عن النبيّ ﷺ: «أصبح وأمس ولسانك رطب بذكر الله، تصبح وتمس وليس لك خطيئة» . قال موسى صلوات الله عليه: أي ربّ ما علامة رضاك عني؟ فقال: ذكرك إياي يابن عمران. رفع الله العذاب عن بني إسرائيل ستمائة سنة بقولهم: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
«١» .
قال موسى ﵇: يا ربّ إنك لتعطيني أكثر من أملي. قال: إنك تكثر قول: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
«٢» . بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته، وتشوّش عليه رزقه. سئل الشّبليّ عن قوله ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال: أهل البلاء أهل الغفلات عن ذكر الله تعالى. حكي عن منصور الحلّاج أنه لمّا قطعت أطرافه كتب في مواقع دمه: الله الله. وعن زليخا أنها افتصدت يوما فكتب من آثار دمها في الأرض: يوسف يوسف.
معاذ بن جبل ﵁ رفعه: «ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرا فيتعارّ «٣» من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلّا أعطاه إياه» . سعيد بن
[ ٢١٥ ]
جبير: أوّل من يدعى إلى الجنّة الذين يحمدون في السّرّاء والضرّاء. فضيل:
بلغني أنّ أكرم الخلائق على الله تعالى يوم القيامة وأحبّهم إليه وأقربهم الحمّادون على كل حال. أبو هريرة ﵁ يرفعه: «إذا عطس أحدكم فليقل:
الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو:
يهديكم الله ويصلح بالكم» . ابن عباس ﵄: من سبق العاطس بالحمد لله وقي وجع الرأس والأضراس. جابر، يرفعه: «لقد بارك الله للرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها» . عن النبي ﷺ أنه كان يقول:
«اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذلّ إلّا لك» . طاوس: إني لفي الحجر ليلة إذ دخل عليّ عليّ بن الحسين ﵄، فقلت: هذا رجل صالح من أهل بيت رسول الله ﷺ، لأسمعنّ دعاءه، فسمعته يقول:
(عبيدك ببابك، ومسكينك بفنائك، وفقيرك بفنائك) فما دعوت بهنّ في كربة إلا فرّج الله عنّي.
ابن المسيّب: سمعت من يدعو بين القبر والمنبر: اللهمّ إني أسألك عملا بارّا ورزقا دارّا وعيشا قارّا. فدعوت به فلم أر إلّا خيرا. ابن عباس ﵄، عن النبيّ ﷺ: «ما انتهيت إلى الركن اليماني قطّ إلا وجدت جبرائيل قد سبقني إليه ويقول: قل يا محمد: اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر والفاقة ومن مواقف الخزي» . سأل الثوريّ جعفر بن محمد عن الدّعاء عند البيت الحرام فقال: إذا بلغت البيت ضع يدك على الحائط ثم قل: يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ويا كاسي العظام لحما بعد الموت. ثم ادع بما شئت. ثم قال: إذا جاءك ما تحبّ فأكثر من «الحمد لله»، وفيما تكره أكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار. الحسن: من دخل المقابر
[ ٢١٦ ]
وقال: اللهمّ ربّ الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما مني، كتب الله له بعدد من مات، من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، حسنات. وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يقولها إذا دخل الجبّانة.
عن أبي الدّرداء ﵁، عن النبيّ ﷺ: «ما صيد طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح» . ميمون بن مهران: أتي الصّدّيق بغراب وافر الجناحين، فجعل يمدّ جناحه ويقول: ما صيد مصيد ولا عضدت شجرة إلّا بتضييع التسبيح.
الصاحب بن عباد: سمعت ابن سمعون يوما على الكرسيّ يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم وأسمع بالعظم. أشار إلى اللسان والعين والسمع.
شكا رجل إلى الحسن رجلا يظلمه فقال: إذا صلّيت الركعتين بعد المغرب وسلّمت فاسجد وقل: يا شديد القوّة يا شديد المحال يا عزيزا أذللت بعزّتك جميع ما خلقت، صلّ على محمد وآله واكفني مؤنة فلان بما شئت. فلم يرع إلا بالناعية في الليل فسأل عنه فقيل: مات فلان فجأة. هبط جبريل على يعقوب ﵉ فقال: يا يعقوب إنّ الله يقول لك: قل: يا كثير الخير ويا دائم المعروف ردّ عليّ ابنيّ. فأوحى الله إليه: وعزّتي لو كانا ميّتين لنشرتهما لك.
كان أبو مسلم الخولاني إذا أهمّه أمر قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ونستعين. عن بعض الأكابر من المغاربة أنه قال: مما جرّب للخلاص من المخاوف والنجاة من الأعداء أن يقول المرء: حسبي الله ونعم الوكيل سبعين مرّة ثم يقول: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
«١»
[ ٢١٧ ]
ثلاث مرّات. عن بعض الأولياء: إذا أردت أن تقدم على جبّار أو سلطان، فإذا وقع بصرك عليه فكبّر ثلاثا وقل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«١» بعد أن تستغفر الله سبعين مرّة قبل ذلك، وهو سرّ من أسرار الله تعالى. سعيد ابن جبير عن ابن عباس ﵄: إذا دخلت على سلطان مهيب تخاف منه أن يسطو عليك فقل: الله أكبر الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم كن لي جارا من عبدك فلان وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك وجلّ ثناؤك وعزّ جارك ولا إله غيرك.
عن جعفر الخلديّ قال: ودّعت أبا الحسن المزيّن الصغير فقلت: زوّدني شيئا، فقال: إذا ضاع منك شيء، أو أردت الجمع بينك وبين إنسان فقل: (يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنّ الله لا يخلف الميعاد «٢»، اجمع بيني وبين كذا) . فالله يجمع بينك وبينه. فقال: فما دعوت إلا استجيب لي. قتادة ﵁: (بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «هلال خير ورشد» ثلاث مرّات، «آمنت بالذي خلقك» ثلاث مرّات، «الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا») . روي أنّ رسول الله ﷺ كان يقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» . قالوا: من آداب الدعاء أن يترصّد الأوقات الشريفة، كما بين الأذان والإقامة- لقوله ﷺ: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ» - وحالة السجود، ووقت السحر، وأن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه- لما روى سلمان ﵁ عن رسول الله ﷺ: «إنّ ربّكم حييّ كريم من عبده إذا رفع يديه إليه أن
[ ٢١٨ ]
يردّهما صفرا «١»» . وعن أبي الدرداء ﵁: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تغلّ بالأغلال- ويمسح بهما وجهه بعد الدعاء- قال عمر ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا مدّ يديه في الدعاء لم يردّهما حتى يمسح وجهه» - وأن لا يرفع بصره إلى السماء، وأن يخفض صوته- لقوله تعالى: تَضَرُّعًا وَخِيفَةً
«٢» - وأن لا يتكلّف، ويأتي بالكلام المطبوع الغير المسجوع، لقوله ﵇: «إياكم والسّجع في الدعاء، بحسب أحدكم أن يقول: اللهمّ إني أسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل» .
قيل: ادع بلسان الذلّة والاحتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق. وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، كما ترى في آخر سورة البقرة.
ومن الآداب أن يستفتح الدعاء بالذّكر ولا يبدأ بالسؤال، عن سلمة بن الأكوع ﵁: «ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح الدعاء إلا قال: سبحان ربي العليّ الأعلى الوهّاب» . قيل لسفيان الثوريّ: ادع ربك، قال: ترك الذنوب هو الدعاء.
ابن المبارك: جاء رجل إلى عبد العزيز بن أبي داود وأنا عنده فقال: ادع الله لي. فقال: مراد خداي آب روى نيست «٣» . قال هرم بن حيّان لأويس رحمهما الله تعالى: صلنا بالزيارة واللقاء، فقال أويس: قد وصلتك بما هو أنفع لك، هو الدعاء بظهر الغيب، لأنّ الزيارة واللقاء قد يعرض فيهما التزيّن والرياء.
مورق العجلي ﵀: سألت الله حاجة مذ أربعين سنة ما قضاها لي، وما أيست منها. مرّ معروف الكرخي بسقّاء يقول: رحم الله من يشرب من هذا
[ ٢١٩ ]
الماء. فشرب وهو صائم وقال: عسى الله أن يستجيب. شريح رحمه الله تعالى: اللهمّ إني أسألك الجنّة بلا عمل عملته، وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته. خالد: اتقوا مجانيق الضعفاء. أي دعواتهم. عن النبي ﷺ: «من صلّى عليّ صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ، فليقلل عبد من ذلك أو ليكثر» .
وعنه ﷺ: «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» . وعنه ﵊: «إنّ في الأرض ملائكة سيّاحين يبلّغونني عن أمتي السلام» . وعنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليمات وأكمل التحيات: «ليس أحد منكم يسلّم عليّ إلّا ردّ الله روحي حتى أردّ ﵇» .
قال رجل لرسول الله ﷺ: «إني أذنبت ذنبا، قال: استغفر ربّك، قال:
إني أتوب ثم أعود، قال: كلّما أذنبت فتب واستغفر ربّك حتى يكون الشيطان هو الخسير» . عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: (سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) كفّر الله عنه ما كان في مجلسه ذلك» . الحسن، يرفعه: «إنّ إبليس قال: وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده. فقال الربّ ﷻ: وعزّتي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر «١»» . عليّ ﵁: سمعت أبا بكر الصديق ﵁ وهو الصادق يقول: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضّأ فأحسن وضوءه وصلّى واستغفر من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له لأنه يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
«٢» .
عمر ﵁: جالسوا التوّابين فإنهم أرقّ أفئدة. الحسن، يرفعه: «إنّ
[ ٢٢٠ ]
المؤمن ليذنب الذنب فيدخله الجنّة. قالوا: يا نبيّ الله كيف يدخله الجنّة؟ قال:
يكون نصب عينه تائبا مستغفرا حتى يدخل الجنّة» .
عليّ ﵁: لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين: محسن يزداد كلّ يوم إحسانا، ومسيء يتدارك بالتوبة. وعنه: ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة. ابن المسيّب، يرفعه: «المستغفر باللسان وهو مصرّ كالمستهزىء بربّه» . بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة، لا يصلحهما إلا الاستغفار.
السّريّ السقطي: أنا أستغفر الله من قولي: «الحمد لله» منذ ثلاثين سنة.
فقيل: كيف؟ فقال: وقع حريق بالليل فخرجت أنظر دكّاني فقيل: الحريق أبعد من دكّانك، فقلت: الحمد لله. ثم قلت: هب أنّ دكّانك تخلّص أما تهتمّ للمسلمين؟. قال رجل لمزيد: أماتك الله. قال: آمين بعدك بألف سنة. قال عبادة لرجل: من أين أقبلت؟ قال: من لعنة الله. قال: ردّ الله غربتك. قيل:
الحمد لله الذي أخمد جمرته، وسلب إمرته، وأذلّ عترته، ولم يقله عثرته.
قيل لبعض المجّان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. قيل لأعرابيّ اشتدّ مرضه: لو تبت، فقال: لست ممن يعطي على الذلّ، فإن عافاني الله تبت وإلّا متّ هكذا.
أعوذ بالله من كلّ ما يؤدّي إلى موارط نقمه، ويحجب عن موارد نعمه، آمين يا معين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٢٢١ ]