شَاعِر لَا يتعاطى ميدانه، ومرعى بَيَان رق غضاه وأينع سعدانه، يَدْعُو الْكَلَام فيهطع لداعيه، وَيسْعَى فِي اجتلاب الْمعَانِي فتنجح مساعيه، غير أَنه أفرط فِي الانهماك، وَهُوَ إِلَى بطن السَّمَكَة من أوج السماك. قدم على هَذِه الْبِلَاد مفلتا من رهق تلمسان حِين الْحصار، صفر الْيَمين واليسار من الْيَسَار، فل هوى أنحى على طريفه وتلاده، وَأخرجه من بِلَاده. وَلما جد بِهِ الْبَين وَحل هَذِه الحضرة بِحَال تقتحمها الْعين، وَالسيف بهزته لَا يحسن بزته، دعوناه إِلَى مجْلِس أَعَارَهُ الْبَدْر هَالة، وخلع عَلَيْهِ الأهيل غلالة، وَروض تفتح كمامه، وهما عَلَيْهِ غمامة، وكأس أنس تَدور فتتلقى نجومها البدور. وَلما ذهبت المؤانسة بخجله، وتذاكر هَوَاهُ وَيَوْم نَوَاه، حَتَّى خفنا حُلُول أَجله، جبلنا للمذاكرة زمامه، واستسقينا مِنْهَا أغمامه، فأمتع وأحسب، وَنظر وَنسب، وَتكلم فِي المسايل، وحاضر بِطرف الأبيات وعيون الرسايل، حَتَّى نشر الصَّباح رايته، وأطلع النَّهَار رايته.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
وَمن ذَلِك فِي وصف الأديبة أم الْحُسَيْن بنت أَحْمد الطنجالي [من بلد] لوشة ثَالِثَة حَمده وولاده، وفاضلة جمعت الْأَدَب والمجادة، وتقلدت المحاسن قبل القلادة، وأولدت أَبْكَارًا الأفكار قبل سنّ الْولادَة. نشأت فِي بَيت أَبِيهَا، لَا يدّخر عَنْهَا تدريجا وَلَا تَنْبِيها حَتَّى نبض إِدْرَاكهَا، وَظهر فِي المعارف حراكها، ودرسها الطِّبّ ففهمت أغراضه، وَعلمت أَسبَابه وأعراضه، وَلم يزل يتعهدها بالتعليم والتخريج، وينقلها بِحسن التدريج حَتَّى نظمت الْكَلم وداوت بالسبك المعنه الْأَلَم، وَلما قدم أَبوهَا من الْمغرب، وَتكلم بخبرها الْمغرب، توجه بعض الصُّدُور إِلَى اختبارها، ومطالعة أَخْبَارهَا، فاستنبل أغراضها واستحسنها، واستظرف لسنها، وسألها عَن الْخط، وَهُوَ أكسد بضَاعَة جلبت وأشح درة حلبت فَأَنْشَدته من نظمها مَا ثَبت فِي التَّاج.