في قصائد الفضلاء ومقاطيع الأدباء في مدحها
قال العارف الشهير الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره كما في كتابه خمرة بابل وغناء البلابل:
زوج القهوة للتنباك تنجلي بين يد النساك
وادر فنجانها لابسة حلة سوداَء كالاحلاك
بين ندمان علوم وهدى قدرهم فوق ذرا الافلاك
[ ٢٢ ]
وتنصت لغنا ابريقها فوق جمر النار في الشباك
واطرد الهمَّ بايدي فرح مضحكات لك سن الباكي
وتباعد عن حشيش بل وعن كل ما عقلك منه شاكي
والمباحات اذا صرت بها في انبساط انت شهم ذاكي
وهي تعطيك سرورا منقذا لك بالحل من الاهلاك
اوَ لم تعلم كمال الشرع في حِكم كالدرّ في الاسلاك
كل شيءً حرم الله فمن جنسه شيء حلال زاكي
وقال قدس سره:
رب سوداء في الكؤُوس تبدَّت تهب الروح نفحة في الحياة
فاذا ذقتها تحققت منها ان ماَء الحياة في الظلمات
وقال الامام ابو الفتح بن عبد السلام مفتي المالكية بالشام مردوفًا بديعًا:
قهوة القدر قدرها ارتفعا مذ في الدجى بدر كاسها طلعا يُجلا
يا حسنها مثل ذائب السبج
سمراء تسبى البدور بالدعج
كالمسك في منظر وفي ارج
لها مذاب العبير قد خضعا ومذل السحر درها ارتضعا طفلا
احبب بكاس لم يعلها حبب
جوهريا قوتها له لهب
ابنة بن لها الشهاب اب
كم بارق من حولها لمعا فكيف مع حسنها الذي سطعا تقلا
لا غرو ان سلَّمت بذي سلم
لمياء في شفها شفا المي
منشؤها الحل وهي في الحرم
ما طاف بالبيت طيفها وسعى الا وقال الامام حين دعا اهلا
[ ٢٣ ]
من خدرها العيد روس ابرزها
وللندامى الكرام جهزها
وبالمعاني الحسان طرزها
وهيم القوم عندما وضعا لها اسم راح ونعم ما وضعا فعلا
قد ظهرت في الورى منافعها
والغمر من جهله يدافعها
يخفضها والاله يرفعها
يا عاذلي زدتني بها ولعا احب شيء للمرءِ ما منعا وصلا
كم طاب في طيبة بها السهر
وزال عند الصفا بها الكدر
وضاع بالشام نشرها العطر
ورب شاد والفدم قد هجعا بها مع الاوليا قد جمعا شملا
يا صاح شرد بشربها وسنى
من كف ظبي ذي منظر حسن
وقل لاهل الحجاز واليمن
من لام في شربها دعاه دعا فانه بالكمال ما اجتمعا اصلا
وللمحدث الفقيه الاديب غرس الدين الخليلي ثم المدني الانصاري:
دع الصهباء واشرب صفو قشر مشعشعة تدور بكف بدر
وان شئت الصفا بادر سريعًا الى حان لها قد حان بدري
فما الياقوت في لون نضير وما لون النضار ولون تبر
دع الفاروق ان رمت التداوي وخذها فهي للاسقام تبري
كان حبابها المنظوم عقد من الياقوت يجلى فوق نحر
[ ٢٤ ]
ساسعى نحو مروتها اُلبي ليصفو بالصفا صدري ونحري
ندمت ندامة الكسعى عليها لما قد فات من ايام عمري
سادمن شربها ما دمت حيًا ولا اصغى الى زيد وعمرو
واجلو عين اغياري وهمي بصافيها سحيرا قبل فجر
فرايي الآن يا من رام نصحي اذا شاهدتها في الحان فاجر
ولم لا وهي مشروب العوالي من السادات في برّ وبحر
هي الراح المريح لكل روح ولم تمزج ولم توجد بعصر
وكل مخالف فيها فاني اسفه قوله من اهل عصري
فقل ان قال ساقيها المفدى جبا يا مرحبا واسكر بسكري
وخذها من يديه في حضور مع الساقي المليح بغير سكر
فلا غول ولا تأثيم فيها وليست مرة بل طعم تمر
وان غالي المحب وقال شهدي اجيب نعم اذا ما كنت تمري
ولولا مدحتي للبن قبلا لعدت له بهجو ثم هجر
لبئس طباعه وسواد قلب له فهو الحري بكل هجر
وللاستاذ العارف بالله تعالى زين العابدين بن محمد البكري الصديقي القاهري:
ان تشرب القهوة في حانها فاللطف قد حف بندمانها
حان حكي الجنة في بسطها برقة العيش واخوانها
بمائها نغسل اكدارنا ونحرق الهم بنيرانها
لاهمَّ يبقى لا ولا غمَّ اذ قابلك الساقي بفنجانها
يقول من ابصر كانونها اف على الخمر وادنانها
شراب اهل الله فيها الشفا جواب من يسئل عن شانها
[ ٢٥ ]
وله ايضًا:
يا قهوة تذهب همَّ الفتى انت لقاري العلم نعم المراد
شراب اهل الله فيها الشفا لطالب الحكمة بين العباد
نطبخها قشرًا فتاتي لنا في نكهة المسك ولون المداد
ما عرف المعنى سوى عاقل يشرب في وسط الزبادي زباد
حرمها الله على جاهل يقول في حرمتها بالعناد
فيها لنا برءٌ وفي حانها صحبة ابناءِ الكرام الجياد
كاللبن الخالص في حله ماخرجت عنه بغير السواد
وله ايضًا:
اسقنا قهوة غدافية اللو ن حلالا تفرج الهمّ عنا
وادرها من خالص البن صرفًا لا تشب حسنها بغير فتنا
واتبع قول اشرف الرسل حقًا قال قولا (من غشنا ليس منا)
وقوله فتنا لعله اصله فتنأَى مبنى للمجهول بمعنى تبعد فسهل الهمز ونقل حركته للنون فشددها وبقى صورة الهمزة المسهلة.
وللعلامة محمد بن عبد القادر اليمني:
يا شاعرًا فاق في اقواله الشعرا ابدى لنا من قوافي نظمه دررا
اطربتني اذ وصفت القاف تتبعه هاء وواوا وهاء بعده زبرا
حققت في وصفها وصفي كفى ورقا بل قد شفا وجلا عن قلبي الكدرا
فانها قوة مهما حذفت لها هاء تبين ذا من في الانام قرا
لذاك ناسبها في ذكرك اسم قوي موافقًا عدها فاعدده واعتبرا
[ ٢٦ ]
بقافها قويت اعضاء كل فتى وهاؤُها لهدى والواو منه جرى
بين الانام الوفا والهاء آخرُها منه الهبات وهذا السر قد ظهرا
فاشرب هنيئًا فما في ذاك منقصة كلا ولا حرمة تخشى بها شررا
وللاستاذ ابي المواهب البكري:
يا يوم بولاق وانسى به حكاك من شوال يوم الهلال
واقبل النيل جنوبًا وما من عارض الا نسيم الشمال
يا عارضا اوجب للنيل ما سلسله وهو طليق المجال
وقهوة تنضج مسكا ولا بدع ففي الفنجان شكل الغزال
حبابها من فوقها مانع نفاره فهو شباك اللآل
تديرها هيفاء ممشوقة خود تثنث في برود الدلال
كاد حجي من اقبلت نحوه يذهب من رنات تلك الحجال
بغرة او طرة وزعت افكارنا بين الهدى والضلال
تقول للشمس وقد اقبلت تلثمي ما انت الا خيال
قال الشهاب الخفاجي وبيت الغزال من السحر الحلال وهو بيت القصيد قال وقد قلت في معناه:
اقول وقد دارت بنادِيَّ قهوة وقد سرني منها الغداة صبوح
اصورة غزلان بفنجان قهوة اذا زفها ساق اليَّ صبيح
ام الظبي حقًا قد تردى به فمن دم طفح المسك الذكيّ يفوح
ولبعضهم:
ما يهضم الزاد سوى قهوة فقربوها نحونا واقربوا
ولا تخافوا الاثم في شربها فالله قد قال كلوا واشربوا
وللهمام العناياتي:
قهوة لا صداع فيها نعم فيها مزيل من الصداع مريح
صين في الصين مسكها فحكاها لعس في بياض ثغر يلوح
[ ٢٧ ]
ليل وصل في صبح لقيا حبيب طاب منها غبوقها والصبوح
وللفاضل مصطفى بن الضمدي اليمني ملغزًا فيها ارسله للسيد صلاح ابن احمد الشرفي وهو:
وجارية سوداء ان هي اسفرت يقبلها اهل المرؤَة والنهي
اذا ما اشتهى ظَلم الحبيبة عاشق فمجموعها ظَلم لعمري مشتهى
اذا بردت احشائها طال مكثها وان اصبحت محمومة طاب صبها
وان ذكر الاحباب طيب اصولهم ليفتخروا فالرشق بالقلب اصلها
وان سقيت من خالص المحض شربة تسارع فيها الشيب وابيض جسمها
فاجابه السيد صلاح المذكور:
اذا شئت حل اللغز منه فانها لاول ما يقرى الضيوف اولو النهي
اذا حذفوا من ابنها الفاء واجتزوا فذلك شيَء طيب الطعم مشتهى
وللاديب عبد الباقي المعروف بابن السمان مطلع قصيدة:
بفضِّ بكر وبشرب العجوز يدفع بعض الناس برد العجوز
ونحن قوم مالنا ثروة ولا نرى في الشرع ما لا يجوز
قهوتنا قهوة بنٍّ زكت تعيد ايام الصبا للعجوز
وعندنا كانون جمر لقد اعاد في كانون قيظا تموز
ولابي الفتح المالكي مضمنًا:
قالت لنا قهوة العنقود حين رات لقهوة البن قدرًا في الانام علي
لا بدع ان حطني دهري لرفعتها (لي اسوة بانحطاط الشمس عن زحل)
وللاديب ابي بكر العصفوري في قهوة جامها اصفر:
سوداء مثل المسك لا كالنِقس وجامها الاصفر مثل الورس
جالبة للانس بعد الانس حلت حلول زحل في الشمس
[ ٢٨ ]
وللفاضل محمد بن الرومي مضمنًا ايضًا:
قد قالت القهوة الحمراء وافتخرت كم قلد ملكت ملوك الاعصر الاول
وقهوة القدر ان قدرًا عليَّ علت (لي اسوة بانحطاط الشمس عن زحل)
وله ايضًا:
سمعت لسان الحال من قهوة الطلا يقول هلموا واسمعوا نص اخباري
فباسمي تسمت قهوة البن في الملا ولكنها لم تحك اصداغ خماري
فمن كذبها قد سود الله وجهها وعذبها بعد الاهانة بالنار
ولبعضهم ايضًا نحوه:
قهوة البن تدعى بابنة الكرم شبهها
كذبت في مقالها سود الله وجهها
وللاديب حسين الجزري الحلبي:
اسقني قهوة بن وامزج القهوة عودا
فهي للصفراء والب لغم تمحو وهي سودا
وللاستاذ محمد البكري ونسب للاديب محمد ماماي الرومي:
انا المعشوقة السمرا واجلى في الفناجين
وعود الهند لي طيب وذكري شاع في الصين
وللبليغ احمد المدني المعروف باليتيم مصغرا:
لله محكم قهوة تجلى لنا في ابيض الصينيّ طاب شرابها
فكانما هي مقلة مكحولة ودخانها من فوقها اهدابها
وللاديب صدر الدين:
فنجان قهوة ذا المليح وعينه ال كحلاء حارت فيهما الالباب
فسوادها كسوادها وبياضها كبياضها ودخانها الاهداب
وللاديب ابراهيم المبلط:
يا عائبًا لسواد قهوتنا التي فيها شفاء النفس من امراضها
[ ٢٩ ]
افلا تراها وهي في فنجانها تحكي سواد العين فوق بياضها
وله ايضًا:
يقول عذولي قهوة البن مرة وشربة حلو الماء ليس لها مثل
فقلت على ما عبتها بمرارة قد اخترتها فاختر لنفسك ما يحلو
وقال:
ارى قهوة البن في عصرنا على شربها الناس قد اجمعوا
وصارت لشرابها عادة فليست تضر ولا تنفع
ولبعضهم:
اشرب هنيئًا قهوة البن التي تحلو مع الاخوان والخلان
سوداء في المبيض في فنجانها تحكي سواد العين للانسان
ولشهاب الدين احمد الشنقي مضمنًا:
هم بابنة البن فقد ودَّها للطفها رب الحجا والدها
مذ سادت العنبر لونًا شدا لا تدعني الا بياعبدها
وللنجم الغزي:
اشرب من القهوة صاعين ولو يبذل الورق والعين
سوداء في بيض فناجينها كانها الانسان من عين
وللبديعي مضمنًا:
جمعنا قهوتي بنٍ وكرم لنعلم من له ثبت الفخار
فقالت قهوة البن اشربوني متى شئتم فبي نسي العقار
فانشد ضاحكا كاس الحميا (كلام الليل يمحوه النهار)
ولبعضهم:
سقتني قهوة في جنح ليل وفي يدها خضاب كالمداد
فقهوتنا وكفاها وليلى سواد في سواد في سواد
ولبعضهم:
[ ٣٠ ]
قهوة كالزباد رونقها فاق حسنًا على ابنة العنب
مادرى حسنها سوى رجل في الليالي ملازم الكتب
وقال الاديب الشاهيني الدمشقي:
وقهوة كالعنبر السحيق سوداء مثل مقلة المعشوق
اتت كمسك فائح فتيق شبهتها في الطعم بالرحيق
تدني الصديق من هوى الصديق وتربط الود مع الرفيق
فلا عدمت مزجها بريق
وقال يفضل الثلج عليها في الصيف:
غنيت بالثلج عن سوداء حالكة من قهوة لم تكن في الاعصر الاول
وقلت لما غدا خلي يعنفني في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
ولآخر:
ارسل الينا قهوة نطفي بها جمر الكسل
فانها احلى من المنِّ ومن طعم العسل
ولآخر:
نصاب البن فنجانان قالوا وفي رمضان ليس له نصاب
ولآخر:
قهوتنا بنية نشربها بالنية
وللامير محمد بن منجك ﵀:
مات السخاء ومزقت اوصاله وغدت معاهده مقر البوم
والشح كنا نرتضيه لَو انه شح بغير مضرة او شوم
انعام اكبرنا علينا قهوة قد اشبهت قارورة المحجوم
وقال الفاضل الحريري مفتى حماه يفضلها على الشاي:
هاتها قهوة خلاصة بنّ مرة الذوق تدفع النوم عني
انما النوم في الحقيقة موت هل يحب الموت امرؤٌ متهني
واسقنيها بالهال يعبق منها طيبه فوق طيبها وادن مني
[ ٣١ ]
بفناجين صنعة الصين فيها من بديع النقوش اعجبُ فن
فهي بعد الطعام افكه شيءٍ يحتسيه الانسان حين يثني
وهي عند الكرام اول امر تقتضيه الضيفان دون تأني
تجمع الناس حوها حلقات حيث مهباشها بضربٍ يغني
كل بيت تدق فيه تراه لمقر الضيوف كعبة امن
كم بها ابيضت الوجوه قراءً وهي سوداءُ حالك ذات دهن
تلهج الناس انهم شربوها عند زيد كنائل وهب معن
اين منها الشاي الذي ذكروه فمن الشاي يا اخا الذوق دعني