وينصرف عنه رشيدًا إلى حميد بن ثور فيقول: إيه يا حميد! لقد أحسنت في قولك.
أرى بصري قد رابني بعد صحَّة، وحسبك داءً أن تصح وتسلما
ولن يلبث العصران: يومٌ وليلةٌ إذا طلبا، أن يدركا ما تيمما
فكيف بصرك اليوم؟ فيقول: إنَّي لأكون في مغارب الجنَّة، فألمح الصَّديق من أصدقائي وهو بمشارقها، وبيني وبينه مسيرة ألوف أعوامٍ للشمس التي عرفت سرعة مسيرها في العاجلة! فتعالى الله القادر على كلّ بديع.
فيقول: لقد أحسنت في الدالية التي أوَّلها:
جلبانةٌ ورهاء، تخصي حمارها
بفي من بغىخيرًا لديها الجلامد
إزاء معاشٍ لا يزال نطاقها
شديدًا، وفيها سورةٌ، وهي قاعد
[ ٦١ ]
تتابع أعوامٌ عليها هزلنها،
وأقبل عامٌ ينعش النّاس واحد فيقول حميدٌ: لقد ذهلت عن كلّ ميمٍ ودال، وشغلت بملاعبة حورٍ خدال. فيقول: أمثل هذه الدالية ترفض وفيها:
عضمَّرةٌ فيها بقاءٌ وشدَّةٌ
ووالٍ لها، بادي النّصيحة جاهد
إذا ما دعا: أجياد؟؟؟؟! جاءت خناجرٌ
لهاميم، لا يمشي إليهنّ قائد
فجاءت بمعيوف الشّريعة مكلعٍ
أرشَّت عليه بالأكفِّ السّواعد وفيها الصّفة التي ظننت القطاميَّ أخذها منك، وقد يجوز أن يكون سبقك لأنّكما في عصرٍ واحد، وذلك قولك:
تأدَّبها، في ليل نحسٍ وقرِّةٍ،
خليلي أبو الخشخاش، والليل بارد
فقام يصاديها، فقالت: تريدني
على الزَّاد؟ شكلٌ بيننا متباعد؟!
إذا قال: مهلًا، أسجحي، لمحت له
بزرقاء لم تدخل عليها المراود
كأنّ حجاجي رأسها في ملثَّمٍ،
من الصخر، جونٍ أخلقته المراود هذه الصِّفة نحوٌ من قول القطاميِّ:
تلفِّعت في طلٍّ وريحٍ تلفُّني،
وفي طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبونٍ توقد النّار بعدما
تصوَّبت الجوزاء قصد المغارب
فما راعها إلاّ بغام مطيةٍ،
تروح بمحصورٍ من الصوت لاغب
وجنَّت جنونًا من دلاثٍ مناخةٍ،
ومن رجلٍ عاري الأشاجع شاحبٍ
تقول، وقد قرَّبت كوري وناقتي:
إليك! فلا تذعر عليَّ ركائبي والأبيات معروفةٌ، وقلتهذه القصيدة:
فجاء بذي أونين أعبر شأنه،
وعمِّر حتى قيل: هل هو خالد؟؟!
[ ٦٢ ]
فعزَّاه، حتى أسنداه كأنَّه،
على القرو، علفوفٌ من التُّرك ساند وفيها ذكر الزُّبدة:
فلمّا تجلَّى اللَّيل عنها وأسفرت،
وفي غلس الصُّبح الشُّخوص الأباعد
رمى عينه منها بصفراء جعدةٍ
عليها تعاينه، وعنها تراودٌ فيقول حميدٌ: لقد شغلت عن زبدٍ، وطرد النّافرة من الرُّبد، بما وهب ربَّي الكريم، ولا خوف عليَّ ولا حزن.
ولقد كان الرجل منا يعمل فكره السَّنة أو الأشهر، في الرَّجل قد آتاه الله الشَّرف والمال، فربّما رجع بالخيبة، وإن أعطى فعطاءٌ زهيدٌ، ولكنَّ النّظم فضيلة العرب.
ويعرض لهم لبيد بن ربيعة فيدعوهم إلى منزله بالقيسيَّة، ويقسم عليهم ليذهبنَّ معه، يتمشون قليلًا، فإذا هم بأبياتٍ ثلاثةٍ ليس في الجنَّة نظيرها بهاءً وحسنًا، فيقول لبيدٌ: أتعرف أيُّها الأديب الحلبيٌّ هذه الأبيات؟ فيقول: لا والذي حجَّت القبائل كعبته! فيقول: أمَّا الأول فقولي:
إنّ تقوى ربِّنا خير نفل، وبإذن الله ريثى وعجل
وأمّا الثاني فهو قولي:
أحمد الله، فلا ندّ له، بيديه الخير، ما شاء فعل
وأمّا الثالث فقولي:
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال، ومن شاء أضلّ
صيَّرها ربِّي اللّطيف الخبير أبياتًا في الجنَة، أسكنها أخرى الأبد وأنعم نعيم المخلَّد.
فيعجب هو وأولئك القوم ويقولون: إنَّ الله قديرٌ على ما أراد.
ويبدو له، أيَّد الله مجده بالتأييد، أن يصنع مأدبةً في الجنان، يجمع فيها من
[ ٦٣ ]
أمكن من شعراء الخضرمة والإسلام، والذين أصلّوا كلام العرب، وجعلوه محفوظًا في الكتب، وغيرهم ممّن يتأنس بقليل الأدب. فيخطر له أن تكون كمآدب الدار العاجلة، إذ كان البارىء، جلَّت عظمته، لا يعجزه أن يأتيهم بجميع الأغراض، من غير كلفةٍ ولا إبطاءٍ، فتنشأ أرحاءٌ على الكوثر، تجعجع لطحن برٍّ من برّ الجنّة، وإنَّه لأفضل من برِّ الهذليِّ الذي قال فيه:
لا درّ درِّي إن أطعمت رائدهم
قرف الحتيِّ وعندي البرُّ مكنوز بمقدارٍ تفضل به السموات والأرضين، فيقترح، أمضى القادر له اقتراحه، أن تحضر بين يديه جوارٍ من الحور العين، يعتملن بأرحاء اليد: فرحىً من درٍّ، ورحىً من عسجدٍ، وأرحاءٌ لم ير أهل العاجلة شيئًا من شكل جواهرهنّ. فإذا نظر إليهنّ، حمد الله سبحانه على ما منح، وذكر قول الرّاجز:
أعددت للضَّيف وللجيران جريتين تتعاوران
لا ترأمان وهما ظئران يصف رحى اليد.
ويبتسم إليهنَّ ويقول: اطحنَّ شزرًا وبتًّا. فيقلن: ما شزرٌ وما بتّ؟ فيقول: الشَّزر على أيمانكنَّ، والبتُّ على شمائلكنَّ، أما سمعتنَّ قول القائل:
ونصبح بالغداة أترَّ شيءٍ، ونمسي بالعشيِّ طلنفحينا
ونطحن بالرَّحى شزرًا وبتًّا ولو نعطى المغازل ما عيينا
ويقال: إن هذا الشَّعر لرجل أسر فكتب إلى قومه بذلك.
ويحبس في صدره، عمَّره الله بالسُّرور، أرحاءٌ تدور فيها البهائم، فيمثل بين يديه ما شاء الله من البيوت، فيها أحجارٌ من جواهر الجنّة، تدير بعضها جمالٌ تسوم في عضاه الفردوس، وأينقٌ لا تعطف على الحيران، وصنوفٌ من البغال والبقر وبنات
[ ٦٤ ]
صعدة، فإذا اجتمع من الطَّحن، ما يظنُّ أنَّه كافٍ للمأدبة، تفرَّق خدمه من الولدان المخلَّدين فجاؤوا بالعماريس، وهي الجداء وضروب الطّير التي جرت العادة بأكلها: كأبجاج العكارم، وجوازل الطّواويس، والسَّمين من دجاج الرَّحمة وفراريج الخلد، وسيقت البقر والغنم والإبل لتعتبط؛ فارتفع رغاء العكر ويعار المعز، وتؤاج الضأن، وصياح الدِّيكة، لعيان المدية. وذلك كلُّه، بحمد الله، لا ألم فيه، وإنَّما هو جدُّ مثل اللَّعب، فلا إله إلاّ بالله الذي ابتدع خلقه من غير رويّةٍ، وصوَّره بلا مثال.
فإذا حصلت النَّحوض فوق الأوفاض، والأوفاض مثل الأوضام بلغة طيّء قال، زاد الله أمره من النَّفاذ: أحضروا من في الجنَّة من الطُّهارة السّاكنين بحلب على ممرّ الأزمان، فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ، فيأمرهم باتِّخاذ الأطعمة، وتلك لذِّةٌ يهبها الله، عزَّ سلطانه، بدليل قوله: " وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وأنتم فيها خالدون. وتلك الجنَّة التي أورثتموها بما كنتم تعملون. لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ منها تأكلون ".
فإذا أتت الأطعمة، افترق غلمانه الّذين كأنَّهم اللّؤلؤ المكنون، لإحضار المدعوِّين، فلا يتركون في لجنَّة شاعرًا إسلاميًا، ولا مخضرمًا، ولا عالمًا بشيءٍ من أصناف العلوم، ولا متأدَّبًا، إلاَّ أحضّروه. فيجتمع بجدٌ عظيمٌ والبجد: الخلق الكثير، قال الشاعر:
تطوف البجود بأبوابه، من الضُّر في أزمات السّنينا
فتوضع الخون من الذهب، والفواثير من اللُجين، ويجلس عليها الآكلون، وتنقل إليهم الصَّحاف، فتقيم الصِّحفة لديهم وهم يصيون ممَّا ضمَنته كعمر كويّ وسريٍّ وهما النّسران من النّجوم.
فإذا قضوا الأرب من الطّعام،
[ ٦٥ ]
جاءت السُّقاة بأصناف الأشربة، والمسمعات بالأصوات المطربة.
ويقول، لا فتىء ناطقًا بالصواب: عليَ بمن في الجنة من المغنيِّن والمغنِّيات: ممّن كان في الدار العاجلة، فقضيت له التَّوبة.
فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ من رجالٍ ونساءٍ: فيهم الغريض، ومعبدٌ وابن مسجحٍ، وابن سريجٍ؛ إلى أن يحضر إبراهيم الموصليُّ وابنه إسحاق. فيقول قائلٌ من الجماعة، وقد رأى أسراب قيانٍ قد حضرن، مثل بصبص ودنانير وعنان: من العجب أن الجرادتين في أقاصي الجنَّة. فإذا سمع ذلك لا برح سمعه مطروقًا بما يبهجه، قال: لابدَّ من حضورهما. فيركب بعض الخدم ناقةً من نوق الجنَّة، ويذهب إليهما على بعد مكانهما فتقبلان على نجيبين أسرع البرق اللامع. فإذا حصلتا في المجلس، حيَاهما وبشَّ بهما وقال: كيف خلصتما إلى دار الرحمة بعدما خبطتما في الضلال؟ فتقولان: قدرت لنا التَّوبة ومتنا على دين الأنبياء المرسلين. فيقول: أحسن الله إليكما، أسمعانا شيئًا من التي تروى لعبيد مرة ولأوس أخرى وما سمعتا قطَ بعبيدٍ ولا أوسٍ، فتلهمان أن تغنيِّا بالمطلوب، فتلحِّنان:
ودع لميس وداع الوامق اللاحي
قد فنَّكت في فسادٍ بعد إصلاح
إذ تستبيك بمصقولٍ عوارضه
حمش اللِّثمات عذابٍ غير مملاح
كأنَّ ريقتها بعد الكرى اغتبقت
من ماء أدكن في الحانوت نضّاح
ومن مشعشعةٍ ورهاء نشوتها
ومن أنابيب رمَّانٍ وتفَّاح
هبَّت تلوم، وليست ساعة اللاحي،
هلاَّ انتظرت بهذا اللَّوم إصباحي؟
قاتلها الله، تلحاني، وقد علمت
أنَّي لنفسي إفسادي وإصلاحي!
إن أشرب الخمر، أو أرزأ لها ثمنًا،
فلا محالة يومًا أننّي صاح
[ ٦٦ ]
ولا محالة من قبرٍ بمحنيةٍ،
أو في مليعٍ كظهر التُّرس وضَّاح فتطربان من سمع، وتستفزَّان الأفئدة بالسُّرور، ويكثر حمد الله، سبحانه، كما أنعم على المؤمنين والتّائبين، وخلَّصهم من دار الشّقوة إلى محلِّ النَّعيم.
ويعرض له، أدام الله الجمال ببقائه، الشَّوق إلى نظر كالسحابٍ كالساب الذي وصفه قائل هذه القصيدة في قوله:
إنِّي أرقت، ولم تأرق معي صاح
لمستكفّ، بعيد النَّوم، لمَّاح
قد نمت عنّي وبات البرق يسهرني
كما استضاء يهوديُّ بمصباح
تهدي الجنوب بأولاه وناء به
أعجاز مزنٍ، يسوق الماء دلاَّح
كأنّ ريَّقه، لَّما علا شطبًا،
أقراب أبلق ينفي الخيل رمَّاح
كأنّ فيه عشارًا جلَّةً شرفًا،
عوذًا مطافيل، قد همَّت بإرشاح
دانٍ، مسفّ فويق الأرض هيدبه
يكاد يدفعه من قام بالرَّاح
فمن بنجوته كمن بعقوته،
والمستكنُّ كمن يمشي بقرواح
وأصبح الرّوض والقيعان ممرعةً
ما بين منفتقٍ منه ومنصاح فينشىء الله، تعالت آلاؤه، سحابةً كأحسن ما يكون من السُّحب، من نظر إليها شهد أنَّه لم ير قطُّ شيئًا أحسن منها، محلاّةً بالبرق في وسطها وأطرافها، تمطر بماء ورد الجنَّة من طلٍّ وطشٍّ، وتنثر حصى الكافور كأنَّه صغار البرد، فعزَّ إلهنا القديم الذي لا بعجزه تصوير الأمانيّ وتكوين الهواجس من الظُنون.
ويلتفت فإذا هو