كان زيد بن حارثة لخديجة ﵂، اشتري لها بسوق عكاظ، فوهبته لرسول الله ﷺ، فجاء أبو يريد شراءه منه فقال رسول الله ﷺ: «إن رضي بذلك فعلت» فسئل زيد فقال: ذلّ الرّقّية مع صحبته أحبّ إليّ من عزّ الحرية مع مفارقته، فقال ﵊: «إذا اختارنا اخترناه» فأعتقعه وزوّجه أمّ أيمن وبعدها زينب بنت جحش. عليّ ﵁: «كان آخر كلام رسول الله ﷺ: الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» . ابن عمر ﵄: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله نعفو عن الخادم، فصمت، ثم أعاد عليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال: اعفوا عنه كلّ يوم سبعين مرّة» . كان الحسن بن زياد يكسو مماليكه كما يكسو نفسه اتباعا لقول رسول الله ﷺ: «ألبسوهم مما تلبسون» .
أراد رجل بيع جاريته فبكت فسألها فقالت: لو ملكت منك ما ملكت منّي ما أخرجتك من يدي، فأعتقها. قيل: شرّ الناس من يبيع الناس. يقال: ثلاثة لا يفلحون: بائع البشر، وقاطع الشجر، وذابح البقر. عن النبيّ ﷺ: «مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع» . كان لعثمان بن عفّان عبد فاستشفع بعليّ ﵁ أن يكاتبه، فكاتبه، ثم عاد عثمان بالعبد فقال: إني عركت أذنك فاقتصّ مني، فأخذ بأذنه فقال عثمان: شدّ شدّ يا حبّذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة. أحمد بن سهل: عزّ الملوك بالمماليك. كان لمحمد بن
[ ٤٠٦ ]
سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس خمسون ألف مولى، وهو وأخوه جعفر بن سليمان من ملوك بني هاشم وفرسانهم، وقد زوّجه المهديّ بنته العباسة ونقلها إلى البصرة. عليّ ﵁: اجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به فإنه أحرى من أن يتواكلوا في خدمتك. تغدّى سليمان عند يزيد بن المهلّب فقيل له: صف لنا أحسن ما رأيت في منزله، قال: رأيت غلمانه يخدمونه بالإشارة دون القول.
لقمان: لا تأمننّ امرأة على سرّ، ولا تطأ خادمة تريدها للخدمة. طلب معاوية ﵁ جواري فقال: كلّ رائعة من بعيد مليحة من قريب. قيل:
لا تبذل رقّك لمن لا يعرف حقّك. يقال: لزم العبد لسيّده التفويض إليه وترك الاعتراض عليه. يقال: سخط العبد لحكم سيده إنكار لحقّه وفرار من رقّه.
قيل: ما تحقق بالعبودية من لم يسرّه من مولاه ما يضرّه من سواه. يقال: ليس بحرّ من انقاد لشهواته ولا من خدم سوى ذاته. قيل: إذا كانت العبودية خدمة المعبود فأعبد العبيد ثلاثة: الملك والمحبّ والمنعم عليه. والملك أعبد الثلاثة. عمر بن الخطاب ﵁: من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين. فقال له الأحنف بن قيس لما رآه يهنأ بعيرا «١»: لو أمرت بهذا بعض العبيد، فقال: أيّ عبد أعبد مني؟. يقال: أمران يسلبان من الحرّ كمال الحريّة: قبول البرّ وإفشاء السرّ.
في المثل السائر: لا تفش سرّك إلى أمة ولا تبل على أكمة. يقال: المرأة مؤهلة لبيت تقمّه وطعام ترمّه «٢» ومغزل تديره وشبق تسكته وتثيره، فمن أشركها في أمره وأطلعها على سرّه فقد لحق بها. يقال: قلّما تنفع خدمة الجوارح إلا
[ ٤٠٧ ]
بخدمة القلب. ماتت للمهديّ جارية فجزع عليها جزعا شديدا، فكتب إليه أبوه:
كيف تجزع على أمة؟ فقال: جزعي لشيمتها لا لقيمتها. عن النبيّ ﷺ: «بئس المال في آخر الزمان المماليك» . مجاهد: إذا كثر الخدم كثر الشياطين.
معاوية: التسلّط على المماليك من لؤم القدرة. ابتاع بعض مشايخي غلاما فقلت: بورك لك فيه، فقال: البركة مع من قدر على خدمة نفسه، فاستغنى عن استخدام غيره، فخفّت مؤنته وهانت تكاليفه وكفي سياسة العبد. أميروس:
التسلّط على المماليك دناءة. وعنه ﷺ: «الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه» . يقال: إذا لم تجد من الخدم إلا من ساء أدبه فاخدم نفسك فإنه يحمل على قلبك بسوء الأدب من الأذى أضعاف ما يرفع عن بدنك بخدمته من العناء.
يقال: لا تسمح لولدك ولا لامرأتك ولا لخادمك بما فوق الكفاية، فإن طاعتهم لك مقرونة بحاجتهم إليك. يقال: اليسار مفسدة للنساء لاستيلاء شهوتهنّ على عقولهنّ. دعا عليّ كرّم الله وجهه غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال: لم لا تجيبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك، فاستحسن كلامه وأعتقه وقال: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. يحيى بن أكثم: بتّ ليلة عند المأمون فعطش وقام فشرب بنفسه، وكنت قد قصدت إلى الماء فقال: استخدام الرجل ضيفه لؤم، وأردت إيقاظ الخدم فقال: هم نيام وقد تعبوا في الخدمة وإني أسمعهم في الخلاء يشتمونني وأعفو عنهم. وعنه: جلس المأمون على جانب دجلة عند دخوله إلى بغداد وعنده العلماء والأشراف فإذا بملّاح في سفينة عتيقة يدخل الماء في جوانبها وعليه ثوب خلق «١» وهو يصيح بأعلى صوته: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين، فسمع وتبسّم والتفت إلينا وقال: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل.
[ ٤٠٨ ]
الصوليّ: غضب المأمون على رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن قديم الخدمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة، فرضي عنه. وقف رجل بين يديه فقال: والله لأقتلنّك، فقال: يا أمير المؤمنين تأنّ عليّ، فقال: قد حلفت، فقال: لأن تلقى الله حانثا خير لك من أن تلقاه قاتلا، فعفا عنه. عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون ثاني اثنين فنادى: يا غلام يا غلام، بأعلى صوته، فدخل غلام تركيّ فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضأ أو يصلي؟
كلّما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام، فنكس رأسه طويلا فما شككت في أنه يأمرني بضرب عنقه، فرفع رأسه وقال: يا عبد الله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسين أخلاق خدمنا. قيل ليحيى بن خالد البرمكيّ: لم لا تؤدّب غلمانك؟ فقال: هم أمناؤنا على أنفسنا فإذا أخفناهم كيف نأمنهم؟. عثمان ﵁: ما ملك رقيقا، من لم يتجرّع بغيظ ريقا.
أكثم: الحرّ حرّ وإن مسّه الضرّ، والعبد عبد وإن مشى على الدرّ. قيل في وصف عبد: غلام يأكل فارها «١»، ويعمل كارها، ويبغض قوما، ويحبّ نوما.
كان لرجل غلام من أكسل الناس فأمره بشراء عنب وتين فأبطأ حتى نوّط «٢» روحه، ثم جاء بأحدهما فضربه وقال: ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين، ثم مرض فأمره أن يأتي له بطبيب، فجاء به وبرجل آخر، فقال: لم
[ ٤٠٩ ]
أتيت بالآخر؟ فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة، فجئتك بالطبيب فإنه رجاؤك، وإلّا حفر هذا، فهذا طبيب وهذا حفّار. كان لإسحاق الموصليّ غلام يسقي من في الدار فقال له يوما: ما حالك؟ قال: يا مولاي ما في الدار أشقى مني ومنك، قال: وكيف؟ قال: أنت تطعمهم وأنا أسقيهم.
هشام بن عبد الملك لزيد بن عليّ: بلغني أنك تطلب الخلافة ولست لها بأهل، فقال: لم؟ قال: لأنك ابن أمة، فقال: لقد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرّة، وقد أخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم ﷺ.
[ ٤١٠ ]