بَحر معارف لَا يسبر غوره، وَروض فنون تضوع مسراه وأينع نوره، وفريد زَمَانه الَّذِي لَا يَأْتِي بِمثل دوره. نَشأ بِبَلَدِهِ سبتة حرسها الله أصون من الدّرّ فِي صدفه، وأطهر من المَاء الطّهُور فِي نطفه، لَا يسرح فِي غير المطالعة طرفا، وَلَا ينتشق لغير المعارف عرفا، حَتَّى سما مِقْدَاره. وكمل فِي وَطنه أبداره، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ الْعُيُون، وطمح إِلَى الرحلة وَالزَّمَان برحاله غنى، وَبِكُل قطر روض جنى. وعالم سني، فَرَحل عَن بَلَده [رحيل الْغَمَام بعد مَا أمطر، وأقشع إقشاع الرّبيع بعد مَا أَزْهَر وَلم يزل] مطلع بِكُل ثنية. ويعشو إِلَى نَار كل فايدة سنية، وَكلما مر بفايدة فِي طَرِيقه، صرف إِلَيْهَا أَعِنَّة فريقه، حَتَّى عرس بالمثوى الْجَلِيل، واستظل بالجدار الَّذِي رفعت قَوَاعِده أكف الْخَلِيل، ونقع من مَاء زَمْزَم مُحْتَرم العليل، وسنح لَهُ بِالْيمن طيره، وأحسب رحلته بِالْحرم الْأمين، أَبُو الْيمن وَغَيره. ثمَّ صرف عنان أمله وسؤله، إِلَى زِيَارَة قبر النَّبِي وَرَسُوله،
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فصلى بَين روضته الطاهرة ومحرابه، وتمتع مَا شَاءَ من لثم جِدَاره وانتشاق ترابه. وَدخل الشَّام فِي مُنْصَرفه، مستكثرا من عُيُون الْعلم وطرفه، وآب إِلَى جده. وَقد دون رحلته الْعَظِيمَة الإمتاع. وأتى مِنْهَا بِقَيْد النواظر والأسماع، وسماها " بمليء العيبة فِيمَا قيد بطول الْغَيْبَة إِلَى مَكَّة وطيبة " اسْم وَافق مُسَمَّاهُ، وَسَهْم أصَاب مرماه، وَلحق بالأندلس، فتهللت لقدومه أسرتها، واحتفنت لقراه درتها، وَأخذ عَنهُ صدورها، واستمدت من شمسه بدورها، وفعم مجالسها العلمية طيبا، وَصعد مِنْبَر الحضرة خَطِيبًا، ولطف من مدير الدولة النصرية ذِي الوزارتين ابْن الْحَكِيم مَحَله، وَفَاء عَلَيْهِ ظله لمودة بَينهمَا عقدت، ورسائل قبل الرياسة نفدت، فَإِنَّهُ كَانَ رَفِيق طَرِيقه، ومساعده على تشريقه، فَانْتَفع بِهِ لَدَيْهِ الْكثير وأنجح الآمال مَحَله الْأَثِير. وَلما محقت النكبة نوره، وَقصرت على العفاء قصوره، ضَاقَ بالخطيب ﵀ الوطن ونبا بعده الموطن، فارتحل إِلَى الْمغرب، وَلم يزل بِهِ رفيع المكانة، صَدرا فِي أولى الْعلم والديانة، حَتَّى انصرم أَجله، وَانْقطع من الْحَيَاة أمله، وَكَانَ لَهُ شعر يتكلفه، وَلَا يكَاد لعدم شعوره بِالْوَزْنِ يتألفه، وَمَعَ ذَلِك، فَأعْلم أهل زَمَانه بالبديع وألقابه، وَالْكَلَام على أبوابه.