فتركته وانصرفت بأملي إلى خازن آخر يقال له زفر، فعملت كلمةً ووسمتها باسمه في وزن قول لبيد:
تهنى ابنتاي أن يعيش أبوهما، وهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر
وقربت منه فأنشدتها، فكأني إنّما أخاطب ركودًا صمّاء، لأستنزل أبودًا عصماء. ولم أترك وزنًا مقيّدًا ولا مطلقًا يجوز أن يوسم بزفر إلا وسمته به، فما نجع ولا غيَّر. فقلت: رحمك الله! كنَّا في الدار الذاهبة نتقرّب إلى الرئيس والملك بالبيتين أو الثلاثة، فنجد عنده ما نحب، وقد نظمت فيك ما لو جمع لكان ديوانًا، وكأنّك ما سمعت لي زجمةً أي كلمة، فقال: لا أشعر
[ ٥٥ ]
بالذي حممت أي قصدت، وأحسب هذا الذي تجيئني به قرآن إبليس المارد، ولا ينفق على الملائكة، إنّما هو للجان وعلَّموه ولد آدم، فما بغيتك؟ فذكرت له ما أريد، فقال: والله ما أقدر على نفع ولا أملك لخلق من شفع، فمن أي الأمم أنت؟ فقلت: من أمة محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب. فقال: صدقت ذلك، نبي العرب، ومن تلك الجهة أتيتني بالقريض، لأنّ إبليس اللعين نفثه في إقليم العرب فتعلَّمه نساء ورجال. وقد وجب عليّ نصحك، فعليك بصاحبك لعلّه يتوصّل إلى ما ابتغيت.
فيئست ممّا عنده، فجعلت أتخلل العالم،