله " إسماعيل بن القاسم " على هيئة اللعب. وإذا أردت أن تخرج من قول القائل:
قِفَا نَبْك من ذكرى حبيبٍ وعرفان
مثل قول " إسماعيل ":
عُتبَ ما للخَيالِ
فأسقط من أوله: " قفا نبك من " والذال والكاف من " ذكرى " ثم زد أسقطت من أول البيت، على آخره. فإنه يخرج منه وزن بيتين من أبيات " إسماعيل " لأن كل بيت من أبياته مثل نصف هذا الوزن.
ولم يكن " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - يعدمه حذفًا و" الخليل " لم يذكر الحذف إلا في الضرب الثالث. وهذا الحذف الذي ذكرت، هو شيء يحدث في آخر النصف الأول، كما قال " النابغة ":
جزى اللهُ عَبْسًا، عبسَ آلِ بَغيضٍ جزاءَ الكلابِ العاوياتِ، وقد فَعَلْ
وكما قال " القتال الكلابي ":
لقد ولدتْ لي بنتُ عبدِ منافِ أميمةُ، عزًّا إن غضبتُ ومَغضَبَا
وإنما عنيت بالحذف نقصًا يلحق الطاغية في جسده أو عسكره.
ولو قرب وهو يريد الحرب، وقد مثلته بالطويل. لأدركته المعاقبة من " السيد عزيز الدولة " - أعز الله نصره - وذلك أن " الخليل " جعل المعاقبة في الطويل سقوط الخامس من السباعي تارة، وسقوط السابع أخرى.
وأنا أعني بالمعاقبة مصدر: عاقبته، من العقوبة.
وإن كان في عسكره بطاريق ورؤساء يجرون مجرى الوافر والكامل لأنهما لا يبلغان رتبة أملاك الشعر - وهي خمسة: الطويل بضروبه الثلاثة، والضربان الولان من البسيط - فإن " السيد عزيز الدولة "، أعز الله نصره، يلقي من كان منهم في منزلة الوافر بالعضب والعصب والعقص والقصم والعقل والنقص، ويجعل ذا الرمح منهم أجم.
وذلك أن " الخليل " جعل الأعضب مثل قول " الحطيئة ":
إن نزل الشتاءُ بدارِ قومٍ تجنَّبَ جارَ بيتهمُ الشتاءُ
وقد جاء في شعر " الجعفي " مثل هذا وهو قوله:
إِنْ تكُ طيِّيءٌ كانتْ لِئامًا
والأعقص عند " الخليل " مثل قول القائل:
لولا مَلِكٌ رءوف رحيم تغمَّدَني برحمته هلكت
والأقصم عند " الخليل " مثل قول " هدبة ":
إِني من قُضاعة مَنْ يَكِرْها أَكِرْه وهْيَ مني أَمانِ
إن سكنت الياء فهو أقصم، وإن حركتها فهو أعضب.
والعقفل عند " الخليل " مثل البيت المنسوب إلى " كعب بن زهير ":
وحِفْظي الوُدَّ للأَخِ المُداني
إذا خففت الخاء.
والنقص عنده مثل قول الآخر:
[ ١١٤ ]
إِني من القوم الذين إِذا فارَقهم جاراتُهم أَثنَيْنا
أَثْنَيْن من حُسْنِ السلام عليهمُ يومًا وإِن ذُكِرَ الفراقُ أَبَيْنا
وله أحكام ليس هذا موضع ذكرها. وإنما أخذ من القطاة الحذاء وهي السريعة ويقال بل هي القصيرة الذنب، قال الشاعر:
أَما القَطاةُ فإِني سوف أَنعَتُها نعتًا يوافِقُ نعتي بعضَ ما فيها
حَذَّاءُ مدبرةً سَكَّاءُ مُقبِلةٍ سُودٌ قوادمُها حُمْرٌ خَوافيها
وفي خطبة " عتبة بن غزوان ": إن الدنيا قد أدبرت حذاء فلم يبق منها صبابة كصبابة الإناء ".
وعنيت بالحذذ أن أموالهم تؤخذ فيسرعون الهرب فيكونون حذا في السرعة وحذا في خفة متاعهم، لأنه كالريش لهم. فيشبهون بالقطا الحذ أي القصار الأذناب.
والإقعاد في الكامل، مثل قول " الربيع بن زياد ":
أَفبعدَ مَقْتَلِ مالِكِ بنِ زُهَيْرٍ ترجو النساءُ عواقِبَ الأَطهارِ
وقد فسرت الإقعاد الذي قصد في العدو.
والإذالة في الكامل، زيادة ساكن على آخر الضرب السابع، كقوله:
إِنْ كنَّ أَثوابي خَلُقْنَ فإِنهن على كرِيمْ
والإذالة للعدو، هي الإهانة.
والترفيل في الكامل، زيادة حرفين في آخر الضرب السادس، كقوله:
نَهْنِهْ دموعَك إِن من تبكي من الحَدَثانِ عاجزْ
وعنيت بالترفيل الذي يمنع منه العدو، المصدر من قولك: رفلته، إذا سودته. وقد مر ذكره.
ولا يفتأ صغار العدو الذين لا يصل إليهم القتل لاحتقارهم وللرغبة في ملكهم، يصيبهم الشتر والخرب، كما أصاب الهزج والمضارع.
وهما من صغار الأوزان. فالأخرب في الهزج كقوله:
لو كان أَبو بشرٍ أَميرًا ما رضيناهُ
والأشتر كقوله:
في الذين قد ماتوا وفيما خلَّفوا عِبْرَه
والأخرب في المضارع كقوله:
إِن تَدْنُ مِنه شِبْرًا يُقَرِّبْكَ منه باعا
والأشتر منه كقوله:
مَالِكٌ وابنُ زَيْدٍ يَجيئانِ بالمُحَالِ
فالأشتر من صغار العدو إنما يشتر على غير عمد، يصيبه ذباب سيف ما قصد به، أو نحو ذلك.
والأخرب هو المثقوب الأذن، واسم الثقب الخربة. قال " ذو الرمة ":
كأَنه حبَشِيٌّ يبتغِي أَثرًا أَو من معاشِرَ في آذانِها الخُرَبُ
فيجوز أن يؤخذ صغير من القوم فتثقب أذنه للتقريط، أو تسبى امرأة فتثقب أذنها كذلك، أو يجذب قرطها قتخرب أذنها، أي يزول ذلك الذي كان يستمسك به القرط من شحمة الأذن.
وإنك لتجد في عامة الأوزان مثل المديد والرمل والخفيف، شكل العجز وشكل الطرفين، وكذلك تجد في العدو إن شاء الله: فشكل العجز في اشعر، هو أن يجتمع في الجزء سقوط السابع للكف، والخبن وهو سقوط الثاني. ويكون ذلك الخبن لغير معاقبة، كقوله:
لِمَنِ الديارُ غيَّرهن ك لُّ دافي المُزْنِ جَوْنِ الربابِ
وعنيت بشكل العجز في العدو، أن يؤخذ الأسير فتربط رجلاه إلى عجزه.
وشكل الطرفين في الشعر، سقوط السابع للكف، وسقوط الثاني للخبن، ويكون ذلك الخبن لمعاقبة، كقوله:
ليت شعري هل لنا ذاتَ يومٍ بِجُنوبِ فارعٍ من تلاقِ
وعنيت بشكل الطرفين في العدو، أن يؤسر الرجل فتشد يداه ورجلاه.
ولو وقع بأمر الله الزحاف، لقفاهم إن شاء الله بالعروض جنود المسلمين، فأصابهم من العذاب المتكاوس، ونزل بهم من الشر المتراكب، ومن النكال المتدارك، ومن الهلاك المتواتر، ومن الخزي المترادف.
وهذه ألفاظ ملغزة: أردت بالزحاف، المصدر من قولك: زاحف القوم عدوهم يزاحفونه زحافًا. ألغزته عن زحاف الشعر.
وقول: لقفاهم، أي تبعهم. ألغزته عن قولك: قفاهم. أي جعل لهم قافية، من قافية البيت.
والعروض ها هنا: الناحية. قال " الأخنس بن شهاب ":
لِكُلِّ أُناسٍ من مَعَدٍّ عِمَارةٍ عَروضٌ إِليها يلجئون وجانِبُ
ألغزته عن عروض الخليل.
والمتكاوس، الذي بعضه فوق بعض. قال " القطامي ":
تَخدَّدَ عنها لَحمُها المُتَكاوِسُ
ألغزته عن المتكاوس من القوافي، وهو الذي يبنى على أربعة أحرف متحركة بعدها ساكن كقول الراجز:
هلاَّ سأَلتَ طللًا وحُمَمَا
فقوله: وحمما، متكاوس.
[ ١١٥ ]