ومنها تعرف أخلاق العبيد والإماء بقياس الفراسة، أحد وتسعون فصلًا. فمن ذلك أصول نقدمها قبل الكلام في الفراسة عددها أربعة، شرحها:
حد الخُلق. والخلق داعية للنفس للإنسان إلى أن يفعل أفعالًا بلا روية، فإن الجبان إذا فاجأه الصوت ارتاع بسرعة، والماجن يضحك من أيسر تعجب، والنذل (^١) يرغب في أدنى قيمة، والحر بالضد. ولهذه الأخلاق دليل من الفراسة.
كيف تعلم القياس الصحيح في الفراسة، يجري بأن لا يتسرع الإنسان إلى الحكم في الفراسة من دليل واحد، ولكن يجمع منها ما أمكن ثم تكون قضيته بحسب ذلك. ومتى اجتمعت الدلائل المتضادّة حكم بأقواها ورجّح أظهرها، بعد أن تعلم أن دلائل الوجه والعين خاصة أقوى الدلائل وأصحها في الحد الذي ينتهي إليه العلم بقياس الفراسة، ويجري هكذا من الإنصاف أن تعلم أن قياس الفراسة مقدماته مأخوذة من مشابهات موجودة بين أشخاص الناس، أو من مشابهات موجودة بين الحيوان والإنسان. وسنورد على ذلك مثالًا من الشجاعة تراه مأخوذًا من صفات الأسد. فالاستدلال في الفراسة على أفعال الصور من لازم الهيولى، فإذا عرف القياس ذلك … د … قاس كالمطبوع (^٢).
مثال من الشجاعة على قياس الفراسة، وهو أن يكون قوي الشعر خشنه،
_________________
(١) في الأصل وكذا في التحقيق ١٤٨: «الندل» بالدال المهملة. والنذل: الخسيس المحتقر في جميع أحواله.
(٢) كذا وردت هذه العبارة على ما بها من نقص بيض له في الأصل. وفي التحقيق ١٢ «فإذا عرف القائس ذلك قاس كالمطبوع».
[ ٣٦٥ ]
شديد العظام والأطراف والأصابع، عظيم الصدر والأكتاف والرقبة، وعريض القصّ، ضامر الورك، معرّق الجبهة (^١) قوىّ المفاصل، منتصب القامة، ممسوح الإليتين، بعيد ما بين المنكبين، ممدود الحاجبين، أزب الصدر والكتف.
والجبان بالضد.
ومن ذلك ما يختص بأخلاق الذكور والإناث والخصيان شيئان. شرحها:
الأنثى من كل جنس أموت نفسًا، وأقل جلدًا، وأسهل انخداعا، وأسرع غرورًا وسكونا، وأشد مكرًا، وأصغر رأسا، وألطف وجها، وأدق عنقا، واضيق أكتافا وصدرا، وأعظم بطنا ووركا، وألطف كفا وقدما، وأسوأ أخلاقا من الذكر في كل جنس (^٢).
أخلاق الخصيان كالمشابهة لأخلاق النساء، ومن ولد بلا خصيتين أو كانتا فيه صغيرتين كان أشر.
ومن ذلك دلائل الشعر سبعة أشياء: تفصيلها:
اللين منه يدل على الحمق (^٣). الخشن دليل الشجاعة. كثرته على البطن دليل شبق (^٤). كثرته على الصلب دليل الشجاعة أيضًا. كثرته على العنق والكتفين دليل حمق أيضًا. كثرته على الصدر دليل قلة الفطنة. قيام الشعر دليل جبن (^٥).
_________________
(١) المعرق: القليل اللحم.
(٢) انظر سائر الفروق بينهما في كتاب الفراسة لأفليمون ١٧ - ١٨. على أن العبارة تكاد تكون مطابقة لما ورد في كتاب الرازي ٩ - ١٠.
(٣) في جمل أحكام الفراسة لأبى بكر الرازي ص ٢ وكذا في كتاب التحقيق ٨٣: «على الجبن».
(٤) في الأصل: «سبق» تصحيف. وعند الرازي: «يدل على الشبق». وعند أفليمون ٣٩: «كثرة شعر جميع الجسد ولا سيما البطن والفخذين دليل الحمق».
(٥) عند الرازي: «الشعر القائم في الرأس وعلى جميع البدن دليل على الحمق». وعند أفليمون ٣٩: «قيام شعر الجسد واستواؤه دليل على الحمق».
[ ٣٦٦ ]
ومن ذلك دلائل اللون، أربع دلائل، تفصيلها:
الأشقر والأحمر يدلان على كثرة الدم والحرارة. اللون الناري دليل تأن.
والأحمر دليل حياء. اللون الذي بين البياض والحمرة يدلان على الاعتدال.
والأخضر اللون دليل سوء الخلق (^١).
ومن ذلك دلائل العين سبع عشرة دلالة:
عظمهما دليل كسل غورهما دهاء وحسد (^٢)، جحوظهما دليل هذر وقحة.
زرقة إحداهما يدل على بلادة. شدة سوادهما دليل جبن. شبههما بعيون الأعنز دليل جهل (^٣). سرعة حركتهما بحدة بصرهما دليل مكر وحيلة، بطء حركتهما دليل مكر. عظمهما وارتعادهما دليل كسل وشبق. حمرتهما دليل شر وإقدام.
سوادهما دليل كسل وبلادة. الزرقة مع اصفرار دليل رداءة الأخلاق جدًا. فإن مالت إلى الصفرة كان صاحبها سفاكًا للدماء. البقرية تدل على الحمق. النقط والشعب حوالي السواد يدل على هذر وحمق وحسد وشر. صغرهما وجحوظهما دليل على الميل إلى الشهوات، إذا برز السواد عن البياض دل على حمق.
ومن ذلك دلائل الحاجب، ثلاث، شرحها:
كثرة الشعر فيه دليل الهم. طوله إلى نحو الصدغ دليل التيه والصلف.
طوله إلى نحو الأنف دليل على البله.
ومن ذلك دلائل الأنف، أربعة دلائل، تفصيلها:
دقة طرفه دليل محبة الخصومة، فإن كان مع ذلك طول دل على الحمق.
غلظه دليل على قلة الفهم. الفطسة (^٤) دليل الشبق. غلظ أرنبته دليل غضب.
_________________
(١) عند الرازي «من كان لونه أخضر أسود فهو سيئ الخلق».
(٢) الرازي: «من كانت عيناه غائرتين فهو داه خبيث».
(٣) الرازي: «من كانت عيناه تشبه عيون البقر في لونها فإنه جاهل».
(٤) الفطسة: اسم من الفطس، وهو عرض قصبة الأنف وطمأنينتها. ونحو هذا في كتاب التحقيق ص ١٠٤.
[ ٣٦٧ ]
ومن ذلك دلائل الجبهة:
منها: المستطيلة التي لا غضون فيها دليل شغب وخصومة. كثرة غضونها دليل صلف. كبرها دليل كسل. صغرها دليل جهل.
ومن ذلك دلائل الفم والشفة واللسان والأسنان، أربعة. شرحها:
سعة الفم دليل شجاعة. غلظ الشفة دليل حمق. ضعف الأسنان دليل ضعف البنية. طول الأنياب دليل شره وشر.
ومن ذلك دلائل الوجه والصدر، ثمانية، تفصيلها:
من كان كأنه سكران أو غضبان أو حيىّ (^١) فحاله كذلك. قلة لحم الوجه دليل كسل وغلظ طبع، وضده بالضد. الوجه المستدير دليل جهل. الصغير دليل جهل. الصغير دليل خفة وملل. العظيم دليل كسل. السمج الوجه رديّ الخلق.
طوله دليل القحة. والأوداج البارزة دليل غضب.
ومن ذلك دلائل الأذن واحدة. عظمها دليل جهل ودهاء وطول عمر، وبالضد.
ومن ذلك دلائل الصوت والنفس والكلام أربعة، منها:
العظيم الصوت دليل شجاعة (^٢). سرعة الكلام دليل عجلة وبله. حسن الصوت دليل رعونة. التنفس الطويل دليل رداءة الهمة.
ومن ذلك دلائل اللحم اثنتان، وهما:
اللحم الكثير الصلب دليل غلظ حس وفهم. اللين بالضد.
ومن ذلك دلائل الضحك أربعة عشر شرحها:
_________________
(١) في الأصل: «جنى»، تحريف. وعند الرازي: «وإذا كان صورة الإنسان كحال الخجل فهو حبى خجل».
(٢) الرازي ٥: «من كان صوته غليظا جهيرا فهو شجاع».
[ ٣٦٨ ]
كثرته دليل دماثة ومساعدة وقلة اهتمام بالأمور، وبالضد. علوه دليل قحة. ومن عرض له عند الضّحك سعال وربو فهو وقاح (^١). المتبسّم مستحي.
ومن ذلك دلائل الحركات دلالتان (^٢) وهما:
السّريعة دلالة على الطيش. البطيئة دليلة البلادة.
ومن ذلك دلائل العنق، ثلاثة. شرحها:
صغرها دليل مكر. طولها دليل جبن. غلظها دليل شجاعة.
ومن ذلك دلائل البطن دلالتان (^٢) وهما:
كبرها دليل على البلادة. صغرها بالضد.
ومن ذلك دلائل الظهر، ثلاثة، تفصيلها:
عرضه يدل على القوة والغضب. استواؤه علامة العقل. انحناؤه علامة رداءة الخلق.
ومن ذلك دلائل الكتفين، ثلاثة، شرحها:
العريض دليل جودة العقل. الدقيق ضده. شخوص رأسه دليل حمق.
ومن ذلك دلائل الذراع، دلالتان (^٢)، وهما:
إذا بلغ منه الكف الركبة دل على نبل النفس وحبّ الرئاسة. قصره ضده ومن ذلك دلائل الكف دلالتان (^٢)، وهما:
اللينة اللطيفة دليل سرعة العلم والفهم وبالضد. الطويلة الدقيقة تدل على زعارة الخلق.
ومن ذلك دلائل الحقو والساق والقدم، خمسة دلائل، تفصيلها.
القدم اللّحيم الصلب دليل بلادة. الصغير الخشن دليل فجور ومرح. غلظ
_________________
(١) الوقاح: القليل الحياء، كالوقح. وعند الرازي ٦: «من كان يقع عليه عند الضحك سعال فإنه سليط صخاب».
(٢) في الأصل: «دلالتين».
[ ٣٦٩ ]
العقب دليل شدة، وبالضد [دليل (^١)] حب النساء.
ومن ذلك دلائل الخطى، واحدة، وهي:
الخطى الواسعة البطيئة دليل تأن، وبالضد (^٢).
وتخص النساء فراسة تدل على أحوال من أخلاقهن وأعضائهن وشهواتهن أضربنا عن ذكرها تصونا عن إثباتها، لقباحة مخارج ألفاظها وإن كانت علمًا نافعًا.
_________________
(١) مبيض لها في الأصل.
(٢) كذا وردت العبارة مبتورة، لعلها «والضد بالضد».
[ ٣٧٠ ]