ومنها ذكر أجناس الرقيق بحسب بلادهم ومنشئهم؛ ونحن نذكر ما انتهى إلينا خبره واشتهر أمره وتلقطناه من الكتب، وسألنا السفرة عنه من أجناس الرقيق على اختلافها في الخلق والخلق، لنكفى الطالب لهذا الشأن مئونة التجارب والامتحان، خمسة وعشرين فصلًا:
من ذلك كشف ألفاظ يحتاج القارئ إلى معرفة دلائلها، فصل واحد:
إذا سمعتني أقول «فارسية» فاعلم أنها مولدة فارس. فإن أتفق أن يكون أبواها فارسيين، وإلا فيكفي أن يكون أبوها حسب. فولد الزنجية إذا تكرر في النسل مع البيض ثلاث دفعات صار بعد السواد أبيض، وبعد الفطس أقنى، ولانت أطرافه، وتطبعت أخلاقه.
ومثل ذلك أفهم في كل الأجناس.
وإذا سمعتني أقول جارية «خماسية» فإني أريد بذلك أن طولها خمسة أشبار.
وإذا قلت «شهوارية» فليس بجنسٍ من الأجناس، لكنها لفظة فارسية ٢١ مشتقة من الشهوة الكاملة (^١).
وإذا قلت «منصورية» فأريد المنصورة التي فيما وراء النهر، وهي الملتان، لا منصورة العرب.
_________________
(١) في معجم استينجاس أن معنى «شهوار» أحسن شيء في جنسه. فلعلها «من الشهرة الكاملة».
[ ٣٧١ ]
ومن ذلك ما يتعلق بالجهات الأربعة (^١)، أربعة فصول، شرحها:
الأول ما يختص بالبلاد الشرقية، وهذه ألوان أهلها بيض مشربة حمرة وأجسامهم خصبة، وأصواتهم صافية، وأمراضهم قليلة، وصورهم جميلة، وأخلاقهم كريمة، وأغنامهم كثيرة، وأشجارهم عظيمة، وما فيهم غضب ولا نجدة لاعتدال كيفياتهم، لكنهم أهل سكون ودعة، كلّ هذا الاعتدال كون الشمس في هذه الجهة، فأغذيتهم معتدلة، ومياههم صافية.
الثاني ما يختص بالبلاد الغربية، وهؤلاء أحوالهم تكاد تضاد جميع ما ذكرنا في البلاد الشرقية، لأن الشمس لا تطلع عليهم بالغداءات.
الثالث ما يختص بالبلاد الشمالية، وهي التي أهلها يسكنون تحت بنات نعش والجدي، كالصقالبة، وهؤلاء عراض الصدور شجعان، وحشوُ (^٢) الأخلاق لكمون الحار، دقاق السوق لهربه من الأطراف، طويلو الأعمار لجودة الهضم، نساؤهم عواقر لأنهن لا ينقين من دم الحيض.
الرابع ما يختص بالبلاد الجنوبية، وهي التي أهلها سكان تحت القطب (^٣) الجنوبي كالحبشة، وأحوالهم ضد أحوال البلاد الشمالية، وألوانهم سود، ومياههم مالحة كدرة، ومعدهم باردة، وهضومهم ردية، وأخلاقهم هادية، وأعمارهم قصيرة، بطونهم لينة لسوء الهضم.
ومن ذلك ما يختص بواحد واحد من البلاد، عشرون فصلًا، تفصيله:
الهنديات أول الجنوب على سمت المشرق، لهم حسن القوام، وسمرة الألوان،
_________________
(١) هذه عبارة صحيحة، فإن المعدود إذا تقدم على عدده جاز فيه المطابقة وعدمها. حاشية الصبان على شرح الأشمونى في أوائل باب العدد.
(٢) كذا وردت الكلمة في الأصل. ولها وجه من الوحش، وهو القفر الخالي.
(٣) كذا في الأصل.
[ ٣٧٢ ]
وحظ وافر من الجمال، مع صفرة وصفاء بشرة (^١) وطيب نكهة، ولين ونعمة، لكن الشيخوخة تسرع إليهم، وفيهم وفاء عهد ومودة، وكثرة محافظة، وبعد غور، وسلاطة، ونفوس عزيزة، لا يصبرون على الذل ولا يتألمون للقتل (^٢)، ركابون للعظائم متى أحوجوا (^٣) وأغضبوا. نساؤهم يصلحن للولد، ورجالهم لحفظ النفوس والأموال وعمل الصنائع الدقيقة، غير أن النّزلات تسرع إليهم.
(السنديات) بين المشرق والجنوب، وهم قريبو الشبه بالهند لمتاخمة بلادهم لبلادهم، غير أن نساءهم ينفردن بدقة الخصور وطول الشعر.
(المدنيات) سمر الألوان معتدلات القوام (^٤)، قد اجتمع فيهن حلاوة القول ونعمة الجسم، وملاحة ودلّ وحسن شكل وبشر، ونساؤهم لا غيرة فيهن على الرجال، قنوعات بالقليل، لا يغضبن ولا يصخبن، ويوجد فيهن الزنوج، ويصلحن للقيان.
(الطائفيات) سمر مذهبات مجدولات، أخف خلق الله أرواحًا، وأحسنهم فكاهة ومزاحا، لسن بأمهات أولاد، يكسلن في الحبل، ويهلكن عند الولادة، رجالهنّ أشد الناس تحببًا وأدومهم عشرةً وأحسنهم غناء.
(البربريات) من جزيرة بربرة (^٥)، وهي بين الغرب والجنوب، ألوانهم على الأكثر سود، ويوجد فيهن الصفر، وإذا وجدت منهن الكتامية الأم الصهاجية الأب المصمودية المنشأ، فإنك تصادفها مطبوعة على الطاعة والموافاة في كل
_________________
(١) في التحقيق ص ٤٢: «وصفاء يسير».
(٢) في التحقيق ٤٢: «ولا يألمون لقتل».
(٣) كذا جاءت «أحوجوا» بالواو بعد الحاء. وفي التحقيق: «متى ألجئوا».
(٤) في الأصل: «معتدلو القوام»، وجاء على الصواب في التحقيق ص ٣١.
(٥) جزيرة بربرة هذه من الجزائر التي تجاور سواحل اليمن، ذكرها ياقوت. وهذا وهم من ابن بطلان تبعه فيه صاحب كتاب التحقيق من ص ٤٤، فإن البربريات منسويات إلى بلاد البربر التي في جبال المغرب. وهي التي تقطن فيها قبائل كتامة وصنهاجة ومصمودة التي سيجرى لها ذكرا فيما بعد.
[ ٣٧٣ ]
أمورهن، نشيطات للخدمة، ويصلحن للتّوليد واللذة، لأنهن أحدب شيء على ولد.
وأبو عثمان - وهو من سماسرة هذا الشأن - يقول: إذا اجتمع للبربرية مع جودة الجنس أن تجلب وهي بنت تسع حجج ثم كانت بالمدينة ثلاث حجج وبمكة ثلاث حجج، ثم جاءت إلى العراق ابنة خمس عشرة فكانت بالعراق في الأدب، ثم ملكت بنت خمس وعشرين سنة فتلك التي جمعت إلى جودة الجنس شكل المدنيات (^١) وخنث المكيات وآداب العراقيات، واستحقت أن تخبأ في الجفون، وتوضع على العيون.
(اليمانيات) في جنس المصريات، وخلق البربريات، وشكل المدنيات، وخنث المكيات، وهن أمهات أولاد حسان الوجوه أشبه شيء بالأعراب.
(الزرنجيات) من بلد يقال له زرنج، ذكر ابن خرداذبه أن من هذا البلد إلى مدينة الملتان مسيرة شهرين - والملتان وسط الهند - وخاصة هذا الجنس إذا بوشرن فعرقن بدا منهن عرق كالمسك، لكنهن لا يصلحن للولد.
(الزنجيات) مساويهن كثيرة، وكلما زاد سوادهن قبحت صورهن وتحددت أسنانهن وقل الانتفاع بهن، وخيفت المضرة منهن. والغالب عليهن سوء الأخلاق وكثرة الهرب، وليس في خلقهن الغم (^٢)، والرقص والإيقاع فطرةٌ لهن وطبع فيهن، ولعجومة (^٣) ألفاظهن عدل بهن إلى الزمر والرقص. ويقال: لو وقع الزنجي من السماء إلى الأرض ما وقع إلا بالإيقاع. وهم أنقى الناس ثغورًا لكثرة الريق، وكثرة الريق لفساد الهضوم. وفيهن جلد على الكد، فالزّنجى إذا شبع
_________________
(١) الشكل، بالفتح، والكسر: دل المرأة وغزلها.
(٢) كذا. وفي التحقيق ٤٦: «والعلوم فيهم مفقودة، وكذلك الصنائع اللطيفة».
(٣) المعروف «العجمة». ولكن ابن بطلان يعيد استعمال هذه الكلمة في أواخر كتابه هذا، فهي من لغته.
[ ٣٧٤ ]
فصبّ العذاب عليه صبًا، فإنه لا يتألم له. وليس فيهن متعة، لصنانهن وخشونة أجسامهن.
(الحبشيات) الغالب عليهن نعمة الأجسام ولينها وضعفها، يتعاهدهن السلّ والدق، ولا يصلحن للغناء ولا للرقص، دقاق، لا يوافقهن غير البلاد التي نشأن فيها، وفيهن خيرية ومياسرة، وسلاسة انقياد، يصلحن للائتمان على النفوس يخصهن قوة النفوس وضعف الأجسام، كما يخص النوبة قوة الأجسام على دقتها وضعف النفوس، قصار الأعمار لسوء الهضم.
(المكّيات) خناث مؤنثات ليّنات الأرساغ، ألوانهنّ البياض المشرب بسمرة، قدودهن حسنة، وأجسامهن ملتفة، وثغورهن نقية باردة، وشعورهن جعدة، وعيونهن مراض فاترة.
(الزغاويات (^١» رديات الأخلاق ذوات دمدمة، يحملهن غلظ الأكباد وشر الطباع على عمل عظيم الأفعال، وهن شرّ من الزنج ومن جميع أجناس السودان، نساؤهن لا يصلحن لمتعة، والرجال لا يصلحون لخدمة.
(البجاويات) بين الجنوب والغرب في الأرض التي فيما بين الحبشة والنوبة، مذهبات الألوان، حسنات الوجوه، ملس الأجسام ناعمات البشرة، جواري متعة إن جلبت صغيرة وقد سلمت من أن ينكل بها، فإنهن يقورن ويمسح بالموسى بأعلى فروجهن من اللحم كله حتى يبدو العظم فيصرن شهرة من الشهر، وتقطع أثداء الرجال، وتسل الرضفة (^٢) من ركبهن - زعم القائل - حتّى
_________________
(١) زغاوة، قال ياقوت: بلد في جنوبي أفريقية بالمغرب، وهم جنس من السودان.
(٢) الرضفة، بالفتح وبالتحريك: عظم مطبق على رأس الساق ورأس الفخذ. في الأصل: «وسعل الرضعة».
[ ٣٧٥ ]
لا يعيا الساعي منهم. والشجاعة والسرقة فيهم طبع وغريزة، ولهذا لا يؤمنون على مال ولا يصلح أن يكونوا خزانًا (^١).
(النوبيات) من جملة أجناس السودان، ذوات ترف ولطف وقصف، وأبدانهن يابسة مع لين بشرة، قوية مع دقة وصلابة، وهواء مصر يوافقهن، لأن ماء النيل شربهن، وإذا انتقلن عن غير مصر تسلطت عليهن العلل الدموية والأمراض الحادة. ويسير الأذى يقدح في أجسامهن، وأخلاقهن طاهرة، وصورهن مقبولة، وفيهن دين وخيرية وعفة وتصوّن، وإذعان للمولى، كأنهن فطرن على العبودية.
(القندهاريات) في معنى الهنديات، ولهن فضيلة على كل النساء، فإن الثيب منهن تعود كالبكر. الصفراء المولدة تنسب إلى أبيها وأمها، وتمزج بينهما، بأخلاقها مركبة منهما (^٢).
(التّركيات) قد جمعن الحسن والبياض والنّعمة، ووجوههن مائلة إلى الجهامة، وعيونهن مع صغرها ذات حلاوة، وقد يوجد فيهن السمراء الأسيلة، وقدودهن ما بين الربع والقصير (^٣)، والطول فيهن قليل، ومليحتهن غاية، وقبيحتهن آية وهنّ كنوز الأولاد، ومعادن النسل، قل ما يتفق في أولادهن وحش ولا ردى التركيب ولا حان (^٤)، وفيهن نظافة ولباقة، قدورهم معدهم (^٥) يعوّلون
_________________
(١) في الأصل: «خزان».
(٢) في الأصل: «فيمتزج بينما فأخلاقها مركبة منها».
(٣) في التحقيق: «ما بين الربعة إلى القصير».
(٤) كذا وردت في الأصل.
(٥) في الأصل: «قدوهم» وإنما المراد أن معدهم، بمنزلة القدور ينضج فيها الطعام.
[ ٣٧٦ ]
عليها في الطبخ والنضج والهضم، لا يكاد يوجد فيهن نكهة متغيرة، ولا من له عجيزة عظيمة، وفيهم أخلاق سمجة وقلة وفاء.
(الديلميات) حسان المنظر، جميلات المخبر، غير أنهن أسوأ الناس أخلاقًا، وأغلظهن أكبادًا، وفيهن صبر على الشدة، شبه الطبريات في كل حال.
(اللانيات (^١» ألوان بيض محمرة، ولحوم كثيرة (^٢)، وأمزجة يغلب عليها البرد. وهن للخدمة أصلح منهن للمتعة، لأن فيهن خيرية طبع، وثقة واستقامة أخلاق، وحرصًا (^٣) على المحافظة والموافقة، وهن بعيدات عن الشّبق.
(الروميات) بيص شقر، سباط الشعور، زرق العيون، عبيد طاعة وموافقة، وخدمة ومناصحة، ووفاء وأمانة ومحافظة، يصلحن للخزن، لضبطهن وقلة سماحتهن، لا يخلو أن يكون بأكفهن صنائع دقيقة.
(الأرمنيات) الملاحة للأرمن لولا ما خصوا به من وحشة الأرجل (^٤)، مع صحة بنية وشدة أسر وقوة، والعفة فيهن قليلة أو مفقودة، والسرقة فيهن فاشية، وقل ما يوجد فيهن بخل، وفيهن غلظ طبع ولفظ، وليست النظافة في لغتهن، ٢٨ وهن عبيد كد وخدمة، متى نهنهت العبد ساعة بغير شغل لم يدمه خاطره إلى
_________________
(١) في الأصل: «الأنيات» تحريف. وفي التحقيق ٤١: «ذكر اللان. واعلم أن اللان جنس من الروم». وقال ياقوت: «بلاد واسعة في طرف أرمينية قرب باب الأبواب مجاورون للخزر. والعامة يغلطون فيهم فيقولون علان، وهم نصارى تجلب منهم عبيد».
(٢) في التحقيق ٤١: «ألوانهم بيض محمرة ولحومهم مكتنزة».
(٣) في الأصل: «وحرص».
(٤) في التحقيق ٣٨: «وحاشة الأرجل».
[ ٣٧٧ ]
خير. لا يصلحون إلا على العصا والمخافة، وليس فيهم فضيلة غير تحمل العناء (^١) والأعمال الثقيلة، والواحد منهم إذا رأيته كسلانًا فذاك لعلة فيه (^٢) ليس عن عجز قوة، فدونك والعصا، وكن مع ضربه وانقياده لما تريده منه على حذر، فإن هذا الجنس غير مأمون عند الرضا فضلًا عن الغضب، نساؤهم لا يصلحن لمتعة.
وجملة الأمر أن الأرمن أشر البيضان، كما أن الزنج أشر السودان، وما أشبه بعضهم ببعض في قوة الأجساد، وكثرة الفساد، وغلظ الأكباد.
_________________
(١) في الأصل: «عن عمل الغناء». وفي التحقيق: «وليس فيهم فضيلة غير الأعمال الثقيلة ولا يصحون إلا على العناء».
(٢) العلة: خبث النفس. وفي الأصل: «لعبه فيه».
[ ٣٧٨ ]