فلان عذب المشرب، عفّ المطلب، نقىّ الساحة من المآثم، برىء الذمة من الجرائم، إذا رضى لم يقل غير الصدق، وإذا سخط لم يتجاوز جانب الحق، يرجع إلى نفس أمّارة بالخير، بعيدة من الشر، مدلولة على سبيل البرّ؛ أعرض عن زبرج الدنيا وخدعها، وأقبل على اكتساب نعم الآخرة ومتعها.
كفّ كفّه عن زخرف الدنيا ونصرتها، وغضّ طرفه عن متاعها وزهرتها؛ وأعرض عنها وقد تعرّضت له بزينتها، وصدّ عنها وقد تصدّت له في حليتها.
فلان ليس ممن يقف في ظلّ الطمع، فيسفّ إلى حضيض الطبع «١»، نقىّ الصحيفة، علىّ عن الفضيحة، عفّ الإزار، طاهر من الأوزار، قد عاد لإصلاح المعاد، وإعداد الزاد.
وكان ابن المقفع من أشراف فارس، وهو من حكماء زمانه، وله مصنّفات كثيرة، ورسائل مختارة؛ وكان محجما عن قول الشعر، وقيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: الذى أرضاه لا يجيئنى، والذى يجىء لا أرضاه «٢» .
[ ١ / ٢٤٤ ]
أخذ هذا بعضهم فقال:
أبى الشعر إلّا أن يفىء رديّه إلىّ، ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتنى إذ لم أجد حوك وشيه ولم أك من فرسانه كنت مفحما «١»
وكان ظريفا في دينه «٢»، وذكر أنه مرّ ببيت النار فقال:
يا بيت عاتكة الّذى أتعزّل حذر العدا وبه الفؤاد موكّل «٣»
أصبحت أمنحك الصدود، وإننى قسما إليك مع الصدود لأميل «٤»
البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح الأنصارى أخى بنى عمرو بن عوف. وعاصم بن ثابت حمىّ الدّبر «٥» قتله بنولحيان من هذيل يوم الرجيع، فأرادوا أن يبعثوا برأسه إلى مكة، وكانت سلافة بنت سعد نذرت لتشربنّ في رأسه الخمر، وكان قتل بعض ولدها من طلحة بن أبى طلحة أحد بنى عبد الدار يوم أحد، فلما أرادوا أخذ رأسه حمته الدّبر- وهي النحل- فلم يجدوا إليه سبيلا، وجعلوا يقولون: إنّ الدّبر لو قد أمسى صرنا إلى حشو استه، فلما أمسوا بعث الله أتيّا فواراه منهم «٦» . وعاتكة التي ذكر هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية.