منها الوصايا التي ينتفع بها في شرى الرقيق على ما قاله الحكماء والفلاسفة، عشر وصايا، من ذلك ما يعم المماليك والإماء أربع وصايا:
شرحها: (الوصية الأوّلة (^٢» ما أمروا أن يكون عليه (^٣) المستعرض عند التقليب للشرى، وما نهوا عنه من القطع بأول نظرة، قالوا: إن المستعرض لأمر ما يجب ألا يكون ذا فاقة إليه، فإن الجائع يستجيد كل طعام يشبعه (^٤)، والعريان يستوفق كل طمر يدفئه ويستره، وبحسب هذا قالوا: لا يستعرض
_________________
(١) كذا وردت هذه العبارة.
(٢) في اللسان (وأل): «حكى ثعلب هن الأولات دخولا، والآخرات خروجا. واحدتها الأولة والآخرة. ثم قال: ليس هذا أصل الباب، وإنما أصل الباب الأول والأولى كالأطول والطولى».
(٣) في الأصل: «عليها».
(٤) في كتاب التحقيق ص ١٣: «وقال الحكيم: الجائع مستجيد لكل طعام يشبعه».
[ ٣٥٤ ]
جارية شبق، فليس لمنعظ (^١) رأي، لأنه يقطع بأول نظرة، وأول نظرة سحر وللجديد وللغريب روعة؛ فإذا صادف منه حاجة داعية قطع بما تكذبه الحواس عند الاستغناء. ولهذا قيل: تكرير اللحظ يخلق كل جدة، ومعاودة التقليب يظهر التصنّع، ويهرج التدليس.
(الوصية الثانية) ما حذّر منه القدماء قبل الشرى قالوا: كن على حذر من شرى الرقيق في المواسم، ففي مثل تلك الأسواق يتم للنخاسين الحيل، فكم من قضيفة بيعت بخصبة (^٢)، وسمراء كمدة بيعت بصفراء مذهبة، وممسوح العجز بثقيل لروادف، وبطين بمجدول الحشا، وأبخر الفم بطيب النكهة، وكم صفروا البياض الحادث عن القروح في العين، والبرص والبهق في الجلد، وجعلوا العين الزرقاء كحلاء، وكم من مرة حمروا الخدود المصفرة، وسمنوا الوجوه المقعقعة (^٣)، وكبروا الفقاح الهزيلة، وأعدموا الخدود شعر اللحى، وأكسبوا الشعور الشقر حالك السواد، وجعدوا الشعور السبطة، وبيضوا الوجوه المسمرة، ودملجوا السيقان المعرقة (^٤)، ورطلوا الشعور الممرطة، وأذهبوا آثار الجدري والوشم والنمش والحكة.
ولكل من هذه أسباب يعرفها الأطباء قد أوردناها في مقالتنا في الحسبة، وسنورد منها في الفن الخامس شذرة بحسب الحاجة.
وكم من مريض بيع بالصحيح، وغلام بجارية، هذا زائد على ما يوصّون
_________________
(١) في الأصل: «لمغتبط». وما أثبت من الصواب يوافق ما في التحقيق ص ١٤.
(٢) القضيفة: النحيفة. في الأصل «قصيفة».
(٣) لعلها «المتقفعة».
(٤) المعرقة: الضامرة القليلة اللحم. وفي اللسان: دملج جسمه دملجة، أي طوى طيا حتى أكثر لحمه.
[ ٣٥٥ ]
به الجواري من دل ومجانة (^١) على مسافرين شباب قد أحل لهم لحم الميتة، سوى ما يفعلنه من زينتهن بالخضاب والحناء، والملابس المصبغة الناعمة.
سمعنا بعض النخاسين يقول: «ربع درهم حناء يزيد في ثمن الجارية مائة درهم فضة!».
والتحرز من هذا لا يكون في موقف واحد، ولهذا قيل: اتهم نظرك فيما استحسنته حتى يكون الاستحسان دائمًا على صورة لا ينقصها تكرار النظر، وهذا لا يتم إلا في دفعات، وعلى صفات مختلفات.
(الوصية الثالثة) ما نهي عنه من القطع بأول سمع من المماليك [و] الأماء.
قالوا: لا تقطع بأول لفظ من غلام أو جارية، فربما جاءت بالإتفاق فوافقت منك قبولًا لا يكون وراءها أمثالها فيتدلس عليك بذلك مقابح مستورة ربما جرى الأمر على خلاف ذلك. لكن كن إلى الريبة أميل منك في هذا الشأن إلى الثقة، وخذ بسوء الظن تسلم.
(الوصية الرابعة) ما حذر منه الرؤساء خاصة. قالوا: ليحذر الرؤساء - ممن له عدو يخشى منه غيلة، أو (^٢) يخاف أن يطلع له على سر - شرى خادم أو جارية خاصة إن كانت كاتبة خرجت من دار سلطان، إلا بعد خبرته بها، ولا شرى جارية مولّدة من تاجر أو جلّاب، فإنّ هذه حيلة قد هلك بها جماعة من الملوك والرؤساء.
ومن ذلك ما يختص بشرى المماليك خاصة، ثلاث وصايا، شرحها:
(الأوّلة) ما حظر على المشتري من ابتياع مملوك قد مرن على الضّرب
_________________
(١) في الأصل: «ما يوصوا به الجواري من ذل ومجانة». والمجانة: مصدر مجن يمجن مجونا ومجانة، وهو ألا يبالي ما صنع.
(٢) في الأصل: «أن».
[ ٣٥٦ ]
والخصومة. قالوا: لا تشتر مملوكًا كان مولاه يكثر ضربه، ولا تترك المسألة عن مالك المملوك، وعن سبب بيعه. واستعلم ذلك قبل ابتياعه، من المملوك وغيره، ففي هذا الفحص فوائد كثيرة، في ارتباطه، أو تسريحه وتركه.
(الثانية) مأخوذة من جرأة المملوك على ذم مولاه، وتنقصه له، أو امتعاضه من ذمه وقلة احتفاله به، وهل سبب بيعه من جهته أو من جهة مالكه.
(الثالثة) ما وصى به قبل استخدامه قالوا: المملوك على ما يراه منك أول دخوله دارك، فإن أطمعته طمع، وإن هذبته انقمع، وإن خالطه مفسد من مماليك وغيرهم فسد.
ومن ذلك ما يختص بشراء الإماء، وصيتان، شرحهما:
(الأوّلة) فيما تعلم به براءة الجواري من الحبل قبل الشراء. قالوا: تحرز في استبراء الإماء من الحبل قبل التملك لهن، واحذر بهرجتهن بالسداد والدعاوى الكاذبة فإن كثيرًا ما يجعلن في فروجهن خرقًا بدماء غيرهن (^١). وليكن من يستبرى ذلك منها امرأة تكره أن تلصق بك ولد غيرك، ومرها بتفقّد ثدييها وجس حشاها.
واعلم ذلك من شحوب لونها وشهوتها للطعام المالح، فإن ذلك دال على توحمها. واستبر ذلك بتقدير الحشا وبخورات تذكر أخيرًا كما وعدنا.
(الثانية) ما يراعي بعد الشرى من الغيلة في الحمل من غير إرادة المولى.
قالوا: راعِ أمرًا ذا ركنين:
_________________
(١) في الأصل: «ما يجعلن في فروجهن خرق بدماء غيرهم».
[ ٣٥٧ ]
إذا اشتريت جارية غير بالغة فربما بلغت في ملكك وأنت لا تعلم، وكتمت ذلك عنك رغبة في الولد.
احذر الجواري اللواتي يوهمن أنهن عقم وهن كارهات للحبل، فربما خدعنك بذلك.
ومن ذلك ما يختص بالبائع دون المشتري.
وصية قالوا: لا تخرج جارية من ملكك إلى نخاس إلا في دم، فربما تم عليها في الحجر أن تحبل فادّعت أنه منك.
على أنا قد شاهدنا في زماننا من حاضت مدّة زمان حملها. وهذا نادر.
[ ٣٥٨ ]