" لا تذموا القتادة فإن لها علينا حقًا " قيل: وما ذاك؟ قال: " أنها لم تنبت بأرضنا ".
ولو كنت بالغًا في الأدب أطورى، لكنت في تلك الحضرة كالقطرة تحت الصبير، والحصاة إلى جانب " ثبير ". فما بالي وأنا مثقل استعان بذقن، وطفل بهش إلى يفن، وذليل عاذ بقرملة، وعبد هتف بأمة؟ والربيع أغفلت الكمأة؛ وعند المنهل نسيت المزادة. كل امري يغدو بما استعد، وقيل الرماء تملأ الكنائن؛ فماذا يصنع من لا كنانة له ولا عدة عنده؟ قد أضاء الصبح لذي عينين، فهل يضيء لمن لا عينين له؟ ولست ممن يعتب عليه، إنما يعاتب الأديم ذو البشرة، ولا قوة عند العشرة. وفي شهري ناجر تكفأ الظعن إلى قراس وإذا طلع قلب العقرب حبت إلى القوم تهامة. والكسير قد يعلو الرابية، والعاشية تهيج الآبية، ولو ترك القطا ليلًا لنام.
يا قطوف، سبقت الوساع فالحقي، إنها من طير الله فانطقي.
هيهات! ما بالوادي من محتطب، حبذا المنتعلون قيامًا.
ومن العناء رياضة الهرم ريا عبير وبهار، يغني المهرية عن المهار. قد عرض نشر عنبر، منع نجيبًا من معبر.
وقد علم الله، جل اسمه، أني أستنزر ل " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " خلد الله أيامه - كل كثير، فلو حملت إلى حضرته الذهب لظننته صفرًا، أو الإيمان لحسبته نفاقًا وكفرًا؛ ولو جعلت شجر الكافور والألوة قوتًا للنار أوقدتها مهنته في الصنبر تدفع بها قرة ذوات وبر، أوهمتني المحبة أني قد ونيت؛ ولو أهديت ظباء المسك إلى الصوائد التي بين يديه، خيلت لي عظمته أني جنيت. لا جعلني الله ممن يعد الصربة من أفضل جنى، ويغدو بالخرز ليضحي به في " منى ". والمؤبرة خير من الوبرة، وإن كانت ليست بالخيرة. وكل الصيد في جوف الفرا، ولكن من يقدر عليه؟ وهل يطرق أهله بالجأب المسحور من يعجز عن مقطعات السحور؟ وأنا كصاحب المثل، قال: أين أغدو إذا صبحتموني؟ فقالوا: أعن صبوح ترقق؟ وأذكر حاجتي قبل أن أبرم فأجرم، لأن من أتى بالإبرام وقع في عظيم الإجرام: لي - أطال الله بقاء السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء - أولاد أخ قد أوذموا على أنفسهم من خدمتي ما ليس بلازم؛ وأصغرهم سنًا طفل صغير قد وكل بي في الصبارة، كلما أحس بحمام اليانوسة لدى أحياها بالحمم؛ إلى غير ذلك من المآرب، لا يمكن قضاؤها بنفسي.
ولهم أوالب في مدينة " حماة " ولتلك الحوبات أشقاص في أملاك يأمل هؤلاء الحسكل - والأمل ساحر ساخر، وربما وجد هو الصادق. وله نوعان كأنهما برقان: هذا خالب، وهذا للمطر جالب - أن يصيبهم نفع من تلك السهمة. ورفع رافع إلى الحضرة العالية، أن حقًا يجب للخزانة المعمورة على أرض أولئك الدرد النهابل، وسألوني، والمسألة حرمة، أن أسأل " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " في ذلك. فاستحييت أن أكلفهم في اليوم القصير لماسات وروب، ويسألوني شهلاء هي في العمر كالبدر في الهالة والقراب في الخلة والمتقارب في الدائرة، فأردهم عنها مكبوتين، وإنما هي الزهرة في الأفق والوضيعة من الشقر.
وكان يجب علي، من فرط الإجلال، أن أقول لهم ما قال " زرارة " لولد " سويد بن ربيعة " وقد تعلقوا به عند " " عمرو بن هند ": " يا بعضي دع بعضًا ".
ولكن حملني أطيط الحاسة وعلمي بكرم الشيمة، على النهضة بغير جناح، وركوب الصعبة بلا أحلاس. وأنا أجله لفهمه وفطنته، مثل ما أجله لعزه وسلطانه، ولو جاء رجل في طمرى برس أو سمل فراري، أو عاريًا لا يصل إلى الطرائد ولا الهيب، يتلهف على منقل أو سميط تحذى له من أم الهنيبر أو غيرها من الهنبر، ويعتمد على خوارة كأنها منسأة الميت، ولديه الجن العاملة، وفيه من الأدب والعلم بعض ما في " السيد عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء " خلد الله أيامه، خنعت له بالعظمة والترفيل.
[ ١ ]
وقد أشرت عليهم بترك تنجزهم الصفح عن ذلك، وقلت: الصبر على القناعة أقبل من سوء الصناعة، والكريم يجب أن يستحيا منه، والجمرة إلى الجمرة نار ينتفع بها المقرور، والنغبة مع أختها ري الظمآن.
فأبوا إلا غير ذلك وقالوا: إنا لا نحمل أوقًا كان موضوعًا فيما سلف. وهذه الأيام المشرقة لو رأتها " دوس " لما قال القائل منهم: ذهب الخير مع عمرو بن حممة.
فجشموني كلامًا في ذلك، فقبح الله معزى خيرها خطة، وشجرًا أطوله التربة، ومؤرثات للضيفان أكثرها ضرامًا ما يوقده أبو الحباحب.
فما برحوا، والكاذب خائب، يرمون بالسروة ويفتلون في الذروة، ويقردون العود النافر، ويزجون ثقالًا قيد فما أيد، ويحدون بأم الربيق على أريق. حتى همت النعامة بكروع، وعزم الضب على الشروع. وأني للوليدة بأزمان القردة؟ ومن الفند أن يسأل نعمان في بريرة، ويلتمس من رياض الحزن إنبات الزهرة. وإذا عذلتهم في ذلك، فلهم أن يقولوا: لأفقر منا يهدي غمام أرضنا، وسائمتنا أحق بما نبت في عرضنا.
وقد وصلوا بهذه الرسالة رقعة يرجون بها من اليد العالية توقيعًا مؤبدًا لا يكون بعده القول مرددًا، بل يحسم بإيجاب طمع كل ناظر وجاب.
فإن جاءت بالنجح فلله الحمد ثم للسيد " عزيز الدولة وتاج الملة أمير الأمراء ". إذا كرم الزندان لم تتعب في القدح اليدان؛ ومن وقف على العناقة أروى الناقة، ومن نزل " تبالة " نفض البالة.
وإن خابت، فهي حقيقة بالخيبة. المطية رجاحة، والأذن فيها جاحة؛ وإن ثعالة لا تبنى العالة. ولو أصغى المسمع إلى ما يأمر به حسن الأدب، لم أحفل بحظيات لقمان، ممن صدق أو مان، ولا احتملت أسهم القارة خيفة من الحقارة. لأن المسألة في التافه أنبأت عن اللب النافه.
وإنما جعلت هذا المقدار تافهًا، لشرف مقدار المسئول. فأما أنا فمذهبي أن الدرهم يقع عليه اسم المال الكثير. ولو كان في الوجذ فراشة وفي المحل الممحول غذيمة، لكفيت الغافلة من رماها، والجازئة من اسّماها.
ولهؤلاء القوم أريضة ليست بالأريضة، هي من قلة العمل كالمريضة. غراسها ليس بعميم، وثمرها بين الثمر كبنى يربوع في بنى تميم؛ إلا أن أولئك حمدوا في الغارة، وذم هذا حين يغير. وحين يختبز لا يطيب منه الخبز. وما سقى منها بالأبق والأديم، فهو العناء المنصب في الحادث وفي القديم؛ يشتكيه المالك ومن يعمل فيه، ويجعل حليمًا مثل سفيه.
كأن ماءه المنتزع كافر محتقر، غفر له بعد ما مسته سقر، فقد عولي به من أسفل سافلين إلى أعلى عليين. وربما غار ونكز، فلم يفل الملطس في إخراجه حتى يرجع إلى قرواه. تود بهيمة أصعدته، لو كانت في سواد ذي القرنين، تحمل أوتاد خيام أو غيرها من أثقال اللئام، وتسافر من المشرق إلى المغرب، وتراح من هذا البؤس الدرب. إذ كان سفرها لا ينفد وعذابها يجدد. ولا يقنع لها القدر بالأين حتى يأمر بتخمير العين. فالخطوة من العبء قصيرة، والعين عمياء بصيرة. وهي في أوقات النجر يكف بصرها عند الفجر فتنظر إلى القمر دون الشمس، ويومها في الشقوة نظير الأمس. وربما تكون ليست بالزعلة فيستأجر لها غلام عارم لا كريم هو ولا مكارم. فيسوقها بالعجراء سياقة عنيف ويمزق جلدها تمزيق الخنيف. فهي تروى الناضر ولا تلقاه، وتسمع قسيب الأزرق ولا تسقاه. وتمر عليها الدجالة من الرفاق، فإذا سمعت صوت الحافر هاج ذلك عليها طربًا وحزنًا، وذمت إلى الله القادر معاشًا لزنًا.
وترد جباها الواردة، فإذا حمل أمرها على ما ظهر من اللفظ العربي في الكتاب الكريم من قوله عزت كلمته: " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ".
وعلى ما جاء في الحكاية عن النملة: " يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ".
وعن الهدهد في قوله " تعالى ": " إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ".
فجائز أن تضمر هذه البهيمة أو تقول باللسان ما لا يفهمه كل إنسان، من كلام معناه: رب صلف تحت الراعد، وساع دأب لقاعد.
تقرى البائسة وترد الرائسة.
ردِي رِدِي وِرْدَ قَطاةٍ صَما
كُدْرية أَعجبها بردُ الما
[ ٢ ]
ذهب سيري وساري، وشربت الشاربة قراي. كأن تعبي ما يهبه الله سبحانه لأهل الدار الآخرة كلما فنى نعيم فالله بمثله زعيم. والحوادث بين المنتظر والملقى، والشقاء بعث للشقى. أدرك ما جبيته التلف، ومن قواي أمل الخلف. وأي قوة للمخلوقين؟ لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ما لعملي من ريع، لقد صدق " أخو بني قريع ":
قد يجمعُ المالَ غيرُ آكلِهِ ويأْكلُ المالَ غَيرُ مَن جَمَعهْ
ولا يمتنع في قدرة الله، أن يرد فارس كميت أو ورد، فإذا شرع في نمير ذي برد، ربطه بالكثب من المثاب.