أهدى رسول الله ﷺ لعمر هدية فردّها، فقال: يا عمر لم رددت هديتي؟
قال: سمعتك تقول: (خيركم من لا يقبل شيئا من الناس) . قال: يا عمر إنما ذاك ما كان على ظهر مسألة، فأما إذا كان من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك. قالت أمّ الحكيم ﵂: «قلت للنبيّ ﷺ: أتكره ردّا للّطف «١»؟ قال: أقبّحه، لو أهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت لأجبت» .
وقالت: سمعته ﷺ يقول: «تهادوا فإنه يضعّف الحبّ ويذهب بغوائل الصدر» . الجاحظ: التهادي سنة متقلّبة، ومكرمة متقبّلة. عائشة ﵂: اللطفة عطفة، تزرع في القلوب المحبة. عن النبيّ ﷺ: «تهادوا تحابوا» وعنه ﵊: «الهدية رزق من الله تعالى، فمن أهدي إليه شيء فليقبله» . النبي ﷺ: «الهديّة تجلب السمع والبصر والقلب» . قال ذو الرّياستين: لا يوقى المحذور بمثل الهدية.
إذا دخل الهدية دار قوم تطايرت العداوة من كواها
جاء (عافية) القاضي إلى المهديّ فاستعفاه من القضاء، فقال: ما السبب؟
قال: تقدّم إليّ خصمان منذ شهرين ولم أحكم بينهما رجاء أن يصطلحا، فوقف أحدهما على جنيّ الرطب وجمع رطبا لم يوجد مثله ورشا بوّابي على أن يدخل الرطب، فلما وضع الطبق إلى يديّ، أنكرت وطردته ورددت الطبق، فلما تقدّم اليوم مع خصمه، لم يتساويا في قلبي ولا عيني. يا أمير المؤمنين هذا حالي ولم
[ ٢٦٨ ]
أقبل، فكيف لو قبلت؟ وقد فسد الناس؟ إني أخاف أن أهلك فأقلني أقالك الله. فأقاله. قيل:
ما من شفيع وإن تمت شفاعته يوما بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقا لم يخش صولة بوّاب ولا غلق
ابن عباس ﵄: ما أهدى المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى، أو يردّ بها عنه ردى. كان إبراهيم بن أدهم إذا أهدي إليه شيء لم يردّه وكافأه بمثليه، فإذا لم يجد إلا ثوبه خلعه. أهدى مالك إلى الليث صينية فيها تمر فأعادها مملوءة ذهبا.
سأل ابن المبارك مرّة سائل فأعطاه درهما، فقال بعض أصحابه: إنّ هؤلاء يأكلون في غدائهم الشواء والفالوذج. فقال: والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز. وقال: يا غلام ردّه وأعطه عشرة دراهم. وكانت سفرة ابن المبارك تحمل على بعير وحدها وفيها من أنواع المآكل، وهو صائم الدهر، وكان يربو كسبه في التجارة كلّ سنة على مائة ألف فيفرّقها في العلماء والعباد، وربما أنفق من رأس المال. وإذا أقام ببغداد يتصدّق كل يوم بدينار. عبد الملك بن مروان:
ثلاثة أشياء تدلّ على مقدار عقول أربابها: الكتاب يدلّ على مقدار عقل كاتبه، والرسول يدلّ على مقدار عقل مرسله، والهدية تدلّ على مقدار عقل مهديها.
وعنه أيضا: ثلاثة أشياء تدلّ على عقل الرجل: مهاداة الأصحاب، وملاقاته بالبشر للأحباب، وعدم المؤاخذة فيما ينقل إليه من الأكذاب.
كتب إبراهيم بن إسماعيل إلى المأمون يوم النيروز: وجهت إلى أمير المؤمنين جام «١» فضة مذهبة فيها سبع تفاحات من مسك وعنبر وسكّ وصندل «٢» وكافور
[ ٢٦٩ ]
وزعفران وعود، وتفاءلت لأمير المؤمنين، باجتماعها وفيوح رائحتها، أن يملك الأقاليم السبعة وأن يفوح عدله وحسن سيرته في رعيته كفيوحها إن شاء الله تعالى. قيل: إذا سرّك أن يثبت لك الصديق، فليكن لك عليه الفضل. قالت امرأة يحيى بن طلحة له: أما ترى أصحابك إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك؟ فقال: هذا من كرمهم يأتوننا في حالة القدرة على الإحسان، ويتركوننا في حالة الضعف. محمد بن عليّ ﵄: أيدخل أحدكم يده في كمّ أخيه فيأخذ حاجته؟ فقيل: لا. فقال: فلستم إذا بإخوان. قيل:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يألفهم في المنزل الخشن
عن النبيّ ﷺ: «من أهديت إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه» . قال بعض: الخبر على ظاهره. وحمله البعض على الاستحباب. روي أنه أهدي إلى أبي يوسف القاضي دنانير، فروى بعض جلسائه هذا الحديث، فقال: هذا في الفواكه ونحوها. وذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي القاسم أنه أهدي إليه هدية من دنانير فذكر هذا الحديث فقال: معنى الحديث أنهم شركاؤه في السرور. وقال البعض: هذا في مثل أصحاب الصّفّة «١» وأهل الخانقاه «٢» . أهدي إلى بعض العارفين شيء وكان عنده رجل، فقال الرجل: الهدايا تشترك. فقال العارف:
ليك تنها خو شترك. فأعطاه كلّه للرجل ولم يقبل منه شيئا.
الحسن: كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه خصمان رفع أحدهما الرشوة في كمّه فأراها إيّاه فلا يسمع إلا قوله، فأنزل الله تعالى: سَمَّاعُونَ
[ ٢٧٠ ]
لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
«١» . وعنه: إذا دخلت الرشوة من الباب خرج الحق من الكوّة. قيل: وإن سدّت الكوّة؟ قال: يخرج من حيث يدخل ملك الموت. في «النوابغ» «٢»: البراطيل، تنصر الأباطيل. البستيّ: الرشوة رشاء الحاجات. والله ﷾ أعلم.
[ ٢٧١ ]