أليس الصّحابة، عليهم رضوان الله، كلّهم كان على ضلالٍ، ثمَّ تداركهم المقتدر ذو الجلال؟ وفي بعض الرّوايات أن عمر بن الخطّاب خرج من بيته يريد مجمعًا كانوا يجتمعون فيها للقمار، فلم يجد فيه أحدًا فقال: لأذهبنَّ إلى الخمَّار، لعلِّي أجد عنده خمرًا. فلم يجد عنده شيئًا. فقال: لأذهبنّ ولأسلمنَّ.
والتوفيق يجيء من الله ﷾ بإجبار، وفيما خوطب به النبيُّ ﷺ: " ووجدك ضالًاّ فهدى ".
وذكر أبو معشر المدني في كتاب المبعث حديثًا معناه أنّ النبيُّ ﷺ، ذبح ذبيحةً للأصنام فأخذ شيئًا منها فطبخ له، وحمله زيد بن حارثة ومضيا ليأكلاه في بعض الشِّعاب، فلقيهما زيد بن عمرو ابن نفيل، وكان من المتألِّهين في الجاهليّة، فدعاه النبي صلى لله عليه وسلم، ليأكل من الطعام، فسأله عنه فقال: هو من شيءٍ ذبحناه لآلهتنا. فقال زيد بن عمرو:
[ ١٧٥ ]
انّي لا آكل شيءٍ ذُبح للأصنام، وإنِّي على دين إبراهيم صلى الله عليه، فأمر النبيُّ صل الله عليه وسلم، زيد بن حارثة بإلقاء ما معه.
وفي حديث آخر، وقد سمعته بإسنادٍ: أن تميم بن أوسٍ الدَّاريَّ، والدّار قبيلةٌ من لخم كان يهدي إلى النبيِّ ﷺ، في كلَّ سنةٍ روايةً من خمر، فجاء بها في بعض السّنين، وقد حرجت الخمر، فأراقها، وبعض أهل اللّغة يقول: فبعّها.
والمطبوخ وإن أسكر فهو جارٍ مجرى الخمر، على أنَّ كثيرًا من الفقهاء قد شربوا الجمهوريَّ والبختج والمنصَّف، وذكر، عند أحمد بن يحيى ثعلبٍ، أحمد بن حنبل وإن كان شرب النّبيذ قطّ؟ والنّبيذ عند الفقهاء غير الخمر، فقال ثعلب: أنا سقيته بيدي في ختانةٍ كانت لخلف بن هشام البزَّاز.
فأمّا الطِّلاء فقد كان عمر بن الخطّاب، ﵇، جزَّأ منه على نصارى الشّام لجنود المسلمين، والمثل السّائر:
هي الخمر تكنى الطِّلاء كما الذّئب يُكنى أبا جعدة
وهذا البيت يُروى ناقصًا كما علم، وهو ينسب إلى عبيد ابن الأبرص وربّما وجد في النّسخة من ديوانه، وليس في كلِّ النُّسخ. والذي أذهب إليه أن هذا البيت قيل في الإسلام عدما حُرِّمت الخمر.
وإنّما لذَّة الشّرب فيما يعرض لهم من السكر، ولولا ذلك لكان غيرها من الأشربة أعذب وأدفأ، وقال التغلبيُّ:
علِّلاني بشربةٍ من طلاءٍ نعمت النِّيم في شبا الزّمهرير
ويروى لدعبل:
علِّلاني بسماعٍ وطلا، ونصيفٍ جائعٍ يبغي القرى
[ ١٧٦ ]
وهذا يدلُّ على أن الطِّلا يسكر ويروي للهذليّ:
إذا ما شئت باكرني غريضٌ وزقٌّ فيه نيٌّ أو نضيج
وقال آخر:
لا تسقني الخمر إلاّ نيئة قدمت تحت الخام، فشرُّ لاخمر ما طبخا
وإن كان، هيَّأ الله له المحابَّ، قد شرب نيًّا، وقال له الندمان: هنيًّا، فله أسوةٌ بشيخ الأزد محمد بن الحسن إذ قال:
بل ربّ ليلٍ جمعت قطريه لي بنت ثمانين عروسٌ تجتلى
ثمّ قال في آخر القصيدة:
فإن أمت فقد تناهت لذّتي وكلّث شيءٍ بلغ الحدّ انتهى
وما أختار له أن يأخذ بقول الحكمي:
قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدي عن أن تسير إلى فمي بالكاس
وهو يعرف البيت:
وما طبخوها، غير أنَّ غلامهم سعى ليلةً في كرمها بسراج
وقول عبد الله بن المعتزِّ:
ذكر العلج أنَّهم طبخوها، فرضينا ولو بعود خلال
وقدمًا طلب النَّدامى مطبوخًا، شبَّانًا في العمر وشيوخًا، ينافقون بالصِّفة ويوارون، وعن الصّهباء العاتقة يدارون، وأبيات الحسين بن الضّحاك الخليع التي تنسب إلى أبي نواسٍ معروفةٌ:
وشاطريِّ اللّسان مختلق التّ كريه، شاب المجون بالنُّسك
بات بغمَّى يرتاد صالية ال نّار ويكني عن ابنة الملك
[ ١٧٧ ]
دسست حمراء كالشّهاب له من كفِّ خمّار حانةٍ أفك
يحلف عن طبخها بخالقه، وربَّ موسى ومنشىء الفلك
كأنَّما نصب كأسها قمرٌ يكرع في بعض أنجم الفلك
ومن النِّفاق أن يظهر الإنسان شرب ما أجاز شربه بعض الفقهاء، ويعمد إلى ذات الإقهاء، فقد أحسن الحكميُّ في قوله:
فإذا نزعت عن الغواية، فليكن لله ذاك النَّزع، لا النّاس
وقد آن لمولاي الشّيخ أن يزهد في شيمة حميد، وينصرف عن مذهب أبي زبيدٍ وإنَّما عنيت حميدًا الأمجيَّ قائل هذه الأبيات:
شربت المدام، فلم أقلع وعوتبت فيها فلم أرجع
حميد الّذي أمجٌ داره، أخو الخمر ذو الشَّيبة الأصلع
علاه المشيب عى حبِّها، وكان كريمًا فلم ينزع
وقال آخر:
تعاتبني في الرَّاح أمٌ كبيرةٌ وما قولها، فيما أراه، مصيب
تقول، ألا تجفو المدام فعندنا من الرّزق تمرٌ مكثبٌ وزبيبُ؟
فقلت: رويدًا مالزّبيب مفرّحي، وليس لتمرٍ في العظام دبيب
فإنّ حميدًا علَّها في شبابه ولم يصح منها حين لاح مشيب
وإذا تسامعت المحافل بتوبته، اجتمع عليه الشّبان المقتبلون، والأدباء المتكلمون، وكلُّ أشيب لم يبق من عمره إلاّ ظمء حمارٍ، كما اجتمع لسمر أصناف السُّمّار، فيقتبسون من آدابه، ويصغون المسامع لخطابه، وجلس لهم في بعض المساجد بحلب، حرسها الله، فإنَّها من بعد أبي عبد الله بن خالويه
[ ١٧٨ ]
عطلت من خلخالس وسوار، ونارت من الأدب أشدّ النَّوار.
وإذا كان لك بتفضلُّ الله، أعدَّ معه خنجرًا كخنجر ابن الرّوميّ، أو الذي عناه ابن هرمة في قوله:
لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلاّ قريبة الأجل
لا غنمي في الحياة مدّ لها إلاَّ دراك القرى، ولا إبلي
كم ناقةٍ قد وجأت منحرها بمستهلِّ الشُّؤبوب، أو جمل
فإذ جلس في منزله، مجلسه الذي يلتقط أهله زهر أسحار، بل لؤلؤ بحار، فيكون ذلك الخنجر قريبًا منه، فإذا قضي أن يمرَّ بباب المسجد الكهل المرقَّب الذي أراده القائل بقوله:
إذا الكهل المرقَّب غاض ألنا إلى سيءّ له في القرو ثان
كأنَّ الذّارع المغلول منها سليبٌ من رجال الدَّيبلان
وثب إليه وثبة نمرٍ، إلى متخلِّفة وقير أمرٍ، أو أمر بعض أصحابه بالوثوب إليه، فوجأه بذلك الخنجر وجأةً فانبعث بمثل الدّم، أو الخالص من العندم، وقرأ هذه الآية: " إنَّ الحسنات يذهبن السِّيئات، ذلك ذكرى للذّاكرين ".
فإذا مضى صاحبه مستعديًا إلى السّلطان فقال: من فعل ذلك بك؟ فسمّاه له، قال السّلطان بمشيئة الله: لا حرَّ بوادي عوفٍ، ما أصنع بجنث الأدب وبقيّة أهله؟ ووطئها تحت قدمه، وحسبها من زعانف أدمه. ما يفعل ذلك مرّةً أو اثنتين، إلاّ وحمله الذّوارع قد اجتنبت تلك النّاحية، كما اجتنب أبو سفيان بن حربٍ طريقه من خوف النبي ﷺ، فقال حسّان:
إذا أخذت حوران من رمل عالجٍ
فقولا لها: ليس الطّريق هنالك
[ ١٧٩ ]
ولا بأس إن كان المعدُّ مشملًا يشتمل عليه في الكمِّ، فإذا ضرب به ذارع الخمر، ذكر من نظر في كتاب المبتدإ حديث طالوت لمّا أمر ابنته وهي امرأة داود، صلّى الله عليه، أن تدخله عليه وهو نائمٌ ليقتله. فجعلت له في فراش داود زق! َ خمرٍ ودسته عليه، وضربه بالسيف وسالت الخمر، فظنَّ أنَّها الدّم، فأدركه الأسف والنّدم، فأومأ بالسيف ليقتل نفسه ومعه ابنته، فأمسكت يده، وحدَّثته ما فعلته، فشكرها على ذلك.
ويكون السّكران إذا ألمَّ بذلك المسجد، ترتر ومزمز، كما في الحديث، واستنكه، فإن أوجبت الصورة أن يجلد جلد، ولا يقتصر له الشّيخ، أغراه الله، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، على أربعين في الحدَّ على مذهب أهل الحجاز، ولكن يجلده ثمانين على مذهب أهل العراق، فإنَّها أوجع وأفجع. ويقال إن النبيّ ﷺ، جلد أربعين، فلمّا صار الأمر إلى عمر بن الخطَّاب، ﵇، استقلَّها، فشاور عليًا، ﵇، فجعلاها ثمانين.
وإذا صحّت الأخبار المنقولة بأنّ أهل الآخرة يعلمون أخبار أهل العاجلة، فلعلّ حواريَّه المعدَّات له في الخلد، يسألن عن أخباره من يرد عليهنّ من الصُّلحاء، فيسمعن مرّةً أنّه بالفسطاط، وتارةً أنّه بالبصرة، ومرّةً أنّه ببغداد، وخطرةً أنّه بحلب. فإذا شاع أمر التّوبة، ومات ناسكٌ من أهل حلب أخبرهن بذلك، فسررن وابتهجن، وهنّأهنَّ جاراتهنَّ. ولا ريب أنّه قد سمع حكاية البيتين الثابتين في كتاب الاعتبار:
أنعم الله بالخيالين عينا وبمسراك يا أميم إلينا!
عجبًا ما جزعت من وحشة اللَّح د ومن ظلمة القبور علينا!
وأعوذ بالله من قومٍ يحثُّهم المشيب على أن يستكثروا من أمّ زنبقٍ، كأنّها
[ ١٨٠ ]
المنجية من بنت طبق، كما قال حاتم:
وقد علم الأقوام لو أنَّ حاتمًا أراد ثراء المال، كان له وفر
يفكُّ به العاني، ويؤكل طيِّبًا وليست تعرِّيه القداح ولا اليسر
أماويّ إن يصبح صداي بقفرةٍ من الأرض، لا ماءٌ لديَّ ولا خمر
تري أنَّ ما أهلكت لم يك ضرَّني وأنَّ يدي ممّا بخلت به صفر
وقال طرفة:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيَّتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي
وقال عبد الله بن المعتز:
لا تطل بالكؤوس مطلي وحبسي ليس يومي، يا صاحبي، مثل أمسي
لاتسلني وسل مشيبي عنّي، مذ عرفت الخمسين أنكرت نفسي
فهذا حثتَّه كثرة سنيه على أن يستكثر من السُّلافة، وما حفظ حقَّ الخلافة، وإنّ العجب طمعه أن يبلي، كأنّه في العبادة شحب وبلي، ولكنّ القائل قال لمعاوية بن يزيد:
تلقَّاها يزيدٌ عن أبيه، فخذها يا معاوي عن يزيدا!
وقد كان محمّد بن يزيد المبرَّد ينادم البحتريَّ ثمّ ترك. وأنا أضنُّ به، ميزّ الله من الغيظ قلب عدوِّه، أن يكون كأبي عثمان المازني: عوتب في الشّراب فقال: إذا صار أكبر ذنوبي تركته.
وأمّا إبراهيم بن المهديّ فقد أساء في تعريضه بالكأس لمحمّد بن حازم، ولكن من عبث بالبمَّ والزِّير، لم يكن في الدّيانة أخا تعزير. وقد روي أنّ المعتصم دعا إبراهيم كعادته فغنَّاه البيتين اللذين يقال فيهما: غنّى صوت ابن شكلة، وبكى إبراهيم، فقال له المتعصم: ما يبكيك؟
[ ١٨١ ]
فقال: كنت عاهدت الله إذا بلغت ستين سنةً أن أتوب، وقد بلغتها. فأعفاه المعتصم من الغناء وحضور الشراب.
والتّوبة إذا لم تكن نصوحًا، لم يلف خلقها منصوحًا. وكان في بلدنا رجلٌ مغرمٌ بالقهوة، فلمّا كبر رغب في المطبوخ، وكان يحضر مع نداماه وبين يديه خرداذيُّ فيه مطبخةٌ، وعندهم قدحٌ واحدٌ، فيشرب هو من المطبوخ ويشرب صحابه من النيء، فإذا جاء القدح إليه ليشرب، غسله من أثر الخمر وشرب فيه، فإذا فرغ خرداذيُّ المطبوخ رجع فشرب من شراب إخوانه.
وأمّا مخاطبته غيره وهو يعني نفسه، فهو كقولهم في المثل: إيّاك أعني واسمعي يا جارة. ولا عندد عن الجبلَّة، يريد المتنسِّك أن ينصرف حبُّه عن العاجلة، وليس يقدر على ذلك، كما لولا تقدر الظبية أن تصير لبؤةً، ولا الحصاة أن تتصوَّر لؤلؤةً: يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنَّك كنت من الخاطئين. وقول القائل في الدّعاء: اللهم اجعل وصعي بازيًا، يكون للسّفه مواذيًا.
ولقد علمت ولا أنهاك عن خلق أن لا يكون امرؤ إلاّ كما خلقا
وإنَّا لنجد الرّجل موقنًا بالآخرة، مصدِّقًا بالقيامة، معترفًا بالوحدانية وهو يحجأ على النّابح بعظمٍ، وعلى الجارية بعارية نظمٍ، كأنّه في الأرض مخلدٌ، وإن فني سهلٌ وجلدٌ.
وكثير من الذين يتلون الآية: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلة مائة حبِّةٍ، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسعٌ عليم ". وهم بها مصدِّقون، ومن خشية إلههم مشفقون، يضنُّون بالقليل التافه ولا يسمحون للسّائل ولا الوافه، فكيف تكون حال من ينكر حديث الجزاء، ولا يقبل عن الفانية حسن العزاء؟ وقد
[ ١٨٢ ]
مرّ به حديث أبي طلحة، أو أبي قتادة ومعناه أنهّ خاصم يهوديًّا إلى النبيّ صلّى الله وسلّم، وكان لأبي طلحة حديقة نخلٍ، وبينه وبين اليهوديّ خلفٌ في نخلةٍ واحدةٍ. فقال النبيُّ ﷺ، لليهوديّ: أتسمح له بالنخلة حتى أضمن لك نخلةً في لجنّة؟ ونعتها رسول الله ﷺ، بنعوت أشجار الجنّة. فقال اليهوديُّ: لا أبيع عاجلًا بآجل. فقال أبو طلحة: أتضمن لي يا رسول الله كما ضمنت له حتى أعطه الحديقة؟ فقال: نعم. فرضي أبو طلحة بذلك. وأخذ اليهوديّ وذهب إلى حديقته، فوجد فيها امرأته وأبناءه وهم يأكلون من جناها، فجعل يدخل إصبعه في أفواههم فيخرج ما فيها من التمر، فقالت امرأته: لِمَ تفعل هذا ببنيك؟ فقال: إنّي قد بعت الحديقة. فقالت: إن كنت بعتها بعاجلٍ فبئس ما فعلت! فقصَّ عليها الخبر، ففرحت بذلك.
ولو قيل لبعض عبَّاد هذا العصر: أعط لبنةً ذات قضَّةٍ، لتعطى في الآجلة لبنةً من فضَّة، لما أجاب. لو سئل أمةً عوراء، يعوَّض منها في الآخرة بحوراء، لما فعل. على أنّه من المصدِّقين، فكيف من غذي بالتكذيب، وجحد وقوع التّعذيب؟ وأمّا فاذوه فلقي طائر الحين، متكفيًا من بين جناحين، فلا إله إلاَّ الله، ما أعدَّ المهراس، ليفضح به الرأس، ولكن لكلِّ أجل كتابٌ، والشرُّ يبكر وينتاب. منته نفسه التّوبة، فكانت كصاحبة امرىء القيس لمّا قال لها:
منَّيتنا بغدٍ وبعد غدٍ حتى بخلت كأسوإ البخل