ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة قال للربيع: أبغنى رجلا عاقلا عالما بالمدينة ليقفنى على دورها؛ فقد بعد عهدى بديار قومى؛ فالتمس له الربيع فتى
[ ١ / ٢٤٥ ]
من أعقل الناس وأعلمهم، فكان لا يبتدىء، بإخبار حتى يسأله المنصور فيجيبه بأحسن عبارة، وأجود بيان، وأوفى معنى، فأعجب المنصور به، وأمر له بمال، فتأخّر عنه، ودعته الضرورة إلى استنجازه، فاجتاز ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة الذى يقول فيه الأحوص: «يا بيت عاتكة الذى أتعزّل» البيت، ففكر المنصور في قوله، وقال: لم يخالف عادته بابتداء الإخبار دون الاستخبار إلا لأمر، وأقبل يردّد القصيدة ويتصفحها بيتا بيتا حتى انتهى إلى قوله فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم مذق اللسان يقول ما لا يفعل «١»
فقال: يا ربيع، هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به؟ فقال: أخّرته عنه- لعلّة ذكرها الربيع- فقال: عجّله له مضاعفا، وهذا ألطف تعريض من الرجل، وحسن فهم من المنصور.