وأضيف إلى ذلك ما يعتبر به أرباب الصنائع (^١) من العبيد والإماء، ثلاثة عشر فصلًا، ومن ذلك فصول ينتفع بها فيما نحن بسبيله وعددها ثلاثة فصول، شرحها:
(الأول): في فصل منبه على ما فضل فيه النساء على الرجال، ويجري هكذا:
طبع الرجال على جميع الصنائع، واختص النساء بالغناء والغذاء، فهن أطيب طبيخًا منهم لثباتهن في العمل، وأحسن غناء لأنهن مطبوعات على النغم، لكن فيهم در ومشخلب (^٢)، ولهذا يحتجن إلى جهابذة ينتقدونهن.
(الثاني): في الجيد من الغناء، ويجري هكذا:
إذا اجتمع للغناء أن يكون مطبوعًا سليمًا من الخروج والفور، وكانت الجارية شحرورية الصوت، جيدة الصنعة والضرب، صحيحة التأدية للشعر، قد أخذت عن الحذاق وتزيدت من نفسها بجودة الطباع، فهي الغاية القصوى في هذا الشأن، فإن اتفق لها مستمع عارف بالطرائق والضرب واللحن ومجرى الأصابع، وقائل الشعر وما فيه من العروض والنحو، وما في الصوت من ردات وترجيحات وشذرات ونقرات وتشييعات، كان أوفر في اللّذّة وأنفق للصناعة.
_________________
(١) وردت الكلمة قديما في التنبيه للمسعودي ٥ وإنباه الرواة للقفطى ١: ١٩٥ والدرر الكامنة لابن حجر ٢: ٤٢٠.
(٢) في اللسان (شخلب): «قال الليث: مشخلبة كلمة عراقية ليس على بنائها شيء في العربية، وهي تتخذ من الليف والخرز أمثال الحلى. قال: وهذا حديث فاش في الناس: يا مشخلبة، ما ذا الجلبة، تزوج حرملة، بعجوز أرملة. قال: وقد تسمى الجارية مشخلبة بما يرى عليها من الخرز كالحلى»: وانظر المعرب للجواليقى ٤١٥. وقد جاء قديما في قول الوليد بن يزيد: قد راح نحو العراق مشخلبه … قصاره السجن بعده الخشبة الأغانى ١: ١٦٠.
[ ٣٨٥ ]
(الثالث): في الطيب من الطبيخ واللذيذ من الغناء. اختلف الناس في ذلك ثم اتفقوا على أن هذا أمر يقال بالقياس إلى السمع والذوق، وكلما كانت هاتان الحاستان سليمتين في جوهرهما، معتدلتين في مزاجهما ذكيتين في حسهما كان ما يدركانه لذيذًا في نفسه وعندهما (^١)، ومتى خرجت عن طباعها - وهذا بلا نهاية عندنا - كان اللذيذ بقياسنا لا في نفسه. ولهذا بعض الناس يستفره نقرة فيقول:
الغناء ما أطرب. وآخر لاهٍ عن تلك النقرة، وواحد يشتهي لونًا، وآخر عنده ذلك اللون غير شهي.
ومن ذلك اعتبارات الصنائع على اختلافها في العبيد والإماء، أربعة ٣٥ فصول، منها.
الطباخات: عمدة الطبيخ على طيب المرق وجودة المزاج، فإن اتفق للطباخة مع هذا جودة الصنعة وسرعة العمل فذاك غاية الأمل. وقل ما يتفق أن تكون كاملة في البوارد (^٢) والشواء والطبيخ والحلواء على أصنافها الثلاثة، فهذا مما يعجز عنه قدر النساء. والذي يمتحنون (^٣) به الإسفيدباج (^٤)، والدّيكبراكة (^٥)
_________________
(١) في الأصل: «سليمة في جوهرهما معتدلة في مزاجهما ذكية في حسهما كان ما يدركه لذيذا في نفسه وعندها».
(٢) في حواشي كتاب الطبيخ لمحمد بن الحسن البغدادي بتحقيق الدكتور داود الجلبي ص ٥٦: «هي البقول المطبوخة الموضوعة في الأشياء الحامضة كالخل وماء الحصرم والسماق وماء التفاح والريباس والماست. كتاب الأغذية والأشربة من الخمسة النجيبية، لنجيب الدين السمرقندي».
(٣) في الأصل: «يمتحنوا».
(٤) ضرب من الطعام يصنع من اللحم والبصل والحمص والأبازير. انظر صنعته في كتاب الطبيخ للبغدادي ٢٣. ويقال له أيضا «إسفيدبا» كما في معجم استينجاس ٥٨. ومعنى كلمة «إسفيد» في الفارسية الأبيض، واللامع.
(٥) جاءت في كتاب الطبيخ ١٢: «ديكبريكة». ووجد الدكتور داود جلبي ضبطها في أصل نسخته بفتح الكاف الأولى وسكون الباء وكسر الراء، قال: «وأظنها من الآرامية: «ديكابريكا»، ومعناها الديك المبارك». وصنعة هذا اللون قريبة من صنعة سابقه.
[ ٣٨٦ ]
أما الإسفيدباج فلأنّ الأبازير مطيبة لها، وكثرتها يسوّد مرقها، وأتقنها بياضها (^١) فلهذا يتعذر سلامتها. وأما الديكبراكة فلأنها لون سهل يتبين في التلطف في منع سهوكتها.
الخزّان: يختار لحفظ الأموال الروم، لأن السخاء ليس في لغتهم (^٢).
واعتبارهنّ يكون بإمراجهن (^٣) في مال معلوم الوزن وإهمال مراعاتهن والتصفح له من بعد بغتة.
الحواضن والدايات: يختار لتربية الأطفال النوبة لأنهن من جنس فيه رحمة وحنين على الولد، وليس يلقن الطفل لغة بشعة، ويختار للرضاع الظئر الصحيحة الجسم، الحديثة السن المعتدلة المزاج، المائلة إلى البياض المشرب حمرة، الصحيح الولد واللبن. واعتبار اللبن أن تقطر على ظفرك منه فإذا صار كالعدسة لا غليظًا مقببًا ولا مائعًا سيالًا، وكان طيبًا في رائحته، أبيض في لونه، كان جيدًا.
وبعض الأطباء اختار الزنج للرضاع، لأن حرارتهن البارزة نحو الأثداء منضجة للبن، ولأنهن لغلظه أكثر غذاء. وقال قوم: إن قياسه قياس لبن الأتن في اللطافة، لغلظ أجسامهن.
رجال الحرب والنجدة: يختار لذلك الترك والصقالبة، لحرارة قلوبهم.
واعتبارهم يكون بإيراد الأشياء المفزعة بغتة، كإلقاء الحيات الخرق (^٤) أو طرح الأشياء التي لها صوت عظيم من علو بين أيديهم.
_________________
(١) في التحقيق ٢٥١: «وحسنها بياضها».
(٢) في التحقيق ٢٥٢: «ليس في طباعهم ولا أخلاقهم».
(٣) كذا. وفي التحقيق: «فمن أراد أن يجعل خازنا غلاما أو جارية فليعتبرهما بإمراجهما» وفي الأصل «بإمراجهن» تحريف. يقال أمرج الدابة: تركها تذهب حيث شاءت.
(٤) في الأصل: «الخرت». وفي التحقيق ٢٥٢: «كإلقاء حيات الخرق».
[ ٣٨٧ ]
ومن ذلك ما يتعلق بالقيان ستة فصول، شرحها:
العوّادات: يعتبرن بالعشرة الأصوات المعين عليها من المائة المختارة، وخاصة بالثاني ثقيل، وعموده ثلاث عشرة نقرة.
الرقاصات: يحتاج الرقاص أن يكون طريًا في طبعه، مجودًا في صنعته، معتدلًا في جسمه وقامته، عريض الصّدر (^١) ليمتد نفسه، مجدول الحشا لتخف حركته.
وهذا يعرف من إحضاره وصياحه، ويكون قيما بالبابات (^٢) جميعها لا سيما الشيرازية منها.
الكراعات (^٣) يعتبرن بالأرمال والأهزاج والنصبى (^٤) والكاكاني (^٥).
الزوامر: يختار لهن الزنج لأنهن مطبوعات على الإيقاع. ولما يمنعهن عجومة (^٦) ألفاظهن عن الغناء عدل بهن إلى الزمر والرقص.
الطنبوريات: ذوات الطنبور البغدادي، يعتبرن بالزريقي والحجفي وخفيف رمل ابن طرخان. ومن آدابهن على الإجمال إصلاح آلاتهن قبل حضورهن
_________________
(١) في الأصل: «الصلب»، وصوابه في كتاب التحقيق ص ٢٤٩.
(٢) البابات: الوجوه والطرق، أي طرق الرقص. في الأصل: «بالنايات»، صوابه فيما أرى من كتاب التحقيق ٢٤٩.
(٣) الكراعة: كلمة مولدة كما في اللسان (كرع). وفي شفاء الغليل للخفاجى: كراعة: مغنية تغنى على طبل صغير. قال ابن الرومي: ألق إليها أذنا واستمع … أبرد ما غنته كراعه».
(٤) في الأصل: «العصبى» وفي التحقيق: «النفي» بإهمال الحروف ما عدا الفاء. وقد سبق الكلام على «النصبى» في حواشي ٣٢٤ من المجموعة الثالثة.
(٥) كذا في الأصل.
(٦) انظر ما سبق في ص ٣٧٤ س ١٥.
[ ٣٨٨ ]
للغناء، واستصحابها إذا نهضن لا سيما إذا كن بارزات دون الستائر.
الدف بالزرفن (^١).
[صورة ما ورد في ختام الأصل]
تمت الرسالة في شرى الرقيق وتقليب العبيد، تأليف الشيخ أبي الحسن المختار بن الحسن بن عبدون البغدادي المتطبب.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
_________________
(١) كذا. وفي كتاب التحقيق ٢٤٩: «والدفافات يعتبران بالزفن». والدفافة: الضاربة بالدف. والزفن: الرقص.
[ ٣٨٩ ]