وكأنها ذهبت في الأول إلى قول العباس بن الأحنف:
وأحسن أيام الهوى يومك الذى تروّع بالهجران فيه وبالعتب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا فأين حلاوات الرسائل والكتب
وقد زاد النميرى في هذا فقال:
راحتى في مقالة العذّال وشفائى في قيلهم بعد قال
لا يطيب الهوى ولا يحسن الحبّ لصبّ إلّا بخمس خصال
بسماع الأذى، وعذل نصيح، وعتاب، وهجرة، وتقال «٣»
وقال بعض المحدثين:
لولا اطّراد الصيد لم تك لذة فتطاردى لى في الوصال قليلا «٤»
هذا الشراب أخو الحياة وماله من لذة حتى يصيب غليلا «٥»
[ ١ / ٤٤ ]
وقال آخر:
دع الصبّ يصلى بالأذى من حبيبه فإنّ الأذى ممن تحبّ سرور «١»
غبار قطيع الشاء في عين ذئبها إذا ما تلا آثارهنّ ذرور «٢»
وأنشد الأصمعى [لجميل بن معمر العذرى] «٣»:
لا خير في الحبّ وقفا لا تحرّكه عواض اليأس أو يرتاحه الطّمع
لو كان لى صبرها أو عندها جزعى لكنت أملك ما آتى وما أدع
إذا دعا باسمها داع ليحزننى كادت له شعبة من مهجتى تقع «٤»
وهذا البيت كقول على بن العباس الرومى:
لا تكثرنّ ملامة العشاق فكفاهم بالوجد والأشواق
إن البلاء يطاق غير مضاعف فإذا تضاعف كان غير مطاق
لا تطفئنّ جوى بلوم؛ إنه كالريح تغرى النار بالإحراق
ويشبه بيت عليّة الآخر بيت أنشد في شعر روى لأبى نواس، ورواه قوم لعنان جارية الناطفى «٥» وهو:
حلو العتاب يهيجه الإدلال لم يحل إلا بالعتاب وصال
لم يهو قطّ ولم يسمّ بعاشق من كان يصرف وجهه التّعذال «٦»
[ ١ / ٤٥ ]
وجميع أسباب الغرام يسيرة ما لم يكن غدر ولا استبدال
تصف القضيب على الكثيب قناتها ولها من البدر المنير مثال
ولربّ لابسة قناع ملاحة حسناء سار بحسنها الأمثال
كست الحداثة ظرفها وجمالها نورا فماء شبابها يختال «١»
وكأنها والكأس فوق بنانها شمس يمدّ بها إليك هلال
حتى إذا ما استأنست بحديثها وتكلمت بلسانها الجريال «٢»
قلنا لها: إن صدّقت أقوالها أفعالها وجرى بهنّ الفال
قولى فليس تراك عين نميمة حضر النصيح وغابت العذّال
وضمير ما اشتملت عليه ضلوعنا سرّ لدى أبوابه أقفال