وقد روي أن سيبويه لمَّا أختبر شأنه وراز، رغب في ولاية المظالم بشيراز، وأنَّ الكسائيَّ تحوَّب ممّا صنع به، فأعانه كي يشحط على مطلبه.
فأمّا حبيب بن أوسٍ فهلك وهو بالموصل على البريد: وصاحب الأدب حليف التّصريد.
وأمّا الذين ذكرهم من المصحَّفين، فغير البررة ولا المنصفين. وما زال التتّفل يعرض لأذاة الأسد، وما أحسبه يشعر بمكان الحسد، فإذا أدَّلج وردٌ هموس، تشقى به التامكة، أو اللَّموس، فثعالة به منذرٌ، كأنّه للمفترس محذِّر، ولا يراه الضّيغم موضعًا للعتاب، ويجعل أمره فيما يحتمل من الخطب المنتاب. وكم من أغلب مثارٍ، يسهَّد لغناء الطَّيثار، وإذا هو بليلٍ تغنَّى، فالقسور به معنَّى:
ما يضرُّ البحر أمسى زاخرًا أن رمى فيه غلامٌ بحجر
أو كلّما طنَّ الذّباب أروعه؟ إنَّ الذُّباب إذًا عليَّ كريم!
ومازال الهمج يقولون، ويقصرون عن المكرمة فلا يطولون، وإنهم عما أثَّل متثاقلون، وطلاَّب الأدب في حباله واقلون.
من انفرد بفضيلةٍ
[ ١٣١ ]
أثيرةٍ، فإنّه يتقدَّم بمناقب كثيرةٍ، وإن حسَّاد البارع لكما قال الفرزدق:
فإن تهج آل الزِّبرقان، فإنّما هجوت الطّوال الشُّمَّ من يذبل
وقد ينبج الكلب النّجوم ودونها فراسخ تقصي ناظر المتأمِّل
يعدو على الحاسد حسده، ويذوب من كبتٍ جسده:
فهل ضربة الرّوميِّ جاعلةٌ لكم أبًا عن كليبٍ، أو أبًا مثل دارم؟
فأمّا ما ذكره من قول أبي الطَّيب: أذمُّ إلى هذا الزّمان أهيله فقد كان الرّجل مولعًا بالتّصغير، لا يقنع من ذلك بخلسة المغير؛ كقوله:
من لي بفهم أهيل عصر يدعي أن يحسب الهندي فيهم باقل؟
وقوله:
حبيببتا قلبي، فؤادي هيا جمل
وقوله:
مقالي للأحيمق يا حليم
وقوله:
ونام الخويدم عن ليلنا
وقوله:
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر
وغير ذلك مما هو موجود في ديوانه، ولا ملامة عليه، إنما هي عادة صارت كالطبع، فما حسن بها مألوف الربع، ولكنها تغتفر مع المحاسن، والشام قد يظهر على المراسن.
وهذا البيت الذي أوله:
أذم إلى هذا الزمان أهيله
إنما قاله في علي بن محمد بن سيار بن مكرم بأنطاكية قبل أن يمدح سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، والشعراء مطلق لهم ذلك،
[ ١٣٢ ]
لأن الآية شهدت عليهم بالتخرص وقول الأباطيل: " ألم تر أنهم في كل وادٍ بهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ " وأهل كلمة أصل وضعها للجماعة، فيقال: ارتحل أهل الدار، فيعلم السامع أن المتكلم لا يقصد واحدًا بما قال، إلا أن هذه الكلمة قد استعملت للآحاد، فقيل: فلان أهل الخير وأهل الإحسان، قال حاتم الطائي:
ظلت تلوم على بكر سمحت به
إن الرزيئة في الدنيا ابن مسعود
غادره القوم بالمعزاء منجدلًا،
وكان أهل الندى والحزم والجود وكأن هذه اللفظة أصلها أن تكون للجمع، ثم نقلت إلى الواحد، كما أن صديقًا وأميرًا ونحوهما إنما وضعن في الأصل للأفراد، ثم نقلن إلى الجمع على سبيل التشبيه. وكذلك قولهم: بنو فلان أخ لنا. ويقال: أهل وأهلة، وأهلات في الجمع، قال الشاعر:
فهم أهلات حول قيس بن عاصم
إذا أدلجوا بالليل، يدعون كوثرا وقال بعض النحويين في تصغير آل الرجل: يجوز أويل وأهيل، كأنه يذهب إلى أن الهاء في أهل أبدلت منها همزة، فلما اجتمعت الهمزتان جعلت الثانية ألفًا، ومثل هذا لا يثبت.
والأشبه أن يكون آل الرجل، مأخوذًا من آل يؤول، إذا رجع، كأنهم يرجعون إليه أو يرجع إليهم.
أما ما ذكره من حكاية القطربلي وابن أبي الأزهر، فقد يجوز مثله، وما وضح أن ذلك الرجل حبس بالعراق، فأما بالشام فحبسه مشهور.
وحدثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة، أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو
[ ١٣٣ ]
دونه. وإنما هي مقادير، يديرها في العلو مدير، يظفر بها من وفق، ولا يراع بالمجتهد أن يخفق.
وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهًا، ومثل غيره من الناس متدلهًا فمن ذلك قوله:
ولا قابلًا إلا لخالقه حكما
وقوله:
ما أقدر الله يخزي بريته ولا يصدق قومًا في الذي زعموا
وإذا رجع إلى الحقائق، فنطق اللسان لا ينبيء عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تدينًا، وإنما يجعل ذلك تزينًا، يريد أن يصل به إلى ثناء، أو غرض من أغراض الخالبة أم الفناء، ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون، وفيما بطن ملحدون.