قال بعض من ولّد عقائل هذا المنثور، وألّف فواصل هذه الشذور: تجمّع
[ ١ / ١٥٥ ]
قوم من أهل الصناعات، فوصفوا بلاغاتهم، من طريق صناعاتهم «١»:
فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ووصل جوهر معانيه في سموط «٢» ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة.
وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه، ففاح نسيم نشقه، وسطعت رائحة عبقه، فتعلقت به الرّواة، وتعطّرت به السّراة.
وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكير الفكر «٣»، وسبكته بمشاعل النّظر، وخلّصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز «٤»، فى معنى وجيز.
وقال الصيرفى «٥»: خير الكلام ما نقدته يد البصيرة، وجلته عين الرويّة، ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيّفه «٦»، ولا سماع يبهرجه «٧» وقال الحداد: أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة، وأشعلت عليه نار البصيرة، ثم أخرجته من فحم «٨» الإفحام، ورقّقته بفطّيس الإفهام «٩» .
وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته بمنشار التدبير، فصار بابا لبيت البيان، وعارضة لسقف اللسان.
وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه «١٠»، وحسنت مطارح
[ ١ / ١٥٦ ]
معانيه، فتنزهت في زرابىّ محاسنه عيون الناظرين»
، وأصاخت لنمارق «٢» بهجته آذان السامعين.
وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه ببكرة معانيه «٣»، ثم أرسلته في قليب الفطن «٤» فمتحت به سقاء يكشف الشهات، واستنبطت به معنى يروى من ظمأ المشكلات.
وقال الخياط: البلاغة قميص؛ فجربّانه البيان «٥»، وجيبه المعرفة، وكمّاه الوجازة، ودخاريصه الإفهام «٦»، ودروزه الحلاوة «٧»، ولابس جسده اللفظ، وروحه المعنى.
وقال الصّباغ: أحسن الكلام ما لم تنض بهجة إيجازه «٨»، ولم تكشف صبغة إعجازه، قد صقلته يد الرويّة من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألّف عذارى الألباب.
وقال الحانك: أحسن الكلام ما اتّصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه «٩» فخرج مفوّفا منيّرا، وموشّى محبّرا.
وقال البزاز «١٠»: أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه فلم يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طىّ.
وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حدّ التّخليع «١١»، إلى منزلة
[ ١ / ١٥٧ ]
التّقريب «١» إلا بعد الرياضة، وكان كالمهر الذى أطمع أوّل رياضته في تمام ثقافته.
وقال الجمّال: البليغ من أخذ بخطام كلامه، فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، فلم يندّ عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان.
وقال المخنّث: خير الكلام ما تكسّرت أطرافه، وتثنّت أعطافه، وكان لفظه حلّة، ومعناه حلية.
وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفّاه راووق الفهم، وضمّته دنان الحكمة، فتمشّت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقّته، وفي العقول حدّته.
وقال الفقاعى: خير الكلام ما روّحت ألفاظه غباوة الشكّ، ورفعت رقّته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته، وعذب مصّ جرعه.
وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر [دواء] بيانه سقم الشّبهة استطلقت طبيعة الغباوة؛ فشفى من سوء التفهم، وأورث صحة التوهّم.
وقال الكحّال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فكذا الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة «٢» بمرود اليقظة.
ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، وإذا صدقت أنواؤه «٣» اخضرت أحماؤه «٤» .